هذا الكتاب له مميزات عديدة تستدعي الاهتمام به ودراسته وتحقيقه وإبرازه لطلاب العلم، وقد قال عنه مؤلفه: (ولئن صغر حجمه، فلقد كبر علمه، ولا يعرف قدره إلا من خاض بحره) (١) ومن أهم مميزاته ما يلي:
١ - عمل المؤلف في هذا الكتاب يعتبر تحقيقًا ودراسة وتوثيقًا لكتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، حرص المؤلف -رحمه الله تعالى- فيه على المقابلة بين عدد من نسخ الترغيب المتوافرة في عصره لكنه لم يظفر بنسخة الحافظ المنذري الأصلية، وتمنى لو أنه حصل عليها، ولكن ذلك لم يتحقق له، يقول في مقدمة كتابه هذا: (وددت لو وقفت على نسخة الأصل، حتى أمشي على بصيرة) (٢). حرص على ذلك قبل الشروع في النظر في الكتاب والاستدراك عليه، وقد صرح في مقدمته للكتاب بذلك فقال: (ومقابلتي فيه على عدة نسخ) (٣).
ولا شك أن عمله هذا هو ما يسلكه أهل الدراسة والتحقيق والتوثيق لتراث هذه الأمة في هذا العصر وأن مسلكه الذي سار عليه في كتابه، من مفاخر هذه الأمة التي يجب عليها إحياء مثل هذه الأعمال وإبرازها للناس،
_________________
(١) انظر العجالة ق/٢١٧/ أ.
(٢) مقدمة العجالة ق/٢/ أ.
(٣) المصدر السابق.
[ ٣ / ٥٨ ]
وإعلام العالم بأن علماءنا سبقوا إلى التحقيق والدراسة، وبأن سلفنا هم قدوتنا فيما نسير عليه من تحقيق التراث ودراسته لإحيائه وبعثه بين الأمة، وبأن مسلك المحققين المعاصرين ما هو إلا امتداد لمنهج سلكه علماء أبرار، وحفاظ كبار من أمة الإسلام، وليس مستوردًا من الغرب أو الشرق، قدوتنا في ذلك الذهبي في تلخيصه لمستدرك الحاكم، وابن حجر في نكته على ابن الصلاح والناجي في إملائه على كتاب الترغيب والترهيب، وغيرهم من علماء هذه الأمة ومحققيها.
ولهذا فإنك عند النظر في أثناء الكتاب تجد المؤلف إذا وقف على وهم، نظر في النسخ، فإما أن يقول بأنه كذا في جميع النسخ، أو كذا في بعضها، أو كذا في أكثرها، أو كذا في نسخة غرّارة، وأنه في نسخته كذا أو في نسخة معتمدة كذا إلى غير ذلك.
ولا شك أن لهذه المقابلة قيمة علمية، امتاز بها الكتاب، ودفعت ما قد يقال بأن ما أورده من أوهام ما هو إلا في نسخته فقط. وكذا في هذه المقابلة إنصاف للحافظ المنذري حتى لا ينسب إليه ما قد يقع من النساخ.
وحتى يستبين لك ذلك، انظر الفقرات التالية:
٥ - ٢٢ - ٣٠ - ٣٧ - ٣٨ - ١٠٩ - ١١٠ - ٢٠٣ - ٢١٥ - ٢٥٠ - ٢٥٩ - ٣١٤ - ٣٥٥ - ٣٩٣ - ٤١٩ - ٤٦٨ - ٦١٧ - ٦٣٠ وغيرها.
٢ - أن المؤلف رحمه الله تعالى لم يسبق إلى هذا العمل، وإلى التنبيه عليه، كما قال في مقدمته: (لم أسبق إليها، ولا رأيت من تنبَّه لها، ولا نبّه عليها) (١). وكذا فإنني لم أقف على من تنبه لهذا ولا نبَّه عليه، وذلك حسب مطالعتي طوال مدة البحث، وحسب استفساري وبحثي عما يتعلق بكتاب الترغيب والترهيب.
وأما ما عمله الحافظ ابن حجر في كتاب الترغيب، فليس إلا اختصارًا له، وقد وقع في كثير من الأوهام التي نبَّه عليها الحافظ الناجي.
قال الألباني في مقدمة صحيح الترغيب بعدما طالع مختصر الحافظ ابن
_________________
(١) المصدر السابق.
[ ٣ / ٥٩ ]
حجر: (إذ أفاجأ بأنه كأصله، فيه أحاديث ضعيفة، وإن كان بنسبة أقل لصغر حجمه، وأنه ليس منتقى منها).
وقال: (ولما فرغت من تحقيق الترغيب والترهيب انكشف لي أنه قد انطلى عليه (على صاحب المنتقى) كثير من الأوهام التي وقع فيها المنذري رحمهما الله تعالى ) (١).
٣ - تعدد أنواع التعقبات والاستدراكات، حيث جاء شاملًا لعدد من الجوانب، كما سبق بيان ذلك في المادة العلمية للكتاب.
٤ - سعة اطلاع المؤلف وكثرة موارده في كتابه، وطول باعه في عدد من الفنون، وكثرة نقوله عن الأئمة مما أثرى كتابه بأقوال أهل العلم، وبالحجج المقنعة في بيان ما يتعقبه وإثبات ما ذهب إليه.
٥ - دقة المؤلف في اكتشاف الأوهام والتصحيفات، التي قد تنطلي على كثير من طلبة العلم، وهذه الدقة ما كانت لتبرز لولا تمكّن المؤلف ونباهته، وسعة اطلاعه ومداركه التي أثرى بها الكتاب.
٦ - عنايته بتقييد ما يخشى التباسه أو تصحيفه أو وقوع الغلط فيه، فتجده يكثر من ضبط الأسماء والأماكن والألفاظ الغريبة كما سبق بيان ذلك في منهجه في الكتاب.
٧ - يذكر المؤلف أقوالًا وترجيحات وعزوًا قال بها المنذري في مواضع من كتاب الترغيب أو في غيره من مصنفاته، كمختصره لسنن أبي داود وحاشيته عليه، أو حاشيته على مختصره لصحيح مسلم أو غيرها.
ولعله يعني بذلك إعذار المنذري فيما وقع فيه من غلط أو وهم في كتاب الترغيب، بأنه أصاب في كتبه الأخرى أو في بعضها.
وانظر أمثلة لذلك في الفقرات التالية:
١٨٢ - ٣٥١ - ٣٦٢ - ٣٦٣ - ٣٨٠ - ٤٨٦ - ٤٩٤ - ٥٠٢ - ٥٣٨ - ٥٣٩ - ٦٤٥ وغيرها.
٨ - من مميزات الكتاب ما ذكره المؤلف من أوهام وقعت لأئمة كبار غير
_________________
(١) صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٦٨.
[ ٣ / ٦٠ ]
المنذري، سبق تفصيل ذلك وذكر نماذج منه في: منهج المؤلف في الكتاب.
٩ - تحذير المؤلف من التقليد وذمه والدعوة إلى التحقيق والتدقيق ومراجعة الأصول وعدم الاغترار بكل ما يرد، بل على طالب العلم أن يحقق ويراجع، قال: (فلا تغتر بأحد فتقلده، بل راجع وحرر واتبع الصواب، فإنه واجب متعين) (١) وقال: (وإنما أتبرع بالإشارة إلى هذه الأشياء، خوفًا من الاغترار بالكبار وتقليدهم) (٢).
١٠ - أمانته العلمية: ويظهر ذلك جليًا في استدراكه على نفسه في مواضع من الكتاب سواء كان استدراكه في نسخة متأخرة على ما جاء عنه في نسخة متقدمة أو كان ذلك في نفس النسخة، ومن الأمثلة على ذلك.
فقرة ١٣٦ في أثنائها ص ٢٩٤، جاء في نسخة (ب) نفيه لعزوه حديث نسبه المنذري للبيهقي، فقال: (فإن كان قد رواه في غيره [وقد عزاه المنذري إلى كتاب البعث للبيهقي] وإلا فهو وهم عليه، إذ ليس في البعث قطعًا، بل ولا في مختصر الشعب، ونفس الأصل لم أقف عليه، والعلم عند الله، وليست هذه الأصول عندي حتى أراجعها في كلِّ ما يقع).
كذا جاء في هذه النسخة، وفي النسختين الأخريين (ط، ح) (٣)، وهما متأخرتان عن هذه، خَرّج المؤلف الحديث من كتاب البعث، وساق إسناده وألفاظه وأطال القول فيه.
انظر أمثلة على ذلك في الفقرات:
٨ - ٩٨ - ٤٣٤ - ٢٧٤.
ومما استدركه على نفسه خلال فقرة واحدة في النسخة، وليس استدراكًا في نسخة متأخرة عن نسخة متقدمة، ما جاء في فقرة ٦٤٥: تعقيبًا بما المنذري فيها من حديث فقال المؤلف: لا وجه لذكره هنا وينبغي تحويله، ثم قال في أواخر الفقرة: ثم ظهر لي وجه مناسبة ذلك. أي: أنه وجد وجهًا
_________________
(١) انظر فقرة: ٣٤١.
(٢) انظر آخر فقرة: ٣٥.
(٣) اعتمدت في تحقيق هذا القسم علي ثلاث نسخ خطية كما بينت ذلك ص٩١.
[ ٣ / ٦١ ]
لذكر الحديث في هذا الباب، وأنه لا يلزم تحويل الحديث عنه إلى باب آخر.
١١ - عنايته بعلم غريب الحديث وتفسيره للكثير من الألفاظ المشكلة وضبطها حتى أضحى ذلك سمة بارزة في كتابه وقد قال ابن الصلاح عن هذا العلم: (وهذا فن مهم، يقبح جهله بأهل الحديث خاصة، ثم بأهل العلم عامة، والخوض فيه ليس بالهين، والخائض فيه حقيق بالتحري جدير بالتوقي) (١).
ولكثرة ما ذكره المؤلف من هذا الفن، جعلت له فهرسًا مستقلًا آخر الرسالة ليسهل الوقوف على هذا الجانب المهم من عمل المؤلف في الكتاب.