إن الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله.
أمّا بعد: فإنّ الأذكار والدعوات ريحانة القلب المؤمن يطمئن إليها، ويسكن بها.
عن أبي هريرة -﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يسير في طريق مكّة، فمرّ على جبل يقال له: جمدان، فقال: "سيروا هذا جمدان سبق المفرّدون"، قالوا: وما المفرّدون يا رسول الله؟ قال: "الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات" (١).
ووجه دلالة هذا الحديث: أن رسول الله - ﷺ - ربط بين الجبل وبين ذكر الله -﷿-؛ لأن الأرض تسكن بالجبال؛ كما قال -تعالى-: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]، وقال -سبحانه-: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١]، وقال﷿-: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان: ١٠]، وكذلك القلب يسكن بذكر الله؛ كما قال الله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٧٦).
[ ١ / ٥ ]
اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
ولذلك لم يجعل الله -سبحانه- للذكر حدًّا ينتهي إليه؛ فقال -سبحانه-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾ [الأحزاب: ٤١].
ووظّفه الله -تعالى- على العبد في جميع أحواله وكلِّ أحيانه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]؛ أي: باللّيل، والنّهار، وفي البرّ، والبحر، وفي السّفر، والحضر، والغنى، والفقر، والسّرّ، والعلانية، والعسر، واليسر، والمنشط، والمكره.
وأقل ذلك: أن يلازم العبد الأذكار المأثورة، والدّعوات المشهورة عن معلم الخير - ﷺ -؛ كالأذكار المؤقتة طرفي النّهار، وزلفًا من اللّيل، وعند أخذ المضجع، وعند الاستيقاظ من النّوم، وأدبار السّجود، والأذكار المقيدة عند الأكل، والشرب، واللّباس، والجماع، ودخول المسجد، وبيت الخلاء، والخروج من ذلك، وعند المطر، والرّعد، والرّيح، ورؤية الهلال، إلى غير ذلك مما يستوعب أعمالَ العبدِ كلِّها، ويستغرق حياته جميعها.
وما زالت عنايةُ العلماء مستمرةٌ في خدمة هذا الباب الطيّب المبارك من أبواب السّنّة المطهّرة جمعًا، وانتقاءً، وتخريجًا، فكان من ذلك مصنفات قيّمة وهي المسماة: "عمل اليوم والليلة"، أو "الأذكار"، أو "الدعاء"؛ فمنها الوجيز النافع، والوسيط الماتع، والمبسوط الجامع.
وممن ضرب بسهم وافر في هذا العلم الإِمام أبو بكر بن السُّنّي﵀ - في كتابه العجاب: "عمل اليوم والليلة"؛ فإنّه من أجلّ الكتب المسندة المصنّفة في الأذكار الموظّفة على أعمال اللّيل، والنّهار.
لكنَّ اللهَ - ﷿ - أبى أن يتمَّ إلا كتابه؛ فلم يسلم هذا الكتاب الفذّ المستطاب مما يعتري عمل ابن آدم؛ فوجهت همتي لتوثيق نصوصه، وتحقيقها، وتخريج أحاديثه وآثاره، وسميته: "عُجَالةُ الرَّاغِبِ المُتَمَنِّي في تَخريجِ كتابِ "عَمَلِ اليَومِ واللّيلةِ" لابن السّنّي".
[ ١ / ٦ ]
فاللهَ أسألُ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى: أن يتقبّلَ منّي جُهْدَ المقلّ؛ نصرةً لدينه، وذبًّا عن سنّة رسول الله - ﷺ -، ونصحًا لعامة المسلمين وخاصتهم؛ إنه بكلّ جميل كفيلٌ، وهو حسبي ونعم الوكيل، وعلى الله قصدُ السبيل.
وكتبه
أبو أسامة سليم بن عيد الهلالي السلفي الأثري
عمان البلقاء عاصمة جند الأردن
من بلاد الشام حرسها الله
يوم الخميس لخمس ليالٍ بقين من شهر شعبان
سنة ألف وأربع مئة وواحد وعشرين من هجرة
رسول الله - ﷺ -
[ ١ / ٧ ]