لا ريب أن لتعقبات واستدراكات المؤلف على كتاب الترغيب للحافظ المنذري -﵀- قيمة علمية كبيرة، ويتضح هذا إذا ما استعرضنا الأوهام والأخطاء التي وقعت في الكتاب وتتبعها المؤلف، وقد رأيتُ أن أجمل الكلام على أهم الأوهام والأخطاء التي وقعت في الكتاب، وتتبعها المؤلف، ذاكرًا إياها في خطوط عريضة، مع ضرب الأمثلة:
أ- التقصير في تخريج الأحاديث.
ويمكن إيضاح ما وقع في كتاب الترغيب من تقصير في التخريج في صور.
١ - ما كان في الصحيحين أو أحدهما فعزاه إلى غيرهما دونهما، وهذا غير سائغ عند أهل الحديث لما يعطي العزو للصحيحين أو أحدهما من القوة للحديث ويخالف أيضًا ما قرره المنذري في مقدمته حيث قال: "فأذكر الحديث ثم أعزوه إلى من رواه من الأئمة أصحاب الكتب المشهورة، وقد أعزوه إلى بعضها دون بعض طلبًا للاختصار لا سيما إن كان في الصحيحين أو في أحدهما" (١).
ومن الأمثلة على ذلك:
• أورد المنذري حديث أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - رأى نخامة في قبلة المسجد فأقبل على الناس الحديث، وعزاه لابن ماجه مقتصرًا عليه، وهو في مسلم والنسائي وغيرهما (٢).
• وأورد حديث جابر: أتانا رسول الله - ﷺ - في مسجدنا، وفي يده عرجون الحديث، وعزاه لأبي داود مقتصرًا عليه، وهو في مسلم وغيره (٣).
• وأورد حديث عثمان: "من توضأ فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى صلاة
_________________
(١) الترغيب ١/ ٣٦.
(٢) انظر: الفقرة رقم: ١٨٠.
(٣) انظر: الفقرة رقم ١٨١.
[ ١ / ٨٣ ]
مكتوبة" وعزاه لابن خزيمة، وهو في مسلم (١).
• وأورد حديث: زيد بن ثابت: "صلوا أيها الناس في بيوتكم"، وعزاه للنسائي وابن خزيمة، وهو في البخاري ومسلم وغيرهما (٢).
• وأورد حديث نوفل بن معاوية "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" وعزاه للنسائي وهو في البخاري ومسلم (٣).
• وأورد حديث ابن عمر: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه" وعزاه لابن ماجة وابن خزيمة، وهو في مسلم (٤).
• وأورد حديث أبي هريرة: "إن الله وتر يحب الوتر" وعزاه لابن خزيمة مقتصرًا عليه وهو في البخاري ومسلم وغيرهما (٥).
• وأورد حديث ابن عباس: "اغتسلوا يوم الجمعة واغسلوا رؤوسكم " وعزاه لابن خزيمة وهو في البخاري والنسائي وغيرهما (٦).
• أورد حديث أبي اليسر: "من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله " وعزاه للحاكم وابن ماجة، وهو في مسلم (٧).
• وأورد حديث أبي هريرة: "خير الصدقة ما أبقت غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى " وعزاه لابن خزيمة، وهو في البخاري (٨).
• وأورد حديث أبي هريرة: "من أصبح منكم اليوم صائمًا" وعزاه لابن خزيمة وهو في مسلم (٩).
_________________
(١) انظر: الفقرة رقم: ١٨٨.
(٢) انظر: الفقرة رقم: ٢٤٥.
(٣) انظر: الفقرة رقم: ٢٦٢.
(٤) انظر: الفقرة رقم: ٢٨٩.
(٥) انظر: الفقرة رقم: ٣٠٤.
(٦) انظر: الفقرة رقم: ٣٦٨.
(٧) انظر: الفقرة رقم: ٤٤٣.
(٨) انظر: الفقرة رقم: ٤٣١.
(٩) انظر: الفقرة رقم: ٤٥٨.
[ ١ / ٨٤ ]
• وأورد حديث عائشة: "ما رأيتُ النبي - ﷺ - في شهر أكثر صيامًا منه في شعبان " وعزاه للنسائي والترمذي، وهو في مسلم (١).
وهناك أمثلة أخرى يلاحظها المتتبع للكتاب.
٢ - ما كان متفقًا عليه فعزاه إلى مسلم دون البخاري.
وإليك أمثلة على ذلك:
• أورد حديث المغيرة: "إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد" وعزاه لمسلم مقتصرًا عليه، وهو في البخاري (٢).
• أورد حديث أنس: "من رغب عن سنتي فليس مني" وعزاه لمسلم مقتصرًا عليه وهو في البخاري وغيره (٣).
• أورد حديث ابن عمر: "لا حسد إلا في اثنتين " وعزاه لمسلم مقتصرًا عليه، وهو في البخاري (٤).
• أورد حديث ابن عباس: "ما علمت أن رسول الله - ﷺ - صام يومًا يطلب فضله " وعزاه لمسلم مقتصرًا عليه، وهو في البخاري (٥).
• أورد حديث أنس: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر" وعزاه لمسلم مقتصرًا عليه، وهو في البخاري وغيره (٦).
٣ - يكون الحديث في السنن أو غيرها فيترك العزو إليها ويعزوه إلى من هو دونهم شهرة وطبقة، وكل هذا غير سائغ عند أهل الحديث.
ويخالف أيضًا ما قرره المؤلف في مقدمته حيث قال: "وإذا كان الحديث في الأصول السبعة لم أعزه إلى غيرها من المسانيد والمعاجم إلا نادرًا لفائدة طلبًا للاختصار" (٧).
_________________
(١) انظر: الفقرة رقم: ٥٠٤.
(٢) انظر: الفقرة رقم: ٧٥.
(٣) انظر: الفقرة رقم: ٥٣.
(٤) انظر: الفقرة رقم: ٣٢٧.
(٥) انظر: الفقرة رقم: ٥٠٢.
(٦) انظر: الفقرة رقم: ٥١٤.
(٧) الترغيب ١/ ٣٨.
[ ١ / ٨٥ ]
ومراده بالأصول السبعة، الكتب الستة إضافة إلى موطأ مالك كما أوضح في مقدمته.
وإليك أمثلة على ذلك:
• أورد حديث أبي هريرة:" لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة " وعزاه لابن حبان مقتصرًا عليه، وهو في الترمذي (١).
• أورد حديث العرباض:" لقد تركتكم على مثل البيضاء " وعزاه لابن أبي عاصم، وهو عند ابن ماجة وأحمد وغيرهما (٢).
• أورد حديث أبي سعيد: "من أكل طيبًا، وعمل في سنة" وعزاه لابن أبي الدنيا والحاكم، وهو عند الترمذي والطبراني وغيرهما (٣).
• أورد حديث أنس سمع رسول الله -ﷺ- "رجلًا في مسير له" وعزاه لابن خزيمة، وهو عند النسائي (٤).
• أورد حديث نوفل بن معاوية: "من فاتته صلاة فكأنما وتر أهله وماله" وعزاه لابن حبان، وهو في النسائي (٥).
• أورد حديث ابن عباس: "من جمع بين صلاتين من غير عذر" وعزاه للحاكم وهو عند الترمذي وغيره (٦).
• أورد حديث أبي هريرة: "كان رسول الله -ﷺ- يقوم حتى ترم قدماه " وعزاه لابن خزيمة، وهو عند الترمذي وابن ماجة (٧).
• أورد حديث علي: "لعن رسول الله -ﷺ- آكل الربا " وعزاه للأصبهاني، وقد رواه أحمد والنسائي وغيرهما (٨).
_________________
(١) انظر: الفقرة رقم: ٥٢.
(٢) انظر: الفقرة رقم: ٥٤.
(٣) انظر: الفقرة رقم: ٣٩.
(٤) انظر: الفقرة رقم: ١٦٤.
(٥) انظر: الفقرة رقم: ٢٩٤.
(٦) انظر: الفقرة رقم: ٢٩٥.
(٧) انظر: الفقرة رقم: ٣٢٢.
(٨) انظر: الفقرة رقم: ٣٨٨.
[ ١ / ٨٦ ]
• أورد حديث سمرة: "احضروا الجمعة، وادنوا من الإمام " وعزاه للطبراني والأصبهاني، وقد رواه أبو دواد وغيره (١).
• أورد حديث أنس: "كان لا يدخر شيئًا لغد " وعزاه لابن حبان والبيهقي وهو عند الترمذي (٢).
• أورد حديث أبي أمامة: "بينا أنا نائم أتاني رجلان " وعزاه لابن خزيمة وابن حبان، وهو في النسائي (٣).
• أورد حديث عبد الله بن عمرو: "اللهم إني أسألك برحمتك " وعزاه للبيهقي، وهو عند ابن ماجة وغيره (٤).
تلك هي أهم صور القصور في التخريج التي وقعت في كتاب الترغيب وتتبعها المؤلف.
ب- الخطأ المحض في التخريج، وذلك بأن يعزو الحديث إلى بعض المصادر ويكون ذلك خطأ محضًا.
وإليك أمثلة على ذلك:
• أورد حديث معاذ الطويل قال: "سمعت رسول الله -ﷺ- قال لي: يا معاذ قلت لبيك الحديث" وعزاه لابن المبارك في الزهد، فأوضح المؤلف أن هذا غلط وأن الحديث ليس في كتاب الزهد، وقد بحثت في كتاب الزهد المطبوع ولم أجده (٥).
• أورد حديث عمر المشهور في سؤال جبريل، وعزاه للبخاري ومسلم، فأوضح المؤلف أن عزو الحديث للبخاري وهم، فالحديث مما انفرد به مسلم (٦).
• أورد حديث أبي ذر: "ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يبغضهم الله "
_________________
(١) انظر: الفقرة رقم: ٣٧٦.
(٢) انظر: الفقرة رقم: ٤٥١.
(٣) انظر: الفقرة رقم: ٤٩٥.
(٤) انظر: الفقرة رقم: ٤٧٩.
(٥) انظر: الفقرة رقم: ٣٦.
(٦) انظر: الفقرة رقم: ٢٠٦.
[ ١ / ٨٧ ]
وعزاه لأبي داود وغيره، فأوضح المؤلف أن الحديث ليس عند أبي دواد (١).
ج -عزو الحديث لصحابي وهو لغيره.
وإليك أمثلة على ذلك:
• أورد حديث: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه " وجعله من حديث أبي هريرة، وهو من حديث أبي أمامة (٢).
• أورد حديث عمر المشهور في سؤال جبريل من رواية ابن خزيمة وجعله من حديث ابن عمر، وهو عند ابن خزيمة وغيره من رواية عمر بن الخطاب لا من رواية عبد الله بن عمر (٣).
• أورد حديث عبد الله بن سعد قال: سألت رسول الله -ﷺ- "أيما أفضل: الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد الحديث" وجعله من حديث عبد الله بن مسعود، وهو من حديث عبد الله بن سعد الحرامي (٤).
• أورد حديث: "إذا تصدقتْ المرأة من بيت زوجها " وعزاه للترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو وهم إذ هو عند الترمذي من حديث عائشة (٥).
• أورد حديث: "ما من إنسانٍ يقتل عصفورًا " وجعله من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (٦).
• إيراد الحديث من مصدر أدنى مقتصرًا عليه مع وجوده في مصدر أعلى من طريق صحابي آخر.
ومن الأمثلة على ذلك:
• أورد حديث بلال: أنه أبصر رجلًا لا يتم الركوع ولا السجود فقال:
_________________
(١) انظر: الفقرة رقم: ٤٣٧.
(٢) انظر: الفقرة رقم: ١٠٠.
(٣) انظر: الفقرة رقم: ١٢١.
(٤) انظر: الفقرة رقم: ٢٤٣.
(٥) انظر: الفقرة رقم: ٤٥٥.
(٦) انظر: الفقرة رقم: ٥٢٧.
[ ١ / ٨٨ ]
"لو مات هذا لمات على غير ملة محمد " من الطبراني مقتصرًا عليه مع كونه بنحوه في البخاري والنسائي من حديث حذيفة (١).
• أورد حديث أبي سعيد: "ما أحب أن لي أحدًا ذهبًا الحديث" من البزار مقتصرًا عليه وهو في البخاري من حديث أبي ذر وأبي هريرة وفي مسلم من حديث أبي هريرة (٢).
هـ- الإيهام في عزو الأحاديث.
ويمكن إيضاح ما وقع في كتاب الترغيب من إيهام في العزو في صور:
١ - يكون الحديث في بعض المصادر التي عزا إليها المنذري غير مرفوع، فيطلق العزو إليها من غير توضيح، فيتوهم القارئ أن الحديث قد ورد فيها مرفوعًا. انظر بعض الأمثلة على ذلك في الفقرات ذات الأرقام التالية:
١٨٦، ٢١١، ٢٣٢.
٢ - يذكر المنذري -﵀- روايتين أو أكثر ثم يعزو الحديث للبخاري ومسلم مثلًا، مع أن إحدى الروايات قد انفرد بها أحدهما، فيتوهم القارئ أن هذه الروايات عندهما كليهما، بينما الواقع خلاف ذلك.
انظر الأمثلة على ذلك في الفقرات ذوات الأرقام التالية:
٢٠، ٢٠٩، ٢٧٤، ٤١٨.
وهناك صور أخرى متفرقة لا ضرورة بنا إلى حصرها وبيانها، انظر بعض الأمثلة في الفقرات ذوات الأرقام التالية:
٥٧، ٥٩، ١٤٧، ١٥٣، ١٨٤، ٣١٢، ٣٨٥.
و- التساهل في تقوية الأسانيد الضعيفة.
ومن الأمثلة على ذلك:
• أورد المنذري حديث ثوبان: "استقيموا ولن تحصوا الحديث" وقال: رواه ابن ماجة بإسناد صحيح، فتعقبه المؤلف وأوضح أن في هذا
_________________
(١) انظر: الفقرة رقم: ٢٧٣.
(٢) انظر: الفقرة رقم: ٤٥٢.
[ ١ / ٨٩ ]
الإسناد إنقطاعًا (١).
• أورد المنذري حديث أبي هريرة: "لو يعلم أحدكم ما له في أن يمشي بين يدي أخيه " وقال: رواه ابن ماجة بإسناد صحيح، فتعقبه المؤلف وأوضح أن في إسناد هذا الحديث عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب وعبيد الله بن عبد الله بن موهب، وكلاهما متكلم فيهما (٢).
• أورد المنذري من الترمذي حديث: "إن الله يقبل الصدقة الحديث" وصحح رواية الترمذي، فتعقبه المؤلف وأوضح أن في إسناد الترمذي عباد بن منصور، وهو ضعيف (٣).
ز- التصحيفات والأخطاء في متون الأحاديث.
وقع في كتاب الترغيب في بعض الأحاديث تصحيفات وأخطاء يحتمل أن تكون من النساخ، أو من نفس المصادر التي استمد منها المنذري الأحاديث.
وقد أولى المؤلف هذا الجانب عناية كبيرة، واهتمامًا بالغًا، فتتبع ما وقع في الأحاديث من تصحيفات وأخطاء، وبين الصواب في ذلك.
انظر بعض الأمثلة على ذلك في الفقرات ذوات الأرقام التالية:
٤٣، ١٤٦، ١٨٧، ٢٠٧، ٢٧٠، ٣١٤، ٤١٦، ٣٥٠، ٣٦١، ٣٩٦، ٣٩٤، ٣٧٥، ٣٧٣، ٤١٠، ٤٢٠، ٤٢١، ٤٢٨، ٥٠٧، ٥٠٨، ٥١٢.
وأود أن أشير هنا إلى أن بعض تلك التصحيفات، قد جاءت على الصواب في بعض طبعات الكتاب، وأكثرها ما زال باقيًا على تصحيفه، وقد بينتُ ذلك هناك.
ح- الإخلال بترك إيراد أحاديث في أصول شرط المنذري في مقدمته أن يستوعب جميع ما فيها مما يدخل تحت موضوع كتابه، ولكون ما أخل به كثيرًا؛ فإن المؤلف لم يلتزم إيراد جميع ما أخل به المنذري، بل ذكر نماذج
_________________
(١) انظر: الفقرة رقم: ١٣٣.
(٢) انظر: الفقرة رقم: ٢٨٧.
(٣) انظر: الفقرة رقم: ٤١٦.
[ ١ / ٩٠ ]
على ذلك.
انظر أمثلة على ذلك في الفقرات ذوات الأرقام التالية:
١٣٢، ١٥١، ٤٩٦.
ط- الأوهام في ضبط الألفاظ والأسماء، وتفسير المراد.
لقد اهتم المنذري في كتابه الترغيب بشرح الغريب، وتفسير المراد وضبط ما يشكل من الألفاظ والأماكن والرواة، وحصل له في ذلك أوهام تتبعها المؤلف.
ومن الأمثلة على ذلك:
• ضبط المنذري لفظة "الدُف" بضم الدال، فأوضح المؤلف أن هذا وهم وأنه لا نزاع بين أهل اللغة والغريب أنه بفتح الدال (١).
• ضبط لفظة "السبرات" فقال: بإسكان الموحدة جمع سبرة، فأوضح المؤلف أن الإسكان خطأ وأن الصواب الفتح، ثم أورد ما يدعم قوله من كلام أهل اللغة (٢).
• ضبط لفظة "البراز" فقال: بكسر الباء، فأوضح المؤلف أن هذا خطأ وأن الصواب فتح الباء، وأورد ما يدعم قوله من كلام المازري والخطابي وغيرهما (٣).
• فسر "الرفغ" فقال: إنه الإبط، وقيل: وسخ الثوب.
فتعقبه المؤلف وأوضح أن وسخ الثوب لا يسمى رفغًا عند أحد من أهل اللغة (٤).
• فسر المنذري لفظة "القشع" وضبطها، وحصل له أوهام في ذلك وتعقبه المؤلف (٥).
• فسر "الشجاع الأقرع" بأنه الذي ذهب شعر رأسه من طول عمره، فتعقبه
_________________
(١) انظر: الفقرة رقم: ١٥٧.
(٢) انظر: الفقرة رقم: ٢٢٦.
(٣) انظر: الفقرة رقم: ٣٦٠.
(٤) انظر: الفقرة رقم: ٤٠٥.
(٥) انظر: الفقرة رقم: ٣٩٩.
[ ١ / ٩١ ]
المؤلف وأوضح أن هذا التفسير منكر وأن المشهور أنه الذي ذهب لكثرة سمه وأورد ما يؤيد قوله من كلام أهل اللغة والغريب (١).
• ضبط لفظة "خلوف" فقال: "الخلوف بفتح الخاء المعجمة" فتعقبه المؤلف، وأوضح أن الصواب ضم الخاء لا فتحها (٢).
وهناك أوهام أخرى كثيرة من أنواع متفرقة، وما ذكرته هو أهم الأوهام وأبرزها، ولعله اتضح لنا بهذا الاستعراض قيمة تلك التعقبات والاستدراكات التي جاد بها قلم المؤلف على كتاب الترغيب للحافظ المنذري.
ولا يفوتني هنا أن أبين أن هناك تعقبات واستدراكات من المؤلف على المنذري في غير محلها، إما لأن المنذري لا يلزم بها، أو لأن استدراكها يعتبر من قبل الوهم من المؤلف.
ومن ذلك:
١ - أطلق المنذري في بعض الأحاديث العزو إلى النسائي وهي في اليوم والليلة وليستْ في السنن، فجعل المؤلف يتتبعه، ويميز ما كان في اليوم الليلة وما عمله المؤلف من التمييز المذكور لا يلزم به المنذري؛ لأنه نص في مقدمته على أنه يعزو إلى النسائي في الكبرى، ومن المعلوم أن عمل اليوم والليلة من جملة السنن الكبرى.
قال الحافظ ابن حجر -معلقًا على صنيع المزي -﵀-:
"وأفرد عمل اليوم والليلة للنسائي عن السنن، وهو من جملة كتاب السنن في رواية ابن الأحمر وابن سيار" (٣).
على أن المؤلف قد بين في آخر الكتاب عندما ميز جميع ما أطلق المنذري عزوه للنسائي، وهو في اليوم الليلة، أن عمله هذا ليس على سبيل الاستدراك حيث قال: "وجل غرضي التنبيه على ما أطلق عزوه إلى النسائي لا الاستدراك عليه" (٤).
_________________
(١) انظر: الفقرة رقم: ٣٨٧.
(٢) انظر: الفقرة رقم: ٤٧٤.
(٣) التهذيب ١/ ٦.
(٤) انظر الكتاب: ق/ ٢٢٩ نسخة أ.
[ ١ / ٩٢ ]
٢ - حاسب المؤلف المنذري في أشياء راجعة لاختلاف النسخ.
فعلى سبيل المثال في فقرة ٢٩٦ تعقب المؤلف المنذري حيث أورد حديث سمرة الطويل الذي رواه البخاري بلفظ "فيقص عليه ما شاء الله أن يقص" وقال المؤلف إنما هو "من" بدل "ما" وبعد المراجعة تبين أن هذا راجع لاختلاف الروايات، وقد انبنى على هذا اختلاف النسخ.
٣ - أشار المنذري في مقدمته إلى أن الحديث إذا كان رواه الأئمة أصحاب الكتب المشهورة فإنه قد يعزوه إلى بعضها دون بعض طلبًا للاختصار لا سيما إن كان في الصحيحين أو أحدهما، وقد سار على هذا النهج في أثناء الكتاب فتراه يعزو الحديث إلى بعض المصادر المشهورة، ويغفل البعض الآخر تمشيًا مع ما ذكره في مقدمته.
وقد تعجب منه المؤلف في بعض المواضع كيف أغفل بعض المصادر المشهورة كسنن ابن ماجة فلم يعز الحديث إليها مع وجوده فيها، وهذا لا يلزم به المنذري لما ذكره في مقدمته في كيفية العزو.
انظر أمثلة على ذلك في فقرتي رقم: ١٦، ٣٣٠.
ومراد المنذري بالكتب المشهورة الأصول السبعة كما جاء في موضع آخر من مقدمته (١).
٤ - هناك أشياء استدركها المؤلف على المنذري ويعتبر استدراكها عليه من قبيل الوهم، حسب ما ظهر لي.
ومن الأمثلة على ذلك:
في فقرة ١٢٥ أطال المؤلف النفس في التعقيب على المنذري حيث نقل عنه أنه قال: "والصُنابحي صحابي مشهور" وبعد مراجعة كتاب الترغيب تبيّن أن القائل: "والصُنابحي صحابي مشهور" هو الحاكم، وليس المنذري وإنما المنذري نقله عن الحاكم، فتوهم المؤلف أن القائل هو المنذري فأطال الكلام في التعقيب عليه.
وفي فقرة ١٢٠ أطال المؤلف الكلام في توهيم المنذري والهيثمي
_________________
(١) انظر: الترغيب ١/ ٣٧.
[ ١ / ٩٣ ]
لإشارتهما إلى أن حديث أم الدرداء: "خرجت من الحمام فلقيني النبي -ﷺ- الحديث" قد روي من طريق صحيح، وكأن المؤلف لم يطلع على الطريق الصحيح الذي أشارا إليه فسارع إلى توهيمهما، وقد وضحتُ ذلك هناك.
وفي فقرة ١٥٨ تعقب المؤلف المنذري والهيثمي في تصحيحهما حديث ابن عمر: "يغفر للمؤذن منتهى أذانه" وقال إنه معل، وبعد البحث تبين أن الحديث لا علة فيه.
وفي فقرة ١٧٩ أنكر المؤلف على المنذري، وأبي داود والترمذي وابن ماجة في قولهم في التبويب "إنشاد" رباعيًا، وبين أن الصواب أن يقال: "نشد" وقد بينتُ هناك أن إنكار المؤلف في غير محله، وأن صنيع المنذري وغيره سائغ في اللغة.
وهناك أمثلة أخرى متفرقة في الكتاب، وقد علقتُ عليها في أماكنها.