كل حديث أرسله واحدٌ من التابعين أو الأتباع، فرواه عن النبي ﷺ، ولم يذكر من حمله عنه، فهو على ضربين:
(أحدهما): أن يكون الذي أرسله من كبار التابعين الذين إذا ذكروا من سمعوا منه ذكروا قومًا عدولًا يوثق بخبرهم. فهذا إذا أرسل حديثًا نظر في مرسله، فإن انضم إليه ما يؤكد من مرسل غيره، أو قول واحدٍ من الصحابة، أو إليه ذهب عوام من أهل العلم - فإنا نقبل مرسله في الأحكام (^١).
_________________
(١) كل من عرف أنه لا يأخذ إلا عن ثقة فتدليسه ومرسله مقبول، فمراسيل بن المسيب، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي عندهم صحاح، ومراسيل عطاء والحسن لا يحتج بها لأنهما كانا يأخذان عن كل أحد، وكذلك مراسيل أبي قلابة، وأبي العالية.
[ المقدمة / ١ ]
- ب -
(والآخر): أن يكون الذي أرسله من متأخرى التابعين الذين يعرفون بالأخذ عن كل أحد، وظهر لأهل العلم بالحديث ضعف مخارج ما أرسلوه فهذا النوع من المراسيل لا يقبل في الأحكام، ويقبل فما لا يتعلق به حكم من الدعوات وفضائل الأعمال والمغازى، وما أشبهها (*).
_________________
(١) = وقالوا: لا يقبل تدليس الأعمش، لأنه إذا وقف أحال على غير مليء يعنون: على غير ثقة، إذا سألته عمن هذا؟ قال: عن موسى بن طريف، وعباية بن ربعي، والحسن بن ذكوان. وقالوا: ويقبل تدليس ابن عيينة، لأنه إذا وقف أحال على ابن جُريج، ومعمر، ونظائرهما. وحقيقة المرسل في أولاد الصحابة، والمخضرمين: فقد ولد لبعض الصحابة أطفال في عهد رسول الله ﷺ، فكان آباؤهم يأتون بهم إلى النبي ﷺ ليحنكهم، ويسميهم، ويدعو لهم، ومات رسول الله ﷺ وهم دون سن التمييز، فذكروا في الصحابة، بيد أن أحاديثهم عن النبي ﷺ من قبيل المرسل. والمخضرمون: أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم تثبت لهم رؤية النبي ﷺ، سواء أسلموا في حياته، أم في عهد أبي بكر وعمر ، وهؤلاء ذكروا في الكتب لمقاربتهم لطبقة الصحابة، لا لأنهم منهم … أما أحاديثهم عن النبي ﷺ، فهى مرسلة باتفاق أهل العلم. فأوقعوا الحديث المرسل على التابعى الكبير عن الرسول ﷺ مثل أن يقول عبيد الله بن عدى بن الخيار، أو أبو أمامة بن سهل بن حنيف، أو عبد الله بن عامر بن ربيعة، ومن كان مثلهم: قال رسول الله ﷺ. وكذلك من دون هؤلاء مثل: سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد ومثلهم. فهذا هو المرسل عند أهل العلم. وقد شرحه علماء الحديث، فكتب عنه الحاكم في معرفة علوم الحديث ص ٢٥، وشرح علوم الحديث للعراقي، واختصار علوم الحديث لابن كثير ص (٣٧ - ٤٠) وفتح المغيث، وتدريب الراوى، وإرشاد الفحول، وابن الصلاح، والغزالى في المستصفى، وغيرهم كذا من كلام المحقق. (*) دلائل النبوة (١/ ٣٩، ٤٠).
[ المقدمة / ٢ ]
- جـ -
٤ - أيضًا ضعفنا بعض الآثار في التفسير لورودها عن بعض الضعفاء مثل الكلبي وغيره وهى مقبولة عند العلماء كما قرر ذلك البيهقى أيضًا في مقدمة "الدلائل" وكذلك الأمر بالنسبة لابن إسحاق في السير والمغازى فروايته مقبولة عندهم.
قال البيهقي:
وأما النوع الثاني من الأخبار، فهي أحاديث اتفق أهل العلم بالحديث على ضعف مخرجها.
وهذا النوع على ضربين:
(ضرب) رواه من كان معروفًا بوضع الحديث والكذب فيه.
فهذا الضرب لا يكون مستعملًا في شيء من أمور الدين إلا على وجه التليين.
وقد أخبرنا أبو على: الحسين بن محمد الروذباري، قال: أخبرنا أبو بكر: محمد بن أحمد بن محمويه العسكرى، حدثنا جعفر بن محمد القلانسي، حدثنا آدم بن أبي إياس: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي يعلى، عن سمرة بن جندب، قال:
قال رسول الله ﷺ: "من روى عنى حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" (^١).
قال: وحدثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله ﷺ، فذكره مثله.
_________________
(١) الحديث أخرجه الترمذى في كتاب العلم (باب) ما جاء فيمن روى حديثًا وهو يرى أنه كذب (٥/ ٣٦)، عن المغيرة بن شعبة، وقال أبو عيسى: "وفي الباب عن علي بن أبي طالب، وسمرة، وأخرجه ابن ماجه في المقدمة (٥) باب من حدث عن رسول الله ﷺ حديث وهو يرى أنه كذب (١٤:١) عن علي، وعن سمرة، وعن المغيرة، وأخرجه ابن حبان في "صحيحه".
[ المقدمة / ٣ ]
- د -
(وضرب) لا يكون راويه متهمًا بالوضع، غير أنه عُرِفَ بسوءِ الحفظ وكثرة الغلط، في رواياته، أو يكون مجهولًا لم يثبت من عدالته وشرائط قبول خبره ما يوجب القبول.
فهذا الضرب من الأحاديث لا يكون مستعملًا في الأحكام، كما لا تكون شهادة من هذه صفته مقبولة عند الحكام. وقد يستعمل في الدعوات والترغيب والترهيب، والتفسير والمغازى فيما لا يتعلق به حكم.
سمعت أبا عبد الله الحافظ، يقول: سمعت أبا زكريا: يحيى بن محمد العنبرى، يقول: سمعت أبا الحسن: محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: كان أبي يحكي عن "عبد الرحمن بن مهدى" أنه قال:
إذا روينا في الثواب والعقاب وفضائل الأعمال، تساهلنا في الأسانيد، وتسامحنا في الرجال، وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام، تشددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس: محمد بن أحمد المحبوبي - بمرو - أخبرنا أحمد بن سيار، قال: سمعت أبا قدامة، يقول: قال (يحيى بن سعيد - يعنى القطان):
تساهلوا في التفسير عن قوم لا يوثقونهم في الحديث.
ثم ذكر ليث بن أبي سليم. وجويبر بن سعيد، والضحاك، محمد بن السائب - يعنى الكلبي، وقال: هؤلاء يحمد حديثهم ويكتب التفسير عنهم.
قال الشيخ: وإنما تساهلوا في أخذ التفسير عنهم، لأن ما فسروا به ألفاظه تشهد لهم به لغات العرب، وإنما عملهم في ذلك الجمع والتقريب فقط.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو عبد الرحمن السلمي، قال: أخبرنا أبو العباس: محمد بن يعقوب: سمعت العباس بن محمد يقول: سمعت "أحمد بن حنبل" وسئل وهو على باب أبي النضر: هاشم بن القاسم، فقيل
[ المقدمة / ٤ ]
- هـ -
له: يا أبا عبد الله، ما تقول في "موسى بن عبيدة" وفي "محمد بن إسحاق"؟
قال: "أما موسى بن عبيدة" (^١) فلم يكن به بأس، ولكنه حدث أحاديث مناكير عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ.
وأما "محمد بن إسحاق" (^٢) فهو رجل تكتب عنه هذه الأحاديث - كأنه يعنى المغازى ونحوهما - فأما إذا جاءك الحلال والحرام أردنا قومًا هكذا، وقبض أبو الفضل - يعنى العباس - أصابع يده الأربع من كل يد ولم يضم الإبهام.
٥ - كل حديث قلنا فيه (يُحسن) فهو عندنا محتمل التحسين أو أصله ضعيف لكنه مقارب للحسن أو بعض العلماء حسنه وبعضهم ضعفه.
٦ - لم نستوعب في التخريج كل أثر في الظلال.
_________________
(١) موسى بن عبيدة بن نشيط الربذى، أبو عبد العزيز المدنى: قال البخاري: "وقال أحمد: منكر الحديث جدًّا"، وقال ابن معين: "إنما ضعف حديثه لأنه روى عن عبد الله بن دينار مناكير، وقال مرة: "ليس بشيء" وقال أبو زرعة: "ليس بقوى الحديث" وقال أبو حاتم "منكر الحديث". وضعفه النسائي، وابن حبان. "التهذيب (٣٥٦:١٠ - ٣٦٠).
(٢) هو أبو عبد الله محمد بن إسحق بن يسار (٨٠ - ١٥١) ولد بالمدينة وانتقل إلى الاسكندرية حيث حضر دروس يزيد بن أبي حبيب في علم الحديث، وعاد بعد سنوات إلى مسقط رأسه حيث التقى بالمحدث سفيان بن عيينة، ثم هاجر إلى بغداد. صدوق يدلس، ورمى بالتشيع والقدر.
[ المقدمة / ٥ ]
كَلِمَةُ النَّاشِر
"رَجَاءٌ"
غَفَرَ الإلَهُ ذُنُوبَ هَذَا النَّاشِر … وَذُنُوبَ وَالدَيْهِ مَعًا فِي النَّاظِر
غَفَرَ اللهُ ذنوبَهُ وسَتَر عُيُوبَه وَوالديْه والمُسْلِمِينَ
أجْمَعِينَ وَمَن دَعا له بِخَيْر
راجي عفو ربه
نزَار مصْطَفى البَاز
[ ١ / ٤ ]