* قال الإمام السبكي في قاعدة له في الجرح والتعديل:
قاعدة في الجرح والتعديل: ضرورية نافعة، لا تراها في شيء من كتب الأصول، فإنك إذا سمعت أن الجرح مقدم على التعديل، ورأيت الجرح والتعديل، وكنت غِرًا بالأمور، أو فَدْمًا (^١) مقتصرًا على منقول الأصول، حَسِبتَ أن العمل على جرحه (^٢)، فإياك ثم إياك، والحذر كل الحذر من هذا الحِسبان. بل الصواب عندنا أن من ثبت إمامتُه وعدالتُه، وكثُر مادحوه ومزكوه، ونَدر جارحوه (^٣)، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه، من تعصبٍ
_________________
(١) القَدْمُ: قليلُ الفهم، البليد.
(٢) أي جرح من ذُكِر فيه الجرحُ والتعديل.
(٣) وقع في طبعة الحَسينية وطبعة البابي الحلبي "وندر جارحيه"، وأثبتها "جارحوه" مقابلةً لقوله: "مادحوه ومزكوه"، وموافقة لقوله الآتى بعد في ص ٢٠: "لا يُقبل الجرح في حق من غلبت طاعاته على معاصيه، ومادحوه على ذاميه، ومزكوه على جارحيه .. " قاله الشيخ عبد الفتاح أبو غدة محقق هذه القاعدة.
[ ١ / ٢٢ ]
مذهبي أو غيره، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه، ونعمل فيه بالعدالة، وإلا لو فتحنا هذا الباب، وأخذنا تقديم الجرح على إطلاقه، لما سَلِمَ لنا أحد من الأئمة، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون، وهلك فيه هالكون (^١).
وقد عقد الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتاب "جامع بيان العلم وفضله" (^٢) بابًا في حكم قول العلماء بعضهم في بعض (^٣)، بدأ فيه بحديث الزبير ﵁: "دَبَّ إليكم داءُ الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء … " الحديث (^٤).
وروي بسنده عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "استمعوا علم العلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعض، فوالذي نفسي بيده لهم أشدُ تغايرًا من التيوس في زُرُوبها".
ثم قال أبو عمر بعد ذلك: الصحيح في هذا الباب أن من ثبتت عدالته وصحت في العلم إمامته، وبانت ثقته، وبالعلم عنايته لم يلتفت فيه إلى قول أحدا إلا أن يأتى في جرحته ببينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات.
_________________
(١) قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: "كل رجلٍ ثبتت عدالتُه، لم يقبل فيه تجريح أحد، حتى يتبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه" من "تهذيب التهذيب" للحافظ ابن حجر ص ٧ - ٢٧٣، وهى كلمة دقيقة هامة للغاية، وقال الإمام ابن جرير الطبرى ﵁ الله عنه: "لو كان كل من ادُّعى عليه مذهب من المذاهب الرديئة، ثبت عليه ما ادُّعِى عليه، وسقطت عدالته، وبطلت شهادته بذلك: للزم ترك أكثر محدثى الأمصار، لأنه ما منهم - أحد - إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه. ومن ثبتت عدالته لم يُقبل فيه الجرح، وما تسقط العدالة بالظن" من هدى الساري للحافظ ابن حجر: ٢/ ١٥١ - ١٥٢.
(٢) هو الكتاب المسمى "جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله".
(٣) هو في كتاب "جامع بيان العلم" بهذا العنوان تقريبًا: "باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض": ٢/ ١٥٠ - ١٦٣.
(٤) رواه الترمذى في "سننه"، وأحمد في "مسنده"، والضياء في "المختارة"، قال المنذري والهيثمي: سنده جيد.
[ ١ / ٢٣ ]
واستدل بأن السلف تكلم بعضهم في بعض بكلام منه ما حمل عليه الغضب أو الحسد، ومنه ما دعا إليه التأويل واختلاف الاجتهاد مما لا يلزم المقولة فيه ما قال القائل فيه، وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف تأويلًا واجتهادًا.
ثم قال ابن عبد البر: فمن أراد قبول قول العلماء الثقات بعضهم في بعض، فليقبل قول الصحابة بعضهم في بعض، فإن فعل ذلك فقد ضل ضلالًا بعيدًا، وخسر خسرانًا مبينًا، قال: وإن لم يفعل - ولن يفعل إن هداه الله وألهمه رشده - فليقف عندما شرطناه في ألا يقبل في صحيح العدالة المعلوم بالعلم عنايته قول قائل لا برهان له.
* قال السبكي: قلت: هذا كلام ابن عبد البر وهو على حسنه غير صاف من القذى والكدر، فإنه لم يزد فيه على قوله: "إن من ثبتت عدالته ومعرفته لا يقبل قول جارحه إلا ببرهان"، وهذا قد أشار إليه العلماء جميعًا حيث قالوا: لا يقبل الجرح إلا مفسرًا، فما الذي زاده ابن عبد البر عليهم؟
إلى أن قال: فإن قلت فما العبارة الوافية بما تراه؟
قلت: ما عرّفناك أولًا من أن الجارح لا يقبل منه الجرح وإن فسره في حق من غلبت طاعته على معاصيه ومادحوه على ذاميه، ومزكوه على جارحيه، إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة في الذي جرّحه من تعصبٍ مذهبي، أو منافسة دنيوية كما يكون بين النظراء أو غير ذلك.
* ثم قال السبكي: مما ينبغى أن يتفقد عند الجرح حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح، فربما خالف الجارحُ المجروحَ في العقيدة فجرحه لذلك، وإليه أشار الرافعى بقوله: ينبغى أن يكون المزكون براء من الشحناء والعصبية في المذهب خوفًا من أن يحملهم ذلك على جرح عدل أو تزكية فاسق.
وقد أشار شيخ الإسلام سيد المتأخرين تقى الدين بن دقيق العيد في كتابه الاقتراح إلى هذا وقال: "أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون، والحكام".
[ ١ / ٢٤ ]
ثم ذكر السبكى أمثلة لذلك في بعض من رمى ابن حبان بالتجسيم أو من ترك البخاري، وهو حامل لواء الصناعة إلى غير ذلك من الأمثلة على ذلك.
قلت: وما أشبه الليلة بالبارحة، فقد رمى سيد قطب أيضًا وهو من حاملي لواء الحاكمية في هذا العصر بأنه يجوز تحكيم غير شرع الله!!
* ثم قال السبكي: ومما ينبغى أن يتفقد عند الجرح أيضًا حال الجارح في الخبرة بمدلولات الألفاظ فكثيرًا ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها؟ والخبرة بمدلولات الألفاظ ولا سيما الألفاظ العرفية التي تختلف باختلاف عرف الناس وتكون في بعض الأزمنة مدحًا وفى بعضها ذمًا أمر شديد لا يدركه قعيد بالعلم.
قلت: وبعض من رمى سيد قطب أوتى من هذا الجانب، ففهم كلامه على غير وجهه فرماه فيما رماه به أنه يكفر المجتمع لأنه أكثر من استخدام كلمة "الجاهلية".
* ومما ينبغي أن يتفقد أيضًا حاله فيه العلم بالأحكام الشرعية، فرب جاهل ظن أن الحلال حرامًا فجرح به، ومن هنا أوجب الفقهاء التفسير ليتوضح الحال، وقال الشافعي ﵁: حضرت بمصر رجلًا مزكيًا يجرح رجلًا فسأل عن سببه وألح عليه، فقال: رأيته يبول قائمًا، قيل: وما في ذلك؟ قال: يرد الريح من رشاشه على يده وثيابه فيصلى به، قيل: هل رأيته قد أصابه الرشاش وصلى قبل أن يغسل بكل ما أصابه؟ قال: لا، ولكن أراه سيفعل ا هـ (^١).
وعلى هذا كان منهج يحيى بن معين في نقده للرجال.
يقول الدكتور أحمد محمد نور سيف (^٢):
إن للنقد عند يحيى بن معين مقدمات، وفرضيات يقوم عليها، وهي في مجموعها تشكل مبادئ أساسية لا بد لكل ناقد من مراعاتها.
_________________
(١) رسالة قاعدة في الجرح والتعديل، وقاعدة في المؤرخين للإمام تاج الدين أبي نصر السبكي بتحقيق عبد الفتاح أبو غُدة، طبعة دار الوعى، وقد نقلنا هذه القاعدة بشيء من التصرف والاختصار.
(٢) أستاذ مساعد بكلية الشريعة جامعة الملك عبد العزيز، وهو الذي حقق تاريخ ابن معين وكلامه هذا في: ١/ ٧٠، ٧١.
[ ١ / ٢٥ ]