روى عبد الواحد بن زياد: حدثنا الأفلت بن خليفة، قال: حدثتني جسرة بنت دجاجة، قالت: سمعت عائشة - ﵂ -، تقول: جاء رسول الله - ﷺ - ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: "وجهوا هذه البيوت عن المسجد"، ثم دخل النبي - ﷺ -، ولم
[ ٣ / ١٤٢ ]
يصنع القوم شيئًا؛ رجاء أن تنزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعدُ فقال: "وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب".
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٦٧)، وزاد في آخره: "إلا لمحمد وآل محمد". وأبو داود (٢٣٢)، وهذا لفظه، وابن خزيمة (٢/ ٢٨٤/ ١٣٢٧)، وإسحاق بن راهويه (٣/ ١٠٣٢/ ١٧٨٣)، والدولابي في الكنى (٢/ ٤٦٧/ ٨٤٣)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٣٥/ ٢٥٣٥)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٤٢)، وفي الخلافيات (٢/ ٢٥١/ م ١٣٦ - مختصره)، والبغوي في التفسير (١/ ١٩٧).
قال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام (٥/ ٣٣٢/ ٢٥٠٩): "ولم أقل: إن هذا الحديث المذكور: صحيح، وإنما أقول: إنه حسن".
قال ابن سيد الناس: "ولعمري إن التحسين لأقل مراتبه؛ لثقة رواته، ووجود الشواهد له من خارج" [النفح الشذي (٣/ ٢٠١)، نيل الأوطار (١/ ٢٢٩)]، وتبعه على ذلك تلميذه ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٥٦١).
وقد صححه ابن خزيمة، وسكت عليه أبو داود.
قلت: أما ثقة رواته: فغير مسلَّم، فإن جسرة بنت دجاجة: وإن وثقها العجلي وابن حبان، وهما معروفان بتساهلهما في توثيق المجاهيل من التابعين، فقد تكلم فيها البخاري والدارقطني، أما البخاري فقال: "وعند جسرة عجائب"، وأما الدارقطني فقال: "يعتبر بحديثها، إلا أن يحدث عنها من يترك" [سؤالات البرقاني (٦٩)].
وانظر تفصيل الكلام عنها، وعن أفلت بن خليفة: في تخريج أحاديث الذكر والدعاء الحديث (٦١٨) (٣/ ١١٧١).
فأحسن أحوالها أن يعتبر بحديثها؛ فإن توبعت قبل حديثها، لا سيما وقد روت أحاديث منكرة كهذا الحديث، والحديث الذي سبق الإشارة إليه في الدعاء دبر الصلاة.
• وقد اختلف عليها في هذا الحديث:
أ- فرواه عنها أفلت هكذا، وأقلت: صدوق.
ب- ورواه ابن أبي غنية، عن أبي الخطاب الهجري، عن محدوج الذهلي، عن جسرة، قالت: أخبرتني أم سلمة قالت: دخل رسول الله - ﷺ - صرحة هذا المسجد فنادى بأعلى صوته: "إن المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض"، وزاد في رواية: "إلا لرسول الله، وأزواجه، وعلي، وفاطمة بنت محمد، ألا هل بيَّنت لكم الأسماء أن تضلوا".
أخرجه ابن ماجه (٦٤٥)، وابن أبي شيبة في المسند (٢/ ٤٧٨/ ١٨٢ - مطالب)، وابن أبي حاتم في العلل (١/ ٩٩/ ٢٦٩)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٣٧٣/ ٨٨٣)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٣٤٤)، وابن بشران في الأمالي (١٣٩٠)، والبيهقي (٧/ ٦٥)، وابن عساكر في التاريخ (١٤/ ١٦٦) و(٤٢/ ١٤٠ - ١٤١).
[ ٣ / ١٤٣ ]
محدوج الذهلي: قال البخاري: "فيه نظر"، وفي التقريب (٩٢٣): "مجهول" [الكامل (٦/ ٤٤٤)، الميزان (٣/ ٤٤٣)].
وأبو الخطاب الهجري: مجهول [التقريب (١١٤٠)].
وأما ابن أبي غنية: فهو عبد الملك بن حميد بن أبي غنية: ثقة [التقريب (٦٢٢)].
وبذا يظهر أن قول أقلت: أولى بالصواب.
قال أبو زرعة: "يقولون: عن جسرة، عن أم سلمة، والصحيح: عن عائشة".
إذًا نرجع إلى حديث: أفلت، عن جسرة، عن عائشة:
فإن حديث جسرة لا يُقبل حتى توافق غيرها من أصحاب عائشة - ﵂ -، وهي هنا قد خالفت: عباد بن عبد الله بن الزبير، وعمه عروة بن الزبير، وهما: ثقتان مشهوران من أصحاب عائشة، لا سيما عروة ابن أختها، فهو من المكثرين عنها، وحديثه عنها مبسوط بين أصحابه.
قال البخاري في حديث محدوج: "ولا يصح هذا عن النبي - ﷺ -[التاريخ الكبير (٦/ ١٨٤)].
وقال بعد ذكر حديث أقلت: "وقال عروة وعباد بن عبد الله عن عائشة عن النبي - ﷺ -: "سدوا هذه الأبواب إلا باب أبي بكر"، وهذا: أصح"، وقال في موضع آخر (١/ ٤٠٨): "وحديث الزهري أصح [يعني: حديث عباد]، وتابعه: عروة عن عائشة عن النبي - ﷺ -.
وقال البيهقي: "وهذا أصح من حديث جسرة" [الخلافيات (٢/ ٢٥١/ م ١٣٦ - مختصره)].
وقال في المعرفة (٢/ ٢٥٧): "وأما حديث أفلت : فإنه ليس بالقوي".
قلت: وحديث عروة وعباد عن عائشة قد اختلف فيه اختلافًا كثيرًا، قال ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٢٣٠): "اختلف على ابن شهاب في هذا الحديث اختلافًا كثيرًا".
انظر: سنن الدارمي (١/ ٥١/ ٨١)، مسند أبي يعلى (٨/ ٥٧/ ٤٥٧٩)، فضائل الصحابة لعبد الله بن أحمد بن حنبل (١/ ٧٠ و٤٠٧/ ٣٣ و٦٢٩)، مصنف عبد الرزاق (٥/ ٤٢٩/ ٩٧٥٤)، طبقات ابن سعد (٢/ ٢٢٨)، كنى الدولابي (٢/ ٨٥٨/٤٧٥)، شرح مشكل الآثار (٩/ ١٧٩ - ١٨١/ ٣٥٤٦ - ٣٥٤٩)، علل ابن أبي حاتم (٢/ ٣٥٩ و٣٨٧/ ٢٥٩٥ و٢٦٧٢)، مسند الشاميين (٤/ ٢٥٦/ ٣٢١٩)، الكامل (١/ ٢٢٤)، الكتاب اللطيف (١٣٣)، معرفة علوم الحديث (٩٩)، معرفة الصحابة لأبي نعيم (٦/ ٣١١٦/ ٧١٨٥)، التمهيد (٢١/ ٢٣٠)، تاريخ دمشق (٢٥/ ٣٣٢) و(٣٠/ ٢٥٣).
• إلا أنه قد صح من حديث: ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وغيرهما.
أما حديث أبي سعيد:
فقد أخرجه البخاري (٤٦٦ و٣٦٥٤ و٣٩٠٤)، ومسلم (٢٣٨٢).
والشاهد منه قوله - ﷺ -: "لا يبقين في المسجد باب إلا سُدَّ؛ إلا باب أبي بكر".
[ ٣ / ١٤٤ ]
• وأما حديث ابن عباس:
فأخرجه البخاري (٤٦٧ و٣٦٥٦ و٣٦٥٧ و٦٧٣٨).
والشاهد منه: "سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد؛ غير خوخة أبي بكر".
• وممن ضعف حديث جسرة أيضًا:
عبد الحق الإشبيلي، فقال: "إنه لا يثبت من قبل إسناده" [نصب الراية (١/ ١٩٤)].
وقال الخطابي في معالم السنن (١/ ٦٧) نقلًا عن أحمد وبعض أهل الظاهر: "وضعفوا هذا الحديث، وقالوا: أفلت راويه: مجهول، لا يصح الاحتجاج بحديثه".
وقال البغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٤٦): "وضعف أحمد الحديث؛ لأن راويه وهو أفلت بن خليفة: مجهول"، وكذا قال في التفسير (١/ ٤٣٢).
قلت: أما أقلت: فصدوق، وإنما علته في جسرة، وتقدم بيانها.
وضعفه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٣٥).
وقال ابن حزم في المحلى (٢/ ١٨٦): "هذا حديث باطل، وأقلت: غير مشهور، ولا معروف بالثقة" [البدر المنير (٢/ ٥٥٩)].
وقال ابن رجب في فتح الباري (٢/ ٤٤٩): "وفي إسناده مقال".
وضعفه الألباني في الإرواء (١/ ٢١٠/ ١٩٣).
• ومن شواهد حديث جسرة:
ما رواه سالم بن أبي حفصة، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله - ﷺ - لعلي: "يا علي! لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك".
قال راويه علي بن المنذر: قلت لضرار بن صرد: ما معنى هذا الحديث؟ قال: لا يحل لأحد يستطرقه جنبًا غيري وغيرك.
أخرجه الترمذي (٣٧٢٧)، والبيهقي (٧/ ٦٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ١٤٠).
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث فاستغربه".
وقال ابن كثير في تفسيره (١/ ٤٧٥): "فإنه حديث ضعيف لا يثبت، فإن سالمًا هذا: متروك، وشيخه عطية: ضعيف".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٧/ ٤٦٣): "سببه أن مداره على سالم بن أبي حفصة، وعطية العوفي، وهما: ضعيفان جدًّا، شيعيان متهمان في رواية هذا الحديث، وقد أجمعوا على تضعيف سالم، وعللوه بالتشيع، والجمهور على تضعيف عطية، فيعترض إذًا على الترمذي في تحسينه له، لا جرم اعترض عليه ابن دحية في كتابه مرج البحرين، لكن قد يقال: لعله اعتضد عنده بشاهد آخر، أو متابع فصار حسنًا به، وقد ذكره البغوي في مصابيحه على اصطلاحه، ونقل بعضهم عن ابن الجوزي أنه نسبه إلى الوضع".
قلت: سالم: لم يترك، إلا أنه شيعي غالي [التهذيب (٣/ ٢٤٥)]، وقد توبع عليه:
[ ٣ / ١٤٥ ]
فقد رواه ابن أبي ليلى [وهو صدوق، سيئ الحفظ جدًّا، وفي الإسناد إليه من لا يعرف]، وكثير بن إسماعيل النواء [ضعيف، شيعي غالي. التهذيب (٣/ ٤٥٧)، الميزان (٣/ ٤٠٢)]، عن عطية به.
أخرجه وكيع محمد بن خلف في أخبار القضاة (٣/ ١٤٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ١٤٠)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٢٧٥).
قال الذهبي في تلخيص الموضوعات (٢٦٠): "وهذا ليس بصحيح".
قلت: هو حديث باطل منكر.
• وقد روى هذا الحديث الأخير: الحسن بن زيد الهاشمي، عن خارجة بن سعد، عن أبيه سعد، مرفوعًا بلفظه مثله.
أخرجه البزار (٤/ ٣٦/ ١١٩٧).
وقال: "وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن سعد إلا من هذا الوجه بهذا الأسناد ، ولا نعلم روى عن خارجة بن سعد إلا الحسن بن زيد هذا".
قلت: خارجة هذا هو علته، والظاهر أنه في عداد المجاهيل، ولم أقف له على ترجمة، وقد قال الهيثمي في المجمع (٩/ ١١٥) في هذا الحديث: "رواه البزار، وخارجة: لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
قلت: الحسن بن زيد الهاشمي: ضعفه ابن معين، وقد أنكرت عليه أحاديث، ووثقه ابن سعد والعجلي وابن حبان [التهذيب (١/ ٣٩٥)].
• وأما فقه هذه المسألة:
• أما مرور الجنب والحائض في المسجد لحاجة فجائز اتفاقًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، والحائض تقاس على الجنب، ولحديث عائشة - ﵂ -، قالت: قال لي رسول الله - ﷺ -: "ناوليني الخمرة من المسجد"، قالت: فقلت: إني حائض، فقال: "إن حيضتك ليست في يدك"، فدل ذلك على جواز المرور للحاجة.
والحديث أخرجه مسلم (٢٩٨)، وأبو داود (٢٦١)، والترمذي (١٣٤)، والنسائي (١/ ١٤٦ و١٩٢). ويأتي تخريجه في موضعه من السنن إن شاء الله تعالى.
• وأما حرمة اللبث في المسجد:
فقد دل الحديث عليها، فإن اعتذار عائشة عن دخول المسجد لكونها حائضًا: دليل على أنه كان من المتقرر عند الصحابة: أن الحائض تمنع من دخول المسجد، وإنما أذن لها الرسول - ﷺ - في المرور فقط دون المكث، فيبقى الأخير على أصله.
وقد اتفق الفقهاء على حرمة اللبث في المسجد للحائض والجنب.
وأما الأحاديث الواردة في نوم المرأة السوداء، ونوم الرجال في المسجد: فليست دليلًا على جواز المكث فيه للجنب.
انظر التفصيل في: الأوسط لابن المنذر (٥/ ١٣٢)، فتح الباري لابن رجب (٢/ ٤٤٧
[ ٣ / ١٤٦ ]
و٤٥٠)، بابي: نوم المرأة في المسجد، ونوم الرجال في المسجد، وأيضًا (٢/ ٥٦٠) باب: دخول المشرك المسجد.
***