قال الزرقاني: وقد بين العلماء أنواع العلوم التي يجب توافرها في المفسر فقالوا: هي اللغة والنحو والصرف وعلوم البلاغة وعلم أصول الفقه، وعلم التوحيد ومعرفة أسباب النزول والقصص والناسخ والمنسوخ، والأحاديث المبينة للمجمل والمبهم، وعلم الموهبة، وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم، ولا يناله من في قلبه بدعة أو كبر أو حب دنيا أو ميل إلى المعاصي، قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، وقال الإمام الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظى … فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور … ونور الله لا يهدى لعاصي
ملاحظة: هذه الشروط التي ذكرناها، وهذه العلوم كلها، إنما هي لتحقيق أعلى مراتب التفسير مع إضافة تلك الاعتبارات المهمة المسطورة في الكلمات القيمة الآتية، أما المعانى العامة التي يستشعر منها المرء عظمة مولاه، والتي فهمها الإنسان عند إطلاق اللفظ الكريم فهى قدر يكاد يكون مشتركًا بين عامة الناس، وهو المأمور به للتدبر والتذكر، لأنه سبحانه سهَّله ويسره. وذلك أدنى مراتب التفسير ا هـ (^١).
ولا يشك الناظر في سيرة سيد قطب وفى حياته أنه نبغ في اللغة والنحو والصرف وعلوم البلاغة، ليس بعد تخرجه فقط، بل وهو ما زال يدرس وما كان التحاقه بتجهيزية دار العلوم إلا لتفوقه، وقد شهد له مدرسوه وأساتذته بالنبوغ والتفوق، وبلغ من إعجابهم به وتقديرهم له موافقتهم له أن
_________________
(١) مناهل العرفان في علوم القرآن: ٢/ ٥١.
[ ١ / ٣٥ ]
يلقى المحاضرات الأدبية على مدرج الكلية ويستمع إليه الطلاب وأساتذته ويقدمه فيها هؤلاء الأساتذة، ففي عام ١٩٣٢ م وهو طالب في السنة الثالثة رتبت له محاضرة أدبية نقدية بعنوان "مهمة الشاعر في الحياة وشعر الجيل الحاضر"، وقدمه فيها أستاذه محمد مهدى علام، وقال في التعقيب عليها: "ولئن كنت قدمت المحاضر سيد قطب بأنه طالب يسرني أن يكون أحد تلاميذى، فإنني أقول اليوم - وقد سمعت محاضرته -: إنه لو لم يكن لى تلميذ سواه لكفاني ذلك سرورًا وقناعة واطمئنانًا إلى أننى سأحمل أمانة العلم والأدب من لا أشك في حسن قيامه عليها.
إلى أن قال: إننى أعُدُ "سيد قطب" مفخرة من مفاخر دار العلوم، وإذا قلت دار العلوم فقد عنيت دار الحكمة والأدب (^١).
وجاء في الموسوعة الحركية: أن سيد قطب لم ينتظر طويلًا حتى يصبح كاتبًا مرموقًا إلى جانب طه حسين وعباس محمود العقاد، ومصطفى صادق الرافعي، وإنما أخذت مقالاته تظهر في نفس المجلات التي تنشر مقالات هؤلاء الكتاب الكبار (^٢).
وإذا ضممنا إلى ذلك دراسته للعلوم الشرعية بكلية دار العلوم، وكذلك حفظة للقرآن وهو في حوالى السنة العاشرة من عمره وكان في السنة الرابعة الابتدائية (^٣).
وإذا ضُم إلى ذلك أيضًا اعتماده على كتب التفسير المعتمدة كالطبرى وابن كثير لينهل مما فيها من آثار مسندة للنبى ﷺ أو للصحابة أو للتابعين، وكذلك لينهل منها ما جاء فيها ومن غيرها.
_________________
(١) سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد ص ٧٩، ٨٠، الموسوعة الحركية: ١/ ٢٠٧.
(٢) المرجع السابق ص ٢٠٧، وأنا لا أذكر طه حسين والعقاد وغيرهما لكرامتهما، ولكن لمكانتهما الأدبية البلاغية مع اعتقاد فساد عقيدتيهما.
(٣) سيد قطب من الميلاد للاستشهد ص ٦٠، ٧٥.
[ ١ / ٣٦ ]
من أسباب النزول والناسخ والمنسوخ، وكذلك أيضًا إذا ضم إلى ذلك الموهبة التي وهبها الله له لعمله بما يعلم حتى كان علمه وعمله به سببًا من أسباب إعدامه، وليس أدل على هذه الموهبة من كلام الشيخ الألباني: أنا أعتقد أن الرجل ليس عالمًا، ولكن الحقيقة له كلمات في السجن كأنها من إلهامه.
وقال مرة أخرى: إن كلامه عليه علم وعليه نور.
فهذه المحنة التي مر بها في السجن لا شك أورثته تقوى ونور وبصيرة وإلهام، فأجرى الله الحق على لسانه في كثير من كلامه، وإن لم يذكر له دليلًا، فأعتقد والله أعلم أن الرجل كان مؤهلا للتفسير من جهة إحاطته بعلم اللغة والبلاغة وغيرها، وهذا يؤهله للنظر في كتب التفسير لينهل منها ما يبين مراد الله من كلام الرسول ﷺ، وكلام السلف الصالحين، وإذا ضُم إلى علمه باللغة دراسته السابقة، فهذا يؤهله أيضًا للنظر في كتب التفسير ليعرف من خلالها أسباب النزول والناسخ والمنسوخ، فإن قيل: إذا هو ناقل فلا يُعد مفسرًا بل ناقلًا، قلنا: إن ابن كثير وغيره كانوا يكثرون من النقل عن غيرهم من المفسرين ولم يخرجهم ذلك عن كونهم مفسرين، وأنا لا أدعى أن سيد قطب بلغ مكانة هؤلاء، بل المقصود رد هذا القول إن قيل.
فخلاصة القول أنه كان مؤهلًا في جوانب مهمة وقصرت به الهمة في جوانب، وإن كان مؤهلًا لنقلها عن غيره، والله الموفق لا رب سواه.
* * *
[ ١ / ٣٧ ]