٢٧ - . . . معمر: أخبرني أشعث، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفَّل، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يبولَنَّ أحدكم في مُستَحَمِّه ثم يغتسلُ فيه [وفي رواية: ثم يتوضأُ فيه]؛ فإن عامة الوسواس منه".
وروى شعبة وسعيد عن قتادة، عن عُقبة بن صُهبان: سمعت عبد الله بن مغفَّل يقول: البول في المغتسل يأخذ منه الوسواس.
وحديث شعبة أولى.
[ ١ / ٩٩ ]
ورواه يزيد بن إبراهيم، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن ابن مغفل قوله.
• الصحيح موقوف، وله حكم لرفع، وله شاهد دون جملة الوسواس.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٤٢٩)، وفي الأوسط (٢/ ٢٤/ ١٦٥٥)، والترمذي في الجامع (٢١)، وفي العلل (١٢)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٢٠)، والنسائي (١/ ٣٤/ ٣٦)، وابن ماجه (٣٠٤)، وابن حبان (٤/ ٦٦/ ١٢٥٥)، وابن الجارود (٣٥)، والحاكم (١/ ١٦٧ و١٨٥)، وأحمد (٥/ ٥٦)، وعبد الرزاق (١/ ٢٥٥/ ٩٧٨)، وعبد بن حميد (٥٠٥)، والروياني (٩٠٧)، وابن المنذر (١/ ٣٣١/ ٢٦٨)، والعقيلي (١/ ٢٩)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٢٣٠/ ٣٠٠٥)، والبيهقي (١/ ٩٨)، والخطيب في الموضح (١/ ٢٣١).
من طرق عن معمر، عن أشعث بن عبد الله به.
قال الترمذي في الجامع: "هذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث أشعث بن عبد الله، ويقال له: أشعث الأعمى".
وقال في العلل: "سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: لا يُعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه، ويرون أن أشعث هذا هو ابن جابر الحُدَّاني، وروى معمر فقال: عن أشعث بن عبد الله، عن الحسن".
وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن أشعث بن عبد الله إلا معمر".
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
وضعفه العقيلي، وصحح فيه الموقوف.
وقال النووي في المجموع (٢/ ١١٠): "هذا الحديث حسن".
وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (٢٩٠): "وإسناده صحيح".
قلت: أشعث: هو ابن عبد الله بن جابر الحُدَّاني البصري، وهو: صدوق، إلا أنه لم يُذكر له سماع من الحسن، وإن كان أدرك أنس بن مالك، وروى عنه أيضًا، قال البخاري لسليمان بن حرب: "أشعث أدرك أنسًا؟ قال: نعم" [التاريخ الكبير (٢/ ١٢٦)، [وانظر: التهذيب (١/ ٣٦٥)، الميزان (١/ ٢٦٥)، التاريخ الكبير (١/ ٤٢٩)، الموضح (١/ ٢٢٧)، وغيرها].
وأما قول عبد الحق في الأحكام الوسطى: "ولم يسمعه أشعث من الحسن" فهو وهم منه، صدر عن لبس في فهم كلام يحيى القطان المنقول عند العقيلي، وإنما الذي لم يسمعه من الحسن هو الحسن بن ذكوان، وسيأتي الكلام عليه، وقد بيَّن هذا المعنى الحافظ ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٢/ ٥٧٢/ ٥٨٢) بما يشفي ويغني، إلا أن ابن القطان وهم في قوله: "وهو كما ترى لم يعرض فيه [يعني: العقيلي في الضعفاء] لما بين الأشعث
[ ١ / ١٠٠ ]
والحسن البصري، وكيف يعرض له، وهو أخص أصحابه، وقد سمع منه كثيرًا ".
قلت: وهذا وهم من الحافظ فإن أشعث هذا ليس من أصحاب الحسن المشهورين، ولعله أراد أشعث بن عبد الملك الحمراني، فإنه من أصحاب الحسن ممن أكثر الرواية عنه، وسمع منه الكثير، وهو من الطبقة الثانية من أصحاب الحسن عند ابن المديني [انظر: التاريخ الكبير (١/ ٤٣١)، شرح علل الترمذي (٢٧٥)، التهذيب (١/ ٣٦٧)، الميزان (١/ ٢٦٦)].
ولعل الذي أدى به إلى الخلط بينهما: ما وقع في بعض نسخ النسائي: "عن الأشعث بن عبد الملك" وهو وهم أيضًا، فإن المزي لم يثبت هذا الاختلاف في أطرافه (٧/ ١٧٣).
وإنما نسبه رواة الحديث فقالوا: أشعث بن عبد الله، وهو كذلك في بعض النسخ من سنن النسائي، وهذا هو الذي اعتمده المزي وغيره.
وأما الحسن البصري فلم أر تصريحًا له بالسماع في طرق الحديث، وهذا لا يُعِلُّ الإسناد بشيء، أعني: عنعنة الحسن فيه، فإنها مقبولة محمولة على الاتصال، فقد ثبت للحسن البصري سماع من عبد الله بن مغفل في غير هذا الحديث، وقد أثبت له السماع منه: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني وأبو حاتم والبزار والبرديجي [انظر: العلل ومعرفة الرجال (٢/ ١١١/ ١٧٣١)، مسائل صالح (٦٣٤ و٦٣٦)، المراسيل (١٥١)، تاريخ ابن معين (٣/ ١٣٦/٣٢)، من كلام أبي زكريا للدقاق (١ ٣٩)، معرفة الرجال لابن محرز (٦٦١)، العلل لابن المديني (٥٠)، التاريخ الكبير (٧/ ٣٨٤)، التاريخ الأوسط (١/ ٢٢٩/ ١٠٩٧ و١٠٩٨)، كنى البخاري (٣٩)، الجرح والتعديل (٣/ ٤١) و(٩/ ٣٨١)، مسند أحمد (٥/ ٥٦)، الكامل (٥/ ١٠٨)، التمهيد (٢٢/ ٣٣٣)، نصب الراية (١/ ٩٠)، البدر المنير (٤/ ١١٦)، تحفة التحصيل (٧٣)].
ولا يقال بأن الحسن مدلس فترد عنعنته حتى يصرح بالسماع، وذلك أن تدليس الحسن إنما هو من نوع ما أسماه ابن حجر بالإرسال الخفي، يعني: رواية المعاصر عمن لم يلقه ولم يسمع منه بصيغة موهمة، وهذا النوع من التدليس لا ترد عنعنته طالما ثبت سماعه من شيخه ولو مرة فلا يطلب السماع في كل حديث بعينه لكونه محمولًا على الاتصال.
فإن قيل: إن مجرد وصفه بالتدليس كافٍ لرد عنعنته.
فيقال: إن الذي عليه المتقدمون وجمهور المتأخرين أن التدليس يطلق على رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع منه، وروايته عمن عاصره ولم يلقه، وتدليس الحسن من النوع الثاني لا الأول.
فإن قيل: فما الدليل على هذا؟
فيقال: بأن الذين وصفوا الحسن بالتدليس هم: خلف بن سالم [معرفة علوم
[ ١ / ١٠١ ]
الحديث (١٠٨)]، والنسائي [سؤالات السلمي (٤٤٢)، الميزان (١/ ٤٦٠)]، وابن حبان [الثقات (٤/ ١٢٣)، مشاهير علماء الأمصار (٦٤٢)، المجروحين (١/ ٨٠ و٨١)]، والحاكم [المعرفة (١٠٨ و١١١)]، وابن حزم [الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٤١ - ١٤٢)]، وابن دقيق العيد [الاقتراح (٢١٣)]، والذهبي [أهل التدليس، شرحه التأسيس (٢٣)]، والعلائي [جامع التحصيل (١٠٥)]، وسبط ابن العجمي [التبيين (٧٢)]، وابن حجر [تعريف أهل التقديس (٤٠)].
وهؤلاء منهم من وصفه بالتدليس لروايته عن معاصرين لم يلقهم ولم يسمع منهم: كخلف بن سالم وابن حبان والحاكم.
ومنهم من ذكره في طبقة من احتمل الأئمة تدليسه فتقبل عنعنته مطلقًا: كابن حزم وابن حجر.
وأما العلائي فذكره في طبقة من اختلف في قبول عنعنته، ولا سلف له.
والبقية ذكروه في عموم الموصوفين بالتدليس، ولا يلزم منه رد عنعنته مطلقًا فإنهم -في وصف الحسن بالتدليس- تبع لمن تقدمهم، وهم على كونه ممن يروي عن المعاصر ولم يلقه، لا ممن يروي عمن سمع ما لم يسمع.
فإن قيل: فالنسائي ذكره في المدلسين، وعددهم سبعة عشر راويًا، أفلا يعد ذلك دليلًا على أنه اقتصر على كبار المدلسين الذين ترد عنعنتهم؟
فيقال: إن مقبولي العنعنة منهم: عشرة، ممن ذكرهم ابن حجر في الطبقة الثانية، فذِكْر الحسن فيهم ليس دليلًا على رد عنعنته، بل هو من قبيل المعاصر الذي يروي عمن لم يلقه.
ثم إن الموصوفين بالتدليس ليسوا في طبقة واحدة بل هم على مراتب، وإنما ترد عنعنة من غلب عليه التدليس وثبت أنه دلس، كما أن من أنواع التدليس ما لا تقدح العنعنة في رواية الراوي؛ مثل تدليس الشيوخ، أو تدليس التأويل في صيغ الأداء.
• ومن الأئمة الدين قبلوا عنعنة الحسن أو صححوا له:
١ - ابن سعد:
إذ يقول في الطبقات (٧/ ١٥٧ - ١٥٨): "ما أسند من حديثه، وروى عمن سمعه منه: فحسن حجة، وما أرسل من الحديث فليس بحجة".
٢ - البخاري:
وهذا البخاري إمام أهل الصنعة يخرج له حديثًا قد ثبت له فيه سماعه من أبي بكرة: قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله - ﷺ - على المنبر ويقول: "إن ابني هذا سيد " الحديث (٢٧٠٤ و٣٦٢٩ و٣٧٤٦ و٧١٠٩).
قال البخاري: "قال لي علي بن عبد الله: إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث".
[ ١ / ١٠٢ ]
ثم أخرج له حديثًا ثانيًا (١٠٤٠ و١٠٤٨ و١٠٦٢ و١٠٦٣ و٥٧٨٥) في الكسوف معنعنًا، ثم علقه من طرقٍ عن الحسن، ومنها قوله: (وتابعه موسى عن مبارك عن الحسن قال: أخبرني أبو بكرة "، ومن المعلوم أن في تفرد المبارك بن فضالة بذكر السماع في حديث الحسن فيه نظر، فقد أنكر الإمام أحمد على المبارك تصريحه بسماع الحسن من بعض الصحابة مع أن أصحاب الحسن يذكرونه عنه بالعنعنة [راجع: التهذيب (٨/ ٣٢)].
ثم أخرج له حديثًا ثالثًا (٧٨٣) معنعنًا أيضًا، في الركوع دون الصف، لم يصرح فيه بالسماع من أبي بكرة، لكن أتى التصريح بالتحديث في رواية أبي داود (٦٨٣ و٦٨٤)، والنسائي (٢/ ١١٨).
ثم أخرج له حديثًا رابعًا (٤٤٢٥ و٧٠٩٩) بالعنعنة: "لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة"، وقد نظرت في طرق الحديث فلم أظفر منها بتصريحه بالسماع، فهو مروي بالعنعنة في كل طرقه التي اطلعت عليها.
ويصلح هذا الحديث الأخير أن يقال فيه: إن البخاري احتج بعنعنة الحسن بعد ما ثبت له السماع في أحاديث أخرى مما يدل على أن عنعنة الحسن لا تضره مطلقًا إلا إذا لم يثبت لنا سماعه من شيخه فحينئذ يتوقف فيه.
ومن الممكن أن يقال في هذا الأخير أيضًا: إن البخاري احتج بعنعنة الحسن لما علم أنه متابَع عليه، ولم ينفرد به عن أبي بكرة، فقد قال البزار في مسنده (٩/ ١٠٧ /٣٦٤٩) بعد هذا الحديث من رواية الحسن عن أبي بكرة معنعنًا: "وهذا الحديث قد رواه أبو بكرة، ورواه عن أبي بكرة جماعة، وهذا الإسناد أحسن إسناد يروى في ذلك من حديث حميد الطويل".
٣ - ابن المديني:
أورد الإمام البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٩٠) حديث العقيقة عن سمرة بن جندب في ترجمة الحسن البصري ثم قال: "قال علي: وسماع الحسن من سمرة صحيح، وأخذ بحديثه: "من قتل عبده قتلناه".
يعني: أن ابن المديني احتج بحديثه هذا مع أنه معنعن، ومخالف لما عليه جمهور العلماء من أن السيد لا يقاد بعبده، وهذا يعني: أن أحاديث الحسن عن سمرة كلها محمولة على الاتصال بعد ثبوت سماعه منه في حديث العقيقة.
٤ - أن الذين وصفوا الحسن بالتدليس قبلوا عنعنة الحسن، واحتجوا بها، كابن حبان والحاكم.
٥ - واحتج بعنعنته أيضًا وصحح له: الترمذي وابن خزيمة وابن الجارود وأبو عوانة والبزار والبيهقي والضياء وابن القطان الفاسي ومغلطاي والهيثمي [راجع: المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس (١/ ٥١٠ - ٥١٧)].
• إذا تبين هذا فلا وجه لتضعيف هذا الإسناد بدعوى تدليس الحسن البصري، وهذا
[ ١ / ١٠٣ ]
الإسناد أقرب ما يكون إلى قول المنذري في الترغيب (١/ ٨٢): "إسناده صحيح متصل، وأشعث بن عبد الله: ثقة صدوق، وكذلك بقية رواته، والله أعلم".
فإذا جاء من يتعقب الترمذي، بل والبخاري أيضًا فيقول: لم ينفرد به أشعث الحداني عن الحسن، بل توبع عليه [انظر: المرسل الخفي (٤/ ١٧٥٤)].
• فيقال له: تعال فلننظر إلى هذه المتابعات:
١ - قال الطبراني في الأوسط (٧/ ٦٧٩٣/٤٢): حدثنا محمد بن هارون: نا مروان بن محمد: نا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل، قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يبول الرجل في مغتسله، وقال: "إنه يورث الوسواس".
قال الطبراني: "لم يروِ هذا الحديث عن قتادة عن الحسن إلا سعيد بن بشير، تفرد به مروان بن محمد".
قلت: سقط من هذا الإسناد سهوًا: العباس بن الوليد بن صبح الخلال الدمشقي بين محمد بن هارون بن محمد بن بكار وبين مروان بن محمد الطاطري؛ يؤيد ذلك أمران:
الأول: تباعد ما بين وفاتي محمد بن هارون ومروان بن محمد فإن بينهما (٧٩) سنة.
الثاني: أن الطبراني ذكر هذا الحديث بعد حديث (٦٧٩٢) قال فيه: حدثنا محمد بن هارون: ثنا العباس بن الوليد: نا مروان بن محمد: نا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس .
وقد أخرج بهذا الإسناد إلى قتادة ثلاثة أحاديث (٦٧٨٩ و٦٧٩٢ و٦٨١٦)، وإلى مروان حديثًا واحدًا (٦٧٩٨).
ويحتمل أن يكون الواسطة بينهما: إبراهيم بن مروان بن محمد الطاطري، فقد أخرج الطبراني ثلاثة أحاديث بهذا الإسناد (٦٧٨٣ و٦٧٨٧ و٦٧٨٨).
وسواء كان العباس أو إبراهيم هو الواسطة فلا يضر، فإن كليهما: صدوق [التقريب (١١٦ و٤٨٨)].
ثم وجدت بعد هذا البحث أن الطبراني قد أخرجه في مسند الشاميين (٤/ ٣٧ /٢٦٦٩)، قال: حدثنا محمد بن هارون بن محمد بن بكار: ثنا العباس بن الوليد الخلال: ثنا مروان بن محمد الطاطري به.
فكان بحثي في محله، ولله الحمد والمنة.
ولا يضر تفرد مروان بن محمد الطاطري بهذا الإسناد؛ فإن مروان: ثقة ضابط، يُعتمد على حفظه، إلا أن الحمل فيه على سعيد بن بشير؛ فإنه دمشقي ضعيف، يروي عن قتادة المناكير، وفي تفرده عن قتادة بمثل هذا الإسناد نكارة ظاهرة [التهذيب (٣/ ٣٠٣)].
بل إنه خالف أوثق وأضبط وأحفظ أصحاب قتادة:
فقد رواه سعيد بن أبي عروبة، وشعبة:
[ ١ / ١٠٤ ]
كلاهما عن قتادة، عن عُقبة بن صُهْبان، قال: سمعت عبد الله بن مغفل يقول: البول في المغتسل يأخذ منه الوسواس. موقوف.
وهذا لفظ شعبة، ولفظ سعيد: نُهي أو زُجر أن يُبال في المغتسل.
أخرجه البخاري في صحيحه (٤٨٤٢) تبعًا لحديث آخر. وفي التاريخ الكبير (٦/ ٤٣١)، والحاكم (١/ ١٨٥)، وابن أبي شيبة (١/ ١٠٦/ ١٢٠١)، وأبو يعلى في المعجم (٣٦)، والعقيلي (١/ ٢٩)، والبيهقي (١/ ٩٨)، وعلقه أبو داود (٢٧).
وإسناده صحيح.
فأين سعيد بن بشير من شعبة وابن أبي عروبة، فإنه قد سلك فيه الجادة كما ترى، فوهم فيه مرتين:
مرَّة قلب الإسناد فجعل الحسن البصري مكان عقبة بن صهبان، ومرة رفع الموقوف.
فلا يشك عاقل بعد هذا في سقوط هذه المتابعة بل وبطلانها، لا سيما مع جزم الأئمة بتفرد أشعث الحداني به عن الحسن.
• وممن وهم فيه على قتادة أيضًا:
يزيد بن إبراهيم التستري فقد رواه عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن -أخي الحسن البصري-، عن عبد الله بن مغفل: أنه كان يكره البول في المغتسل، وقال: إن منه الوسواس.
أخرجه البيهقي (١/ ٩٨)، وعلقه أبو داود (٢٧).
وفي سنده تصحيف إذ فيه: "ثنا قتادة، عن سعيد، عن الحسن بن أبي الحسن، عن عبد الله بن مغفل"، والتصحيح من "المهذب في اختصار السنن الكبير" للذهبي (١/ ١١٨).
ويزيد: ثقة ثبت؛ إلا أنه في قتادة ليس بذاك. أُنكرت عليه أحاديث رواها عن قتادة [التهذيب (٩/ ٣٢٧)]، وقد وهم فيه مرة واحدة حيث قلب إسناده، وجعل سعيد بن أبي الحسن مكان عقبة بن صهبان، ولكنه تابع شعبة وسعيدًا على وقفه.
٢ - قال العقيلي في الضعفاء (١/ ٢٩): حدثنا أحمد بن محمد بن عاصم: حدثنا علي بن عبد الله بن جعفر المديني قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن الحسن بن ذكوان، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل، قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن البول في المغتسل.
قال يحيى: قيل له: أسمعته من الحسن؟ قال: لا.
ثم قال العقيلي: " ولعل حسن بن ذكوان أخذه عن أشعث الحداني".
فإن كان كما قال العقيلي، فقد رجع الحديث إلى الأشعث، وإن لم يكن فلا متابعة أيضًا: فإن الحسن بن ذكوان: صالح الحديث، كان يدلس عن المتروكين مثل عمرو بن خالد الواسطي [متروك، ورماه وكيع بالكذب. التقريب (٧٣٤)]، وهو هنا قد أقر على نفسه بأنه لم يسمعه من الحسن ودلَّسه [انظر: التهذيب (٢/ ٢٥٧)، الميزان (١/ ٤٨٩)].
[ ١ / ١٠٥ ]
• تنبيه:
ذكر الحافظ في الفتح (٨/ ٥٨٨): أن الطبري أخرجه من طريق إسماعيل بن مسلم عن الحسن أيضًا، ثم قال: "وهذا التعقب وارد على الإطلاق، وإلا فإسماعيل ضعيف".
قلت: ويحتاج أيضًا إلى نظر في الإسناد إليه.
• وبعد ما رأينا حال هذه المتابعات يجب المصير والتسليم لهؤلاء الجهابذة الحفاظ، حيث اتفقوا على تفرد الأشعث الحداني بهذا الحديث عن الحسن ولم يتابع عليه، قاله: البخاري والترمذي والعقيلي وابن المنذر، وقال: "وقد دفع حديث عبد الله بن مغفل بعض أصحابنا، وقال: لم يروه غير أشعث الحداني عن الحسن، ووقفه سائر من رواه".
قلت: وهو كما قال أبو داود وابن المنذر والعقيلي، بتقديم رواية شعبة وابن أبي عروبة، عن قتادة، عن عقبة بن صهبان، عن عبد الله بن مغفل قوله، على رواية أشعث المرفوعة، قال أبو داود والعقيلي: "حديث شعبة أولى".
وقال الترمذي في حديث أشعث: "غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث أشعث بن عبد الله"، وقال البخاري: "لا يُعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه"، وفي هذا استنكار للمرفوع، وتنبيه على أن الوهم فيه من أشعث.
إلا أنه يبقى التنبيه على رواية ابن أبي عروبة ففيها: نُهي أو زُجر عن البول في المغتسل، فهذا وإن كان موقوفًا؛ إلا أن له حكم الرفع.
وحاصل ما تقدم: أن الحديث موقوف على عبد الله بن مغفل، وله حكم الرفع، وله شاهد يأتي [وانظر: المرسل الخفي (٤/ ١٧٥٣)] وانظر: فيض القدير (٦/ ٣٤٥)].
ولذلك فإن الإمام أحمد لما سئل عن هذا الحديث لم ينكره، ولم يضعفه، وإنما أجاب جواب المحتج به، فقد قال ابنه صالح في مسائله (٥٥٧): "قلت: ما تقول في حديث النبي - ﷺ - "لا يبل أحدكم في مستحمه"؟
قال: يقول: "إن منه الوسواس"؛ إذا كان يبول موضعًا يغتسل فيه"، والله أعلم.
***
٢٨ - . . . داود بن عبد الله، عن حميد الحميري -وهو: ابن عبد الرحمن-، قال: لقيت رجلًا صحب النبي - ﷺ - كما صحبه أبو هريرة، قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يمتشط أحدنا كل يوم، أو يبولَ في مغتسله.
• حديث صحيح
لفظ أبي عوانة عند أحمد: لقيت رجلًا قد صحب النبي - ﷺ - أربع سنين، كما صحبه أبو هريرة أربع سنين، قال: نهانا رسول الله - ﷺ - أن يمتشط أحدنا كل يوم، وأن يبول في
[ ١ / ١٠٦ ]
مغتسله، وأن تغتسل المرأة بفضل الرجل، وأن يغتسل الرجل بفضل المرأة، وليغترفوا جميعًا.
أخرجه أبو داود مفرقًا في موضعين (٢٨ و٨١)، والترمذي مقتصرًا على شطره الأول بمعناه من فعله - ﷺ -، في الشمائل (٣٥) بلفظ: "أن النبي - ﷺ - كان يترجل غِبًا". والنسائي مفرقًا (١/ ١٣٠/ ٢٣٨) و(٨/ ١٣١/ ٥٠٥٤)، والحاكم (١/ ١٦٨) بشطره الأول. وأحمد (٤/ ١١٠ و١١١) و(٥/ ٣٦٩)، وأبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (١٠٠)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٣١/ ٢٦٩)، والطحاوي (١/ ٢٤)، وابن شاهين في الناسخ (٥١ و٥٢)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦/ ٣١٢٤/ ٧٢٠١)، والبيهقي (١/ ٩٨ و١٩٠)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٤٧/ ٢٢)، وابن الأثير في أسد الغابة (٦/ ٤٤٠ - ٤٤١).
وهذا حديث صحيح.
وقد صححه الحميدي، قال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٥/ ٢٢٦): "وقد كتب الحميدي إلى ابن حزم من العراق يخبره بصحة هذا الحديث ".
وصححه ابن القطان (٢/ ١٠٤/ ٧٢) و(٥/ ٢٢٦/ ٢٤٣٦).
وقال النووي في المجموع (١/ ٣٦٠): "رواه النسائي بإسناد صحيح، وجهالة اسم الصحابي لا تضر لأنهم كلهم عدول"، وقال أيضًا (٢/ ١١١): "وإسناده صحيح".
وقال ابن حجر في البلوغ (٦): "وإسناده صحيح".
وأما قول ابن المنذر والبيهقي فيه فهو غير مقبول.
قال ابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٣٢): "وحديث داود الأودي: حديث منكر، ولا يُدرى محفوظ أم لا، والله أعلم".
قلت: بل هو محفوظ.
وقال البيهقي في السنن (١/ ١٩٠): "وهذا الحديث رواته ثقات إلا أن حميدًا لم يسم الصحابي الذي حدثه فهو بمعنى المرسل، إلا أنه مرسل جيد لولا مخالفته الأحاديث الثابتة الموصولة قبله، وداود بن عبد الله الأودي لم يحتج به الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى".
وقال في المعرفة (١/ ٢٧٨): "وأما حديث داود بن عبد الله الأودي فإنه منقطع".
والقول بإرساله غير ظاهر، بل هو متصل صحيح، وجهالة الصحابي لا تضر، وداود الأودي وإن لم يحتج به الشيخان فقد وثقه أحمد وابن معين والنسائي وأبو داود، فهو ثقة يحتج بما تفرد به عن حميد.
قال ابن حجر في الفتح (١/ ٣٠٠): "رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعله على حجة قوية، ودعوى البيهقي أنه في معنى المرسل مردودة؛ لأن إبهام الصحابي لا يضر، وقد صرح التابعي بأنه لقيه، ودعوى ابن حزم أن داود راويه عن حميد بن عبد الرحمن هو ابن يزيد الأودي، وهو ضعيف: مردودة؛ فإنه ابن عبد الله الأودي، وهو ثقة".
[ ١ / ١٠٧ ]
وانظر: تعقب ابن التركماني على البيهقي في الجوهر النقي فقد بين عوار ما احتج به البيهقي وأطال في الرد عليه فأجاد.
ومن شواهده: حديث عبد الله بن يزيد، عند الطبراني في الأوسط (٢/ ٣١٢/ ٢٠٧٧)، وإسناده حسن غريب. وقد تقدم تحت الحديث المتقدم برقم (٢٤).
• وتدل الأحاديث على النهي عن البول في المغتسل، وحمل جماعة من العلماء النص على ما إذا كان البول يستقر في موضع الاغتسال بحيث يصيبه الرشاش، فأما إذا كان له مسلك [يعني: منفذ] يذهب فيه البول، أو كان الموضع صلبًا يجري عليه البول ولا يستقر فلا حرج إذًا، وإنما ينهى عنه لو كان رخوًا يستقر فيه أو صلبًا ولا يجرى عليه.
وأما الوسواس: فقيل: إن الوسواس من رشاش البول، وقيل: إن الوسواس معناه حديث النفس والأفكار، والمصدر بالكسر، وروى ابن أبي شيبة في مصنفه [(١/ ١٠٦/ ١٢٠٢) وفيه انقطاع] عن أنس بن مالك - ﷺ - أنه قال: إنما يكره البول في المغتسل مخافة اللمم، وذكر صاحب الصحاح وغيره: أن اللمم طرف من الجنون، ويقال أيضًا: أصاب فلانًا لمة من الجن، وهو المس [العرف الشذي (١/ ٦٥)].
قلت: أثر أنس لا يصح، فقد رواه عبد الرزاق (١/ ٢٥٥/ ٩٧٩)، وابن أبي شيبة (١/ ١٠٦/ ١٢٠٢)، من طريق الثوري عمن سمع أنسًا، ومعلوم أن الثوري يبهم الرجل إذا كان يستضعفه، وقد أخرجه ابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٣٢/ ٢٧٢)، من طريق ابن المبارك، عن الثوري، عن أبان بن أبي عياش، عن أنس به، فعين ما كان مبهمًا، وأبان: متروك.
وانظر: المجموع (٢/ ١١١)، تهذيب الأسماء (٣/ ٦٩)، المغني (١/ ١٠٩)، شرح السيوطي لسنن النسائي (١/ ٣٤) وكذا حاشية السندي عليه. معالم السنن (١/ ٢٠)، فيض القدير (٦/ ٣٤٥)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٦٥)، وغيرها.
***