كذلك وقف سيد يبين الصلة بين الإنسان وبين الكون، ويربط بين حركة الإنسان وحركة الكون في عبوديتهما لله، ويظهر الوحدة والتناسق بينهما، وحديث القرآن عن هذا، وعرض الإسلام لهذا الذى يصح أن نعتبره "شريعة كونية" (^١).
ولذلك لا بدّ للإنسان - إن أراد السعادة والتوفيق في حياته - من أن يلتزم بمنهج الله سبحانه - وهو الإسلام - في نفسه وحياته ومجتمعه، ليتناسق مع النظام الكونى كله ويتعامل معه. "وحين يتناسق ويتفاهم مع نواميس الكون التي تحكمه وتحكم سائر الأحياء فيه، يملك معرفة أسرارها، وتسخيرها أو الانتفاع بها على وجه يحقق له الراحة والسعادة والطمأنينة، ويعفيه من الخوف والقلق والتناحر … ".
والفطرة البَشرية في أصلها متناسقة مع ناموس الكون، مسلمة لربها إسلام كل شيء، وكل حي …
أما إذا أعرض الإنسان عن دين الله، وخرج عن منهج الله فإنه "لا يصطدم مع الكون فحسب، إنما يصدم أولًا بفطرته التي بين جنبيه، فيشقى ويتمزق، ويحتار ويقلق، ويحيا كما تحيا البَشرية الضالة النكدة اليوم في عذاب … " (^٢)، وصدق الله القائل: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (^٣).
_________________
(١) انظر فصل "شريعة كونية" من كتاب "معالم في الطريق".
(٢) انظر الظلال: ١/ ٤٢١ - ٤٢٢.
(٣) آل عمران: ٨٣.
[ ١ / ٦٠ ]
والإنسان المؤمن يحسن الاستفادة من القوى الطبيعية في الكون وموقفه منها "هو موقف التعرف والصداقة، لا موقف التقاتل والعداء. ذلك أن قوة الإنسان وقوة الطبيعة صادرتان عن إرادة الله ومشيئته، محكومتان بإرادة الله ومشيئته، متناسقتان متعاونتان في الحركة والاتجاه … ".
إن الله خلق هذه القوى للإنسان "لتكون له صديقًا مساعدًا متعاونًا، وأن سبيله إلى كسب هذه الصداقة أن يتأمل فيها، ويتعرف إليها، ويتعاون وإياها، ويتجه معها إلى الله ربه وربها " (^١).
والإنسان والقوى الطبيعية يشكلان وحدة في هذا الوجود الكوني العريض الكبير المأنوس فالوجود وحدة، بمعنى: (وحدة صدوره عن الإرادة الواحدة الخالقة، ووحدة ناموسه الذي يسير به، ووحدة تكوينه وتناسقه واتجاهه إلى ربه في عبادة وخشوع: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ …﴾ " (^٢).
فالإنسان - إذن - ليس "مفردًا في هذا الكون الفسيح، فإن مَنْ حوله، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته، وحيثما امتد به النظر أو طاف به الخيال .. إخوان له من خلق الله، لهم طبائع شتى، وصور شتى، وأشكال شتى. ولكنهم بعد ذلك يلتقون في الله، ويتوجهون إليه، ويسبحون بحمده: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ..﴾ (^٣).
ويبدو الكون بما فيه ومن فيه في هذا المشهد الخاشع: "متجهًا كله إلى خالقه، مسبحًا بحمده قائمًا بصلاته .. وإن الإنسان ليدرك - حين يشف - هذا
_________________
(١) انظر الظلال ص ١ - ٢٥.
(٢) انظر الظلال ص ١ - ١٠٦، والآية في سورة البقرة: ١١٦.
(٣) النور: ٤١.
[ ١ / ٦١ ]
المشهد ممثلًا في حسّه كأنه يراه، وإنه ليسمع دقات هذا الكون وإيقاعاته تسابيح لله .. وإنه ليشارك كل كائن في هذا الوجود صلاته ونجواه … " (^١).
ومن ثم يربط القرآن في آيات كثيرة بين الإنسان وبين الكون، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ..﴾ (^٢)، فهذا الكون بذاته: "كتاب مفتوح، يحمل بذاته دلائل الإيمان وآياته ويشى بما وراءه من يد تدبره بحكمة … وهذه الحقيقة تمثل أحد مقومات التصور الإسلامي عن هذا الكون، والصلة الوثيقة بينه وبين فطرة الإنسان، والتفاهم الداخلى الوثيق بين فطرة الكون وفطرة الإنسان … " (^٣).
ولذلك يكون للنظر "في كتاب الكون، والتعرف إليه أثر في القلب البشري، وقيمة في الحياة البَشرية … والناس قطعة من هذا الكون، لا تصح حياتهم ولا تستقيم، إلا حين تنبض قلوبهم على نبض هذا الكون، وإلا حين تكون الصلة وثيقة بين قلوبهم وإيقاعات هذا الكون الكبير". وكل معرفة علمية ببعض ما في الكون وظواهره يجب أن تستحيل "في الحال إلى إيقاع في القلب البشرى، وإلى ألفه مؤنسة بهذا الكون، وإلى تعارف يوثق أواصر الصداقة بين الناس والأشياء والأحياء … " (^٤).
ولكن هذا الكون الخاشع المنيب، لا يفتح كنوزه إلا لمن يشاركه العبودية والخضوع لله، ولا يفيض خيراته إلا للمؤمنين، ولا تعم بركاته إلا من استسلم لله والتزم منهجه، وأناب إليه. ولذلك العلاقة وثيقة، بين القيم الإيمانية والقيم الواقعية في حياة الناس، والصلة متينة بين الإنسان وبين الكون، وطبيعة الكون ونواميسه الكلية متصلة بالحق الذى يحتويه هذا الدين. ولهذا وردت في القرآن الكريم أمثال هذه الآيات: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ
_________________
(١) الظلال: ٤/ ٢٥٢١ - ٢٥٢٢.
(٢) آل عمران: ١٩٠.
(٣) الظلال: ١/ ٥٤٣.
(٤) انظر الظلال: ٢/ ٣٣٥٩ - ٣٣٦٠.
[ ١ / ٦٢ ]
سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ..﴾ (^١)، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ …﴾ (^٢).
إن بيان حقيقة الإنسان وخصائصه، والحديث عن دوره في هذا الوجود ومركزه، وإيضاح الصلة بين هذا الكائن الكريم وبين الكون الذي يعيش فيه، واتفاقهما في تحقيق العبودية لله بتناسق ملحوظ، إن هذا كله متوفر في الظلال بكثرة ملحوظة، جعلت منه سمة من سمات الظلال ا هـ (^٣).
قلت: وهذه السمة لها أصالتها السلفية أيضًا وهى متقرره في غير موضع من كلام الرسول ﷺ من ذلك قوله الثابت في الصحيح: "أثبت أحد" (^٤)، وقوله أيضًا في أحد: "هذا جبل نحبه ويحبنا" (^٤)، وأيضًا ما ثبت في الصحيح من حديث جابر في قصة أنين الجذع وصياحه صياح الصبي لما تركه الرسول وصعد على المنبر الجديد فنزل النبي ﷺ وضمه إليه وقال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها" (^٥)، وهذا أشبه بقوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾، قال مجاهد: "إن السماء والأرض يبكيان على المؤمن أربعين صباحًا"، قال أبو يحيى: فعجبت من قوله: قال: أتعجب؟ وما للأرض لا تبكي على عبد يعمرها بالركوع والسجود وما للسماء لا تبكى على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دوى كدوى النحل ا هـ.
* نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن وتأثر الفرس.
ومن الأدلة أيضًا على سلفية هذه السمة ما ثبت في الصحيح عن أسيد
_________________
(١) المائدة: ٦٥ - ٦٦.
(٢) الأعراف: ٩٦، وللوقوف على الصلة بينهما انظر الظلال: ٢/ ٩٣٠ - ٩٣٦، ٣/ ١٣٣٨ - ١٣٤٠، ٤/ ١٩٠٣ - ١٩٠٥.
(٣) انظر في "ظلال القرآن في الميزان" ص ٣٢٨ - ٣٣١.
(٤) [صحيح] وسيأتى تخريجه في أحاديث الكتاب.
(٥) [صحيح] فتح: ٣/ ٤٦١، ح ٩١٨.
[ ١ / ٦٣ ]
هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها فأشفق أن تصيبه، فلما اجتزه رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبي ﷺ فقال له: اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير، قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريبًا، فرفعت رأسى فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها، قال: وتدرى ما ذاك؟ قال: لا، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم" (^١).
* تعاطف الشجر والحجر مع المسلمين.
والأدلة على انفعال الكون مع المسلم قوله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودى ورائي فاقتله" (^٢).
* استغفار ما في السماء والأرض والحيتان في البحر للمعلم.
قال ﷺ: " … وإن العالم ليستغفر له ما في السماء والأرض حتى الحيتان في البحر تدعو لمعلم الناس الخير" (^٣).
* العبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب.
أما العبد الفاجر فتنفر منه الأرض من شؤمه وخبثه وتتمنى أن لو يموت فتستريح من نتنه.
قال ﷺ حينما مرت عليه جنازة: "مستريح ومستراح منه"،
_________________
(١) الفتح، كتاب فضائل القرآن: ٨/ ٦٨٠/ح ٥٠١٨، باب: نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن.
(٢) [صحيح] أخرج البخارى ومسلم وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، واللفظ للبخاري من حديث أبي هريرة وعنده من حديث ابن عمر.
(٣) [صحيح] أخرجه أبو داود والترمذى، وله شواهد، انظر صحيح الترغيب والترهيب: ١/ ٣٧.
[ ١ / ٦٤ ]
فقالوا: ما المستريح .. وما المستراح منه؟ قال: "العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب (^١).
وبشؤم العاصى والفاجر تتخبث الأرض.
لذلك نهى رسول الله ﷺ الرجل أن يذبح إبله ببوانه إذا كان فيها صنم يعبد أو عيدًا من أعياد الجاهلية، والحديث عند أبي داود وغيره ولذات السبب - نفور الكون من العاصى وعدم انفعاله معه - نهى النبي ﷺ من الشرب من أرض ثمود والصلاة في مواطن الخسف والعذاب، بل وعدم الدخول أصلًا إلا بشرط البكاء، كما ثبت في الصحيح هذا وغيره مما يدلك على انفعال الكون مع الطائع ونفوره من العاصى، الأمر الذي قرره سيد قطب بأبسط من ذلك، على صفحات ظلاله حتى صار سمة من سماته تدل أيضًا على سلفيته في التفسير، والله المستعان.
_________________
(١) [صحيح] متفق عليه مختصر (مسلم ص ٤٦٦).
[ ١ / ٦٥ ]