٢٢٣ - عن غُضَيْفِ بن الحارث قال:
قلت لعائشة: أرايتِ رسول الله ﷺ يغتسل من الجنابة في أول الليل أو في آخره؟
قالت: ربما اغتسل في أول الليل، وربما اغتسل في آخره.
قلت: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سَعَةً.
قلت: أرأيتِ رسول الله ﷺ كان يوتر في أول الليل أم في آخره؟
قالت: ربما أوتر في أول الليل، وربما أوتر في آخره.
قلت: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سَعَةً.
[ ١ / ٤٠٧ ]
قلت: أرأيتِ رسول الله ﷺ كان يجهر بالقرآن أو يخفت به؟
قالت: ربما جهر به، وربما خَفَتَ.
قلت: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سَعَةً!
(قلت: إسناده صحيح. وروى مسلم وأبو عوانة في "صحيحهما" الفصل الأول منه).
إسناده: حدثنا مسدد قال: ثنا مُعتمر. (ح) وثنا أحمد بن حنبل قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم قالا: ثنا بُرْدُ بن سنان عن عُبَادة بن نُسَيٍّ عن غُضَيْفِ بن الحارث.
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات.
والحديث في "مسند أحمد" (٦/ ٤٧) بإسناده هذا.
وروى البيهقي (١/ ١٩٩) الفصل الأول منه من طريق المؤلف، وابن ماجة (١/ ٤٠٨) الفصل الأخير الثالث منه من طريق إسماعيل ابن عُلَيَّة -وهو ابن إبراهيم-.
ورواه أحمد (٦/ ١٣٨) من طريق سفيان عن برد به دون الفصل الأخير.
وروى منه الحاكم (١/ ١٥٣) الفصل الأول.
ثم رواه هو، والنسائي (١/ ٧٠)، وكذا البيهقي من طرق أخرى عن برد.
وله في "المسند" (٦/ ٧٣ و١٤٩) طريق أخرى عن معاوية بن صالح عن عبد الله ابن أبي قيس عنها به بتمامه.
وإسناده صحيح على شرط مسلم؛ وقد أخرجه في "صحيحه" (١/ ١٧١)،
[ ١ / ٤٠٨ ]
لكنه لم يسق من لفظه إلا الفصل الأول منه.
وهذا القدر، أخرجه أبو عوانة أيضًا في "صحيحه" (١/ ٢٧٨)، والنسائي (١/ ٧٠)، والحاكم (١/ ١٥٣).
وأخرجه المصنف فيما يأتي في "الوتر" (١٢٩١) بنحو ما هنا.
وله في "المسند" (٦/ ١٦٧) طريق ثالث، ورجاله ثقات رجال مسلم، لكن فيه انقطاع.
٢٢٤ - عن عائشة قالت:
كان رسول الله ﷺ ينام وهو جنب؛ من غير أن يمسَّ ماءً.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وصححه أبو العباس بن شُرَيح والحاكم والبيهقي).
إسناده: حدثنا محمد بن كثير قال: أنا سفيان عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة قالت.
وهذا إسناد صحيح على شرطهما.
والحديث أخرجه الطيالسي (رقم ١٣٩٧): حدثنا سفيان به.
ومن طريقه: أخرجه البيهقي (١/ ٢٠١)، وكذلك أخرجه الترمذي (١/ ٢٠٢) وابن ماجة (١/ ٢٠٥)، والطحاوي (١/ ٧٤)، وابن حزم (١/ ٨٧) من طرق عن سفيان به.
ثم أخرجه الترمذي وابن ماجة والطحاوي وأحمد (٦/ ٤٣، ١٧١) من طرق أخرى عن أبي إسحاق به؛ وزادوا -إلا الترمذي-:
[ ١ / ٤٠٩ ]
حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل.
ثم أخرجه أحمد (٦/ ١٠٢) من طريق حسن -وهو ابن موسى- ومن طريق
أبي كامل -واسمه فضيل بن حسين-، والبيهقي من طريق يحيى بن يحيى
وأحمد بن يونس وعمرو بن خالد؛ كلهم عن زهير عن أبي إسحاق قال:
سألت الأسود بن يزيد -وكان لي جارًا وصديقًا- عما حدثته عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ؟ فقال: قالت:
كان ينام أول الليل ويحيى آخره، ثم إن كانت له إلى أهله حاجة قضى حاجته، ثم نام قبل أن يمس ماء، فإذا كان عند النداء الأول قالت: وثب -فلا والله ما قالت: قام- وأخذ الماء -ولا والله ما قالت: اغتسل، وأنا أعلم ما تريد-، وإن لم يكن له حاجة؛ توضأ وضوء الرجل للصلاة، ثم صلى الركعتين.
وفي رواية أحمد: وإن لم يكن جنبًا بدل: وإن لم يكن له حاجة.
وهي أوضح في المعنى.
وقد أخرجه مسلم (٢/ ١٦٧) من طريق أحمد بن يونس ويحيى بن يحيى عن زهير به، دون قوله: قبل أن يمس ماءً.
وكذلك رواه الطيالسي (رقم ١٣٨٦)، ومن طريقه أبو عوانة في "صحيحه" (٢/ ٣٠٨) من طريق شعبة عن أبي إسحاق. ثم قال البيهقي:
"أخرجه مسلم في "الصحيح" دون قوله: قبل أن يمس ماءً وذلك لأن الحفاظ طعنوا في هذه اللفظة، وتوهموها مأخوذة عن غير الأسود، وأن أبا إسحاق ربما دلس، فرأوها من تدليساته، واحتجوا على ذلك برواية إبراهيم النخعي وعبد الرحمن ابن الأسود عن الأسود بخلاف رواية أبي إسحاق"!
[ ١ / ٤١٠ ]
قلت: وفي حديثيهما:
كان إذا أراد أن ينام وهو جنب؛ توضأ وضوءه للصلاة، وقد مضى في الباب قبله (رقم ٢١٩). ثم قال البيهقي:
"وحديث أبي إسحاق السبيعي صحيح من جهة الرواية، وذلك أن أبا إسحاق بين سماعه من الأسود في رواية زهير بن معاوية عنه؛ والمدلس إذا بين سماعه ممن روى عنه، وكان ثقة؛ فلا وجه لردِّه"، ثم ذكر عن الحاكم وأبي العباس ابن شريح أنهما صححا الحديث.
وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى؛ فإن أبا إسحاق السبيعي -واسمه عمرو بن عبد الله- ثقة حجة، وقد رماه بعضهم بالتدليس؛ فتصريح زهير بن معاوية بسماعه من الأسود قد دفع شيهة تدليسه.
وفيه شبهة أخرى؛ وهو أنه كان قد شاخ ونسي؛ ولكنه لم يختلط، كما قال الذهبي. وأما الحافظ فقال في "التقريب": إنه "اختلط بآخره"!
وأيًّا ما كان؛ فإن هذا الحديث قد رواه عنه جماعة؛ منهم سفيان الثوري، وهو أثبت الناس فيه، كما قال الحافط نفسه في "التهذيب".
فما رواه المصنف عقب الحديث فقال: ثنا الحسن بن علي الواسطي قال: سمعت يزيد بن هارون يقول:
"هذا الحديث وهم؛ يعني: حديث أبي إسحاق"! وقال الترمذي:
"وقد روى عن أبي إسحاق هذا الحديث: شعبة والثوري وغير واحد، ويرون أن هذا غلط من أبي إسحاق"!
[ ١ / ٤١١ ]
فهذا وغيره من النقول مما لا تطمئن النفس للأخذ بها، والطعن في رواية الثقة بدون حجة؛ إلا أنه روى ما لم يرو غيره من الثقات! وهذا ليس بعلة؛ فقلما يخلو ثقة لا يتفرد بما لا لم يروه غيره.
ومن ذلك ما في "سنن ابن ماجة" عقب الحديث:
قال سفيان: فذكرت الحديث يومًا، فقال لي إسماعيل: يا فتى! تشدُّ هذا الحديث بشيء؟ !
قلت: وقد وجدنا ما يشهد له؛ فقال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ١٥٦):
"ويؤيده ما رواه هشيم عن عبد الملك عن عظاء عن عائشة مثل رواية أبي إسحاق عن الأسود (١)، وما رواه ابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما" عن ابن عمر: أنه سأل النبي ﷺ: أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: "نعم، ويتوضأ إن شاء"، وأصله في "الصحيحين" دون قوله: "إن شاء" ".
قلت: وكذلك رواه المصنف -كما مضى (رقم ٢١٨) - مثل رواية "الصحيحين"؛ لكن الحديث عندهم من حديث عمر، وهو السائل، لا ابنه عبد الله. والله أعلم.
وبالجملة؛ فهذه طريق أخرى للحديث، وهو صحيح أيضًا على شرط مسلم؛ فهو شاهد قوي لرواية أبي إسحاق، تشهد أنه قد حفظ ولم يهم كما زعموا!
(تنبيه): لا تعارض بين هذا الحديث وبين أحاديث البابين قبله؛ فإن هذا يدل على
_________________
(١) قلت: وقد أخرجه أحمد (٦/ ٢٣٠): ثنا ابن نمير عن عبد الملك به، ولفظه: كان رسول الله ﷺ تصيبه الجنابة من الليل وهو يريد الصيام، فينام ويستيقظ، ويصبح جنبًا، فيفيض عليه من الماء، ثم يتوضأ. وهذا سند صحيح على شرط مسلم.
[ ١ / ٤١٢ ]
أنه عليه الصلاه والسلام كان ينام قبل أن يغتسل؛ بيانًا للجواز وترخيصًا للأمة، وتلك تدل على أن الأفضل الوضوء قبل النوم؛ ولهذا أمثلة كثيرة في الأحاديث النبوية.
(تنبيه ثانٍ): زعم الطحاوي أن أبا إسحاق غلط في هذا الحديث، فاختصره من حديث طويل أخطأ في اختصاره إياه؛ وذلث أن فهدًا حدثنا قال: ثنا أبو غسان قال: ثنا زهير
قلت: فذكر الحديث مثل رواية البيهقي المتقدمة؛ إلا أنه قال -بعد قوله: ويحيي آخره-:
ثم إن كانت له حاجة؛ قضى حاجته، ثم ينام قبل أن يمس ماءً الحديث.
فقد سقط من روايته قوله: إلى أهله فتغير من أجل ذلك المعنى من أصله!
ثم أخذ يؤول الجملة ويفسرها بما يعارض رواية أبي إسحاق المختصرة! !
وذلك خطأ منه مبني على خطأ روايته المخالفة لرواية الجماعة كما سبق؛ وقد تبعه على هذا الخطأ جماعة من المتأخرين! والسبب في ذلك: عدم تتبع طرق الحديث وألفاظه. والله الموفق.