وللإجابة على هذه الأسئلة لا بد وأن نُعرِّف بمعنى التفسير لغة واصطلاحًا، وأنواع الأخير وشروطه، والميزان الذي يوزن به، ثم نعرض الظلال على ذلك كله لنخرج بالإجابة على أسئلة الباب.
قال الزرقاني:
* التفسير في اللغة: الإيضاح والتبيين، ومنه قوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾.
* والتفسير في الاصطلاح: علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البَشرية (^١).
ثم قسم التفسير من حيث الاصطلاح إلى قسمين:
أحدهما: تفسير جاف لا يتجاوز حل الألفاظ وإعراب الجمل، وبيان ما يحتويه نظم القرآن الكريم من نكات بلاغية وإشارات فنية، وهذا النوع أقرب إلى التطبيقات العربية منه إلى التفسير وبيان مراد الله من هداياته.
النوع الثاني: تفسير يجاوز هذه الحدود، ويجعل هدفه الأعلى تجلية هدايات القرآن وتعاليم القرآن وحكمة الله فيما شرع للناس في هذا القرآن، على وجه يجتذب الأرواح ويفتح القلوب، ويدفع النفوس إلى الاهتداء بهدى الله، وهذا هو الخليق باسم التفسير، وفيه يساق الحديث إذا تكلمنا عن فضله والحاجة إليه (^٢) اهـ.
_________________
(١) مناهل العرفان: ٢/ ٣.
(٢) المرجع السابق: ٢/ ٦.
[ ١ / ٣٨ ]
وتعالى أخى الكريم ننظر في الظلال لنعرف هل احتوى على هذه السمة المؤثرة في دخوله في جملة الكتب المفسرة أم قصرت بصاحبه الهمة، فلم يبلغ به القمة؟!! وإليك الأمثلة.
يقول الدكتور صلاح الخالدي:
أما موهبة سيد قطب الأدبية البيانية، فقد استخدمها في تفسيره للقرآن، ومن ثم كان أسلوبه الساحر السلس مزية من مزايا الظلال، وسمة بارزة من سماته، وجعل سيد هذا قالبًا لأفكاره ونظراته وخواطره العلمية، ففى الظلال أدب وبيان وبلاغة وعواطف ومشاعر، ولكنها ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة لغاية وطريقة في التعبير، ووعاء للمعانى والمناهج، والأفكار والمبادئ، والتقريرات والتوجيهات …
من سمات الظلال - إذن - العرض البيانى الحى المشرق، وكله تظهر فيه هذه السمة، ولكننا - في هذا المبحث - سنختار "قطعًا" فنية ساحرة من الظلال، نوردها كنماذج وأمثلة لما نقول.
في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^١) أشار إلى توجيه الإسلام الدائنين لإمهال وإنظار المدينين المعسرين، وإلى رفض المرابين هذا الخلق وصوّر واقع المرابين ونفسياتهم وأساليبهم وحقدهم، وجاء هذا "قطعة" أدبية ساحرة: "إنها السماحة الندية التي يحملها الإسلام للبَشرية، إنه الظل الظليل الذي تأوى إليه البشرية المتعبة في هجير الأثرة والشح والطمع والتكالب والسعار، إنها الرحمة للدائن والمدين وللمجتمع الذي يظلل الجميع.
ونحن نعرف أن هذه الكلمات لا تؤدى مفهومًا "معقولًا" في عقول المناكيد الناشئين في هجير الجاهلية المادية الحاضرة، وأن مذاقها الحلو لا طعم له في حسبهم المتحجر البليد، وبخاصة وحوش المرابين سواء كانوا أفرادًا قابعين في زوايا الأرض يتلمظون للفرائس من المحاويج والمنكوبين الذين تحل بهم المصائب،
_________________
(١) البقرة: ٢٨٠.
[ ١ / ٣٩ ]
فيحتاجون للمال والطعام والكساء والدواء، أو لدفن موتاهم في بعض الأحيان، فلا يجدون في هذا العالم المادى الكز الضنين الشحيح من يمد لهم يد المعونة البيضاء، فيلجأون مرغمين إلى أوكار الوحوش، فرائس سهلة تسعى إلى الفخاخ بأقدامها، تدفعها الحاجة وتزجيها الضرورة سواء كانوا أفرادًا هكذا أو كانوا في صورة بيوت مالية ومصارف ربوية. فكلهم سواء، غير أن هؤلاء يجلسون في المكاتب الضخمة على المقاعد المريحة، ووراءهم ركام من النظريات الاقتصادية والمؤلفات العلمية، والأساتذة والمعاهد والجامعات، والتشريعات والقوانين والشرطة والمحاكم والجيوش … كلها قائمة لتبرير جريمتهم وحمايتها، وأخذ من يجرؤ على التلكؤ في رد الفائدة الربوية إلى خزائنهم باسم القانون … " (^١).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ..﴾ (^٢) استوقفه الفعل "أفضى"، وحذْف مفعوله في الآية، وانطلاقًا من القاعدة المعروفة "حذف المعمول يفيد العموم" قدم في لوحة بيانية ساحرة نماذج من الإفضاءات بين الزوجين فقال:
"ويدع الفعل: "أفضى" بلا مفعول محدد، يدع اللفظ مطلقًا، يشع كل معانيه، ويلقى كل ظلاله، ويسكب كل إيحاءاته، ولا يقف عند حدود الجسد وإفضاءاته. بل يشمل العواطف والمشاعر، والوجدانات والتصورات، والأسرار والهموم، والتجاوب في كل صورة من صور التجاوب، يدع اللفظ يرسم عشرات الصور لتلك الحياة المشتركة آناء الليل وأطراف النهار، وعشرات الذكريات لتلك المؤسسة التي ضمتهما فترة من الزمان. وفي كل اختلاجة حب إفضاء، وفى كل نظرة ود إفضاء، وفى كل لمسة جسم إفضاء، وفى كل اشتراك
_________________
(١) الظلال ص ١ - ٣٣٣.
(٢) النساء: ٢٠ - ٢١.
[ ١ / ٤٠ ]
في ألم أو أمل إفضاء، وفى كل تفكر في حاضر أو مستقبل إفضاء. وفي كل شوق إلى خلف إفضاء، وفى كل التقاء في وليد إفضاء.
كل هذا الحشد من التصورات والظلال والأنداء والمشاعر والعواطف يرسمه ذلك التعبير الموحى العجيب: "وقد أفضى بعضكم إلى بعض" فيتضاءل إلى جواره ذلك المعنى المادى الصغير، ويخجل الرجل أن يطلب بعض ما دفع، وهو يستعرض في خياله وفي وجدانه، ذلك الحشد من صور الماضي، وذكريات العشرة في لحظة الفراق الأسيف .. " (^١).
وفي تعريفه الفنى بسورة الأنعام، وصورها وظلالها، وسياقها ومشاهدها، وتناسقها وتأثيرها قدم هذا بأسلوب أدبى بليغ، وعرض بياني مشرق، وذلك في تعريفه بالدرس (^٢) الذي يعرض صفحات من كتاب الكون المفتوح قال:
"إن هذه السمات (سمات سورة الأنعام) كلها تتجلى في هذا الدرس، على أتمها وأوفاها .. إن القارئ يحسّ كأن المشاهد تنبثق انبثاقًا هي ومدلولاتها في التماع ولألاء .. وهى تتدافع في انبثاقها أمام الحسّ، كما تتدافع إيقاعات التعبير اللفظى عنها للتناسق معها. والمشاهد والتعبير يتوافيان كذلك مع المدلولات التي يعبران عنها، ويهدفان إليها ..
إن كل مشهد من هذه المشاهد كأنما هو انبثاقة لامعة رائعة تجي من المجهول، وتتجلى للحواس والقلب والعقل في بهاء أخاذ ..
والعبارة ذاتها كأنما هي انبثاقه كذلك، وإيقاع العبارة يتناسق في بهاء مع المشهد ومع المدلول، يتناسق معه في قوة الانبثاق، وفي شدة الألاء.
وتتدفق المدلولات والمشاهد والعبارات في موجات متلاحقة، يتابعها الحسّ في بهر! وما يكاد يصل مع الموجة إلى قرارها حتى يجد نفسه مندفعًا مرة أخرى مع موجة جديدة .. كالذى حاولنا أن نصف به السورة في مطالعها من قبل.
_________________
(١) الظلال: ١/ ٦٠٦ - ٦٠٧.
(٢) الآيات: ٩٥ - ١١١ من سورة الأنعام.
[ ١ / ٤١ ]
وصفحة الوجود بجملتها مفتوحة، والمشاهد تتوالى - وكدت أقول: تتواثب - من هنا ومن هناك في الصفحة الفسيحة الأرجاء …
والجمال هو السمة البارزة هنا .. الجمال الذي يبلغ حد "الروعة الباهرة" المشاهد منتقاة وملتقطة من الزاوية الجمالية. والعبارات كذلك في بنائها اللفظي الإيقاعي، وفى دلالتها. والمدلولات أيضًا - والمدلولات أيضًا - على كل ما تزخر به الحقيقة الأصيلة في هذه العقيدة - تتناول هذه الحقيقة من الزاوية الجمالية .. فتبدو الحقيقة ذاتها وكأنما تتلألأ في بهاء … " (^١).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾؟ (^٢) من وقف يتأمل نماذج من خروج الحى من الميت، وأثار أسئلة عديدة حولها، وتركها بدون جواب، لأن عرضه البياني المشرق يتم بإثارتها بدون جواب، لأن الجواب غير مقصود في هذا المقام بالذات:
"وإن وقفة أمام الحبة والنواة تخرج منهما النبتة والنخلة، أو أمام البيضة والبويضة يخرج منهما الفرخ والإنسان لكافية لاستغراق حياة في التأمل والارتعاش.
وإلا فأين كانت تكمن السنبلة في الحبة؟ وأين كان يكمن العود؟ وأين كانت تلك الجذور والساق والأوراق؟
وأين في البويضة كان الفرخ؟ وأين كان يكمن العظم واللحم، والزغب والريش، واللون والشيات والرفرفة والصوات ..؟
وأين في البويضة كان الكائن البشرى العجيب؟ أين كانت تكمن ملامحه وسماته المنقولة عن وراثات موغلة في الماضي متشعبة المنابع والنواحي؟ أين كانت نبرات الصوت، ونظرات العين، ولفتات الجيد، واستعدادت الأعصاب،
_________________
(١) الظلال ٢: ١١٥٢.
(٢) يونس: ٣١.
[ ١ / ٤٢ ]
ووراثات الجنس والعائلة والوالدين؟ وأين أين كانت تكمن الصفات والسمات والشيات؟
هل يكفى أن نقول: إن هذا العالم المترامى الأطراف كان كامنًا في النبتة والنواة وفى البيضة والبويضة، لينتفى العجب العاجب الذي لا تفسير له ولا تأويل إلا قدرة الله وتدبير الله؟ " (^١).
واقرأ هذه "القطعة" الشاعرية الساحرة لسيد وهو يعرض ألوانًا من آيات الله في الكون، ويدعوك إلى تأملها وفتح منافذ حسك ومشاعرك لها وتلقى إيحاءاتها:
"إن لحظة تأمل في مطلع الشمس ومغيبها، لحظة تأمل في الظل الممدود ينقص بلطف أو يزيد، لحظة تأمل في الخضم الزاخر والعين الفوارة، والنبع الروى. لحظة تأمل في النبتة النامية والبرعم الناعم، والزهرة المتفتحة، والحصيد الهشيم … لحظة تأمل في الطائر السابح في الفضاء والسمك السابح في الماء، والدود السارب والنمل الدائب، وسائر الحشود والأمم من الحيوان والحشرات والهوام، لحظة تأمل في صبح أو مساء، في هدأة الليل أو في زحمة النهار … لحظة واحدة يتسمع فيها القلب البشرى إلى إيقاعات هذا الوجود العجيب .. إن لحظة واحدة لكافية لارتعاش هذا القلب بقشعريرة الإدراك الرهيب، والتأثر المستجيب. ولكنهم ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ (^٢) لذلك لا يؤمن الأكثرون .. " (^٣)
وأخيرًا إليك هذه المقطوعة الشعرية الرفيعة التي يعرّف فيها سيد بسور جزء "عم"، فيقول: "إنها طرقات متوالية على الحسّ. طرقات عنيفة قوية عالية، وصيحات، صيحات بنُوَّم غارقين في النوم، نومهم ثقيل، أو بسكارى مخمورين، ثقل حسهم الخمار! أو بلاهين في سامر، راقصين في ضجة
_________________
(١) الظلال ٣: ١٧٨١ - ١٧٨٢.
(٢) يوسف: ١٠٥.
(٣) الظلال ٤: ٢٠٣٢.
[ ١ / ٤٣ ]
وتصدية ومكاء! تتوالى على حسهم تلك الطرقات والصيحات المنبثقة من سور هذا الجزء كله بإيقاع واحد ونذير واحد: إصحوا، إستيقظوا، أنظروا، تلفتوا، تفكروا، تدبروا: إن هنالك إلهًا، وإن هناك تدبيرًا، وإن هنالك تقريرًا، وإن هنالك ابتلاءً، وإن هنالك تبعة، وإن هنالك حسابًا، وإن هنالك جزاء، وإن هنالك عذابًا شديدًا، ونعيمًا كبيرًا .. إصحوا. إستيقظوا. انظروا. تلفتوا. تفكروا. تدبرو … وهكذا مرة أخرى وثالثة ورابعة وخامسة … وعاشرة ومع الطرقات والصيحات يد قوية تهز النائمين المخمورين السادرين هزًا عنيفًا .. وهم كأنما يفتحون أعينهم وينظرون في خمار مرة، ثم يعودون لما كانوا فيه. فتعود اليد القوية تهزهم هزًا عنيفًا، ويعود الصوت العالي يصيح بهم من جديد، وتعود الطرقات العنيفة على الأسماع والقلوب … وأحيانًا يستيقظ النوّم ليقولوا .. في إصرار وعناد .. لا. ثم يحصبون الصائح المنذر المنبه بالأحجار والبذاء .. ثم يعودون لما كانوا فيه. فيعود إلى هزهم من جديد .. " (^١).
قلت: فهل خرج الظلال عن ذلك؟!؛ تبيين هدايات القرآن وتعاليمه وحكمة الله فيما شرع للناس على وجه غاية في البلاغة تجذب الأرواح وتفتح القلوب وتدفع النفوس إلى الاهتداء بهدى الله، فعلى كلام الزرقاني؛ فهذا خليق باسم التفسير.