قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ردًا على سؤال: هل قلتم مرة أن معالم في الطريق توحيد كُتب بأسلوب عصري؟
أجاب الشيخ: أنا أقول: إن هذا الكتاب فيه فصل قيم جدًّا أظن عنوانه "لا إله إلا الله منهج حياة" ثم قال: وله كتاب "العدالة الاجتماعية" لا قيمة له، ولكن كتاب "معالم في الطريق" فيه بحوث طيبة جدًّا (^٢).
كلام فضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، في الرسالة التي بعث بها إلى بعض إخوانه العلماء، وهي في جملتها جامعة لرأى الشيخ بكر في سيد قطب، وفي كتبه، وإليك نص الرسالة بلا زيادة أو نقصان.
_________________
(١) = كما قال رسول الله ﷺ: "من مات في سبيل الله أو قتل شهيد"، وهو حديث حسن أخرجه أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما من طريق محمد بن سيرين عن أبي الجعفاء - بفتح المهملة وسكون الجيم ثم فاء - عن عمر، وله شاهد في حديث مرفوع أخرجه أبو نعيم من طريق عبد الله بن الصلت عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: "من تعدون الشهيد"؟ قالوا: من أصابه السلاح، قال: "كم من أصابه السلاح وليس بشهيد ولا حميد، وكم من مات على فراشه حتف أنفه عند الله صديق وشهيد"، وفي إسناده نظر، فإنه من رواية عبد الله بن خبيق بالمعجمة والموحدة والقاف مصغر عن يوسف بن أسباط الزاهد المشهور، وعلى هذا فالمراد النهي عن تعيين وصف واحد بعينه بأنه شهيد، بل يجوز أن يقال ذلك على طريق الإجمال ا هـ (فتح: ٦/ ١٠٥، ١٠٦).
(٢) انظر كتاب "سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد" من ١٥: ٢٢، و"الموسوعة الحركية": ٦/ ٢٠ - ٣١٣، و"سيد قطب/ محمد توفيق بركات" ص ٩ وبعده.
(٣) ارجع إلى شريط "الألباني رأى في سيد قطب" تسجيلات حنين الإسلامية.
[ ١ / ١٢ ]
﷽
فضيلة الأخ الشيخ:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته … وبعد:
فأشير إلى رغبتكم قراءة الكتاب المرفق: "أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره"، هل من ملاحظات عليه، ثم هذه الملاحظات هل تقضى على هذا المشروع فيطوى ولا يُروى، أم هي مما يُمكن تعديلها فيترشح الكتاب بعد الطبع والنشرن ويكون ذخيرة لكم في الأخرى، بصيرة لمن شاء الله من عباده في الدنيا. لهذا أبدى ما يلى:
١ - نظرت في أول صفحة منه: "فهرس الموضوعات" فوجدتها عناوين قد جمعت في "سيد قطب" ﵀ أصول الكفر، والإلحاد، والزندقة، القول بوحدة الوجود، القول بخلق القرآن، يجوز لغير الله أن يشرع، غلوه في تعطيل صفات الله تعالى، لا يقبل الأحاديث المتواترة، يشكك في أمور العقيدة التي يجب الجزم بها، يكفر المجتمعات .. إلى آخر تلك العناوين التي تقشعر منها جلود المؤمنين، وأسفت على أحوال علماء المسلمين في الأقطار الذين لم ينبهوا على هذه الموبقات، وكيف الجمع بين هذا وبين انتشار كتبه في الآفاق انتشار الشمس، وعامتهم يستفيدون منها حتَّى أَنْتَ في بَعْض ما كتبت.
عند هذا أخذت بالمطابقة بين العنوان والموضوع فوجدت الخبر يكذبه الخبر، ونهايتها بالجملة عناوين استفزازية تجذب القاريء العادى إلى الوقيعة في سيد ﵀ وإنى أكره لى ولكم ولكل مسلم، مواطن الإثم والجناح، وإن من الغبن الفاحش إهداء الإنسان حسناته إلى من يعتقد بغضه وعداوته.
٢ - نظرت فوجدت هذا الكتاب يفتقد: "أصول البحث العلمي"، الحيدة العلمية، منهج النقد، أمانة النقل والعلم، عدم هضم الحق. أما أدب الحوار،
[ ١ / ١٣ ]
وسمو الأسلوب، ورصانة العرض فلا تمت إلى الكتاب بهاجس. وإليك التدليل:
أولًا: رأيت الاعتماد في النقل من كتب سيد - رحمه الله تعالى - من طبعات سابقة مثل "الظلال" و"العدالة الاجتماعية"، مع علمكم كما في حاشية ص ٢٩ وغيرها، أن لها طبعات معدَّلة لاحقة.
والواجب - حسب أصول النقد والأمانة العلمية تسليط النقد إن كان على النص من الطبعة الأخيرة لكل كتاب، لأن ما فيها من تعديل ينسخ ما في سابقتها، وهذا غير خاف - إن شاء الله تعالى - على معلوماتكم الأولية، لكن لعلها غلطة طالب حضّر لكم المعلومات ولما يعرف هذا؟؟ وغير خاف ما لهذا من نظائر لدى أهل العلم فمثلًا كتاب الروح لابن القيم - رحمه الله تعالى - لما رأى بعضهم فيه رأى قال: لعله في أول حياته، وهكذا في مواطن لغيره، وكتاب "العدالة الاجتماعية" هو أول ما ألفه في الإسلاميات والله المستعان.
ثانيًا: لقد اقشعر جلدى حينما قرأت في فهرس هذا الكتاب قولكم: "سيد قطب: يجوّز لغير الله أن يشرع: ١٣٩ - ١٤٢"، فهرعت إليها قبل كل شيء، فرأيت الكلام بمجموعه نقلًا واحدًا لسطور عديدة من كتابه: "العدالة الاجتماعية"، وكلامه لا يفيد هذا العنوان الاستفزازى، ولنفرض أن فيه عبارة موهمة أو مطلقة فكيف نحولها إلى مؤاخذة مُكَفّرة، تنسف ما بَنَى عليه سيد - رحمه الله تعالى - حياته، ووظف له قلمه من الدعوة إلى توحيد الله تعالى في: "الحكم والتشريع"، ورفض سن القوانين الوضعية، والوقوف في وجوه الفعلة لذلك.
إن الله يحب العدل والإنصاف في كل شيء، ولا أراك - إن شاء الله تعالى - إلا في أوبة إلى العدل والإنصاف.
ثالثًا: ومن العناوين الاستفزازية قولكم: "قول سيد قطب بوحدة الوجود ٩٤ - ١٠٩" إن سيدًا - رحمه الله تعالى - قال كلامًا متشابهًا، حلق فيه
[ ١ / ١٤ ]
بالأسلوب في تفسير سورتى الحديد، والإخلاص، وقد اعُتِمد عليه بنسبة القول بوحدة الوجود إليه.
وأحسنتم حينما نقلتم قوله في تفسير سورة البقرة، من رده الواضح الصريح لفكرة وحدة الوجود ومنه قوله: "ومن هنا تنتفى من التفكير الإسلامي الصحيح فكرة وحدة الوجود".
وأزيدكم أن في كتابه: "مقومات التصور الإسلامي"، رد شاف على القائلين بوحدة الوجود، لهذا فنحن نقول: غفر الله لسيد، كلامه المتشابه الذي جنح فيه بأسلوب وسع فيه العبارة، والمتشابه لا يقاوم النص الصريح القاطع من كلامه.
لهذا أرجو المبادرة إلى شطب هذا التكفير الضمني لسيد - رحمه الله تعالى - وإني مشفق عليكم.
رابعًا: وهنا أقول لجنابكم الكريم بكل وضوح، إنك تحت هذه العناوين: "مخالفته في تفسير لا إله إلا الله للعلماء وأهل اللغة ٤٢ - ٤٤"، و"عدم وضوح الربوبية والألوهية عند سيد ٤٥ - ٤٧".
أقول - أيها المحب الحبيب - لقد نسفت بلا تثبت: جميع ما قرره سيد - رحمه الله تعالى - من معالم التوحيد، ومقتضياته ولوازمه، التي تحتل السمة البارزة في حياته الطويلة، فجميع ما ذكرتم يلغيه كلمة واحدة وهى: أن توحيد الله في الحكم والتشريع، من مقتضيات كلمة التوحيد، وسيد - رحمه الله تعالى - ركز على هذا كثيرًا، لما رأى من هذه الجرأة الفاجرة على إلغاء تحكيم الله شرع من القضاء وغيره، وإحلال القوانين الوضعية بدلًا عنها، ولا شك أن هذه جرأة عظيمة ما عهدتها الأمة الإسلامية في مشوارها الطويل قبل عام ١٣٤٢ هـ.
خامسًا: ومن عناوين الفهرس: "قول سيد بخلق القرآن وأن كلام الله عبارة
[ ١ / ١٥ ]
عن الإرادة - ٨٨ - ٩٣". لما رجعت إلى الصفحات المذكورة لم أجد حرفًا واحدًا يصرح فيه سيد - رحمه الله تعالى - بهذا اللفظ: "القرآن مخلوق"، كيف يكون هذا استسهال للرمى بهذه المكفرات إن نهاية ما رأيت له تمدد في الأسلوب كقوله: "ولكنهم لا يملكون أن يؤلفوا منها - أي الحروف المقطعة - مثل هذا الكتاب لأنه من صنع الله لا من صنع الناس" ا هـ.
وهى عبارة لا شك في خطئها، لكن هل نحكم من خلالها أن سيدًا يقول بهذه المقولة الكفرية: "خلق القرآن". اللَّهم إني لا أستطيع تحمل عهدة ذلك؟؟
لقد ذكرنى قوله هذا بقول نحوه للشيخ: محمد عبد الخالق عظيمة - رحمه الله تعالى - في مقدمة كتابه: "دراسات في أسلوب القرآن الكريم". والذي طبعته - مشكورة - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. فهل نرمى الجميع بالقول بخلق القرآن .. اللَّهم لا، واكتفى بهذه من الناحية الموضوعية، وهي المهمة ومن جهات أخرى أبدى ما يلى:
١ - مسودة هذا الكتاب تقع في/ ١٦١ صفحة بقلم اليد، وهي خطوط مختلفة، ولا أعرف منه صفحة واحدة بقلمكم حسب المعتاد، إلا أن يكون اختلف خطكم، أو اختلط عليّ، أم أنه عُهد بكتب سيد قطب - رحمه الله تعالى - لعدد من الطلاب فأستخرج كل طالب ما بدا له تحت إشرافكم، أو بإملائكم.
لهذا فلا أتحقق من نسبته إليكم إلا مما كتبته على طرته أنه من تأليفكم، وهذا عندى كاف في التوثيق بالنسبة لشخصكم الكريم.
٢ - مع اختلاف الخطوط إلا أن الكتاب من أوله إلى أخره يجرى على وتيرة واحدة وهى: أنه بنفس متوترة وتهيج مستمر، ووثبة تضغط على النص حتى يتولد منه الأخطاء الكبار، وتجعل محل الاحتمال ومشتبه الكلام محل قطع لا يقبل الجدال … وهذا نكث لمنهج النقد: الحيدة العلمية.
[ ١ / ١٦ ]
٣ - من حيث الصياغة إذا قارنا بينه وبين أسلوب سيد - رحمه الله تعالى - فهو في نزول، وسيد قَدْ سَمَا، وإن اعتبرناه من جنابكم الكريم فهو أسلوب "إعدادى" لا يناسب إبرازه من طالب علم حاز العالمية العالية.
لا بد من تكافؤ القدرات في الذوق الأدبى، والقدرة على البلاغة والبيان، وحسن العرض، وإلا فليكسر القلم.
٤ - لقد طغى أسلوب التهيج، والفزع على المنهج العلمي للنقد.
ولهذا افتقد الرد أدب الحوار.
٥ - في الكتاب من أوله إلى أخره: تهجم، وضيق عطن وتشنج في العبارات، فلماذا هذا؟
٦ - هذا الكتاب يُنشط الحزبية الجديدة التي أنشأت في نفوس الشبيبة جنوح الفكر بالتحريم تارة، والنقد تارة، وأن هذا بدعة أو ذاك مبتدع، وهذا ضلال، وذاك ضال، ولا بينة كافية للإثبات.
وَوَلَدَتْ غرور التَّدَيُن والاستعلاء، حتى كأنما الواحد عند فعلته هذه يلقى حملًا عن ظهره، قد استراح من عناء حمله، وأنه يأخذ الأمة بحجز عن الهاوية وأنه في اعتبار الآخرين قد حلّق في الورع والغيرة على حرمات الشرع المطهر.
وهذا من غير تحقيق هو في الحقيقة هدم، وإن اعتُبر بناء عالى الشرفات فهو إلى التساقط، ثم التبرد في إدراج الرياح العاتية.
هذه سمَاتٌ ستٌ تَمَتَّعَ بها هذا الكتاب فآلَ غير ممتع هذا ما بدا إلى حسب رغبتكم، وأعتذر عن تأخر الجواب، لأننى من قبل ليس لي عناية بقراءة كتب هذا الرجل وإن تداولها الناس، لكن هول ما ذكرتم دفعني إلى قراءات متعددة في عامة كتبه فوجدت في كتبه خيرًا كثيرًا، وإيمانًا مشرفًا، وحقًا أبلجًا، وتشريحًا فاضحًا لمخططات العداء للإسلام، على عثرات في سياقاته، واسترسال بعبارات لَيْتُه لمْ يَفُهْ بها، وكثير منها ينقضها قوله الحق في مكان آخر، والكمال عزيز، والرجل كان أديبًا نقادة، ثم اتجه إلى خدمة الإسلام من
[ ١ / ١٧ ]
خلال القرآن العظيم، والسُّنَّة المشرفة، والسيرة النبوية العطرة فكان ما كان من مواقف في قضايا عصره، وأصر على موقفه في سبيل الله تعالى، وكشف عن سالفته وَطُلِبَ منه أن يسطر بقلمه كلمات اعتذار وقال كلمته الإيمانية المشهورة إن إصبعًا أرفعه للشهادة لن أكتب به كلمة تضارها، أو كلمة نحو ذلك، فالواجب على الجميع الدعاء له بالمغفرة، والاستفادة من علمه، وبيان ما تحققنا خطأه فيه، وأن خطأه لا يوجب حرماننا من علمه، ولا هجر كتبه، واعتبر - رعاك الله - حاله بحال أسلاف مضوا أمثال أبى إسماعيل الهروى، والجيلاني كيف دافع عنهما شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - مع ما لديهما من الطوام لأن الأصل في مسلكهما ثمرة الإسلام والسنة، وانظر: "منازل السائرين" للهروى - رحمه الله تعالى - تري عجائب لا يمكن قبولها ذلك فابن القيم - رحمه الله تعالى - يعتذر عنه أشد الاعتذار ولا يجرمه فيها، وذلك في شرحه "مدارج السالكين". وقد بسطت في كتاب: "تصنيف الناس بين الظن واليقين" ما تيسر لى من قواعد ضابطة في ذلك.
وفى الختام: فإني أنصح فضيلة الأخ في الله بالعدول عن طبع هذا الكتاب: "أضواء إسلامية "، وأنه لا يجوز نشره ولا طبعه لما فيه من التحامل الشديد والتدريب القوى لشباب الأمة على الوقيعة في العلماء وتشذيبهم والحط من أقدارهم والانصراف عن فضائلهم.
وأسمح لى - بارك الله فيك - إن كنت قسوت في العبارة، فإنه بسبب ما رأيته من تحاملكم الشديد وشفقتى عليكم، ورغبتكم الملحة بمعرفة ما لدى نحوه، جرى القلم بما تقدم … سدد الله خطى الجميع. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم
بكر بن عبد الله بن أبو زيد
٢٠/ ١/ ١٤١٤ هـ
[ ١ / ١٨ ]