٨٨١ - قوله: عن سماك بن خالد بن عرعرة، وأبي الطفيل، أنهما سمعا عليًا ﵁ على منبر الكوفة فقال: لا تسألوني عن آية في كتاب الله تعالى ولا عن سنة رسول الله ﷺ إلا أنبأتكم بذلك، فقام ابن الكواء، فقال: يا أمير المؤمنين، ما معنى قوله تعالى ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ قال علي ﵁: الريح. قال: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ قال ﵁: السحاب. قال: ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾ قال ﵁ السفن. قال ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ قال ﵁: الملائكة. (٦/ ٣٣٧٤).
[صحيح]
أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (١١/ ٢٦/ ١١٥) من طريق شعبة، عن سماك، قال: سمعت خالد بن عرعرة، قال: سمعت عليًا ﵁، وخرج إلى الرحبة وعليه بردان، فقالوا: لو أن رجلًا سأل فسمع القوم. قال: فقام ابن الكواء، فقال: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ فقال: الريح.
هكذا مختصرًا.
وأخرجه من وجه آخر عن شعبة، عن القاسم بن أبي بذة قال: سمعت أبا طفيل قال: سمعت عليًا ﵁، يقول: لا تسألوني عن كتاب ناطق ولا سنة ماضية إلا حدثتكم. فذكر رواية خالد بن عرعرة، وعنده عنه بنحو رواية الباب.
وأخرج سفيان بن عيينة في "تفسيره" (ص: ٣٢٥). وعبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ١٩٥/ رقم ٢٩٧). وابن جرير كذلك (١١/ ٢٦/ ١١٧).
جميعًا من طريق معمر، عن وهب بن عبد الله، عن أبي الطفيل، قال: شهدت عليًا وهو يخطب، وهو يقول سلوني إلخ الحديث.
[ ٣ / ١٢٨١ ]
وهو عند عبد الرزاق مطولًا. وعند ابن جرير من طرق كثير مختصرًا ومطولًا.
والأثر عند الحاكم (٢/ ٥٠٦) من طريق بسام بن عبد الرحمن الصيرفي، عن أبي الطفيل قال: رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قام على المنبر فقال: سلوني. فذكر بنحو رواية ابن جرير وعبد الرزاق.
قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وأقره الذهبي.
والأثر علقة البخاري في "صحيحه" في كتاب التفسير مختصرًا بصيغة الجزم. "الفتح" (٨/ ٤٦٣).
وذكره ابن حجر في "المطالب" (٣/ ٣٧٨) عن خالد بن عرعرة، وفي أوله قصة قتل عثمان ﵁. ثم ذكر بعد ذلك عن علي ﵁ بنحو رواية ابن جرير والحاكم ونسبه لإسحاق بن راهويه، والحارث بن أبي أسامة.
قال البوصيري في "الاتحاف"، رواته ثقات.
وذكره في الدر (٦/ ١٣٣) ونسبه للفريابي، وسعيد بن منصور، والحارث بن أبي أسامة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الإنباري في "المصاحف"، والبيهقي في "الشعب" من طرق عن علي ﵁.
قال الحافظ في "الفتح" (٨/ ٤٦٤): وهو عند الفريابي عن الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل عن علي، وأخرجه ابن عيينة في "تفسيره" أتم من هذا عن ابن أبي الحسين "سمعت أبا الطفيل قال: سمعت ابن الكواء يسأل علي بن أبي طالب عن ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ قال: الريح وعن ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ قال: السحاب، وعن ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾ قال: السفن، وعن ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ قال: الملائكة، وصححه الحاكم من وجه آخر عن أبي الطفيل، عن ابن الكواء، وهذا التفسير مشهور عن عليّ، وأخرج عن مجاهد وابن عباس مثله، وأطنب الطبري في تخريج طرقه عن عليّ وأخرجه عبد الرزاق
[ ٣ / ١٢٨٢ ]
من وجه آخر عن أبي الطفيل قال: "شهدت عليًا وهو يخطب وهو يقول سلوني" فذكره وفي آخره "ويلك سل تفقهًا ولا تسأل تعنتًا" وفيه سؤاله عن أشياء غير هذا، وله شاهد مرفوع أخرجه البزار بسند لين عن عمر.
وأفصح عن سبب اللين في "تخريجه للكشاف" (ص ١٥٩/ رقم ٤٧) قال: وفي الباب عن عمر مرفوعًا أخرجه البزار، وفيه قصة منيع، وقال فيه يعني البزار: ابن أبي سبرة لين الحديث، وسعيد بن سلام ليس من أصحاب الحديث اهـ. ولم يتفرد به سعيد فقد رواه ابن مردويه من طريق عبيد بن موسى عن أبي سبرة أيضًا. وانظر الحديث رقم (٨٨٢).
وفي الباب عنده عن ابن عباس، ونسبه للفريابي، وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير.
* تنبيه: قال المؤلف في إسناد رواية خالد بن عرعرة: قال شعبة بن الحجاج، عن سماك عن خالد بن عرعرة الخ الكلام. وذكره الحافظ في "الكافي الشاف" (رقم ٤٨) وقال: أخرجه الطبري من طريق العوفي وهذا خطأ وتصحيف، ولعله من الطابع فالصواب: عن سماك خالد بن عرعرة، كما تقدم في رواية ابن جرير والله أعلم.
٨٨٢ - قوله: وجاء صبيغ بن عسل التميمي إلى عمر بن الخطاب ﵁ فسأله عنها، فأجابه بمثل ما روى عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وقد أحس عمر ﵁ أنه يسأل عنها تعنتًا وعنادًا فعاقبه ومنعه من مجالسة الناس حتى تاب وحلف بالأيمان المغلظة: ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئًا (٦/ ٣٣٧٤).
[إسناده لين والقصة صحيحة]
أخرجه البزار (١/ ٤٢٣) من طريق سعيد بن سلام العطار، ثنا أبو بكر بن أبي سبرة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: جاء صبيغ
[ ٣ / ١٢٨٣ ]
التميمي إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ فذكره بنحو حديث علي ﵁ وفيه أنه ضربه ومنع الناس من مجالسته لتعنته في سؤاله.
قال البزار: أبو بكر بن أبي سبرة لين، وسعيد بن سلام، ليس من أصحاب الحديث.
وقال الهيثمي (٧/ ١١٣): رواه البزار وفيه أبو بكر بن أبي سبرة، وهو متروك.
وقال ابن كثير في "تفسيره" (٤/ ٢٣٣) هذا الحديث ضعيف رفعه، وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر ﵁، فإن قصة صبيغ بن عسل مشهورة مع عمر ﵁.
وذكر الحافظ في "الفتح" (٨/ ٤٦٤) ونسبه للبزار وابن مردويه بسند لين.
ورواية ابن مردويه ذكرها الحافظ في "تخريج الكشاف" (ص: ١٥٩/ رقم ٤٧) من طريق عبيد بن موسى عن ابن أبي سبرة، متابعًا لسعيد بن سلام عند البزار.
وذكره القرطبي في "تفسيره" شاهدًا له (٩/ ٦١٩٩) من رواية أبي بكر الأنباري، عن عمر موقوفًا ورجاله كلهم ثقات، غير شيخه عبد الله بن ناجية فلم أجده.
ويشهد لهذا كله ما أخرجه الدارمي في "سننه" (١/ ٥٥) من قصة عمر ﵁ مع صبيغ التميمي من طريق عبد الله بن صالح، حدثني الليث، أخبرني ابن عجلان، عن نافع مولى ابن عمر، أن صبيغ العراقي جعل يسأل عن أشياء من القرآن في أجناد المسلمين حتى قدم مصر، فبعث به عمرو بن العاص، إلى عمر بن الخطاب، فلما أتاه الرسول بالكتاب فقرأه، قال: أين الرجل؟ فقال: في الرحل. قال عمر: ابصر أن يكون ذهب فتصيبك مني به العقوبة الموجعة فأتاه به، فقال عمر: تسأل فحدثه. فأرسل عمر إلى رطائب من جريد، فضربه بها حتى ترك ظهره وبره، ثم تركه حتى برأ، ثم عاد له، ثم
[ ٣ / ١٢٨٤ ]
تركه حتى برأ، فدعا به ليعود له، فقال صبيغ: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلًا جميلًا، وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برئت، فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعري. أن لا يجالسه أحد من المسلمين. فاشتد ذلك على الرجل، فكتب أبو موسى إلى عمر: أن الرجل قد حسنت توبته. فكتب عمر: أن يأذن للناس بمجالسته.
قلت: وهو إسناده حسن، إن كان نافعًا أدرك ذلك الزمان.
والأثر ذكره في "الدر" (٦/ ١٣٣) ونسبه للبزار، والدارقطني في "الأفراد" وابن مردويه، وابن عساكر عن سعيد بن المسيب.
قال الحافظ في "الإصابة" (٢/ ١٩١): غريب تفرد به ابن أبي سبرة. وقال في "المجمع" (٧/ ١١٣): رواه البزار، وفيه أبو بكر بن أبي سبرة، وهو متروك.
وقال الحافظ أيضًا في "الإصابة" وقصته مع عمر مشهورة، روى الدارمي من طريق سليمان بن يسار قال: قدم المدينة رجل يقال له صبيغ بن عسل، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر فأعدّ له عراجعين، فقال من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ. قال: وأنا عبد الله عمر، فضربه حتى أدمى رأسه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين قد ذهب الذي كنت أجده في رأسي وأخرجه من طريق نافع أتم منه. قال: ثم نفاه إلى البصرة، وأخرجه الخطيب وابن عساكر من طريق أنس والسائب بن يزيد وأبي عثمان النهدي مطولًا ومختصرًا، وفي رواية أبي عثمان: "وكتب عمر لا تجالسوه، قال: فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا" وروى إسماعيل القاضي في "الأحكام" من طريق هشام عن محمد بن سيرين، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى: لا تجالس صبيغًا وأحرمه عطاءه. وروى الدارمي في حديث نافع أن أبا موسى كتب إلى عمر: أنه صلح حاله، فعفا عنه، وروى الخطيب من طريق عسل بن عبد الله بن عسيل التميمي عن عطاء بن أبي رباح عن عمه صبيغ بن عسل قال: جئت عمر، فذكر
[ ٣ / ١٢٨٥ ]
القصة، ومن طريق يحيى بن معين قال: صبيغ بن شريك، ثم قال: وقال الدارقطني في "الأفراد" بعد رواية سعيد بن سلام العطار، عن أبي بكر بن أبي سبرة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: جاء صبيغ التميمي إلى عمر، فسأله عن ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ الحديث، وفيه: فأمر عمر فضُرب مائة سوط فلما برئ دعاه فضربه مائة أخرى، ثم حمله على قتب، وكتب إلى أبي موسى: حرِّم على الناس مجالسته، فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف أنه لا يجد في نفسه شيئًا، فكتب إلى عمر، فكتب إليه: خل بينه وبين الناس.
غريب تفرد به ابن أبي سبرة. قلت: يعني الحافظ - وهو ضعيف والراوي عنه أضعف منه، لكن أخرجه ابن الأنباري من وجه آخر عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد، عن عمر بسند صحيح، وفيه: فلم يزل صبيغ وضيعًا في قومه بعد أن كان سيدًا فيهم.
وأخرجه الإسماعيلي في معجمه من حديث يحيى بن سعيد من هذا الوجه، وأخرجه أبو زرعة الدمشقي من وجه آخر من رواية سليمان التميمي عن أبي عثمان النهدي به، وأخرجه الدارقطني في "الأفراد" مطولًا. قال أبو أحمد العسكري: اتهمه عمر برأي الخوارج اهـ بتصرف قليل.
وبعد هذا التحقيق الجيد من الحافظ فالقصة ثابتة عن عمر ﵁ وصبيغ بن عسل.
٨٨٣ - قوله: وهكذا فسرها ابن عباس، وابن عمر ﵃، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، السدي (٦/ ٣٣٧٥).
أما أثر ابن عباس. فأخرجه ابن جرير في "تفسيره" (١١/ ٢٦/ ١١٧).
من طريق عطية العوفي عنه قوله: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ قال: الحساب، وقوله ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾. قال الملائكة.
[ ٣ / ١٢٨٦ ]
وإسناده ضعيف، إلا أنه يشهد له ما أشرنا إليه في الحديث قبل الماضي عند الفريابي وابن المنذر، من طريق سعيد بن جبير عنه.
أما أثر ابن عمر ﵄، فلم أجده بعد بحث.
وأما أثر مجاهد وقتادة، فأخرجهما ابن جرير عن كلامهما، ونقلًا عن غيرهما، وكذلك أثر الحسن نقلًا عن عمر عند الفريابي. وأثر سعيد بن جبير نقلًا عن ابن عباس كما تقدم.
وانظر في ذلك "الدر" (٦/ ١٣٤).
وأما أثر السدي فلم أجده، وذكره ابن كثير في "تفسيره" (٤/ ٢٣٣) جردًا بمن فسرها كتفسير علي وعمر ﵄.
٨٨٤ - قوله: قال الحسن البصري: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾: كابدوا قيام الليل، فلا ينامون من الليل إلا أقله، ونشطوا فمدوا إلى السحر، حتى كان الاستغفار بسحر (٦/ ٣٣٧٧).
[صحيح]
لم أجده بهذا اللفظ، وإنما وجدته متفرقًا، وقد نقله المؤلف ﵀ عن ابن كثير في "تفسيره" (٤/ ٢٣٥) عن الحسن، وكأنما أدخل ابن كثير كلام الحسن المروي عنه من طرق بألفاظ متفرقة في متن واحد وهذا هو البيان.
أخرج ابن جرير (١١/ ٢٦/ ١٢٢) قال: حدثنا ابن المثنى. قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن قتادة، في قوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ قال: قال الحسن: كابدوا قيام الليل.
قلت: وهذا إسناد صحيح إلى الحسن، رجاله كلهم ثقات على شرط الشيخين.
وأخرج أيضًا من طريق يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن بعض أصحابنا، عن الحسن قال في الآية: لا ينامون من الليل إلا قله.
[ ٣ / ١٢٨٧ ]
قلت: والدورقي وابن علية، ثقتان، إلا أن جهالة الراوي عن الحسن تذهب بالسند.
ويشهد له ما أخرجه أيضًا من طريق ابن حميد قال: ثنا مهران، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن قال: كانوا لا ينامون من الليل إلا قليلًا.
وابن حميد الرازي، ضعيف، ومهران بكسر الميم ابن أبي عمر العطار. صالح الحديث، إلا أن في حديثه اضطراب.
ولكن تابعهما الدورقي وابن علية كما تقدم، فيقوى أمرهما إن شاء الله.
وأخرج أيضًا من طريق أبي كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن يونس، عن الحسن قال: نشطوا فمدوا إلى السحر.
وابن اليمان، هو يحيى العجلي، صدوق عابد يخطئ كثيرًا، وقد تغير، وهو من رجال مسلم، وبقية رجاله ثقات.
وقد تابعه ابن مهران، عن سفيان بسنده وقال فيه: مدوا الصلاة، ونشطوا حتى كان الاستغفار بسحر.
وهي متابعة لا بأس بها، لأنها من طريق ابن حميد، وقد تقدم ولكن تابعه أبو كريب أيضًا فالأثر يحسن بالمجموع.
وبهذا يتبين وجه الخطأ في جمع أقوال الحسن في تفسير الآية في قول واحد.
وأثر الحسن ذكره في "الدر" (٦/ ١٣٥) ونسبه لابن أبي شيبة وابن نصر وابن جرير وابن المنذر بلفظ "صلوا فلما كان السحر استغفروا".
وذكره عند ابن أبي شيبة وابن جرير عن قتادة في الآية قال: كان الحسن
[ ٣ / ١٢٨٨ ]
يقول: كانوا قليلًا من الليل ما ينامون، وكان مطرف يقول: كانوا كلّ ليلة لا يصيبون منها، وكان محمد بن علي يقول: لا ينامون حتى يصلوا العتمة.
وذكر السيوطي (٦/ ١٣٥) عند ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن مردويه من طريق الحسن عن عبد الله بن رواحة ﵁ في قوله ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ قال: هجعوا قليلًا ثم مدوها إلى السحر.
قلت: وهو مرسل، الحسن لم يدرك عبد الله بن رواحة.
٨٨٥ - قوله: قال قتادة: قال الأحنف بن قيس: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾.
كانوا لا ينامون إلا قليلًا، ثم يقول: لست من أهل هذه الآية. (٦/ ٣٣٧٧).
[مرسل]
نقله أيضًا المؤلف ﵀ من ابن كثير، وقد صنع فيه مثل ما صنع في أثر الحسن.
فأخرجه ابن جرير (١١/ ٢٦/ ١٢٢) قال: حدثنا ابن بشار. قال: حدثنا أبو عاصم. قال ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الأحنف بن قيس في الآية: كانوا لا ينامون إلا قليلًا.
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، على شرط الشيخين، إلا أنه مرسل؛ فقتادة لم ير الأحنف بن قيس، وقد مات الأحنف، وعُمر قتادة سبع سنين على الأصح، فقد مات الأحنف في سنة سبع وستين، كما قال المزي. وولد قتادة في سنة ستين، كما قال ابن معين.
ومراسيل قتادة عندهم، شبه لا شيء.
وأخرج أيضًا من طريق ابن بشار. قال: ثنا أبو داود. قال: ثنا الحكم بن عطية، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، وقرأ هذه الآية قال: لست من أهل هذه الآية.
والحكم بن عطية العيشي: صدوق له أوهام. مع إرسال قتادة.
[ ٣ / ١٢٨٩ ]
٨٨٦ - قوله: وقال الحسن البصري: كان الأحنف بن قيس يقول: عرضت عملي على عمل أهل الجنة، فإذا قوم قد باينونا بونًا بعيدًا، إذ نحن قوم لا نبلغ أعمالهم. ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ عرضت عملي على عمل أهل النار، فإذا قوم لا خير فيهم، مكذبون بكتاب الله وبرسل الله، مكذبون بالبعث بعد الموت. فقد وجدت من خيرنا قومًا خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا" (٦/ ٣٣٧٧).
[يُحسن]
نقله المؤلف من ابن كثير في "تفسيره" (٤/ ٢٣٥).
وأخرج الإمام أحمد في "الزهد" (ص: ٢٨٨)، من طريق هارون بن معروف، ثنا ضمرة عن ابن شوذب قال: قال الأحنف بن قيس: عرضت نفسي على القرآن فلم أجد نفسي بشيء أشبه بهذه الآية ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾.
وضمرة هو ابن ربيعة الفلسطيني، أبو عبد الله، أصله دمشقي، صدوق يهم قليلًا. وابن شوذب هو عبد الله الخرساني، أبو عبد الرحمن: صدوق عابد، ولد سنة ست وثمانين، وتقدم معنا أن الأحنف مات سنة سبع وستين، أي أنه مات قبل أن يولد ابن شوذب بتسعة عشر سنة، فهو إسناد منقطع، بل قل فيه معضل.
وهذه القصة وردت عن مطرف، فأخرجها البيهقي في "الشعب" (٥/ ٤٣٢ / ح ٧١٦٦) من طريق الخضر بن أبان، نا سيَّار بن حاتم، نا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن مطرف قال: إني لأستلقي على فراش وأتدبر القرآن، فأعرض أعمالي على أعمال أهل الجنة فإذا أعمالهم شديدة ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ
[ ٣ / ١٢٩٠ ]
اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ فأعرض نفسي على هذه الآية. ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ فأرى القوم مكذبين، فأمر بهذه الآية ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ فأرجو أن أكون أنا وأنتم يا إخوتاه منهم".
قلت: وإسنادها ضعيف، الخضر بن أبان الهاشمي، ضعفه الحاكم، وتكلم فيه الدارقطني (الميزان ٢/ ١٧٧) وشيخه سيار بن حاتم: صدوق له أوهام.
والقصة ذكرها في "الدر" (٣/ ٤٨٩) ونسبها إلى أبي الشيخ، والبيهقي.
٨٨٧ - قوله: وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رجل من بني تميم لأبي: يا أبا أسامة صفة لا أجدها فينا ذكر الله تعالى قومًا فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ ونحن قليلًا من الليل ما نقوم. فقال له أبي ﵁: طوبى لمن رقد إذا نعس واتقى الله إذا استيقظ (٦/ ٣٣٧٧).
[رجاله ثقات إلا ابن زيد]
أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (١١/ ٢٦/ ١٢٣).
قال: حدثني يونس. قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد. فذكره. وزاد في أوله: كانوا قليلًا ما ينامون من الليل. قال: ذاك الهجع. قال: العرب تقول: إذا سافرت اهج بنا قليلًا.
وابن زيد، هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ضعيف، وبقية رجاله ثقات.
٨٨٨ - قوله عن القرآن: "لا تنفد عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد". يرفعه إلى النبي ﷺ (٦/ ٣٣٧٨).
[ضعيف]
[ ٣ / ١٢٩١ ]
أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ٢١) قال: ثنا أبو اليقظان عمار بن محمد الثوري أو غيره، عن أبي إسحاق الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "إن هذا القرآن حبل الله " فيه "لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد … الحديث".
قلت: وأبو إسحاق الهجري، هو إبراهيم بن مسلم، قال: الحافظ: لين الحديث رفع موقوفات.
وقد وهم في رفع هذا الحديث، وإنما هو من كلام ابن مسعود.
كما أخرجه الدارمي في "سننه" (٢/ ٤٣١) من طريق جعفر بن عون، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود به.
وهذا أصح. لا سيما وأن أبا عبيد شك في سماعه من شيخه هذا أو غيره.
وله شاهد عند الترمذي في فضائل القرآن (٥/ ١٧٢/ ح ٢٩٠٦).
من طريق حمزة الزيات، عن أبي المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث، عن الحارث، قال: مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فدخلت على عليٍّ فقلت: يا أمير المؤمنين ألا ترى أن الناس قد خاضوا في الأحاديث. قال: وقد فعلوها؟ قلت: نعم. قال: أما إني قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ألا إنها ستكون فتنة"، فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم وخير ما بعدكم " وفيه "ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقض عجائبه الحديث".
قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال.
قلت: وحمزة الزيات القارئ، صدوق زاهد ربما وهم. وأبو المختار الطائي، قيل اسمه سعد: مجهول. وابن أبي الحارث مجهول أيضًا.
[ ٣ / ١٢٩٢ ]
والحارث الأعور، كذبه الشعبي في رأيه، ورمى بالرفض، وفي حديثه ضعف.
قال ابن كثير في "فضائله" (ص: ٢٤): "لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات، بل قد رواه محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي عن الحارث الأعور، فبرئ حمزة من عهدته، على أنه وإن كان ضعيف الحديث فإنه إمام في القراءة، والحديث مشهور من رواية الحارث الأعور، وقد تكلموا فيه بل كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده، أما أنه يعتمد الكذب في الحديث فلا، وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي ﵁ وقد وهم بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن اهـ.
قلت: وهو لا يقصد ذلك تحسين أو تصحيح الإسناد، فقد تقدم ذكر ما فيه من علل وضعف، إنما يقصد أن هذا الكلام في حق القرآن حسن وصحيح ولا شك في ذلك.
ورواية محمد بن إسحاق التي ذكرها ابن كثير، أخرجها الإمام أحمد في "مسنده" (١/ ٩١) عنه قال: وذكر محمد بن كعب القرظي، عن الحارث بن عبد الله الأعور قال: لآتين أمير المؤمنين فلأسألنه عما سمعت العشية، قال: فجئته بعد العشاء فدخلت عليه. فذكر الحديث قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أتاني جبريل ﵇ فقال: يا محمد إن أمتك مختلفة بعدك". قال: فقلت له: "فأين المخرج يا جبريل؟ " قال: كتاب الله تعالى: فذكر بمثل ما تقدم وفيه "لا تفنى أعاجيبه، فيه نبأ من كان قبلكم الحديث".
قال أحمد شاكر في "المسند" (٢/ ٨٨) إسناده ضعيف جدًّا، من أجل الحارث الأعور، ثم الظاهر أنه منقطع، لقول ابن إسحاق: "وذكر محمد بن كعب القرظي" فإني لم أجد أنه روى عنه مباشرة، بل هو يروى في السيرة عنه بواسطة".
[ ٣ / ١٢٩٣ ]
قلت: فعلى هذا فإن هذه الطرق لا تعضد بعضها لشدة ضعفها، فلا يلتفت إلى من حسنها لشواهدها. فإن طريقان منها مدارها على الحارث الأعور، ولا تخلوا إحداهما من ضعف شديد، والثالث في الهجرى، ومع ضعفه، فقد وهم واختلف عليه في رفعه ووقفه.
* * *
[ ٣ / ١٢٩٤ ]