٢٣٦ - عن ابن شهاب قال: قال عروة: عن عائشة:
أن أم سليم الأنصارية -وهي أم أنس بن مالك- قالت: يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق؛ أرأيت المرأة إذا رأت في النوم ما يرى الرجل؛ أتغتسل أم لا؟ قالت عائشة: فقال النبي ﷺ:
"نعم؛ فلتغتسل إذا وجدت الماء".
قالت عائشة: فأقبلتُ عليها فقلت: أُفٍّ لك! وهل ترى ذلك المرأة؟ ! فأقبل عليَّ رسول الله ﷺ فقال:
"تربت يمينك يا عائشة! ومن أين يكون الشَّبَهُ؟ ! ".
(قلت: إسناده حسن صحيح. وأخرجه مسلم، وابن حبان (١١٦٣)، وأبو عوانة في "صحاحهم").
إسناده: حدثنا أحمد بن صالح قال: ثنا عنبسة: ثنا يونس عن ابن شهاب قال: قال عروة: عن عائشة.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات رجال البخاري؛ إلا أنه أخرج لعنبسة -وهو ابن خالد بن يزيد الأموي؛ مولاهم- مقرونًا بغيره؛ وذكره ابن حبان
[ ١ / ٤٣٤ ]
في "الثقات"، وأثنى عليه غير واحد، وبالغ المصنف؛ فقال في روايته الأخرى عنه:
"عنبسة أحب إلينا من الليث بن سعد".
وفي الطرف الآخر؛ قول يحيى بن بكير:
"إنما يحدث عن عنبسة مجنون أحمق! كان يجيئني؛ ولم يكن موضعًا للكتابة أن يكتب عنه"! !
قلت: ولم نجد ما يسقط الاحتجاج بحديثه، ولولا أن البخاري قرنه بغيره لصححنا حديثه. وقد قال الحافظ عنه في "التقريب":
"صدوق".
على أن حديثه هذا صحيح؛ فقد توبع عليه، ذكره أبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢٩٢) من طريق ابن وهب ثنا يونس به.
وتابعه جماعة عن ابن شهاب؛ فقال المصنف عقيبه:
"وكذا روى الزبيدي وعُقَيل ويونس وابن أخي الزهري عن الزهري، وابن أبي الوزير عن مالك عن الزهريِّ، ووافق الزهريَّ مسافعٌ الحَجَبِيُّ قال: عن عروة عن عائشة. وأما هشام بن عروة " إلخ المذكور آنفًا.
قلت: أما رواية الزبيدي؛ فأخرجها أبو عوانة والنسائي (١/ ٤١).
وأما رواية عُقَيل؛ فوصلها مسلم وأبو عوانة والدارمي (١/ ١٩٥)، والبيهقي (١/ ١٦٨).
وأما رواية ابن أخي الزهري وابن أبي الوزير؛ فلم أقف عليهما الآن!
وقد رواه مالك في "الموطأ" (١/ ٧٠) عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير: أن أم
[ ١ / ٤٣٥ ]
سليم وهذا منقطع؛ قال ابن عبد البرِّ:
"وكل من روى هذا الحديث عن مالك؛ لم يذكر فيه عنه عائشة -فيما علمت- إلا ابن أبي الوزير وعبد الله بن نافع؛ فإنهما روياه عن مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة أن أم سليم "، ثم أسنده من طريقهما؛ قال:
"وقال الدارقطني: تابع ابنَ أبي الوزير على إسناد هذا الحديث عن مالك: حُبَابُ بن جَبَلَةَ وعبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون ومَعْنُ بن عيسى". ذكره السيوطي في "تنوير الحوالك".
وأما رواية مُسَافع الحَجَبِيُّ؛ فوصلها مسلم وأبو عوانة والطحاوي في "مشكل الآثار" (٣/ ٢٧٦)، والبيهقي وأحمد (٦/ ٩٢).
٢٣٧ - قال أبو داود: "وأما هشام بن عروة فقال: عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة: أن أم سليم جاءت إلى رسول الله ﷺ".
(قلت: وصله الشيخان وابن حبان (١١٦٢)، وأبو عوانة في "صحاحهم".
وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وفي هذه الرواية أن القائلة: وهل ترى ذلك المرأة؟ هي أم سلمة. وفي الرواية الأولى: أنها عائشة. وكلاهما صحيح، كما قال الذُّهْلِي، واستحسنه الحافظ).
وصله الشيخان وأبو عوانة في "صحاحهم"، والترمذي (١/ ٢٠٩)، وابن ماجة (١/ ٢٠٨)، والطحاوي في "المشكل" (٣/ ٢٧٦)، والبيهقي، وأحمد (٦/ ٢٩٢ و٣٠٢ و٣٠٦) من طرق عن هشام به نحو حديث الزهري؛ إلا أن فيه أن القائلة: وهل ترى ذلك المرأة؟ هي أم سلمة لا عائشة.
[ ١ / ٤٣٦ ]
فهذا اختلاف في المتن.
والمصنف إنما أشار إلى الاختلاف الذي وقع في إسناده؛ ففي هذه الرواية: أن عروة رواه عن زينب بنت أبي سلمة عن والدتها أم سلمة؛ رواه عنه ابنه هشام.
وفي تلك: رواه عن عائشة؛ رواه عنه الزهري ومسافع الحجبي.
وكأن المصنف ﵀ أشار إلى ترجيحه هذه الرواية لاتفاق الثقتين عليها.
قال الحافظ:
"فظاهر صنيع البخاري: ترجيح رواية هشام لكن نقل ابن عبد البر عن الذُّهلي أنه صحَّح الروايتين وقال النووي في "شرح مسلم": يحتمل أن تكون عائشة وأم سلمة جميعًا أنكرتا على أم سليم". قال الحافظ:
"وهو جمع حسن؛ لأنه لا يمتنع حضور أم سلمة وعائشة عند النبي ﷺ في مجلس واحد". قال في "عون المعبود" -تعليقًا على قول الحافظ: "وهو جمع حسن"-:
"قلت: بل هو متعين؛ لصحة الروايتين في ذلك".
قلت: وليست رواية هشام عن أبيه وحيدة في المعنى؛ فقد أخرج أحمد (٦/ ٣٠٨)، والطحاوي (٣/ ٢٧٦) من طريق عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة مثل حديث هشام.
وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وورد مثله من حديث أنس وأم سليم نفسها؛ وقد ذكرناهما عند حديث عائشة الأول في الباب.
فقد وُجد لكل من الروايتين شواهد؛ مما يدل على أن القصتين صحيحتان،
[ ١ / ٤٣٧ ]
كما ذهب إليه الذهلي؛ وهو الحق إن شاء الله تعالى.