ومن السمات البارزة للظلال ربط القرآن بالواقع وتنزيله عليه، ولا بد من ذلك لكي يظل القرآن فيه حكم ما بيننا كما ثبت عن عليّ (^١)، ولا يتصور ذلك في القرآن - أي يكون فيه حكم ما بيننا - ونحن نقول: أن الطاغوت هو كعب بن الأشرف فقط، أو حيي بن أخطب؛ لأن الآية نزلت فيهما: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾، أو أن قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ خاص ببنى قريظة وبني النضير لأنها نزلت فيهما.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ونظائر ذلك كثير مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين في مكة أو في قوم من أهل الكتاب اليهود والنصارى أو في قوم من المؤمنين، فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية مختص بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق اهـ (^٢).
قلت: وهذا يستلزم الربط بالواقع المعاصر وتنزيل الآيات عليه لنعرف من لَبِسَ ثوب كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب ومن ركب مراكب الفراعين، ومن أولى في هذا الزمان بوصف هارون أو هامان، وليس أدل على سلفية هذا المنهج من حديث ذات أنواط لما مر الصحابة رضى عنهم بسدرة فقالوا: اجعل لنا ذات أنواط، كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكوفون حولها، فقال النبي ﷺ: "الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل
_________________
(١) [حسن صحيح] والأثر أخرجه الإمام أحمد: ١/ ٩١، والدارمي: ٢/ ٤٣٥، وذكره ابن كثير في فضائل القرآن، وفى البداية والنهاية، وقال: وقصار هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين ﵁، فقد وهم بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح على أنه قد روى له شاهد عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا (فضائل القرآن ص ٢٤).
(٢) مجموع الفتاوي: ١٣/ ٣٣٨، ٣٣٩.
[ ١ / ٥٦ ]
"اجعل لنا إلهًا كما لهم ألهة" "إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم" (^١)، فالرسول ﷺ يبين أن صورة الألهة غير محصورة في الأصنام فقط، بل قد تتعدى لغيرها إذا ما بذل له نوع طاعة سواء كان شجر أو بشر، ويبين لهم كذلك أن الآية ليست خاصة باليهود فقط، بل هى عامة في كل من ركب سنتهم.
ويبين كذلك في هذه القصة حتمية ربط القرآن بالواقع وتنزيله عليه.
ولما شق على الصحابة ﵃ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ …﴾ الآية، وقالوا: أينا لم يظلم؟، قال لهم ﷺ: ليس كما تقولون، لم يلبسوا إيمانهم بظلم: بشرك، أو لم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (^٢)، فالرسول يعلمهم أن الآية وإن كانت توجه الخطاب لابن لقمان إلا أنها تعم غيره فلا مانع من نزولها عليهم وربطها بواقعهم (^٣).
ومما يدل على سلفية هذا المنهج أيضًا ما أثر عن ترجمان القرآن وحبر الأمة ابن عباس ﵁ في غير موضع من تفسيره يربط فيه بين القرآن والواقع، ففى قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ:
_________________
(١) [حسن صحيح] النَّسَائِي في التفسير: ١/ ٤٩٩، ح ٢٠٥، الترمذي في جامعة رقم (٢١٨٠)، وقال: حسن صحيح، والحميدى برقم (٨٤٨)، وغيرهم.
(٢) [صحيح] الحديث أخرجه البخارى في مواضع من صحيحه منها في كتاب الإيمان، باب: ظلم دون ظلم (الفتح: ١/ ١٠٩/ح ٣٢).
(٣) ومما يؤكد حتمية وسلفية هذا المنهج مشورة النبي ﷺ لأبي بكر وعمر في شأن أسارى بدر، فلما قال عمر بالقتل، وقال أبو بكر بالفداء، قال ﷺ: "وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم ﵇ قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى ﵇ قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وإن مثلك يا عمر كمثل موسى ﵇ قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، وإن مثلك يا عمر كمثل نوح ﵇ قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ ". (انظر حديث رقم (٥٢٢) من الكتاب).
[ ١ / ٥٧ ]
آنِفًا﴾ قال أنا من الذين أوتُوا العلم، وقوله تعالى في سورة الكهف: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، قال: أنا من القليل، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، قال: كنت أنا وأمى من المستضعفين، وأمثال ذلك كثير عنه، وعن غيره من الصحابة مما يؤكد على سلفية هذا المنهج، مثل ما جاء عن عائشة في قصة الإفك قالت والله ما أجد لكم مثلًا إلا قول أبي يوسف، قال: "فصير جميل والله المستعان على ما تصفون" (^١)، فلما نظرت في القرآن رأت واقعها مع النبي ﷺ أشبه بواقع أبي يوسف مع أبناءه، فتمثلت قولته وأنزلتها على نفسها والرسول يقرها على ذلك، وأيضًا قول ابن مسعود الذى أخرجه ابن جرير عنه من غير وجه في فضل معاذ قال: "إن معاذ كان أمة قانتا لله حنيفا"، فقال نوفل الأشجعي: فقلت في نفسي غلط أبو عبد الرحمن، وقال: "إنما قال الله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾، فقال: تدرى ما الأمة وما القانت؟ قلت: الله أعلم، فقال: الأمة الذى يعلم الناس الخير، والقانت المطيع لله ورسوله، وكذلك كان معاذ، فابن مسعود لم ير بأسًا من تنزيل الآية على معاذ، بل وضع اسمه مكان اسم الخليل ﵇ لتشابه الأحوال.
ومما يؤكد هذا المنهج السلفى ربط القرآن بالواقع، وأن آياته المنزلة في بعض الناس تتعدى لغيرهم مما يأتي من بعدهم إذا تشابهت الأحوال.
قال الزركشي (البرهان: ١٢/ ٢٤): وقد جاءت آيات في مواضع اتفقوا على تعديتها إلى غير أسبابها؛ كنزول آية الظهار في سلمة بن صخر، وآية اللعان في شأن هلال بن أمية، ونزول حد القذف في رماة عائشة ﵂، ثم تعدى إلى غيرهم .. إلخ. اهـ وهذا أشبه بكلام شيخ الإسلام المتقدم قبل قليل.
_________________
(١) [صحيح] أخرجه البخارى في كتاب التفسير، باب: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ … إلخ﴾ الآية (الفتح: ٨/ ٣٠٦/ ح ٤٧٥٠).
[ ١ / ٥٨ ]
نزول القرآن منجمًا وعدم نزوله جملة واحدة:
ومما يزيد في التأكيد على سلفية ربط القرآن بالواقع نزوله على مراحل منجمًا وليس جملة واحدة.
قال الزركشي: فإن قلت: ما السر في نزوله إلى الأرض منجمًا؟ وهلا نزل جملة كسائر الكتب؟ قلت: هذا سؤال قد تولى الله سبحانه جوابه؛ فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، يعنون: كما أنزل على من قبله من الرسل. فأجابهم الله بقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾، أي أنزلناه كذلك مفرقًا ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي لنقوى به قلبك؛ فإن الوحى إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب، وأشد عناية بالمرسل إليه؛ ويستلزم ذك كثرة نزول الملك إليه، وتجديد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجانب العزيز، فحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة؛ وهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة نزول جبريل ﵇.
[ ١ / ٥٩ ]