تردده في قضية "وفاة" عيسى بن مريم ﵊، وهل مات قبل أن يرفعه إليه، أم رفع هناك بروحه وجسده؟
_________________
(١) الأعراف: ١٦٦.
(٢) الظلال: ٣/ ١٣٨٥.
[ ١ / ٧٥ ]
الأمر الذى جزم به سيد أن الله قد حال بين اليهود وبين ما أرادوه من صلب عيسى ﷺ وقتله، وحماه من ذلك الكيد والمكر اليهودى اللعين. وهو يجزم بذلك لأن القرآن صريح في عصمة الله لعيسى ﵇ من كيد اليهود ومكرهم، ونفيه الصريح أن يكونوا قد قتلوه أو صلبوه، وتقريره أنهم صلبوا شبهه، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ..﴾ (^١)، وفى ذلك يقول سيد: "وهم ما قتلوه وما صلبوه، وإنما وقع القتل والصلب على من شبه لهم سواه".
أما ماذا جرى بعد أن أنجى الله عيسى ﵇ من مؤامرة اليهود، هل رفعه الله مباشرة إلى السماء بروحه وجسده؟ أم مات موتًا طبيعيًا بعد ذلك وصعدت روحه إلى السماء؟ تردد سيد في ذلك، وإن كان يميل إلى الرأى الثاني، بل قد صرح بذلك!!
(٢)
في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ..﴾ (^٢) اختار أن هذه القضية من "المتشابه" الذي لا يعلمه إلا الله .. "فأما كيف كانت وفاته، وكيف كان رفعه .. فهي أمور غيبية تدخل في المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله ولا طائل وراء البحث فيها، لا في عقيدة ولا شريعة .. " (^٣).
بينما في تفسير سورة النساء مال إلى أن عيسى توفى قبل أن يرفعه الله إليه، ويفهم من كلامه وترجيحه أنه مع ذلك الرأى، ففى تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (^٤) يقول: "ولا يدلى القرآن بتفصيل في هذا الرفع أكان بالجسد والروح في حالة الحياة؟ أم كان بالروح بعد الوفاة؟ ومتى كانت هذه الوفاة وأين … ".
_________________
(١) النساء: ١٥٧.
(٢) آل عمران: ٥٥.
(٣) الظلال: ١: ٤٠٣.
(٤) النساء: ١٥٧ - ١٥٨.
[ ١ / ٧٦ ]
" … ونحن - على طريقتنا في ظلال القرن - لا نريد أن نخرج عن تلك الظلال، ولا أن نضرب في أقاويل وأساطير، ليس لدينا من دليل عليها، وليس لنا إليها سبيل" (^١).
والذي يدل على أنه يميل إلى أن عيسى توفى أولًا - ليس على أيدى اليهود - ثم رفع ثانيًا، ترجيحه للقراءة التي يفهم منها ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ..﴾ (^٢).
فبيّن سيد أن هناك رأيين في تعيين عائد الضمير في كلمة "موته" فمنهم من قال: إنه يعود على عيسى ﷺ ومنهم من قال: إنه يعود على الشخص من أهل الكتاب، حيث يعرف الحق وهو على فراش الموت .. ومنهم من ذهب إلى رأى ثالث غريب حيث أعاده على محمد ﷺ (^٣).
وقد رجح سيد الرأى الثانى واستشهد له بقراءة أُبى ﵁: "ونحن أميل إلى هذا القول الثانى الذى ترشح له قراءة أبي: "إلا ليؤمنن به قبل موتهم"، فهذه القراءة تشير إلى عائد الضمير وأنَّه أهل الكتاب .. " (^٤).
وبعد ذلك صرح سيد بأن عيسى ﵇ توفى ثم رفع إلى السماء، وكلامه حول هذا الموضوع في تفسير سورة المائدة صريح في أنه يري ذلك، وقد عرض أدلته من القرآن، ووفق بين القرآن والآثار في ذلك: " .. ثم يخلى يده منهم بعد وفاته .. وظاهر النصوص القرآنية يفيد أن الله - سبحانه - قد توفى عيسى ابن مريم ثم رفعه إليه .. وبعض الآثار تفيد أنه حي عند الله. وليس هنالك - فيما أرى - أي تعارض يشير أي استشكال بين أن يكون الله قد توفاه من حياة الأرض، وأن يكون حيًا عنده .. فالشهداء كذلك يموتون في الأرض
_________________
(١) الظلال: ٢: ٨٠٢.
(٢) النساء: ١٥٩.
(٣) انظر أصحاب كل رأى وأدلتهم والرأى الراجح في تفسير الطبري ٩: ٣٧٨ - ٣٨٩.
(٤) الظلال ٢: ٨٠٢ - ٨٠٣.
[ ١ / ٧٧ ]
وهم أحياء عند الله .. أما صورة حياتهم أما صورة حياتهم عنده فنحن لا ندرى لها كيفًا. وكذلك صورة حياة عيسى ﷺ وهو هنا يقول لربه: إنني لا أدرى ماذا كان منهم بعد وفاتي … " (^١).
فرأى سيد الأخير في أن عيسى ﵇ قد توفاه الله على الأرض ثم رفعه إليه، مخالف لرأى جمهور العلماء وجمهور المفسرين الذين يرون أنه رفع إلى السماء بروحه وجسده، وأنَّه حي هناك وأنَّه ينزل قبل قيام الساعة (^٢).
صحيح أن القرآن لم يصرح برفع عيسى إلى السماء بروحه وجسده، ولم تصرح بذلك الأحاديث الصحيحة التي تقرر نزوله قبل قيام الساعة (^٣)، لكن يفهم من الآيات ومن الأحاديث أنه رفع بالروح والجسد، وطالما أن جمهور الصحابة والتابعين فهموا ذلك، فالأولى أن لا نخالفهم ..
ولم يقل سيد شيئًا في الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي تقرر نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان على الأرض ليحكم بالإسلام. وكيف ينزل إذا كان قد توفى على الأرض ثم رفع إلى السماء؟ والنصوص تخبرنا أنه من خرجت روحه من جسده، فلا تعود إليه إلا عند البعث!!، وعيسى ﵇ ينزل قبل يوم البعث!! ثم كيف يجمع الله على عيسى ﵇ موتتين؟
قال الإمام الطبري في ترجيح رفع عيسى بروحه وجسده ونزوله في آخر الزمان: "ومعلوم أنه لو كان قد أماته الله ﷿، لم يكن بالذي يميته ميتة أخرى، فيجمع عليه ميتتين؛ لأن الله ﷿ إنما أخبر عباده أنه يخلقهم ثم يميتهم ثم يحييهم. كما قال جل ثناؤه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ..﴾ (^٤).
_________________
(١) الظلال ٢: ١٠٠١.
(٢) انظر تفسير ابن كثير ١: ٥٧٣ - ٥٨٤، وتفسير الطبرى ٦: ٤٥٥ - ٤٦١، و٩: ٣٧٨ - ٣٨٩.
(٣) أورد ابن كثير في تفسيره طائفة من تلك الأحاديث ١: ٥٧٨ - ٥٨٣.
(٤) الروم: ٤٠، والعبارة عند الطبرى ٦: ٤٦٠.
[ ١ / ٧٨ ]
الرابع عشر: حديثه عن معابد الجاهلية واعتزالها، وتعميم أمر موسى ﵊ لبنى إسرائيل بجعل بيوتهم قبلة. تعميم هذا على المسلمين في بعض الأحيان. ذهب إلى ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ..﴾ (^١)
قال في تفسير تلك الآية: "وتلك هى التعبئة الروحية إلى جوار التعبئة النظامية، وهما معًا ضروريتان للأفراد والجماعات، وبخاصة قبيل المعارك والمشقات، ولقد يستهين قوم بهذه التعبئة الروحية، ولكن التجارب ما تزال إلى هذه اللحظة تنبئ بأن العقيدة هى السلاح الأول في المعركة، وأن الأداة الحربية في يد الجندى الخائر العقيدة، لا تساوى شيئًا كثيرًا في ساعة الشدة .. ".
"وهذه التجربة التي يعرضها الله على العصبة المؤمنة ليكون لها فيها أسوة، ليست خاصة ببنى إسرائيل، فهى تجربة إيمانية خالصة … ".
ويسجل ما تستفيده العصبة المسلمة من تلك الآية، ويضع الضوابط التي لا بد من توفرها لتعمل كما عمل أصحاب موسى ﵊ ويستخلص الخطة التي تسير فيها تلك العصبة بقوله: وقد يجد المؤمنون أنفسهم ذت يوم مطاردين في المجتمع الجهلى، وقد عمت الفتنة وتجبر الطاغوت، وفسد الناس، وأنتنت البيئة - وكذلك كان الحال على عهد فرعون في هذه الفترة - وهنا يرشدهم الله إلى أمور:
١ - اعتزال الجاهلية بنتنها وفسادها وشرها - ما أمكن في ذلك - وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها، لتطهرها وتزكيها، وتدربها وتنظمها حتى يأتي وعد الله لها.
٢ - اعتزال معابد الجاهلية، واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد تحس فيها
_________________
(١) يونس: ٨٧.
[ ١ / ٧٩ ]
بالانعزال عن المجتمع الجاهلي، وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح، وتزاول بالعبادة ذاتها نوعًا من التنظيم في جو العبادة الطهور .. " (^١).
وقد أساء بعض المسلمين فهم كلام سيد السابق، وبنوا عليه نتائج خطيرة خاطئة، حيث تركوا الصلاة في مساجد المسلمين في هذا الزمان لأنها "معابد الجاهلية"، واتخذوا زوايا بيوتهم مساجد، وتركوا الجُمَع والجماعات، وكفَّروا رواد المساجد من المصلين.
صحيح أن سيد لم يقل تلك الترهات، لكن استنتاجه السابق من الآية غير دقيق، والأمر الذى خرج به من الآية وهو اعتزال معابد الجاهلية واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد، غير منضبط ويمكن أن يوسع ويستدل به لأحكام خاطئة! ولا يمكن أن نطبقه على مساجد المسلمين القائمة، ولا أن نقول بترك صلاة الجماعة فيها … وإذا فعلنا ذلك فماذا نفعل في الأحاديث الصحيحة حول إجابة النداء للجماعة والسعى إلى المساجد؟، وبمن نتوجه للدعوة إن نحن هجرنا رواد المساجد وجمهور المجتمع، واعتزلناهم في زوايا بيوتنا؟؟
ولذلك لا نرى تعميم هذا الأمر الذي صدر إلى بني إسرائيل زمن موسى ﵇، على المسلمين المعاصرين، بل يجب قصره عليهم، فشرع من قبلنا ليس شرعًا لنا، وبخاصة إذا أتى شرعنا بضده ومقابله، كما في الأمر السابق لبنى إسرائيل والأوامر لنا بصلاة الجماعة.
وقد وقف الأستاذ سالم البهنساوى وقفة مطولة - مخلصة - أمام كلام سيد السابق، واعتذر عن سيد فيه، وحمله على حالة خاصة، وجعله لا يطبق علينا إلا وفق ضوابط وقيود دقيقة، وأورد كلامًا لعلماء سابقين، ومفسرين مختلفين حول تلك الآية، والأحكام التي تستخرج منها (^٢).
_________________
(١) الظلال ٣: ١٨١٦.
(٢) انظر: "الحكم وقضية تكفير المسلم": ٢٦١ - ٢٧٣، وتفسير الطبري ١٥: ١٧١ - ١٧٦.
[ ١ / ٨٠ ]
الخامس عشر: اختياره وقت الإمساك للصائم الذى ورد بقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ..﴾ (^١)، وأنَّه يكون قبل طلوع الشمس بقليل! يقول: "أي حتى ينتشر النور في الأفق وعلى قمم الجبال وليس هو ظهور الخيط الأبيض في السماء وهو ما يسمى بالفجر الكاذب، وحسب الروايات التي وردت في تحديد وقت الإمساك نستطيع أن نقول: إنه قبل طلوع الشمس بقليل وإننا نمسك الآن وفق المواعيد المعروفة في قطرنا هذا قبل أوان الإمساك الشرعي ببعض الوقت .. ربما زيادة في الاحتياط".
وبعد ما أورد بعض الأحاديث في وقت الإمساك، وأنَّه عند الفجر المستطير في الأفق بيَّن وقته بقوله: "والفجر المستطير في الأفق يسبق طلوع الشمس بوقت قليل .. " (^٢).
وهو لا يتفق في اختياره هذا مع جمهور الفقهاء، فالفجر المستطير هو الفجر الصادق الأحمر المعترض في الأفق .. وهو يسبق طلوع الشمس بزمن وليس قبلها بقليل كما قال سيد. فذلك هو الإسفار، والفجر الصادق المستطير يسبق الإسفار (^٣).
قال الإمام النووى في "المجموع" عن وقت طلوع الفجر وعن أوقات صلاة الفجر: "وأجمعت الأمة على أن أول وقت الصبح طلوع الفجر الصادق، وهو الفجر الثاني، وآخر وقت الاختيار إذا أسفر أي أضاء، ثم يبقى وقت الجواز إلى طلوع الشمس .. " (^٤).
وقال كذلك: "ويكره تأخير الصبح بغير عذر إلى طلوع الحمرة، يعني الحمرة التي قبيل الشمس" (^٥)، فالإسفار - الذي يكون فيه الضوء قد
_________________
(١) البقرة: ١٨٧.
(٢) الظلال: ١: ١٧٥.
(٣) انظر تفسير الطبري ٣: ٥٠٩، وتفسير ابن كثير ١: ٢٢٢.
(٤) المجموع للنووى ٣: ٤٣.
(٥) المرجع السابق ٣: ٤٤.
[ ١ / ٨١ ]
عم الأفق - يكون قبل طلوع الشمس، ويسبق الإسفار الفجر الصادق المستطير.
ويبين الإمام النووي أن الإمساك عند طلوع الفجر الثاني الصادق المستطير، وليس عند الإسفار قبل طلوع الشمس بقليل - كما قال سيد - وقرر النووى أن هذا مذهب جمهور الفقهاء قال: "هو مذهبنا ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. قال ابن المنذر: وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس وعلماء الأمصار .. " (^١).
السادس عشر: اختياره أن الكتابية التي تعتقد أن الله ثالث ثلاثة أو أن المسيح ابن الله أو عزيز ابن الله هى مشركة لا يجوز الزواج منها. ويبين أنه يخالف رأى الجمهور في هذه المسألة ويرجح رأى ابن عمر ﵄:
(وهناك خلاف فقهى في حالة الكتابية التى تعتقد أن الله ثالث ثلاثة، أو أن الله هو المسيح ابن مريم، أو أن العزير ابن الله .. أهى مشركة محرمة، أم تعتبر من أهل الكتاب وتدخل في النص الذى في المائدة: ﴿.. وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ …﴾ (^٢)، والجمهور على أنها تدخل في هذا النص .. ولكنني أميل إلى اعتبار الرأى القائل بالتحريم في هذه الحالة. وقد رواه البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: قال ابن عمر: "لا أعلم شركًا أعظم من أن تقول ربها عيسى … ") (^٣).
واختيار سيد السابق غير مسلَّم ولا مقبول؛ لأن فيه تعطيلًا للآية التي تبيح نكاح الكتابيات في سورة المائدة. وحملها على من لم تعتقد بأن عيسى ابن الله أو العزير ابن الله متعذر؛ لأن الكتابيات اللواتي كن زمن رسول الله ﷺ كن كافرات يعتقدن ببنوة عيسى أو العزير لله، ومع ذلك نزلت آية المائدة بجواز
_________________
(١) المرجع السابق ٦: ٣٠٥.
(٢) المائدة: ٥.
(٣) الظلال ١: ٢٤٠ - ٢٤١.
[ ١ / ٨٢ ]
الزواج منهن، ثم ثبت أن بعض الصحابة والتابعين قد تزوجوا كتابيات ولم ينقل أنهم تحققوا من عقيدتهن في عيسى أو العزير .. واستمر المسلمون على الزواج بالكتابيات لمن أراد بذلك.
ثم إننا لسنا مع ابن عمر وسيد في اعتبار الكتابية مشركة، بل إنها كافرة. والكفر أعم من الشرك كما تقرر نصوص القرآن الصريحة كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (^١).
السابع عشر: قال بعض العبارات التي تحتمل أكثر من معنى، ولم يحددها تحديدًا دقيقًا. فوقف بعضهم أمامها، وحملها ما لم تحتمل، واستخرج منها وثيقة إدانة لعقيدة سيد وفكره .. وكان الأولى بسيد أن لا يطلقها ولا يستعملها إلا ببيان ما يقصده منها بدقة وتحديد …
صحيح أن مقصد سيد كان صحيحًا ونيته سليمة، وأنَّه لم يقصد المعانى السيئة التي حملها البعض عليها .. وأن صاحب الفهم السليم والنيّة الطيبة يفهم المراد منها بسهولة .. لكن نقرر أن الأولى هو عدم استعمال تلك العبارات منعًا لسوء التفسير والتأويل.
ومن تلك العبارات قوله: "وتبدأ الريشة المعجزة في المشاهد الكونية الضخمة .. لمسة في السموات، ولمسة في الأرضين، ولمسات في مشاهد الأرض وكوامن الحياة .. " (^٢)، وقد قال هذا الكلام في تفسيره لمشاهد الطبيعة والكون التى تعرضها الآيات الأولى من سورة الرعد، ولم يكن يقصد بكلمة "الريشة المعجزة" هو الله - سبحانه - كما فهم بعض المغرضين الشانئين ذلك! - وإنما هي مرتبطة بنظريته عن "التصوير الفني في القرآن"، وتعبيره عنها من الرسم والتصوير واللون والتناسق والريشة والظل .. وغير ذلك.
ومن تلك العبارات: قوله عن توكل المؤمن على ربه واطمئنانه إلى موقفه
_________________
(١) البينة: ١، وانظر الموضوع: ابن كثير ١: ٢٥٧ - ٢٥٨، ٢: ٢٠ - ٢١.
(٢) الظلال ٤: ٢٠٤٤.
[ ١ / ٨٣ ]
وطريقه: "إنها كلمة المطمئن إلى موقفه وطريقه، المالئ يديه من وليه وناصره، المؤمن بأن الله الذى يهدى السبيل لا بدّ أن ينصر وأن يعين .. " (^١).
ومنها قوله عن وجوب عودة الفطرة البَشرية إلى الله .. "البَشرية التي لن تجد الرشد، ولن تجد الهدى، ولن تجد الراحة، ولن تجد السعادة، ولن تجد السعادة، إلا حين ترد الفطرة البَشرية إلى صانعها الكبير، كما ترد الجهاز الزهيد إلى صانعه الصغير" (^٢)!!.
ومنها قوله عن معية الله سبحانه لعباده: "وهى كلمة على الحقيقة لا على الكناية والمجاز، فالله - سبحانه (^٣) - مع كل أحد ومع كل شيء، في كل وقت، وفي كل مكان .. مطلع على ما يعمل، بصير بالعباد" (^٤).
ومنها قوله عن المعية أيضًا: (إنه الله، هو الذي يقول، يقول لهؤلاء المخاليق وهم يعيشون معه، يحسون أنه معهم حقيقة وواقعًا، أنه يستمع إلى شكواهم في جنح الليل ويستجيب لها .. " (^٥)
ومنها تعبيره عن العلاقة بين الله وعباده المؤمنين: "حين يرفع عباده الذين يؤثرونه ويحبونه إلى مرتبة يتحرج القلم من وصفها لولا أن فضل الله يجود بها … مرتبة الصداقة .. الصداقة بين الرب والعبد .. ودرجة الود ودرجة الود من الله لأودائه وأحبائه المقربين" (^٦).