من المسلم به أن عمل البشر يتطرق إليه النقص، ويعتريه القصور ولا يسلم من ذلك إلا من سلّم الله؛ ولهذا فإن الكتاب مع ما تقدم من ذكر محاسنه ومميزاته، عليه بعض المآخذ التي لا تنقصه قيمته كسائر مصنفات علماء الإسلام، وقد اعتذر الناجي للمنذري في مقدمته، وهذا الاعتذار يُعتذر به له، فقد قال المؤلف: (ولا يظنن ظانٌّ بتنبيهي على ما هفا به الخاطر نسيانًا، أو جرى به القلم طغيانًا أن ذلك نقص في الكتاب، أو في المصنف، وقصدي به التثريب، كلا، فإن الكامل من عدت سقطاته، وحدّت غلطاته، ولا يتتبع المعايب إلا معيب.
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه
وهي الدنيا لا يكمل فيها شيء وكيف يكمل تصنيف أو غيره، والكمال المطلق، إنما هو لله جلت عظمته ومن يسلم من هفوات الأوهام وعثرات الأقلام ) إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى (٢).
وأهم تلك المآخذ ما يلي:
١ - أنه لم يركز على ما يتعلق بحكم المنذري على الأحاديث: فقد ذكر في مقدمة كتابه منهجه في بيان رتبة الحديث من حيث القبول أو الرد وملخص
_________________
(١) علوم الحديث: ٢٤٥.
(٢) انظر مقدمة العجالة ق/٣/ أ، ب.
[ ٣ / ٦٢ ]
ذلك قوله: فإذا كان إسناد الحديث صحيحًا أو حسنًا أو ما قاربهما صدّرته بلفظة (عن) قال: فيكون للإسناد الضعيف دلالتان: تصديره بلفظة (روي)، وإهمال الكلام عليه في آخره (١).
فلم يقم المؤلف بتتبع المواضع، والنظر في تطبيق المنذري لاصطلاحه في ذلك، ولكنه قام بدراسة بعض الأحاديث، متعقبًا على قول المنذري فيها في الحكم.
ولا شك أن العناية بتمييز المقبول من المردود من الأحاديث هو غاية كل مسلم ومطلب كل عامل فهو الثمرة التي تجنى من علم الحديث دراية، وهو أولى ما يجب أن يعتنى به في التعقب والاستدراك.
٢ - ما وقع للمؤلف من أوهام وأخطاء متنوعة، تقدم ذلك صور منها في مبحث تقويم تعقبات المؤلف، وقد نبهت على ذلك في مواضعه أثناء تعليقاتي على الكتاب.
٣ - مبالغة المؤلف في مواضع من كتابه في الحط من قيمة كتاب الترغيب والترهيب والتقليل من قيمته وشأنه، وذكر بعض الألفاظ التي فيها شدة وجفوة واتهام للحافظ المنذري، ولا شك أن لكتاب الترغيب قيمته ومكانته، ولا تؤثر فيه مثل هذه العبارات ولا تنقصه قيمته وأهميته- ومن أمثلة ذلك:
فقرة ٣١٨ في آخرها: لكنه لا يقصد في الغالب إلا أصل الحديث، ويسوقه بالمعنى، ويأتي باللف والنشر، ولا يستوعب ألفاظ الأئمة، ولا من مصنف واحد مما ذكره في الديباجة إلاّ نادرًا، كما ترى.
فقرة ٣٠٠: في آخرها بعد ذكره لتصحيف عجيب: وهي وأشباهها ظاهرة غير ملتبسة، فخفاء مثلها على المصنف -﵀- مع تبحره عجيب جدًا.
وكذا تقليد من بعده له في ذلك استرواحًا من غير تنبيه على كثرة وقوعه في هذا الكتاب وتداوله في هذه الأزمنة، لكنه شبه المسودة لكونه أملاه من حفظه حال غيبة كتبه.
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك في الترغيب والترهيب ١/ ٣٦ - ٣٧.
[ ٣ / ٦٣ ]
فقرة ٥٩ قال: وأخشى أن يكون ذلك من تصرّفه هو في اللفظ.
فقرة ١٠٥ قال عن لفظ في حديث لم يورده المنذري- وهو مصيب في ذلك ولعل المصنف أسقط هذا لخفائه عليه.
وانظر أمثلة لذلك في الفقرات:
٧ - ٧٤ - ١٠٣ - ١٠٤ - ١٦٣ - ١٩٨ - ٢٦٨ - ٢٨٥ - ٢٨٣ - ٢٨٤ - ٣٦٣ - ٣٨٠ - ٣٨٩ - ٤١٤ - ٤٦٥ - ٤٧٥ - ٤٧٦ وغيرها.
٤ - شدة المؤلف في عباراته مع بعض الأئمة الكبار، بسبب خطأ وقع منهم في بعض كتبهم، وقد يبالغ في التقليل من قيمة تلك المؤلفات، ومن أمثلة ذلك:
فقرة ٢٢٤ في أثناء كلامه عن ضبط لفظ، ضبطه الزركشي: فلا يقلد تنقيحه فإن كثيرًا منه وهم غير منقح، وليس الخبر كالمعاينة.
في (ق/ ٢٠٠/ أ) قال: وهذا انقلب على الحافظ الذهبي في مشتبهه، قال: وهو من جملة أوهامه الواقعة فيه، وتجيء مجلدة لطيفة، فلا تعتمد عليه في ضبط ولا غيره، وإن اضطررت فراجع توضيحه لابن ناصر الدين، وإلا فإنك تزداد اشتباهًا وتحيّرًا.
والواقع أن المؤلف لا يوافق فيما ذهب إليه من الحط من قيمة هذه المصنفات فإنها ولا شك مصنفات جليلة لأعلام أجلاء، لهم مكانتهم وتبحرهم في علم الحديث.
وقد قال الذهبي عن كتابه المشتبه. (هذا كتاب مبارك جمّ الفائدة في معرفة ما يشتبه و بالغت في اختصاره) (١) فقد اعترف بأن كتابه مختصرٌ يستفيد منه من كان له سابق معرفة، أو من كان من أهل الفن. كما أنه انتقد في أنه ضبط الأعلام والأنساب بالشكل ولكن هذا كله مع ما فيه من نقص، لا يجعلنا نطلق القول فيه بأنه يزيد الناظر فيه اشتباهًا وتحيّرًا. والله أعلم بالصواب. وقد سبق في منهج المؤلف ذكر بعض تعقباته على بعض الأئمة وفي بعضها شدة في العبارة.
_________________
(١) المشتبه ١/ ١.
[ ٣ / ٦٤ ]
٥ - أوهام عجيبة وقعت للمنذري في أحاديث نظر فيها المؤلف وتعقب على المنذري فيها أشياء، ولكنه غفل عن بيان تلك الأوهام، مع أنها أهم مما تعقبه، ومن أمثلة ذلك:
فقرة ١٨٣: حديث عزاه المنذري وكذا المؤلف إلى البخاري ولم يبينّا أنه عنده معلق وليس بموصول، وقد استدرك عليه أنه عند البخاري بسياق آخر غير ما ساقه المنذري، فكيف لم يتنبه إلى كونه عنده معلقًا؟
فقرة ٤٤٥ عزاه المنذري إلى أبي داود والنسائي، وهو في مسلم وغفل المصنف عن بيان أنه عند مسلم.
وانظر: ٦٥.