قدم محب الدين الخطيب لكتاب دراسات إسلامية، ولقب سيد قطب بلقب "لسان الدين"، واعتبر أن أهم مميزات أدب سيد هي القوة وأطلق على أدبه لقب "أدب القوة" (*).
وقال الدكتور عمر الأشقر حفظه الله في مقابلة مع مجلة "المجتمع" - العدد ٤١١ - ص (١١) الحادية عشر، وهو يتحدث عن سيد قطب ﵀ فيقول: "علينا أن نفرق بين رجلين من الناس الذين بنوا عقيدتهم على تخريف ودجل، وبين الناس الذين صفت عقيدتهم، وبين الناس الذين ساروا مع الخط الثاني
_________________
(١) رسالة في الرد على "أضواء إسلامية، عقيدة سيد قطب وفكره".
(٢) ذكريات لا مذكرات لعمر التلمساني، نقلًا عن سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد ص ٣٩٠. (*) كتاب "سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد" ص ٥٤٩.
[ ١ / ٢٧ ]
الذي صفت عقيدتهم، ولكن كانت لديهم نقاطًا غامضة - لكن منهجهم العام منهج سليم - لا يجوز لنا أن نخرج عالمًا من علماء الإسلام، فمثلًا أبو حنيفة لا يختلف أحد أنه من أهل السُّنَّة والجماعة، فلا يأتي من يخرجه من أهل السُّنَّة والجماعة لخطئه في مسألة الإرجاء.
كذلك بالنسبة لسيد قطب ﵀ إذا كانت لديه نقاط غامضة يجب علينا أن ننظر إليه بنفس الأسلوب مع ملاحظة أن الأصول لديه واضحة تمامًا (^١).
وإذا رجعت إلى كلام الأساتذة في رأيهم في الظلال وصاحبه والمنقول قبل قليل، وكذلك من نال في سيرته درجة الدكتوراة (د. صلاح الخالدي)، ومن اعتمد على كتبه أيضًا من الأساتذة والنقاد في بحوثهم إذا استأنست بهذا وغيره، ربما وقع في نفسك عدالته وإمامته.
فإن ثبتت عندك عدالته وإمامته بقول أهل العلم والدعاه السالف كلامهم.
فإن جرحه مجرح بجرح غير مفسر مثل قول بعضهم: إنه عميل أمريكاني، فهذا الكلام لا يلتفت إليه أصلًا ولا يعول على مثله وعلى ذلك فقس الجرح الذي لا دليل عليه.
* ثم إن كان الجرح مفسرًا بأن أخذوا بعض كلامه الموهم المحتمل مثل قوله: "إن عبادة الأصنام التي دعا إبراهيم ربه أن يجنبه هو وبنيه إياها، لا تتمثل فقط في تلك الصورة الساذجة التي كان العرب يزاولونها في جاهليتهم أو التي كانت تزاولها تلك الوثنيات في صور شتى مجسمة بأحجار أو أشجار أو حيوان أو طير أو نجم أو نار أو أشباح، إن هذه الصورة الساذجة لا تستغرق صور الشرك بالله وتستغرق صور كل صور العبادة للأصنام من دون الله، والوقوف بالمدلول الشركي عند هذه الصورة الساذجة يمنعنا من رؤية صور الشرك الأخرى التي لا نهاية لها، ويمنعنا من حقيقة الرؤية الصحيحة لما يعتو البشرية من صور الشرك والجاهلية الجديدة، ولا بد من التعمق في إدراك طبيعة الشرك وعلاقة الأصنام
_________________
(١) "سيد قطب المفترى عليه" محمد بن دليم آل دليم القحطاني ص ٣٣.
[ ١ / ٢٨ ]
بها، كما أنه لا بد من التعمق في معنى عبادة الأصنام وتمثل صورها المجردة المتجددة مع الجاهليات المستحدثة"، والذي توهم قومٌ منه توهمات سنعرض لها ولكلام العلماء في الرد عليها، وذلك بذكر فهم الشيخ الألباني لهذا الكلام حينما طلب منه التعليق عليه.
فأجاب الشيخ قائلًا: لا شك أن هذا الكلام سليم مائة في المائة، ويكفي في ذلك قوله تعالى في القرآن الكريم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، والتفسير الذي جاء في هذه الآية - لما نزلت - طبعًا هي نزلت في حق النصارى، وكان من العرب الذين تنصروا في الجاهلية مع قلة المتنصرين منهم عدي بن حاتم الطائي، ثم هداه الله ﷿ وأسلم ﷿ وأسلم، تلك القصة في مسند الإمام أحمد وغيره (*) - فلما نزلت هذه الآية أشكلت على عدي بن حاتم الطائي لأنه فهمها بمعنى الشرك الذي ينكر الرجل أن يكون الشرك كله محصورًا في هذا النوع من عبادة الأصنام والوثنيات، فقال له ﵇ موضحًا: ألستم كنتم إذا حرموا لكم الحلال حرمتموه، وإذا حللوا لكم حرامًا حللتموه، قال: أما هذا فقد كان، قال: فذلك اتخاذكم إياهم أربابًا من دون الله، فالآن هذا النوع من الشرك غير ملاحظ حتى عند الذين يعلنون أن الحاكمية الله ﷿ … إلى أن قال الشيخ:
لماذا نحن لا نتوجه إذًا إلى الدعوة بعامة، وليس فقط فيما يتعلق بالشعوب، فالعبارة هذه تشبه تمامًا كلمة "فقط" هناك، فهو قيدها بالوقوف في محاربة الشركيات المتعلقة بالشعوب وترك الحكام دون نصح دون تعذير دون إنكار ولو مع عدم الخروج.
ثم سئل الشيخ عن الأوهام التي توهمها بعض الناس من هذا الكلام على رغم وضوحه كما بينه الشيخ الألباني:
السؤال الأول: هل في هذا الكلام تهوين لدعوات الأنبياء؟
فأجاب الشيخ: لا.
_________________
(١) (*) [حسن]، وهو مخرج تحت رقم (٣٧٤)، فانظره إن شئت.
[ ١ / ٢٩ ]
السؤال الثاني: فيه صرف الدعاة عن أعظم وأكبر أنواع الكفر والشرك الذي حاربه كل الأنبياء والمرسلون والمصلحون وأدركوا أنه أكبر خطر على الإنسانية؟ هل في هذا الكلام صرف؟
فأجاب الشيخ: لا يوجد.
السؤال الثالث: فيه خلط بين قضايا الشرك الأكبر والأصغر وبين قضايا المعاصي صغيرها وكبيرها؟
فأجاب الشيخ: أين هذا، أنا ما رأيته.
السؤال الرابع: عن قوم قالوا في سيد قطب: "هذا من شذوذات سيد قطب ليوسع به دائرة التكفير"، ألا ترون أن هذا إلزام ما لا يلزم؟
فأجاب الشيخ: ما عرفنا عنه ذلك.
وقال أيضًا رادًا على الأوهام المزعومة:
حاولوا أن تفهموا ماذا يعنى بهذه الكلمة، كما يروى عن بعض السَلَف، التمس لأخيك عذرًا، هذا إن كانت في العبارة إيحاء بما يخالف الشرع، أما العبارة والله ما هي واضحة، نحملها على أحسن الاحتمالين (^١) ا. هـ.
قلت: وهذا الكلام وكلام السلف في الجرح والتعديل يخرج من مشكاة واحدة، وهذا والله هو الميزان العدل.
* وأما إن كان الجرح مفسرًا وظهرت العصبية على الجارح أو التحامل أو مصلحة دنيوية، فلا يقبل جرحته أصلًا، كما قال السبكي آنفًا: "إن الجارح لا يقبل منه الجرح، وإن فسره في حق من غلبت طاعاته على معاصيه ومادحوه على ذاميه ومزكوه على جارحيه، إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة في الذي جرحه من تعصب مذهبي أو منافسة دنيوية، كما يقوم بين النظراء أو غير ذلك". وهذا عين ما فعله فضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في رسالته المتقدمة.
_________________
(١) ارجع إلى شريط الألباني السابق.
[ ١ / ٣٠ ]
* وإذا كان الجرح من قرين لسيد قطب فهذا لا يُعبأ به، كما قال الذهبي في كلام الأقران بعضهم في بعض. وقال غيره كلام الأقران بعضهم في بعض يُطوى ولا يُروى (*).
* أما إذا لم تظهر قرائن العصبية أو الهوى أو غير ذلك، ولم يكن عند المدافع أو المعدل ما يردّ به هذا الخطأ سلمنا بالخطأ الذي وقع فيه سيد قطب، لكن تبقى كلمة يحيى بن معين وتعليق المعلق عليها بأن الراوى إنسان معرض للوقوع في الخطأ: "ومن لم يخطأ في الحديث فهو كذاب"، وما تقدم من كلام الشيخ الألباني من أن هذا الكلام لم يخرج من معصوم إلى آخر كلام السلف في هذا الباب.
ويبقى سؤال: هل هذا الخطأ الذي وقع فيه سيد قطب صاحبه عناد وإصرار وعدم رجوع عنه إذا ما أطلع عليه؟ والذي يظهر لى من سيرته أنه كان رجّاعًا للحق، وهاكم الأمثلة التي ضربها الأستاذ محمد توفيق بركات ليدلل بها على ذلك:
المثال الأول: قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ …﴾ بعد قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ …﴾.
ذهب سيد قطب ﵀ في الطبعة الأولى من "الظلال" إلى أنه لا يوجد نسخ، وإنما معنى "الذين يطيقونه" من لا يطيق صيامه كالشيخ العجوز، فله أن يطعم مسكينًا عن كل يوم، وهذا المعنى ذهب إليه بعض السَّلَف كابن عباس ﵄.
ثم عاد في الطبعة الثانية - قبل المنقحة - مخطِّئ موقفه، وذكر أن ناسًا نبهوه إلى وجود النسخ الثابت بالروايات الصحيحة، فقال بالنسخ وشكر من دله وذكره بالآثار.
المثال الثاني: قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
_________________
(١) (*) انظر رسالة منهج أهل السُّنَّة والجماعة في تقويم الرجال ومؤلفاتهم للشيخ الصويان.
[ ١ / ٣١ ]
جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
فحاول في الطبعة الأولى - وفى الطبعة المكررة لها - أن يفسر التكرار "اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنو ثم اتقوا وأحسنوا" خاصة وأن الجملة الأولى فيها زيادة: "وعملوا الصالحات" على الجملة الثانية، وأما الجملة الثالثة فلا إشكال فيها لوجود "وأحسنوا"، ثم عاد فذكر - في الطبعة الجديدة المنقحة - أنه قال أولًا كذا، ولكنه لم يصنع شيئًا، وأنه هو لم يقتنع بما قال.
المثال الثالث: قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.
فذهب في كل طبعات الظلال - بما فيه الجديدة المنقحة - إلى أن معنى الآية إسفار الضوء، وهو يكون بعد الفجر بزمان، اتباعًا لتفسير روى عن بعض السَّلَف، وهو خطأ علمى لا شك فيه.
فهذه الأمثلة الثلاثة نقدمها تمهيدًا بين يدى حديثنا عن الاتهامات الموجهة ضده، لننبه القارئ إلى أنه كان يرجع عن خطئه إذا استبان له وجه الحق، سواء نبهه أحد أو تنبه من نفسه، وننبه أيضًا إلى أن الأخطاء العلمية التي قد يقع فيها هي من جنس الأخطاء التي قد يقع فيها العلماء الصالحون قديمًا، وأنه لم يأت بأمر منكر فظيع حين أخطأ خطأ علميًّا، وأن المطلعين على الدراسات الفقهية ودراسات فقه الحديث يدركون أن أخطاء أكبر كان يقع فيها بعض من نذكرهم بالإجلال، وندعوا الله أن يرضى عنهم حين نذكر أسماءهم.
• كان طلحة بن عبيد الله ﵁ لا يجد بأسًا من أكل البرد وهو صائم.
• وكان ابن عباس ﵄ يذهب إلى جواز نكاح المتعة لمن يجد عنتًا في الوقت الذي كان يقول فيه عمر ﵁: إنه لا، والله لو أتاها لأقيم عليه حد الرجم.
[ ١ / ٣٢ ]
• وكان ابن عباس ﵄ يذهب إلى أنه لا ربا إلا في النسيئة، وذلك مخالف للأحاديث الصحيحة الكثيرة التي تحرم ربا الفضل أيضًا.
وغير ذلك كثير …
فالذي يجب أن يكون واضحًا أن الخطأ العلمي يبقى خطأ ولا يعنى ضلالًا، ولا يخرج صاحبه عن منزلة العلماء إلى منزلة الجهلة أو الضلال ولنمضى على بركة الله (^١).
قال شيخ الإسلام ﵀: "أهل السُّنَّة لا يعصمون ولا يأثمون" (^٢) اهـ أي لا ندعى العصمة لإمام أو عالم أو شيخ لاعتقادنا أن كل بني آدم خطاء كما أخبرنا الرسول ﷺ (^٣)، وفي ذات الوقت إذا أخطأ أو زل في مسألة لا يوجب ذلك تأثيمه إن كان مجتهدًا في طلب الحق والدين من جهة الرسول فأخطأه، ولا بد حينئذ من الموازنة بين سلبياته وإيجابياته في إطار قوله ﷺ: "إذا بلغ الماء قلتين لا يحمل الخبث" (^٤)، فالماء قد يخالطه نجاسة، ومع ذلك لا يخرج عن كونه طاهرًا أو مطهرًا إذا كان يقوى على دفع هذا الخبث فلا يتأثر به، ولا يحمل صفته، وهذا فهم السَلَف ﵏، فقد ثبت عن سعيد بن المسيب أنه قال: "ليس من شريف ولا عالم ولا ذى فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغى أن تُذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه: وهب نقصه لفضله"، ولا بد من التجرد من الهوى عند هذه الموازنة لكى نهتدى للحق في هذا الأمر، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، فمن أتى بحصة ظلم وشرك
_________________
(١) كتاب "سيد قطب": محمد توفيق بركات ص ١٧٨ - ١٨٠.
(٢) رسالة الشيخ الصويان السابقة.
(٣) [حسن] أخرجه أحمد (١٩٨٣) وغيره، ولفظه: "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون".
(٤) [صحيح] أخرجه أحمد (٢/ ١٢، ٢٣، ٢٧، ٣٨، ١٠٧)، وأبو داود (١/ ١٦ /ح ٦٣، ٦٤، ٦٥)، وصححه الألباني في "الإرواء" (١/ ٦٠/ ح ٢٣).
[ ١ / ٣٣ ]
الهوى فقد يقدرها حصة من اهتداء، ومن أتى بمطلق الإيمان مجردًا نفسه من عبادة الهوى والعصبية كان له مطلق الاهتداء، فالحصة للحصة والمطلق للمطلق كما قرر ذلك ابن القيم ﵀. لذلك وغيره جاء حكم السلف على الناس - لا سيما أهل الفضل منهم - أعدل الأحكام فلا أقل من أن نتمثل أقوالهم وهديهم لا سيما قول سعيد بن المسيب السابق فنهب نقص سيد قطب لفضله، لأن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، والله يحفظنا من الزلل ويلهمنا الورع، فهو سبحانه خير حافظ، وهو أرحم الراحمين (*).
_________________
(١) (*) انظر رسالة الصويان السابقة، وفتح المجيد، باب: "فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب".
[ ١ / ٣٤ ]