أولًا: أن المحدث والراوى إنسان معرض للوقوع في الخطأ والنسيان والغفلة ولا لوم عليه في ذلك، بل هي طبيعة البَشر التي فطر عليها، ولذا يقرر يحيى هذا المبدأ: "من لم يخطأ في الحديث، فهو كذاب" (^١).
ثانيًا: أن هذا الخطأ يعالج ويتدارك، ما لم يصاحبه العناد والإصرار وإلا كان عرضة للنقد والتجريح، ويقرر ذلك في مبدإٍ آخر "من لم يكن سمحًا في الحديث كان كذابًا، قيل له: وكيف يكون سمحًا؟ قال: إذا شك في الحديث تركه" (^٢).
ثالثًا: وكما يتحتم عليه ترك ما شك فيه، كذلك يتحتم عليه مراجعة نفسه إذا نبه إلى خطئه، فلا يكابر ولا يعاند، وإلا وقع تحت طائلة الذم والتقريع، وهذا ما يقرره يحيى، فيقول: "ما رأيت على رجل قط خطأ إلا سترته، وأحببت أن أزين أمره، وما استقبلت رجلًا في وجهه بأمر يكرهه، ولكن أبين له خطأه فيما بينى وبينه، فإن قبل ذلك، وإلا تركته" (^٣).
ولتحقيق هذه المقدمة المختصرة لمنهج السلف في الجرح والتعديل، بقى أن نقول: هل سيد قطب ثبتت عدالته؟
ونترك الإجابة للعلماء والشيوخ والدعاة المعتبر قولهم لدى العامة والخاصة لنطبق من خلالهم المنهج السَّلَفى المتقدم في إثبات العدالة شخص ما، أو نفيها عنه بجرح مفسر أو غير مفسر وموقف السَّلَف من ذلك كله.
يقول الشيخ الألباني:
إن الرجل ليس عالمًا، ولكن له كلمات عليها نور عليها علم.
وعن اتهامه بالتكفير لمن يخالف منهجه، قال الشيخ: ما عرفنا ذلك عنه (^٤).
_________________
(١) الدورى رقم (٢٦٨٢، ٤٣٤٢)، ويلاحظ أن النص في الموضعين جاء بعد أن ذكر أمثلة من خطأ المحدثين.
(٢) تهذيب الكمال (٧٦٠) ب، ت، دمشق (١٠١) ب، تهذيب: ١١/ ١٨٦، الكفاية ص (٣٤٥)، الكامل: ١/ ١٤٠.
(٣) ت بغداذ: ١٤/ ١٨٤، طبع حنابلة: ١/ ٤٠٥، ت دمشق (١٠١) ب، تهذيب الكمال (٧٦٠) ب، وفيات: ٦/ ١٤١، تهذيب (٢٨٦).
(٤) ارجع إلى شريط (الألباني: رأي في سيد قطب) تسجيلات حنين الإسلامية.
[ ١ / ٢٦ ]
وقال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد:
والرجل كان أديبًا نقادة، ثم اتجه إلى خدمة الإسلام من خلال القرآن العظيم، والسُّنَّة المشرفة، والسيرة النبوية العطرة، فكان ما كان من مواقف في قضايا عصره، وأصر على موقفه في سبيل الله تعالى، وكشف عن سالفته وطُلب منه أن يسطر بقلمه كلمات اعتذار، وقال كلمته الإيمانية المشهورة: إن اصبعًا أرفعه للشهادة لن أكتب به كلمة تضارها، أو كلمة نحو ذلك، فالواجب على الجميع الدعاء له بالمغفرة .. والاستفادة من علمه، وبيان ما تحققنا خطأه فيه، وإنَّ خطأه لا يوجب حرماننا من علمه ولا هجر كتبه (^١).