٢٩ - . . . معاذ بن هشام: حدثني أبي، عن قتادة، عن عبد الله بن سَرْجِس: أن النبي - ﷺ - نهى أن يُبال في الجُحْر.
قال: قالوا لقتادة: ما يُكره من البول في الحجر؟ قال: كان يقال: إنها مساكن الجن.
• حديث صحيح
أخرجه النسائي (١/ ٣٣ - ٣٤/ ٣٤) بلفظ: "لا يبولن أحدكم في جحر". وابن الجارود (٣٤)، والحاكم (١/ ١٨٦)، والضياء في المختارة (٩/ ٤٠١ - ٤٠٢/ ٣٧٤ و٣٧٥)، وأحمد (٥/ ٨٢)، والروياني (١٤٥١)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٣٠/ ٢٦٧)، والبيهقي (١/ ٩٩)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٨٥/ ١٩٢).
[ ١ / ١٠٨ ]
ولفظ أحمد والحاكم وغيرهما مطولًا: "لا يبولن أحدكم في الجحر، وإذا نمتم فأطفئوا السراج؛ فإن الفأرة تأخذ الفتيلة فتحرق على أهل البيت، وأوكئوا الأسقية، وخمروا الشراب، وأغلقوا الأبواب".
والحديث سكت عليه أبو داود، وأحتج به النسائي في صحاحه، وصححه ابن خزيمة وابن الجارود وابن السكن والضياء والحاكم، وقال: "صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا بجميع رواته، ولعل متوهمًا يتوهم أن قتادة لم يذكر سماعه من عبد الله بن سرجس، وليس هذا بمستبدع [كذا في المطبوع، والمخطوط (١/ ٨٦/ ب- رواق المغاربة)، والبدر المنير (٢/ ٣٢٣)، فقد سمع قتادة من جماعة من الصحابة لم يسمع منهم عاصم بن سليمان الأحول، وقد احتج مسلم بحديث عاصم عن عبد الله بن سرجس، وهو من ساكني البصرة، والله أعلم".
أما تصحيح ابن خزيمة للحديث فمأخوذ مما رواه الحاكم بإسناده عن ابن خزيمة قال: "أنهى عن البول في الأجحرة لخبر عبد الله بن سرجس أن النبي - ﷺ - قال: "لا يبولن أحدكم في الجحر"، وقال قتادة: إنها مساكن الجن، لست أبت [وفي رواية: أثبت] القول أنها مسكن الجن؛ لأن هذا من قول قتادة".
وأما تصحيح ابن السكن فذكره ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٣٢٣)، وابن حجر في التلخيص (١/ ١٨٧).
وقال عبد الحق في الأحكام الكبرى (١/ ٣٦٧): "لم يسند هذا الحديث غير معاذ".
وقال النووي في الخلاصة (٣٤٤)، والمجموع (٢/ ١٠٤): "صحيح".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٣٢١): "هذا الحديث صحيح".
ومع ما ذكره الحاكم هنا من عدم استبعاد سماع قتادة من ابن سرجس، فقد جزم بنفيه في المعرفة (١٤٩) بقوله: "وأن قتادة لم يسمع من صحابي غير أنس".
ولعله أخذ هذا القول الأخير مما رواه ابن أبي حاتم في المراسيل (٦١٩) عن الإمام أحمد قال: "ما أعلم قتادة روى عن أحد من أصحاب النبي - ﷺ - إلا عن أنس - ﷺ -. قيل: فابن سرجس؟ فكأنه لم يره سماعًا" وعقبه ابن أبي حاتم بقوله (٦١٩ ب): "حديث ابن سرجس: ما يرويه غير معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن عبد الله بن سرجس: أن النبي - ﷺ - نهى عن البول في الأجحرة".
وفي هذا دلالة على أنه لا يعلم لقتادة عن ابن سرجس سوى هذا الحديث [انظر: تحفة الأشراف (٤/ ٣٤٨)، إتحاف المهرة (٦/ ٦٦٦)، الإمام (٢/ ٤٥٩)، البدر المنير (٢/ ٣٢٣)].
فإذا علمنا بأنه ليس لقتادة عن ابن سرجس سوى هذا الحديث ثم بعد ذلك يقول أبو حاتم: "ولم يلق قتادة من أصحاب النبي - ﷺ - إلا أنسًا وعبد الله بن سرجس" [المراسيل (٦٤٠)، الجرح والتعديل (٧/ ١٣٣)].
[ ١ / ١٠٩ ]
وقد صحح أبو زرعة سماعه منه [جامع التحصيل (٦٣٣)، تحفة التحصيل (٢٦٤)].
ومن قبلهما ابن المديني قد أثبت له السماع منه [جامع التحصيل. تحفة التحصيل. البدر المنير، التلخيص، تحفة المحتاج (١/ ١٦٢)].
ثم إن الإمام أحمد لم ينكر سماع قتادة من ابن سرجس، وإنما توقف فيه كما في رواية حرب المتقدمة [المراسيل (٦١٩)].
ويؤيد ذلك أن ابنه عبد الله سأله فقال: "قتادة سمع من عبد الله بن سرجس؟ " قال: "ما أشبهه، قد روى عنه عاصم الأحول" [العلل (٣/ ٨٦/ ٤٣٠٠)].
يعني: أن عاصمًا سمع من ابن سرجس، مع كونه أصغر سنًا من قتادة؛ فسماع قتادة منه أشبه.
بل إنه يبدو لي أن الإمام أحمد بعد ذلك بدا له ثبوت ذلك فجزم به، فقد قال ابنه عبد الله في العلل (٣/ ٢٨٤/ ٥٢٦٤): "قيل [يعني: لأبيه]: سمع قتادة من عبد الله بن سرجس؟ قال: نعم. قد حدث عنه هشام. يعني: عن قتادة عن عبد الله بن سرجس حديثًا واحدًا. وقد حدث عنه عاصم الأحول".
فوافق بذلك الإمام أحمد: ابن المديني وأبا زرعة وأبا حاتم، في إثبات السماع لقتادة من ابن سرجس بهذا الحديث وحده.
فدل ذلك على اتصاله عندهم، فلا يقال بعد ذلك بأن قتادة مدلس، ولم يصرح بالسماع فترد روايته هذه، لا سيما وشأن قتادة في التدليس قريب من شأن الحسن البصري، أعني: أن الغالب عليه التدليس عمن لم يسمع منه أصلًا أو لم يلقه، فإذا ثبت لنا سماعه فتحمل عنعنعته إذًا على الاتصال.
وممن ذكر قتادة في طبقة من احتمل الأئمة تدليسه: ابن حزم في إحكام الأحكام (١/ ١٤١)، ومع هذا فقد ذكره ابن حجر والعلائي في الطبقة الثالثة [تعريف أهل التقديس (٩٢)، جامع التحصيل (١١٣)].
وهذا الحاكم قد رفع شأنه، وذكره في الجنس الأول من أجناس المدلسين ممن يدلس عن الثقات [المعرفة (١٤٢)] وصحح له هذا الحديث.
• ثم إن المتن ليس فيه ما يستنكر: فإن البول في الجحر قد يعود على فاعله بأذى الهوام التي تسكن هذه الأجحرة، أو يتأذى بذلك الحيوان الساكن فيها إن كان ضعيفًا، أو قد يكون ساكنه جنًّا فيؤذيه كما قال قتادة.
قال ابن القيم في إعلام الموقعين (٣/ ١٤٧): "وما ذاك إلا لأنه قد يكون ذريعةً إلى خروج حيوان يؤذيه، وقد يكون من مساكن الجن فيؤذيهم بالبول فربما آذوه" [وانظر: المجموع (٢/ ١٠٤)، المغني (١/ ١٠٩)، المبدع (١/ ٨٣)].
وأما قول العراقي: "ويؤيده الأثر الصحيح أن سعد بن عبادة بال في جحر، فخر ميتًا، فسُمعت الجن تقول:
[ ١ / ١١٠ ]
نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة رميناه بسهم فلم يخط فؤاده".
[فيض القدير (٦/ ٣٤٤)] [وانظر: المغني (١/ ١٠٩)، المبدع (١/ ٨٣)].
فلم أقف عليه بهذا اللفظ، ورواه بمعناه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٦١٧) و(٧/ ٣٩٠) مطولًا وفيه: "جلس يبول في نفق"، إلا أن إسناده واهٍ؛ فإن شيخ ابن سعد فيه هو الواقدي محمد بن عمر، وهو: متروك.
وقد رواه بنحو ما ذكر العراقي: ابن سيرين وقتادة فلم يذكرا البول في الجحر، وإنما فيه أنه بال قائمًا، وابن سيرين وقتادة لم يدركا سعدًا؛ قاله الهيثمي في المجمع (١/ ٢٠٦)، وهو ظاهر من التأريخ، وتقدم من كلام الأئمة أن قتادة لم يسمع من الصحابة غير أنس وابن سرجس.
وقد أخرج أثر ابن سيرين وقتادة: الحاكم (٣/ ٢٥٣)، وعبد الرزاق (١١/ ٤٣٤/ ٢٠٩٣١)، وابن سعد (٣/ ٦١٧) و(٧/ ٣٩٠)، والحارث بن أبي أسامة (١/ ٢٠٧/ ٦٧ - زوائده)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٦/ ٥٣٥٩ و٥٣٦٠)، والخطابي في غريب الحديث (٢/ ٣٢٤)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٢٤٥ - ١٢٤٦/ ٣١٢٠).
• وأما قوله - ﷺ -: "وإذا نمتم فأطفئوا السراج " الحديث، فإن أصله متفق عليه من حديث جابر [البخاري (٣٢٨٠ و٣٣٠٤ و٣٣١٦ و٥٦٢٣ و٤ ٥٦٢ و٦٢٩٥ و٦٢٩٦)، مسلم (٢٠١٢ و٢٠١٣ و٢٠١٤)]، وهو مخرج في الدعاء في موضعين (٣٤٨ و٣٧٩).
***