بسم الله الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله
قال خادم السنة النبوية العبد الفقير الحقير، مزجَى البِضاعة، قليلُ الصِناعة المسكين الأسير الكسير الخائف الراجي إبراهيم بن محمد بن محمود بن بدر بن عيسى، الحلبيّ الأصل الدمشقي الشافعي الملقّب بالناجي -حقّق الله له ولمحبّيه هذا التلقيب، وكان له في الدارين ولكل غريب-:
أما بعد: حمدًا لله العليم (الذي لا يعزب عن علمه شيء ولا يغيب)، الوهّاب الفتاح القريب المجيب، والصلاة والسلام على نبيّه وصفيّه الكريم سيدنا محمد الوجيه الحبيب.
فهذه نكت قليلة لكنها مُهمة جليلة، لم أسبقْ إليها، ولا رأيت من تنبَّه لها ولا نبّه عليها، جعلتُها كالتذنيب، على ما وقع للإمام العلامة الحافظ الكبير زكي الدين المنذريّ -﵁- من الوهم والإيهام، في كتابه الشهير المتداول المسمى "بالترغيب
[ ١ / ١٣١ ]
والترهيب". الذي أجاد ترتيبه وتصنيفه، وأحسن جمعه وتأليفه، فهو فرد في فنه، منقطع القرين في حُسنه. تنبهتُ لأكثرها قديمًا حال كتابتي للكتاب عجلًا مُرتجلًا، ولبعضها حال قراءته سردًا عليَّ ومقابلتي فيه على عِدَّة نُسخ، ولي به سند متصل إلى مصنفه أسوقه بعد فراغي من هذا الإملاء، وودتُ لو وقفت على نسخة الأصل حتى أمشي على بصيرة (أو أن أحدًا وضع عليه شيئًا، فأعتفي من تكلف ما قد كُفي).
ولم أدر أولًا أن أكثر نسخ زماننا أو كلَّها متفقة على الخطأ، والتصحيف العجيب وقد كنتُ كتبتُ ذلك من حفظي على الصواب، فلما رأيت اتفاق النسخ حتى المعتمدة الغرَّارة المتداولة بدمشق، المقروءة على المعتبرين على عكس ما كتبته أعدت كثيرًا منه إلى حاله، ووضعتُ هذه الأحرف النَزْرة للطالب الراغب الأريب.
وجلُّ موضوعها التنبيه على ما وقع في الكتاب، ولعلَّ بعضه من الكُتَّاب دون استدراك ما أغفل من التراجم والأحاديث،
[ ١ / ١٣٢ ]
واستيعاب العزو في كل حديث، بل تمييز المنسوب إلى النسائي أحد الأئمة فيما يتعلق في الذكر ونحوه، وغالبه في عمل اليوم والليلة له. الذي هو من جملة السنن الكبرى، (لكن أفرده تصنيفًا مستقلًا) (ولا يعرفه إلا من مارس كتاب الأطراف)، ويتكرر في هذا الكتاب كثيرًا ثم يسَّر الله بمَيْز هذا الأخير، (واستيعاب متفرقه رمزًا في سؤال الجنة) أواخر هذا الإملاء (وعهدة ما أعزوه غالبًا إلى النسائي على صاحب الأطراف).
وأما تنقيح كل ألفاظ الكتاب على التحرير والتهذيب، فيعسر جدًا لكثرته وتكرره ويتلف الكتاب بذلك، وقلَّ ما يسلم منه حينئذ، وليس المقصود ذاك إذ غالب هذه المصنفات، إنما هو بالمعنى، وفي الإشارة غنية عن العبارة للَّبيب، وتتبعه كله لفظةً لفظةً ممتنع أو متعذر؛ لعدم الفراغ، وقلة الآلة خصوصًا ما أغفله -﵀- من الأصول التي شرط في أوله استيعابها، والتنبيه عليه مع كثرة تكرره، (وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر، ولولا ظلمة الليل ما حمد
[ ١ / ١٣٣ ]
ضياء الفجر)، وقد أخل بتراجم كثيرة هي مقصود تصنيفه الأعظم، فترجم بترك الإسباغ في الوضوء، وترك الغسل فزدته ونبّهتُ عليه، وغفل عن سياق حديث عبد الرحمن بن سمرة في المنام النبوي المشتمل على عدة أنواع من موضوع كتابه تدخل فيه، وهو في الأصول التي يلخص منها، وفي غيرها ولا أدري سبب ذهوله عن ذكره، فاستدركته، وسقته بتمامه ملخصًا معزوًا في آخر فصل الوضوء للتطريز والتذهيب.
وأخل بذكر الشرب قائمًا فاستدركته في محله مستوعبًا معزوًا.
وأخل بذكر خصال الفطرة، وفضائل الصحابة وأفرادِهم، والترغيب في حُبِّهم، والترهيب من بغضهم وسبهم، وأشياء شتى وظن أنه استوعب، ولا والله لكني تركت استدراك ذلك وأشباهه، لطوله جدًّا، وأتيت منه بجملة مفرقة ثم اقتصرت على إملاء الموجود ظاهرًا في الكتاب، بل لما رأيت كثيرًا من هوامش هذه
[ ١ / ١٣٤ ]
المسودة قد امتلأ أمسكت عن النظر في نفس الأصل، والتنقيب خوفًا من اتساع الخَرْق، وانفتاح الباب، وأمليت ذلك كله بالفقيريّ من لفظي أو خزانة حفظي على سبيل التنكيت والتقريب.
ولو لم يكن في وضع غالب هذه الأحرف إلا السلام من الوقوع في الكذب إذ هو: الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه، ولو كان سهوًا، وإنما يفترقان في الإثم وعدمه.
والنصارى كفروا بتحريف حرف. وهذا فرض مهم متعين لكنه عند أسْرَى النسخ من أهل زماننا عظيم مستهجن غريب، ومن
[ ١ / ١٣٥ ]
جهل شيئًا عاداه (وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم).
ولله درُّ الشيخ محيي الدين النوويِّ من إمام عظيم إذ بالغ في "تهذيبه" في تخطئة بعض الكبار ضبط شكلة محتملة في الحديث المذكور في "المهذب" في عدم التنشيف من الوضوء أن الشارع - ﷺ - وُضِع له غُسل.
وأفاد الشيخ أن المراد به الماء الذي يغتسل به، وأنه بضم الغين باتفاق أهل الحديث والفقه وغيرهم ثم قال: وأما قول الشيخ عماد الدين بن باطيش -﵀- في كتابه "ألفاظ
[ ١ / ١٣٦ ]
المهذب إنه مكسور الغين فخطأ صريح، وتصحيف قبيح، ومنكر لم يسبق إليه، وباطل لا يتابع عليه.
قال: وإنما قصدت بذكره التحذير من الاغترار به والله يغفر لنا أجمعين.
وكان وكيع بن الجراح كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:
خلق الله للحديث رجالًا ورجالًا لآفة التصحيف
وسأحرص جُهدي على الإشارة والاختصار،
[ ١ / ١٣٧ ]
وقد أطيل في بعض المواضع لغرض صحيح عَرض، وأحيل كثيرًا، وأتبرّع بتنبيه مهم، أو فائدة لا تنفك عن صلة وعائدة، أو ضبط مشكل قد أُخِل به وتفسيره، لكن لا ألتزم الاستيعاب، وإنما المقصود تبيين الوهم ذاكرًا ذلك -غالبًا- على الترتيب، وقد يتفق تأخير المقدَّم لعدم الفراغ لتتبع الكتاب أولًا فأولًا بالتعقيب، وهذه النبذ التي تيسر إملاؤها لعمري في الجملة مفيدة بل فريدة فتح الله بها وبغيرها، وتصلح أن تكون لهذا الكتاب بل ولغيره كالتهذيب، ولا بأس بتسميتها: عجالة الإملاء المتيسرة من التذنيب على ما وقع للحافظ المنذري من الوهم وغيره في كتابه "الترغيب والترهيب".
وإن يسر الله بتلخيص مهماتها الضرورية سميتها: غاشية الحاشية كل ذلك للتقريب والتيسير، ولو تيسرت لي الآلة (اتسع هذا الإملاء جدًا، وحصل أوفر نصيب، ونحن في زمان الهمم فيه قاصرة، والهموم ممتدة متوافرة، والفِطَن بما تشغلها من المحن فاتِره وتعذر الوصول إلى ما يعين من الأصول مع قلة المعين والمؤازر والمجاري في هذا الشأن والمذاكر وذهابهم من أكثر مدن الإسلام إلى أن صاروا في غيرهم بمنزلة الملح في الطعام.
وقد قال أبو العباس المُبرَّد -بفتح
[ ١ / ١٣٨ ]
الراء- في كتابه "الكامل": ليس لقدم العهد يفضل القائل، ولا لحدثانه يهتضم المصيب، ولكن يعطى كلٌّ ما يستحق. انتهى).
ولا يظنن ظان بتنبيهي على ما هفا به الخاطر نسيانًا، أو جرى به القلم طغيانًا. أن ذلك نقص في الكتاب، أو في المصنف، أو قصدي به التثريب كلا، فإن الكامل من عُدت سقطاته، وُحدت غلطاته ولا يتَّبع المعايب إلا مَعِيب.
ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلها كفى المرء نبلًا أن تُعدَّ معايبه
وهي الدنيا لا يكمل فيها شيء، وقد قال نبينا المصطفى أكمل الخلق الذي فضله الله عليهم ورفعه: "إن حقًا على الله أن لا يرتفع من الدنيا شيء إلا وضعه".
وليس المراد بوضعه إعدامه وإتلافه، إنما هو نقص يوجد فيه
[ ١ / ١٣٩ ]
وسياق الحديث المذكور يدل عليه، وكيف يكمل تصنيف أو غيره، والكمال المطلق إنما هو لله -جلت عظمته- وقد قال عن كتابه القرآن المعجز المتحدَّى به الثقلان: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾.
والإنسان مجبول على السهو والنسيان، ومَن يسلَم من هفوات الأوهام وعثرات الأقلام ومَن ظنَّ ممن يلاقي الحروب بأن لن يصاب فقد ظنَّ عجزًا، والنار قد تخبو، والجواد قد يكبو، والصارم قد ينبو.
قال عبيد الله الأشجعي عن سفيان الثوري: (ليس يكاد يفلت من الغلط أحد فمن كان الغالب عليه الحفظ فهو حافظ وإن غلط، وإذا كان الغالب عليه الغلط تُرِك. انتهى كلامه).
[ ١ / ١٤٠ ]
(ومعلوم أن) من صنَّف فقد استُهدف حتى قال إمامنا الإمام المعظم الشافعي فيما سمعه منه صاحبه البويطي.
قد ألفت هذه الكتب ولم آل فيها جهدًا، ولا بد أن يوجد فيها الخطأ لأن الله -تعالى- يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ فما وجدتم في كتبي هذه مما يخالف الكتاب أو السنة فقد رجعت عنه.
وقال صاحبه الآخر الربيع بن سليمان المرادي: قرأت
[ ١ / ١٤١ ]
كتاب الرسالة المصرية على الشافعي نيفًا وثلاثين مرة فما من مرة إلا وكان يصححه ثم قال الشافعي في آخره: أبى الله أن يكون كتاب صحيح غير كتابه ويدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ الآية.
(وروي عنه أيضًا: كل كتاب لا يخلو من اختلاف للآية المذكورة). هذا كلام الشافعي وناهيك به.
(وروي عن إمام القراء أبي بكر بن مجاهد وهو مذكور في "طبقات أصحابنا الشافعية" أنه رأى في المنام ربَّ العزة -ﷻ- فختم عليه ختمتين فلحن في موضعين فاغتم، فقال -سبحانه-: (يا بن مجاهد، الكمال لي الكمال لي).
ذكره عنه تاج الدين ابن السبكي في
[ ١ / ١٤٢ ]
"طبقاته".
وروى الحافظ أبو موسى المديني في ديباجة كتابه "المغيث" عن أبي منصور القزاز عن الخطيب البغدادي بإسناده إلى أبي عبيد القاسم بن سلاَّم -وهو بتشديد اللام- قال: مكثت في تصنيف هذا الكتاب يعني كتاب "غريب الحديث" أربعين
[ ١ / ١٤٣ ]
سنة وربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال، فأضعها في موضعها من الكتاب فأبيت ساهرًا فرحًا مني بتلك الفائدة، وأحدكم يجيئني فيقيم عندي أربعة أشهر خمسة أشهر فيقول: قد أقمت الكثير. انتهى كلامه).
وقد خرجنا عن المقصود، ولكل مقام مقال.
فلنشرَع فيما نحن بصدده، وبالله نستعين وعليه نتوكل، وإليه بنبينا أشرف مرسل نتوسل في سلوك السبيل الأعدل، والطريق الأمثل فهو سبحانه ذو الجلال الأكمل، والعطاء الأجزل، المؤمل لإجابة من أمل، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
[ ١ / ١٤٤ ]