٢٣٥ - عن عائشة قالت:
سُئِلَ النبي ﷺ عن الرجل يجد البَلَلَ ولا يذكر احتلامًا؟ قال:
"يغتسل".
وعن الرجل يرى أنْ قَدِ احتلم ولا يجد البلل؟ قال:
[ ١ / ٤٢٨ ]
"لا غُسْلَ عليه".
فقالت أم سليم: المرأة ترى ذلك؛ أعليها غُسل؟ قال:
"نعم؛ إنما النساء شقائق الرجال".
(قلت: حديث حسن. وقول أم سليم: المرأة ترى إلخ؛ أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" من حديث أنس. وقال ابن القطان: إنه "صحيح").
إسناده: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: ثنا حماد بن خالد الخَيَّاط قال: ثنا عبد الله العمري عن عبيد الله عن القاسم عن عائشة.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ لكنه ضعيف من أجل العمري هذا -وهو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب؛ وهو أخو عبيد الله هذا الذي روى عنه هذا الحديث-؛ وهو وإن كان ثقة في نفسه -ومن رجال مسلم- فإنَّه ضعيف من قِبَلِ حفظه؛ ولذلك ضعَّفه النسائي وأبو حاتم ويحيى بن سعيد والبخاري وأحمد -في رواية-، حتى قال ابن حبان: "كان ممن غلب عليه الصلاح، حتى غفل عن الضبط، فاستحق الترك"!
وأعدل الأقوال فيه -عندي- قول الخليلي:
"ثقة؛ غير أن الحفاظ لم يرضوا حفظه".
وقال الخطّابي في شرحه لهذا الحديث من "المعالم" (رقم ٢٢٨):
"ليس بالقوي عند أهل الحديث". وقال النووي (٢/ ١٤٢):
"وهو ضعيف عند أهل العلم، لا يحتج بروايته". وقال الحافظ في "التقريب":
[ ١ / ٤٢٩ ]
"ضعيف عابد".
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ١٦٨) من طريق المؤلف.
وأخرجه أحمد (٦/ ٢٥٦): ثنا حماد بن خالد به.
وأخرجه الترمذي (١/ ١٨٩ - ١٩٠)، والبيهقي أيضًا (١/ ١٦٧) -مقتصرًا على السؤال عن الرجل- من طرق أخرى عن حماد به.
وأخرجه الدارمي (١/ ١٩٥) من طريق عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر به مختصرًا مثل رواية البيهقي الأخرى.
وكذا أبو يعلى في "مسنده" (٣/ ١١٥٣ - مصورة المكتب الإسلامي). وقال الترمذي:
"وإنما روى هذا الحديثَ: عبدُ الله بن عمر عن عبيد الله بن عمر حديث عائشة في الرجل يجد البلَل ولا يذكر احتلامًا. وعبد الله بن عمر؛ ضعَّفه يحيى ابن سعيد من قبل حفظه في الحديث".
وقال الشوكاني -بعد أن ذكر كثيرًا من أقوال الأئمة فيه توثيقًا وتجريحًا-:
"وقد تفرد به المذكور، ولم تجده عند غيره، وهكذا رواه أحمد وابن أبي شيبة من طريقه؛ فالحديث معلول بعلتين: الأولى: العمري المذكور. وللثانية: التفرد وعدم المتابعات. فقصر عن درجة الحسن والصحة".
وتعقبه الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على "الترمذي" فقال -بعد أن نقل كلامه المذكور-:
"ولم يفعل الشوكاني شيئًا فيما قال؛ فإن العمري أقل أحواله أن يكون حديثه حسنًا. وأما زعم التعليل بالتفرد؛ فإنه غير صواب؛ لأن العبرة في ذلك بمخالفة
[ ١ / ٤٣٠ ]
الراوي غيره من الرواة ممَّن يكون مثله أو أوثق منه، وهناك ينظر في الجمع أو الترجيح، وأما الانفراد وحده؛ فليس بعلّة. ومع ذلك؛ فإن العمري لم يتفرد بأصل القصة؛ وهي معروفة في "الصحيحين" وغيرهما من حديث أم سلمة"! !
قلت: فذكر حديثها؛ وهو الآتي (رقم ٢٣٧)؛ ثم ذكره من حديث أم سليم، ومن حديث أنس! !
ونحن نرى أن الحق ما ذهب إليه الشوكاني؛ لما عرفت من حال العمري في سوء الحفظ. والشوكاني ﵀ لما كان يرى ذلك، ورأى أنه انفرد بالحديث -يعني: بتمامه- جعل ذلك علة أخرى؛ بمعنى أنه لو توبع فيه -ولو من مثله في الحفظ- لكان ربما حكم على الحديث بالحسن أو الصحة، فلما تفرد به؛ جعله علّة أخرى، وهو لا يريد بذلك أن التفرد -مطلقًا- علّة؛ بل أراد ذلك من مثل (العمري) في ضعفما حفظه. ولذلك فلا يرد عليه كلام الشيخ: "وأما الانفراد وحده؛ فليس بعلّة"! !
وقوله هذا حق؛ لكن ليس على إطلاقه، كما عرفت!
وأما عطفه على ذلك أن (العمري) لم يتفرد بأصل القصة! ! فهو من الحجة للشوكاني على الشيخ؛ لأن الروايات المذكورة ليس في شيء منها ما في رواية العمري هذه؛ من السؤال عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلامًا؛ وقد أشار الترمذي في كلامه السابق إلى أنه تفرد بهذا القدر من الحديث.
فهذا التفرد -مع ثبوت سوء حفظه- ممَّا يزيد وَهَنَ الحديث ويضعِّفه، كما هو واضح، والحمد لله!
وأما القدر الآخر من الحديث -والذي فيه: "إنما النساء شقائق الرجال"-؛ فهو حديث صحيح، جاء من غير هذه الطريق؛ من حديث أنس وأم سليم.
[ ١ / ٤٣١ ]
ثم رأيت للشطر الأول من الحديث شاهدًا من حديث خولة بنت حكيم: عند ابن ماجة؛ فهو به حسن.
أما حديث أنس؛ فأخرجه الدارمي (١/ ١٩٥) قال: أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال:
دخلَتْ على رسول الله ﷺ أم سليم وعنده أم سلمة، فقالت: المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ فقالت أم سلمة: تَرِبَتْ يداك يا أم سليم! فضحت النساء! فقال النبي ﷺ منتصرًا لأم سليم:
"بل أنت تربت يداك! إن خيركن التي تسأل عما يعنيها، إذا رأت الماء فلتغتسل". قالت أم سلمة: وللنساء ماءٌ يا رسول الله؟ ! قال:
"نعم؛ فأين يشبههن الولد؟ إنما هن شقائق الرجال"
وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢٩٠): حدثنا أبو الأزهر قال: ثنا محمد بن كثير به.
ورواه البزار أيضًا؛ كما في "المقاصد الحسنة"؛ وقال:
"قال ابن القطان: هو من طريق عائشة ضعيف، ومن طريق أنس صحيح".
قلت: ورجال هذه الطريق ثقات رجال الشيخين؛ غير محمد بن كثير -وهو أبو يوسف الصنعاني المِصِّيصِيّ- وهو صدوق كثير الغلط، كما في "التقريب".
ولعل البزار رواه من غير طريقه حتى جاز لابن القطان أن يصححه (١)! أو لعله إنما صححه لأنه قد توبع فيه عن الأوزاعي، مع شيء من المخالفة في إسناده:
_________________
(١) ثم رأيت الحديث في "زوائد البزار" (ح ٣٨) من طريق أخرى عن أبي سعد عن أنس به؛ دون: "إنما النساء ". وأبو سعد: هو البقال؛ ضعيف مدلس.
[ ١ / ٤٣٢ ]
فقد قال الإمام أحمد (٦/ ٣٧٧): ثنا [أبو] المغيرة (ما بين المربعين ساقط من الطبعة القديمة من "المسند") قال: ثنا الأوزاعي قال: ثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري عن جدته أم سليم قالت:
كانت مجاورة أم سلمة زوج النبي ﷺ؛ فكانت تدخل عليها، فدخل النبي ﷺ، فقالت أم سليم: يا رسول الله! أرأيت إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام؛ أتغتسل؟ فقالت أم سلمة: تربت يداك يا أم سليم! فضحت النساء عند رسول الله ﷺ! فقالت أم سليم: إن الله لا يستحيي من الحق، وإنا أنْ نسأل النبي ﷺ عما أشكل علينا خيرٌ من أن نكون منه على عمياء-! فقال النبي ﷺ لأم سلمة:
"بل أنت تربت يداك! نعم يا أم سليم! عليها الغسل إذا وجدت الماء".
فقالت أم سلمة: يا رسول الله! وهل للمرأة ماء؟ ! فقال النبي ﷺ:
"فأنّى يشبهها ولدها؟ ! هن شقائق الرجال".
ورجال إسناده ثقات رجال الشيخين كلهم؛ وأبو المغيرة: اسمه عبد القدوس ابن الحجاج الخولاني.
وسكت عليه الحافظ في "الفتح" (١/ ٣٠٩). وأعله الهيثمي في "مجمع الزوائد" بالانقطاع؛ فقال (١/ ٢٦٨):
"وإسحاق لم يسمع من أم سليم"!
قلت. لكن دلت الرواية الأولى على أن إسحاق إنما رواه عن أنس، وهو عن أمه أم سليم، وقد صرح بسماعه من أنس في رواية عكرمة بن عمار عنه بهذا الحديث؛ دون قوله: "هن شقائق الرجال".
أخرجه مسلم (١/ ١٧١ - ١٧٢)، وأبو عوانة.
[ ١ / ٤٣٣ ]
وكذلك أخرجه مسلم وابن حبان (١١٦١) من طريق قتادة عنه.
فعاد الحديث -بمجموع هذه الأسانيد- إلى أنه من رواية إسحاق عن أنس؛ فزالت شبهة الانقطاع، وثبت بذلك صحة الحديث.