احتل المنذري في الحديث وعلومه وغيره من الفنون، مكانة كبيرة، وبلغ مرتبة عظيمة بين علماء عصره، ولقد أثنى عليه غير واحد من العلماء فاعترفوا له بالفضل والعلم والمعرفة، وسأذكر بعض أقوالهم بغية الاختصار.
قال تلميذه الشريف عز الدين الحسيني المتوفى سنة ٦٩٥ هـ:
"كان عديم النظير في معرفة علم الحديث على اختلاف فنونه، عالمًا بصحيحه وسقيمه ومعلوله، متبحرًا في معرفة أحكامه ومعانيه ومشكله، قيمًا بمعرفة غريبه وإعرابه واختلاف ألفاظه، ماهرًا في معرفة رواته وجرحهم وتعديلهم ووفياتهم ومواليدهم وأخبارهم، إمامًا حجةً ثبتًا ورعًا متحريًا فيما
_________________
(١) له ترجمة في الوافي بالوفيات ٧/ ٥٥.
(٢) له ترجمة في تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٧٩.
(٣) له ترجمة في الطالع السعيد ص: ١٦٣.
(٤) ستأتي ترجمته رقم: ٢٦٧.
(٥) له ترجمة في الدرر الكامنة ٣/ ٩٨.
(٦) له ترجمة في الطالع السعيد ص: ٥٠٧.
(٧) ستأتي ترجمته رقم: ٤٧٤.
[ ١ / ١٨ ]
يقوله وينقله، متثبتًا فيما يرويه ويتحمله" (١).
وقد وصفه شمس الدين ابن خلكان بأنه "حافظ مصر" (٢).
ووصفه الحافظ الذهبي بـ "الإمام الحافظ المحقق شيخ الإسلام".
وقال: "كان متين الديانة، ذا نسك وورع وسمت وجلالة" (٣).
وقال أيضًا: "كان ثبتًا حجةً متبحرًا في علوم الحديث، عارفًا بالفقه والنحو مع الزهد والورع والصفات الحميدة" (٤).
وقال تاج الدين السبكي في حقه: "الحافظ الكبير الورع الزاهد زكي الدين أبو محمد المصري، ولي الله والمحدث عن رسول الله - ﷺ -، والفقيه على مذهب ابن عم رسول الله - ﷺ - كان ﵀ قد أوتي بالمكيال الأوفى من الورع والتقوى، والنصيب الوافر من الفقه، وأما الحديث فلا مراء في أنه كان أحفظ أهل زمانه وفارس أقرانه له القدم الراسخ في معرفة صحيح الحديث من سقيمه، وحفظ أسماء الرجال حفظ مفرط الذكاء عظيمه، والخبرة بأحكامه، والدراية بغريبه وإعرابه واختلاف كلامه" (٥).
وقال ابن ناصر الدين: "كان حافظًا كبيرًا حجة ثقة عمدة" (٦).
ويكفي الإشارة هنا إلى أن الشيخ عز الدين ابن عبد السلام الفقيه الشافعي الملقب بسلطان العلماء حينما قدم البلاد المصرية ونزل القاهرة، كان يحضر مجالس الحافظ المنذري.
قال تاج الدين السبكي: "وسمعت أبي -﵁- يحكى أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام كان يُسمع الحديث قليلًا بدمشق، فلما دخل القاهرة ترك ذلك، وصار يحضر مجلس الشيخ زكي الدين، ويَسمع عليه في
_________________
(١) شذرات الذهب ٥/ ٢٧٧ وانظر: تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٧.
(٢) وفيات الأعيان ٣/ ٣١٠.
(٣) السير ٢٣/ ٣١٩ - ٣٢٢.
(٤) العبر ٣/ ٢٨١ - ٢٨٢.
(٥) الطبقات الكبرى ٥/ ١٠٨.
(٦) شذرات الذهب ٥/ ٢٧٧.
[ ١ / ١٩ ]
جملة من يسمع" (١).
وبعد، فهذه شخصية الإمام الحافظ المنذري من خلال شهادات علماء كبار وأئمة حفاظ.
ومما يدل على نبوغ المنذري وإمامته وبلوغه المرتبة العظيمة بين علماء عصره، توليه مشيخة دار الحديث الكاملية حيث ولاه السلطان الملك الكامل الأيوبي وتحول المنذري فسكن دار الحديث الكاملية بقية عمره، فما كان يخرج منها إلا لصلاة الجمعة، حتى إنه لما مات أكبر ولده الحافظ رشيد الدين محمد، صلى عليه فيها، وشيعه إلى بابها، وقال:"أودعتك يا ولدي الله" وفارقه (٢).
وفي هذه الدار قضى المنذري نحوًا من عشرين عامًا مكبًا على العلم والإفادة (٣).