١ - حديث ابن عمر:
له طرق:
أ- إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرأن".
أخرجه الترمذي (١٣١)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (١١٣)، وابن ماجه (٥٩٥)، وأبو الحسن بن القطان في زوائده عليه (٥٩٦)، وعبد الله بن
[ ٣ / ١٢٨ ]
أحمد في العلل (٣/ ٣٨١/ ٥٦٧٥)، والحسن بن عرفة في جزئه (٦٠)، والبزار (١٢/ ٢٢٠/ ٥٩٢٥)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٨٨)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٩٠)، والآجري في أخلاق حملة القرآن (٧٧)، وابن عدي في الكامل (١/ ٢٩٨) و(٤/ ٧٣)، وابن المقرئ في المعجم (٩٨)، والدارقطني (١/ ١١٧ و١١٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٨٩ و٣٠٩)، وفي الصغرى (١٠٤٤)، وفي المعرفة (١/ ١٩٠/ ١١٦)، وفي الخلافيات (٢/ ٢١ - ٢٣/ ٣١٧ و٣١٨)، وفي الشعب (٢/ ٣٧٩/ ٢١١٠)، والخطيب في تاريخه (٢/ ١٤٥)، وابن عساكر في تاريخه (٧/ ٨٨)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٦٦/ ١٦١)، والذهبي في السير (٦/ ١١٨) و(٨/ ٣٢٢)، وفي التذكرة (٤/ ١٤٩٥)، وفي تاريخ الإسلام (١٢/ ٧٦).
قال الترمذي: "حديث ابن عمر لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة ".
وقال الإمام أحمد لما سأله ابنه عن هذا الحديث: "هذا باطل"، أنكره على إسماعيل بن عياش، يعني: أنه وهمٌ من إسماعيل بن عياش، قاله ابنه عبد الله.
وقال البخاري لما سأله الترمذي عن هذا الحديث: "لا أعرفه من حديث ابن عقبة، هاسماعيل بن عياش: منكر الحديث عن أهل الحجاز وأهل العراق" [العلل الكبير (٧٥)].
وقال أبو حاتم: "هذا خطأ؛ إنما هو عن ابن عمر قوله" [العلل (١/ ٤٩/ ١١٦)].
وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن موسى بن عقبة إلا إسماعيل بن عياش، ولا نعلم يُروى عن ابن عمر من وجه إلا من هذا الوجه، ولا يُروى عن النبي - ﷺ - في الحائض إلا من هذا الوجه".
وقال ابن عدي: "وهذا الحديث بهذا الإسناد لا يرويه غير ابن عياش، وعامة من رواه: عن ابن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، وزاد في هذا الإسناد عن ابن عياش: إبراهيم بن العلاء، وسعيد بن يعقوب الطالقاني، فقالا: عبيد الله، وموسى بن عقبة. وليس لهذا الحديث أصل من حديث عبيد الله".
وقال البيهقي: "وليس هذا بالقوي"، وقال في موضع آخر: "قال محمد بن إسماعيل البخاري فيما بلغني عنه: إنما روى هذا إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة، ولا أعرفه من حديث غيره، وإسماعيل: منكر الحديث عن أهل الحجاز وأهل العراق. قال البيهقي: وقد روي عن غيره عن موسى بن عقبة، وليس بصحيح، وروي عن جابر بن عبد الله من قوله في الجنب والحائض والنفساء: وليس بقوي"، وقال أيضًا: "فيه نظر".
وقال الذهبي في السير (٦/ ١١٨): "هذا حديث لين الإسناد من قبل إسماعيل، إذ روايته عن الحجازيين مضعَّفة".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٦٠) و(٢٦/ ١٩١): "وهو حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث".
[ ٣ / ١٢٩ ]
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (٣/ ٣٠): "لم يصح؛ فإنه حديث معلول باتفاق أهل العلم بالحديث".
وقال مغلطاي في شرح ابن ماجه: "ضعيف" [فيض القدير (٦/ ٤٥٤)].
وقال ابن حجر في الفتح (١/ ٤٠٩): "ضعيف من جميع طرقه".
ب- عبد الملك بن مسلمة: حدثني المغيرة بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يقرأ الجنب شيئًا من القرآن".
أخرجه الدارقطني (١/ ١١٧)، والبيهقي في الخلافيات (٣١٩).
وقال الدارقطني: "عبد الملك هذا كان بمصر، وهذا غريب عن مغيرة بن عبد الرحمن، وهو ثقة".
وهو كما قال الدارقطني، حديث منكر، تفرد به عبد الملك بن مسلمة، وهو منكر الحديث، يروي المناكير الكثيرة عن أهل المدينة [اللسان (٤/ ٨١)]، قال أبو حاتم: "هو مضطرب الحديث ليس بقوي"، وقال أبو زرعة: "ليس بالقوي، وهو منكر الحديث، هو مصري" [الجرح والتعديل (٥/ ٣٧١). وانظر: المجروحين (٢/ ١٣٤)].
وعلى هذا فلا يصح من حديث المغيرة بن عبد الرحمن.
ج- محمد بن إسماعيل الحساني [صدوق. الجرح والتعديل (١/ ١٩٠)، التقريب (٨٢٥)]، عن رجل، عن أبي معشر، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا بنحوه.
أخرجه الدارقطني (١/ ١١٨)، والبيهقي في الخلافيات (٣٢٠).
أبو معشر: نجيح بن عبد الرحمن: ضعيف، ولا يصح عنه؛ فإن الراوي عنه مبهم.
وبهذا يتبين صحة ما ذهب إليه الأئمة من كون هذا الحديث لا يرويه سوى إسماعيل بن عياش، تفرد به عن موسى بن عقبة، ولم يتابع عليه، فإن هاتين المتابعتين عن موسى بن عقبة: لا تصحان، كما قال البيهقي.
فهو حديث باطل؛ كما قال الإمام أحمد.
٢ - حديث جابر:
له ثلاث طرق:
أ- رواه يحيى بن أبي أنيسة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: لا يقرأ الحائض ولا الجنب ولا النفساء القرآن. موقوف.
أخرجه الدارقطني (١/ ١٢١)، ومن طريقه: البيهقي في الخلافيات (٣٢٩).
قال الدارقطني: "يحيى: هو ابن أبي أنيسة: ضعيف".
قلت: إسناده ضعيف جدًّا؛ لأجل يحيى هذا فإنه متروك [التهذيب (٩/ ٢٠٣)]، وفي تفرده عن أبي الزبير نكارة.
ب- ورواه محمد بن الفضل، عن أبيه، عن طاووس، عن جابر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يقرأ الحائض ولا النفساء من القرآن شيئًا".
[ ٣ / ١٣٠ ]
أخرجه الدارقطني (٢/ ٨٧)، وابن عدي (٦/ ١٦٣)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٢).
وهذا حديث باطل كذب، محمد بن الفضل بن عطية بن عمر: كذبوه [التقريب (٨٨٨)].
ج- وأخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٩٧/ ٦٢١) من طريق ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة، عن أبي الزبير: أنه سأل جابرًا عن المرأة الحائض والنفساء، هل تقرأ شيئًا من القرآن؟ فقال جابر: لا.
هكذا موقوفًا بإسناد ضعيف، ابن لهيعة: ضعيف مطلقًا حتى من رواية العبادلة عنه، وهو مدلس، ولم يصرح بالسماع.
• ولم يُرو في نهي الحائض عن قراءة القرآن شيء غير هذين الحديثين: حديث ابن عمر، وهو باطل، وحديث جابر، ولا يصح عنه مرفوعًا ولا موقوفًا، وفي إسناد المرفوع: كذاب، وفي الآخر: متروك، اتهمه أخوه بالكذب.
٣ - حديث علي بن أبي طالب:
وله عنه طرق:
أ- عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: دخلت على علي - ﵁ - أنا ورجلان: رجل منا، ورجل من بني أسد -أحسب-، فبعثهما علي - ﵁ - وجهًا، وقال: إنكما علجان فعالجا عن دينكما، ثم قام فدخل المخرج، ثم خرج فدعا بماء فأخذ منه حفنة فتمسح بها، ثم جعل يقرأ القرآن، فأنكروا ذلك، فقال: إن رسول الله - ﷺ - كان يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن، ويكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه -أو قال: يحجزه- عن القرآن شيء ليس الجنابة.
أخرجه أبو داود (٢٢٩)، والترمذي (١٤٦)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (١٣٠)، والنسائي (١/ ١٤٤/ ٢٦٥ و٢٦٦)، وابن ماجه (٥٩٤)، وابن خزيمة (١/ ١٠٤/ ٢٠٨)، وابن حبان (٣/ ٧٩ و٨٠/ ٧٩٩ و٨٠٠)، والحاكم (١/ ١٥٢) و(٤/ ١٠٧)، وابن الجارود (٩٤)، والضياء في المختارة (٢/ ٢١٤ - ٢١٦/ ٥٩٦ - ٦٠٠)، وأحمد (١/ ٨٣ و٨٤ و١٠٧ و١٢٤ و١٣٤)، والطيالسي (١٠١)، والحميدي (٥٧)، وأبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (١٦٦)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (١٩٢)، وابن أبي شيبة (١/ ٩٧ و٩٩/ ١٠٧٨ و١١٠٧)، والبزار (٢/ ٢٨٤ - ٢٨٦/ ٧٠٦ - ٧٠٩)، وأبو يعلى (١/ ٢٤٧ و٢٨٨ و٣٢٦ و٣٢٧ و٤٠٠ و٤٣٦ و٤٥٩/ ٢٨٧ و٣٤٨ و٤٠٦ - ٤٠٨ و٥٢٤ و٥٧٩ و٦٢٣)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٩٩/ ٦٢٦)، والطحاوي (١/ ٨٧)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٥٩)، وابن البختري في المجلس الرابع من أماليه (٢٩) [مجموع مصنفاته (١٩٣)]، وأبو بكر الآجري في أخلاق حملة القرآن (٧٦). والطبراني في الأوسط (٧/ ٩ و١٢١/ ٦٦٩٧ و٧٠٣٩)، وفي مسند الشاميين (٢/ ٤٢٥/ ١٦٢١)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٧٠)، والدارقطني في السنن (١/ ١١٩)، وفي
[ ٣ / ١٣١ ]
العلل (٣/ ٢٥١)، والبيهقي في السنن (١/ ٨٨ - ٨٩)، وفي المعرفة (١/ ١٨٨/ ١١٠)، وفي الشعب (٢/ ٣٧٩/ ٢١٠٩)، وفي الخلافيات (٢/ ١٢ - ٢٠/ ٣١١ - ٣١٥)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ١٢١)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٦٧/ ١٦٢)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٤١ - ٤٢/ ٢٧٣)، والسمعاني في أدب الإملاء (٦٥)، والمزي في تهذيب الكمال (١٥/ ٥٤).
وانظر الأوهام والاختلاف فيه على بعض رواته: الكامل لابن عدي (٣/ ٥٦ و١٩٢)، العلل للدارقطني (٣/ ٢٥٠).
قال الترمذي: "حسن صحيح".
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد".
وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجارود، والضياء، وابن السكن، وعبد الحق الإشبيلي، والبغوي، وقال ابن حجر في الفتح (١/ ٤٠٨): "وضعف بعضهم بعض رواته، والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة".
وقد روى ابن خزيمة بإسناده عن شعبة قال: "هذا الحديث ثلث رأس مالي"، وحكاه ابن عدي.
وروى الدارقطني عن شعبة قال: "ما أحدث بحديث أحسن منه".
وروى الخطيب في جامعه عن شعبة قال: "ليس أحدث بحديث أجود من هذا"، وكذا في المعرفة للبيهقي، وفي علل أحمد (٢/ ٦٢).
وقد يتوهم البعض أن هذا تقوية للحديث من شعبة واحتجاج منه به، إلا أن الحق بخلافه، فقد قال شعبة فيما رواه ابن الجارود: "قال يحيى [يعني: ابن سعيد القطان]: "وكان شعبة يقول في هذا الحديث: نعرف وننكر. يعني: أن عبد الله بن سلمة كان كبر حيث أدركه عمرو".
وروى ابن عدي بإسناد صحيح: عن شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: كان عبد الله بن سلمة يحدثنا فكان قد كبر، فكنا نعرف وننكر. فقال شعبة: والله لأخرجنه من عنقي، ولألقينه في أعناقكم".
وقال شعبة أيضًا [عند ابن عدي]: "لم يرو عمرو بن مرة أحسن من هذا الحديث، وقال شعبة: روى هذا الحديث عبد الله بن سلمة بعدما كبر".
وبهذا يظهر أن شعبة يضعف الحديث؛ فإن عبد الله بن سلمة رواه بعدما خلط، ومعلوم أن رواية المختلط بعد الاختلاط مردودة، وهذه منها، وأما استحسان شعبة للحديث: فهو من باب الاستغراب، حيث كانوا يطلقون الحسن على الغريب، والله أعلم.
• وقد ضعف الحديث جماعة، منهم:
الشافعي، فقال في "جماع كتاب الطهور": "أهل الحديث لا يثبتونه" [معرفة السنن (١/ ١٨٨)، التلخيص (١/ ٢٤٢)].
[ ٣ / ١٣٢ ]
وأحمد، فقد قال الخطابي: "كان أحمد يوهن هذا الحديث".
وابن المنذر، فقد قال في الأوسط (٢/ ١٠٠): "وحديث علي لا يثبت إسناده؛ لأن عبد الله بن سلمة تفرد به، وقد تكلم فيه عمرو بن مرة ، فإذا كان الناقل لخبره جرحه: بطل الاحتجاج به".
والبيهقي، إذ يقول: "عبد الله بن سلمة راويه كان قد تغير".
والنووي، إذ قال في المجموع (٢/ ١٥٩): "قال الترمذي: حسن صحيح، وقال غيره من الحفاظ المحققين: هو حديث ضعيف".
وقال في الخلاصة: "خالف الترمذي الأكثرون، فضعفوا هذا الحديث".
وهو كما قالوا؛ فإن عبد الله بن سلمة: قال فيه البخاري: "لا يتابع في حديثه"، وقال أبو حاتم، والنسائي، وقبلهما عمرو بن مرة: "يعرف وينكر"، وقال ابن عدي: "أرجو أنه لا بأس به"، ووثقه العجلي، ويعقوب بن شيبة، وقال ابن حبان في الثقات: "يخطئ"، وقال أبو أحمد الحاكم: "حديثه ليس بالقائم"، ولم يرو عنه غير عمرو بن مرة، ولخص الحانظ القول فيه بقوله: "صدوق تغير حفظه"، وقال الذهبي في المغني: "صدوق، وقال أبو حاتم والنسائي: تعرف وتنكر، وكذا قال قبلهما عمرو بن مرة" [التهذيب (٤/ ٣٢٤)، الميزان (٢/ ٤٣٠)، التقريب (٥١٢)، المغني (١/ ٣٤٠)، وغيرها].
فإن سلمنا بقول الذهبي وابن حجر؛ فإن حجتنا على ضعف هذا الحديث وعدم ثبوته: هو قول راويه أمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج، إذ قال: "روى هذا الحديث عبد الله بن سلمة بعدما كبر"، يعني: بعد أن تغير، وكان عمرو بن مرة قد أدركه بعد تغيره، لذا قال عنه: "نعرف وننكر"، وهذا يدل على إنكار عمرو بن مرة وبعده شعبة لهذا الحديث، ولهذا قال الشافعي: "أهل الحديث لا يثبتونه".
• هذا إذا قيل بتفرده بهذا الحديث وعدم مخالفته لغيره:
ب- فقد روى هذا الحديث: يزيد بن هارون: نا عامر بن السمط: نا أبو الغريف الهمداني، قال: كنا مع علي في الرحبة فخرج إلى أقصى الرحبة، فوالله ما أدري أبولًا أحدث أم غائطًا؟ ثم جاء فدعا بكوز من ماء فغسل كفيه ثم قبضهما إليه، ثم قرأ صدرًا من القرآن، ثم قال: اقرؤوا القرآن ما لم يصب أحدكم جنابة، فإن أصابته جنابة فلا، ولا حرفًا واحدًا.
أخرجه الدارقطني (١/ ١١٨)، هكذا موقوفًا.
وقال: "هو صحيح عن علي"، يعني: موقوفًا عليه.
ومن طريقه أخرجه: البيهقي في الخلافيات (٢/ ٤٠/ ٣٢٨).
• وقد تابع يزيد بن هارون على وقف موضع الشاهد منه:
سفيان الثوري، وخالد بن عبد الله الواسطي الطحان، والحسن بن صالح بن حي [وهم: ثقات حفاظ متقنون]، وشريك بن عبد الله النخعي [وهو صدوق، سيئ الحفظ]،
[ ٣ / ١٣٣ ]
فرووه عن عامر بن السمط، عن أبي الغريف، قال: قال علي: لا بأس أن تقرأ القرآن وأنت على غير وضوء، فأما وأنت جنب فلا ولا حرفًا. لفظ الواسطي.
ولفظ الثوري: شهدتُّ علي بن أبي طالب بال، ثم قال: اقرؤوا القرآن ما لم يكن أحدكم جنبًا، فإذا كان جنبًا فلا ولا حرفًا واحدًا.
أخرجه عبد الرزاق (١/ ٣٣٦/ ١٣٠٦) [تصحفت في مطبوعة المصنف: عامر السعدي إلى عامر الشعبي]. وابن أبي شيبة (١/ ٩٧/ ١٠٨٦)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٩٦ و٩٧/ ٦١٩ و٦٢٠)، والبيهقي في السنن (١/ ٨٩ و٩٠).
وهذا إسناد حسن؛ فإن أبا الغريف عبيد الله بن خليفة: صدوق، وقد مع عليًّا [انظر: ترجمته مفصلة تحت الحديث رقم (١٥٧)، في طرق حديث صفوان بن عسال]، وعامر بن السمط: ثقة، وقد سمع أبا الغريف [التقريب (٢٩٧)، التاريخ الكبير (٦/ ٤٥٨)، كنى مسلم (٢٨٣٩)].
• وقد رواه مطولًا بسياق يوهم رفعه، وهو موقوف:
عائذ بن حبيب [صدوق]: حدثني عامر بن السمط، عن أبي الغريف، قال: أُتي عليٌّ بالوضوء، فمضمض واستنشق ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، وغسل يديه وذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح برأسه، وغسل رجليه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ.
ثم قرأ شيئًا من القرآن، ثم قال: هذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا ولا آية.
أخرجه أحمد (١/ ١١٠)، وأبو يعلى (١/ ٣٠٠/ ٣٦٥)، والضياء في المختارة (٢/ ٢٤٤).
وقد تقدم ذكر هذا الطريق تحت الحديث رقم (١٦٠).
فإن أراد عائذ بن حبيب رفع موضع الشاهد، فهو وهم منه؛ حيث خالف في ذلك من رواه صريحًا بالوقف، وهم: سفيان الثوري، ويزيد بن هارون، وخالد بن عبد الله الطحان، والحسن بن حي، وشريك النخعي.
وإلا فإن حمله على أنه من فعل عليٍّ وقوله: ظاهر.
• وروى الثوري، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، قال: اقرأ القرآن على كل حال ما لم تكن جنبًا.
أخرجه عبد الرزاق (١/ ٣٤٠/ ١٣٢١).
• وبهذا يظهر جليًّا خطأ عبد الله بن سلمة في رفع هذا الحديث، وإنما هو موقوف على عليٍّ قوله، كذا أوقفه عليه: أبو الغريف، والحارث الهمداني.
فهو كما قال الدارقطني: "هو صحيح عن علي"، يعني: موقوفًا عليه، ولا يصح رفعه، والله أعلم.
ج- وروى أبو مالك النخعي الواسطي عبد الملك بن حسين، عن عاصم بن كليب، عن أبي بردة، عن أبي موسى.
[ ٣ / ١٣٤ ]
وعن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، قالا: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تقرأ القرآن وأنت جنب، " في حديث طويل.
أخرجه ابن ماجه (٨٩٥)، مختصرًا بدون موضع الشاهد، والبزار (٨/ ١٢٢/ ٣١٢٦)، والدارقطني (١/ ١١٨ - ١١٩).
قال البزار: "وهذا الحديث إنما يُعرف عن علي بن أبي طالب، فجمع هذا الرجل فيه أبا موسى مع علي، ولا نعلم أحدًا جمعهما إلا عبد الملك بن حسين، ولم يتابع عليه".
وأبو مالك عبد الملك بن حسين هذا: متروك، منكر الحديث [التقريب (١١٩٩)، التهذيب (٤/ ٥٨٠)].
وتفرد به عنه: أبو نعيم عبد الرحمن بن هانئ النخعي: ضعيف، كذبه ابن معين، وقال ابن عدي: "وعامة ما له لا يتابعه الثقات عليه"، ومن مشاه فلعله لم يخبره [انظر: التهذيب (٢/ ٥٦١)، الميزان (٢/ ٥٩٥)]، وحديثهما هذا منكر؛ فقد خولفا فيه:
فإن هذا الحديث أصله في: سنن أبي داود (٩٠٨)، وجامع الترمذي (٢٨٢)، وسنن ابن ماجه (٨٩٤)، ومسند أحمد (١/ ٨٢ و١٤٦)، ومسند الطيالسي (١٨٢)، ومصنف عبد الرزاق (٢/ ١٤٤/ ٢٨٣٥ و٢٨٣٦)، ومصنف ابن أبي شيبة (٢/ ١٩٥/ ٨٠٦١)، ومسند عبد بن حميد (٦٧)، ومسند البزار (٣/ ٨٤/ ٨٥٤)، وشرح مشكل الآثار (١٢/ ٣٩٢ - ٣٩٣/ ٤٨٨٣ - ٤٨٨٥)، وسنن البيهقي (٢/ ١٢٠) و(٣/ ٢١٢)، وشرح السُّنَّة (٦٦١).
من طرقٍ: عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث الأعور، عن علي، بغير هذا اللفظ، وبدون موضع الشاهد، وإسناده ضعيف؛ لأجل الحارث الأعور، وقال أبو داود: "أبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث، ليس هذا منها".
٤ - حديث عبد الله بن مالك النافقي، وقيل: مالك بن عبد الله:
يرويه ابن لهيعة، عن عبد الله بن سليمان، عن ثعلبة بن أبي الكنود، عن عبد الله بن مالك الغافقي: أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول لعمر بن الخطاب: "إذا توضأتُ وأنا جنب، أكلتُ وشربتُ، ولا أصلي ولا أقرأ حتى أغتسل".
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (١٩٦)، وأبو القاسم ابن عبد الحكم في فتوح مصر (٢٢٢ و٥٢٠)، والطحاوي (١/ ٨٨)، وابن قانع في المعجم (٢/ ٨٧) و(٣/ ٥٤)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٩٥/ ٦٥٦)، والدارقطني (١/ ١١٩)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ١٧٧٨/ ٤٥١٣)، والبيهقي (١/ ٨٩).
وإسناده ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة، وعنعنته؛ فإنه مدلس، وثعلبة بن أبي الكنود: فلم أر من وثقه غير ابن حبان [التاريخ الكبير (٢/ ١٧٥)، الجرح (٢/ ٤٦٣)، الثقات (٤/ ٩٩)، الاستغناء (٧٥٧)].
وإنما يُعرف هذا عن عمر بن الخطاب قوله.
٥ - حديث عبد الله بن رواحة:
[ ٣ / ١٣٥ ]
يرويه زمعة بن صالح، واختلف عليه:
أ- فرواه إسماعيل بن عياش [روايته عن غير أهل الشام: ضعيفة، وهذه منها]، وعمر بن زريق [الموصلي: شيخ لابن عمار الموصلي، ولم يوثق. المؤتلف للدارقطني (٢/ ١٠٢١)، الإكمال (٤/ ٥٧)، المشتبه (١/ ٣١٥)، التوضيح (٤/ ١٧٩)]:
كلاهما: عن زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عبد الله بن رواحة: أن رسول الله - ﷺ - نهى أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب.
أخرجه الدارقطني (١/ ١٢٠ و١٢١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٦٤٠/ ٤١١٥)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ٣٢٣/٣٢).
قال الدارقطني: "إسناده صالح، وغيره لا يذكر: عن ابن عباس".
ب- وخالفهما: أبو نعيم الفضل بن دكين [ثقة ثبت]، وسعيد بن زكريا [القرشي: صدوق، لم يكن بالحافظ]:
فروياه عن زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، قال: كان ابن رواحة مضطجعًا إلى جنب امرأته، فقام إلى جارية له في ناحية الحجرة فوقع عليها، وفزعت امرأته، فلم تجده في مضجعه، فقامت وخرجت، فرأته على جاريته، فرجعت إلى البيت، فأخذت الشفرة ثم خرجت، وفرغ فقام، فلقيها تحمل الشفرة، فقال: مهيم؟ فقالت: مهيم! لو أدركتك حيث رأيتك لوجأت بين كتفيك بهذه الشفرة، قال: وأين رأيتني؟ قالت: رأيتك على الجارية، قال: ما رأيتني، وقد نهى رسول الله - ﷺ - أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب، قالت: فاقرأ، فقال:
أتانا رسول الله يتلو كتابه كما لاح مشهور من الفجر ساطع
أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
فقالت: آمنت بالله، وكذبت البصر، ثم غدا على رسول الله - ﷺ -، فضحك حتى رأيت نواجذه - ﷺ -. لفظ أبي نعيم.
أخرجه ابن أبي الدنيا في الإشراف (٢٣٨)، ويعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ١٠٥)، والدارقطني (١/ ١٢٠)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ٣٠ و٣١/ ٣٢١ و٣٢٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٨/ ١١٦ و١١٨).
وتابعهما أيضًا: إسماعيل بن عياش، في رواية عنه، أخرجها الدارقطني (١/ ١٢٠)، وابن عساكر (٢٨/ ٨١)، فلم يذكر ابن عباس في الإسناد.
وهذا هو المحفوظ عن زمعة: مرسل، فإن عكرمة لم يدرك عبد الله بن رواحة، وهو ظاهر الإرسال [تحفة التحصيل (٢٣٢)].
وهو حديث منكر.
زمعة بن صالح: ضعيف؛ لا سيما فيما يرويه عن سلمة بن وهرام، فقد روى عنه
[ ٣ / ١٣٦ ]
زمعة أحاديث مناكير [العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٥٢٧/ ٣٤٧٩)، الثقات (٦/ ٣٩٩)، الكامل (٣/ ٣٣٨)، التهذيب (١/ ٦٣٥) و(٢/ ٧٩)، علل الترمذي الكبير (٢٦٧)، طبقات الشافعية الكبرى (١/ ٢٦٦)].
ولهذه القصة المذكورة طرق أخرى لكنها منقطعة ومعضلة لا تغني شيئًا، لا نطيل بذكرها، ومن أراد المزيد فلينظر تخريج الشيخ مشهور على خلافيات البيهقي (٢/ ٣٢ - ٣٨)، فقد أطال النفس في بيان بطلان هذه القصة؛ لما اشتملت عليه مما لا يجوز نسبته إلى النبي -ﷺ- من الإقرار بتسمية الشعر قرآنًا، والله -سبحانة وتعالى- يقول: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤١]، ومن نسبة الكذب العمد والتقول على الله كذبًا إلى هذا الصحابي الجليل.
وقد حكم على هذه القصة بالوضع: محمد رشيد رضا في فتاويه (٣/ ٩٧٠ - ٩٧١)، ومحمد حامد الفقي في تعليقه على "الرد على الجهمية".
قال محمد رشيد رضا في مجلة المنار (١١/ ٧/ ٥٢٠): "أما وجه حكمي بوضعها: فهو ما فيها من نسبة تعمد الكذب من صحابي من الأنصار الأولين الصادقين الصالحين، وتسميته الشعر قرآنًا؛ أي: نسبته إلى الله -﷿- القائل فيه: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة: (٤١)]، وإقرار النبي - ﷺ - له على ذلك بالضحك الدال على الاستحسان، كما صرح به في بعض الروايات، وقد صرح العلماء بأن من نسب إلى القرآن ما ليس منه كان مرتدًا".
وأما الشعر الوارد في القصة فنسبته ثابتة عن ابن رواحة:
فقد أخرج البخاري في الصحيح (١١٥٥ و٦١٥١)، وفي التاريخ الكبير (٨/ ٢١٢)، وفي الأوسط (١/ ٢٣)، وأحمد (٣/ ٤٥١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٣٧/ ١٩٨١)، ويعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ١٩٩) و(٣/ ٢٨٦)، وابن جرير الطبري في مسند عمر من تهذيب الآثار (٢/ ٨٦٠/ ٩٦٧)، والبيهقي (١٠/ ٢٣٩)، وابن عساكر (٢٨/ ١٠٥):
من طريق: يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني الهيثم بن أبي سنان: أنه سمع أبا هريرة - ﵁ -، وهو يقص في قصصه، وهو يذكر رسول الله - ﷺ -[يقول:] "إن أخًا لكم لا يقول الرفث"، يعني بذلك: عبد الله بن رواحة قال:
وفينا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق معروف من الفجر ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
• هذا ما وقفت عليه مرفوعًا من أحاديث الباب، وكما ترى لا يصح منه شيء، وإنما يصح عن علي موقوفًا عليه في النهي عن قراءة الجنب للقرآن، وكذلك صح عن عمر بن الخطاب:
فقد روى سفيان الثوري، وزائدة بن قدامة، ويعلى بن عبيد، وحفص بن غياث، وأبو معاوية، وغيرهم:
[ ٣ / ١٣٧ ]
عن الأعمش، عن شقيق، عن عَبيدة السلماني، قال: كان عمر بن الخطاب يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب.
أخرجه عبد الرزاق (١/ ٣٣٧/ ١٣٠٧)، وابن أبي شيبة (١/ ٩٧)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٩٦/ ٦١٨)، والطحاوي (١/ ٩٠)، والبيهقي في المعرفة (١/ ١٨٩/ ١١٥)، وفي الخلافيات (٢/ ٣٨/ ٣٢٥).
وهذا إسناد صحيح، فإن عبيدة السلماني مخضرم، سمع عمر، قاله البخاري [التاريخ الكبير (٦/ ٨٢)].
قال البيهقي في المعرفة: "صحيح عن عمر بن الخطاب".
وقال في الخلافيات: "وهذا إسناد صحيح".
وحكى ابن حجر في التلخيص (١/ ٢٤١) عن البيهقي قوله: "وصح عن عمر: أنه كان يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب"، ثم قال: "وساقه عنه في الخلافيات بإسناد صحيح".
• فهذان اثنان من الخلفاء الراشديبن: عمر وعلي، قد قالا بذلك، أعني: كراهة قراءة الجنب للقرآن، وقد أمرنا باتباع سُنتهم "عليكم بسُنتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهدبين من بعدي"، والاقتداء بهم "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر"، وعلق حصول الرشد بطاعتهم "إن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدرا".
قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٦٠): "فإن قراءة الحائض القرآن لم يثبت عن النبي - ﷺ - فيه شيء غير الحديث المروي عن إسماعيل بن عياش ، وهو حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث
ومعلوم أن النساء كن يحضن على عهد رسول الله - ﷺ - ولم يكن ينهين عن قراءة القرآن [وقال في (٢٦/ ١٩١): "فلو كانت القراءة محرمة عليهن كالصلاة؛ لكان هذا مما بيَّنه النبي - ﷺ - لأمته، وتعلمه أمهات المؤمنين، وكان ذلك مما ينقلونه إلى الناس، فلما لم ينقل أحد عن النبي - ﷺ - في ذلك نهيًا لم يجز أن تجعل حرامًا؛ مع العلم أنه لم ينه عن ذلك، وإذا لم ينه عنه مع كثرة الحيض في زمنه علم أنه ليس بمحرم"] كما لم يكن ينههن عن الذكر والدعاء، بل أمر الحُيَّض أن يخرجن يوم العيد فيكبرن بتكبير المسلمين، وأمر الحائض أن تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت: تلبي وهي حائض، وكذلك بمزدلفة ومنى وغير ذلك من المشاعر، وأما الجنب فلم يأمره أن يشهد العيد ولا يصلي، ولا أن يقضي شيئًا من المناسك؛ لأن الجنب يمكنه أن يتطهر فلا عذر له في ترك الطهارة، بخلاف الحائض فإن حدثها قائم لا يمكنها مع ذلك التطهر ، فعلم أن الحائض يرخص لها فيما لا يرخص للجنب فيه لأجل العذر، وإن كانت عدتها أغلظ، فكذلك قراءة القرآن لم ينهها الشارع عن ذلك".
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (٣/ ٣١): "وإذا لم يصح الحديث لم يبق مع المانعين حجة إلا القياس على الجنب، والفرق الصحيح بينها وبين الجنب: مانع من الإلحاق، وذلك من وجوه:
[ ٣ / ١٣٨ ]
أحدها: أن الجنب يمكنه التطهر متى شاء بالماء أو بالتراب فليس له عذر في القراءة مع الجنابة بخلاف الحائض.
والثاني: أن الحائض يشرع لها الإحرام، والوقوف بعرفة، وتوابعه، مع الحيض بخلاف الجنب.
الثالث: أن الحائض يشرع لها أن تشهد العيد مع المسلمين وتعتزل المصلى بخلاف الجنب".
• ومما يقوي هذا المذهب في جواز قراءة القرآن للحائض دون الجنب: قوله - ﷺ - لعائشة لما حاضت بسرف: "افعلي ما يفعل الحاج؛ غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري".
أخرجه البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٢١١)، وغيرهما.
وحديث جابر، وله طرق منها:
١ - حبيب المعلم، عن عطاء، عن جابر، في صفة حج النبي - ﷺ -، وفيه: فأمرها النبي - ﷺ - أن تنسك المناسك كلها غير أنها لا تطوف ولا تصلي حتى تطهر.
أخرجه البخاري (٧٢٣٠)، والبيهقي (٥/ ٩٥).
٢ - ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابرًا فذكر الحديث، وفيه: "وأهلي بالحج، ثم حجي، واصنعي ما يصنع الحاج؛ غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي".
أخرجه أبو داود (١٧٨٦)، وعبد بن حميد (١٠٤٢)، والطحاوي (٢/ ٢٠١)، والبيهقي (٥/ ٩٥).
وهذا إسناد صحيح، على شرط مسلم؛ بل إن مسلمًا قد ساق إسناده، ولم يسق لفظه (١٢١٤ و١٢١٥).
• وأما ما علقه البخاري في كتاب الحيض، ٧ - باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، مستدلًا به على جواز قراءة القرآن للجنب والحائض.
أما ما استدل به للحائض فمسلم.
وأما ما استدل به للجنب فغير مسلم، فقد قال:
أ- ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأسًا.
فهذا معارض بما ورد عن أكابر الصحابة، وصح عنهم: كعمر وعلي.
ب- وكان النبي - ﷺ - يذكر الله في كل أحيانه.
فهو حديث صحيح: أخرجه مسلم (٣٧٣)، وقد تقدم عند أبي داود برقم (١٨).
ولا حجة فيه للبخاري في جواز قراءة الجنب للقرآن.
قال ابن رجب في الفتح (١/ ٤٢٦): "لأن ذكر الله إذا أطلق لا يراد به القرآن"، فيكون من قبيل العام المخصوص بالأدلة المتقدمة.
[ ٣ / ١٣٩ ]
ج- وقال ابن عباس: أخبرني أبو سفيان: أن هرقل دعا بكتاب النبي - ﷺ - فقرأ، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤].
وهو حديث متفق على صحته [البخاري (٧) وانظر أطرافه، مسلم (١٧٧٣)، أبو داود (٥١٣٦)، الترمذي (٢٧١٧)، وغيرهم].
ووجه الدلالة منه: إذا جاز له مس الكتاب وهو جنب، لكونه كافرًا، جاز له قراءته، وهو المقصود من الكتابة، فاستلزم جواز القراءة بالنص، وقد أجيب عنه بأجوبة منها:
١ - أن الكتاب اشتمل على أشياء غير الآيتين، فأشبه ما لو ذكر بعض القرآن في كتاب في الفقه أو في التفسير؛ فإنه لا يمنع من قراءته ولا مسه عند الجمهور؛ لأنه لا يقصد منه التلاوة.
٢ - أنه يجوز مثل ذلك في المكاتبة لمصلحة التبليغ.
٣ - ومنها جواز تعليم النصراني الحرف من القرآن إن رجي هدايته [انظر: فتح الباري لابن حجر (١/ ٤٨٦)، فتح الباري لابن رجب (١/ ٤٣٠)].
وممن ذهب إلى جواز القراءة للجنب والحائض أيضًا: ابن حزم في المحلى (١/ ٧٧).
وقد ذهب جمهور الفقهاء: الحنفية والشافعية والحنابلة، إلى حرمة قراءة الحائض للقرآن، خلافًا للمالكية الذين أجازوا لها ذلك.
ويحرم على الجنب قراءة القرآن عند عامة العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، ويجوز عند الجميع تلاوة ما لم يقصد به القرآن كالأدعية والذكر البحت، والله أعلم.
***