٣١ - . . . يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: قال نبي الله - ﷺ -: "إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه، وإذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه، وإذا شرب فلا يشرب نفسًا واحدًا".
• شاذ بهذا للفظ، وهو متفق عليه بلفظ:
"ولا يتنفس في الإناء" بدل "فلا يشرب نفسًا واحدًا".
هذا الحديث متفق على صحته، مخرج في الذكر والدعاء برقم (٢٦٣) [البخاري (١٥٣ و١٥٤ و٥٦٣٠)، مسلم (٢٦٧) (١/ ٢٢٥) (٣/ ١٦٠٢)].
[ ١ / ١١٣ ]
لكن انفرد هنا عند أبي داود وغيره: أبان بن يزيد العطار [وهو: ثقة] بهذا اللفظ: "فلا يشرب نفسًا واحدًا".
ورواه جماعة الثقات من أصحاب يحيى بن أبي كثير: هشام الدستوائي [وهو: ثقة ثبت، أثبت أصحاب يحيى]، وأيوب السختياني، وهمام بن يحيى، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي، وحجاج الصواف، وعلي بن المبارك، والأوزاعي، ومعمر:
ثمانيتهم رووه عن يحيى بغير هذا اللفظ، ولفظ الجماعة: "ولا يتنفس في الإناء" ولفظ أيوب: "نهى أن يتنفس في الإناء".
ورواية الجماعة هي المحفوظة، ورواية أبان هاتيك شاذة، والله أعلم [راجع: تحفة الأشراف (٩/ ٢٥١)، الإتحاف (٤/ ١٢٢)، التوضيح لابن الملقن (٤/ ١٤٨)].
***
٣٢ - . . . ابن أبي زائدة قال: حدثني أبو أيوب -يعني: الأفريقي-، عن عاصم، عن المسيَّب بن رافع ومعبد، عن حارثة بن وهب الخُزاعي، قال: حدثتني حفصة زوج النبي - ﷺ -: أن النبي - ﷺ - كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل شماله لما سوى ذلك.
• حديث حسن، والمحفوظ: عن سواء عن حفصة.
أخرجه ابن حبان (١٢/ ٥٢٢٧/٣١)، والحاكم (٤/ ١٠٩)، وأبو يعلى في المسند (١٢/ ٤٧٠ و٤٨٤/ ٧٠٤٢ و٧٠٦٠)، وفي المعجم (٢٢٢)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٠٣/ ٣٤٦)، والدارقطني في الأفراد (٥/ ٣٧٢/ ٥٧٨٢ - أطرافه)، والبيهقي (١/ ١١٢).
قال ابن حبان: "أبو أيوب اسمه: عبد الله بن علي الأفريقي".
وقال الدارقطني: "تفرد به أبو أيوب الأفريقي عبد الله بن علي بن مهران، عن عاصم، عن المسيب بن رافع ومعبد كليهما، عن حارثة بن وهب عنها".
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"، وتعقبه الذهبي في التلخيص بقوله: "في سنده مجهول".
يعني بذلك: أبا أيوب الأفريقي، فقد ذكره في الميزان (٢/ ٤٦٣)، والمغني (٣٢٧٤)، والكاشف (١/ ٥٧٦) مقتصرًا على تليين أبي زرعة له، وكأنه لم يطلع على قول ابن معين فيه: "ليس به بأس"، وذِكْرِ ابن حبان له في ثقاته [تاريخ ابن معين (٢/ ٣٢٠)، الثقات (٧/ ٢١)، التهذيب (٤/ ٤٠٤)].
لكن قول أبي زرعة: "ليس بالمتين، في حديثه إنكار، هو ليِّن": جرح مفسر يقدم على تعديل ابن معين وابن حبان المجمل، وذلك لما عند أبي زرعة في ذلك من زيادة علم لم يطلعا عليها [الجرح (٥/ ١١٦)].
[ ١ / ١١٤ ]
ومع ما فيه من ضعف فإنه قد خولف في إسناده، فقد اختلف على عاصم بن أبي النجود في هذا الإسناد اختلافًا شديدًا:
١ - فقد رواه أبو أيوب الأفريقي عنه به هكذا.
٢ - ورواه حماد بن سلمة: ثنا عاصم بن بهدلة، عن سواء الخزاعي، عن حفصة زوج النبي - ﷺ - قالت: كان النبي - ﷺ - إذا أوى إلى فراشه اضطجع على يده اليمنى، ثم قال: "رب قني عذابك يوم تبعث عبادك" ثلاث مرار.
وكان يجعل يمينه لأكله وشربه، ووضوئه وثيابه، وأخذه وعطائه، ويجعل شماله لما سوى ذلك.
وكان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر: الاثنين والخميس، والاثنين من الجمعة الأخرى.
أخرجه هكذا مطولًا أو طرفًا منه:
أبو داود (٢٤٥١)، والنسائي في المجتبى (٤/ ٢٠٣/ ٢٣٦٥) وقال: "عن أم سلمة" بدل "حفصة"، و(٢٣٦٦) وقال: "عن حفصة"، وفي عمل اليوم والليلة (٥٦١)، وأحمد (٦/ ٢٨٧) واللفظ له. وإسحاق بن راهويه (٤/ ١٩١/ ١٩٨٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣٢٣/ ٢٦٥٣١) و(٦/ ٣٩/ ٢٩٣٠٩)، وفي الأدب (٢٤٥)، وعبد بن حميد (١٥٤٤)، وأبو يعلى (١٢/ ٤٦٥ و٤٧٦ و٤٨٣ و٤٨٤/ ٧٠٣٤ و٧٠٤٧ و٧٠٥٨ و٧٠٥٩)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٢/ ٨٨٢/ ٩٨٧) (٢٨ ٥ - المنتقى)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٠٤/ ٣٥٢)، وابن السني (٧٢٨ و٧٢٩)، والبيهقي في السنن (٤/ ٢٩٤)، وفي الشعب (٣/ ٣٠ و٣٨٩/ ٢٧٨٦ و٢٧٨٧ و٣٨٥٠)، وفي فضائل الأوقات (٢٩٨).
٣ - ورواه زائدة بن قدامة، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، عن حفصة به، وفيه الأطراف الثلاثة مختصرًا، وزاد بعضهم في الإسناد: "عن سواء" بعد المسيب.
أخرجه مطولًا ومختصرًا:
النسائي في المجتبي (٤/ ٢٠٣ - ٢٠٤/ ٢٣٦٧)، وفي عمل اليوم والليلة (٧٦٤)، وأحمد (٦/ ٢٨٧)، وابن أبي شيبة (١/ ١٤٠/ ١٦١٦) و(٢/ ٣٠٠/ ٩٢٢٨) و(٥/ ٣٢٤/ ٢٦٥٣٥)، وعبد بن حميد (١٥٤٥)، وأبو يعلى (١٢/ ٧٠٣٧/٤٦٦)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٠٣ / ٣٤٧)، وابن السني (٧٣٠)، وابن حزم في المحلى (٧/ ١٧).
٤ - ورواه أبان بن يزيد العطار: ثنا عاصم، عن معبد بن خالد، عن سواء، عن حفصة به مطولًا.
أخرجه مطولًا أو طرفًا منه:
أبو داود (٥٠٤٥)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٧٦٢)، وأحمد (٦/ ٢٨٨)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢١٦/ ٣٩٤)، وابن السني (٧٣٢)، والبيهقي في الشعب (٤/ ١٧٤ - ١٧٥/ ٤٧٠٩).
[ ١ / ١١٥ ]
٥ - ورواه سفيان الثوري، عن عاصم، عن المسيب، عن سواء الخزاعي، عن حفصة به مختصرًا.
أخرجه النسائي في المجتبى (٤/ ٢٠٣/ ٢٣٦٤)، وفي عمل اليوم والليلة (٧٦٣)، وابن خزيمة (٣/ ٢٩٨/ ٢١١٦)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٣/ ٣٩٤/ ٦٩٠)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٢/ ٨٨٥/ ٩٨٩)، وابن السني (٧٣١)، والدارقطني في العلل (١٥/ ٢٠٠/ ٣٩٤٦)، وابن البخاري في مشيخته (٢/ ١٠٧٥ - ١٠٧٦/ ٥٨٧).
• تنبيه: وقع عند النسائي في المجتبى، وابن خزيمة، وأبي علي الطوسي: "عن عائشة" بدل "حفصة"، وهو وهم من يحيى بن اليمان العجلي؛ فإنه: صدوق، لكنه يخطئ كثيرًا، ويهم على الثوري ويحدث عنه بعجائب [انظر: التهذيب (٤/ ٤٠١)، الميزان (٤/ ٤١٦)].
• تابع الثوري على هذا الوجه بطرف الصوم فقط: قيس بن الربيع [حديثه يكتب في المتابعات والشواهد].
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٠٤/ ٣٥٣).
قلت: وهذا الاضطراب إنما هو من عاصم بن بهدلة فإن في حفظه شيء [انظر: التهذيب (٤/ ١٣١)]، والذين رووا عنه هذا الاختلاف كلهم ثقات؛ عدا أبي أيوب الأفريقي وقيس بن الربيع، وهم: سفيان الثوري وزائدة بن قدامة وأبان العطار وحماد بن سلمة.
ويحتمل أن يكون عاصمًا أخذه عن المسيب بن رافع ومعبد بن خالد الجهني القدري كليهما، وأخذاه عن سواء الخزاعي، فهو الذي رواه عن حفصة، وأما ذكر حارثة بن وهب في الإسناد فهو وهم محض.
وعلى هذا ففي الإسناد ضعف؛ لأجل سواء الخزاعي، فإنه لم يوثقه معتبر، ولما فيه من الجهالة، فقد روى عنه اثنان: المسيب بن رافع، ومعبد بن خالد الجهني، وذكره ابن حبان في ثقاته، لكن احتجاج النسائي وابن خزيمة به مما يرفع حاله [التهذيب (٢/ ١٣٠)]،
كما أن لحديثه هذا شواهد تعضده، وترفعه إلى درجة الحسن والقبول، والله أعلم.
قال الدارقطني في العلل (١٥/ ٢٠٠): "ويشبه أن يكون عاصم سمعه من المسيب ومن معبد جميعًا".
وقال النووي في المجموع (١/ ٤٤٥): "رواه أبو داود وغيره بإسناد جيد".
وقال ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ١٤٦): "هذا حديث حسن"، ثم قال متعقبًا تصحيح الحاكم له: "وفي تصحيحه نظر؛ لأن في أبي أيوب الأفريقي -واسمه عبد الله بن علي- مقالًا، مع الاضطراب من عاصم في سنده، وقد تكلموا في حفظه، وإنما قلت: حسن؛ لاعتضاده بما قبله" قلت: يعني: حديث عائشة الآتي، وصحح إسناد النسائي في الفتح (١١/ ١١٥).
[ ١ / ١١٦ ]
• قلت: وفي هذا الحديث ثلاثة أطراف:
أما الأول: "رب قني عذابك يوم تبعث عبادك": فهو حديث صحيح، جاء من حديث البراء وابن مسعود وحذيفة وأنس وعلي وعائشة وحفصة، وهو مخرج في الدعاء برقم (١٥٩).
وأما الطرف الثاني: "وكان يجعل يمينه لأكله وشربه ": فقد صح معناه من حديث عائشة: "كان النبي - ﷺ - يحب التيمن -ما استطاع- في شأنه كله: في طهوره وترجله وتنعله"، وهو حديث متفق عليه [البخاري (١٦٨ و٤٢٦ و٥٣٨٠ و٥٨٥٤ و٥٩٢٦)، مسلم (٢٦٨)] وسيأتي في سنن أبي داود برقم (٤١٤٠) إن شاء الله تعالى، وهو مخرج في الدعاء برقم (٦٧)، ومن شواهده أيضًا حديث عائشة الآتي.
وأما الطرف الثالث: في هيئة صيام الثلاث من كل شهر، فسيأتي الكلام عليه عند الحديث رقم (٢٤٥٢) إن شاء الله تعالى.
***
٣٣ - . . . عيسى بن يونس، عن ابن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن عائشة قالت: كانت يد رسول الله - ﷺ - اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى.
• منقطع، وهو حسن لغيره.
لم ينفرد به عيسى بن يونس، بل تابعه عليه: عبدة بن سليمان، وغندر محمد بن جعفر، وأبو أسامة حماد بن أسامة.
أخرجه أحمد (٦/ ٢٦٥)، وإسحاق (٣/ ٩٣٦/ ١٦٣٩)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي - ﷺ - (٤/ ١٥ و١٧/ ٧٦١ و٧٦٢)، والبيهقي (١/ ١١٣)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٦٨ و٤٢٤/ ١٨٢ و٢١٧).
وخالفهم:
أ- محمد بن أبي عدي، عن سعيد، عن رجل، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن عائشة نحوه.
أخرجه أحمد (٦/ ٢٦٥)، والبيهقي (١/ ١١٣).
ب- عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، عن النبي - ﷺ - بمعناه، وهو الحديث الآتي:
***
[ ١ / ١١٧ ]
٣٤ - . . . عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، عن النبي - ﷺ - بمعناه.
• متصل شاذ، والمحفوظ منقطع، وهو حسن لغيره.
أخرجه أحمد (٦/ ٢٦٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١١٣)، وفي الشعب (٥/ ٧٧/ ٥٨٤٠).
قلت: رواية الجماعة أولى بالصواب؛ فإن ابن أبي عدي ممن سمع من ابن أبي عروبة بعد الاختلاط، قاله يحيى بن سعيد القطان [ضعفاء العقيلي (٢/ ١١٢)، التهذيب (٣/ ٣٥٣)].
وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف: وإن كان من أروى الناس عن ابن أبي عروبة، وممن روى له مسلم عنه؛ إلا أن الإمام أحمد يرى بأنه ممن سمع من سعيد بعد الاختلاط [التهذيب (٣/ ٣٥٣)، الكواكب النيرات (٢٥)، الكامل (٣/ ٣٩٣)، سؤالات المروذي لأحمد (٢٥٤)] [وانظر: سؤالات الآجري (٣/ ٢٢٣) ففيه قول الإمام أحمد: "عبد الوهاب أقدم" يعني: من عبد الله بن بكر السهمي]، وقال يحيى بن معين: "قلت لعبد الوهاب: سمعت من سعيد في الاختلاط؟ قال: سمعت منه في الاختلاط وغير الاختلاط، فليس أميز بين هذا وهذا" [شرح علل الترمذي (٢/ ٧٤٧)]، وعبد الوهاب الخفاف: صدوق يخطئ.
وأما عبدة بن سليمان: فهو ثقة ثبت، وقد أخبر عن نفسه بأنه سمع من سعيد في الاختلاط، إلا أن ابن معين قال: "وأثبت الناس سماعًا منه عبدة بن سليمان"، وقد جُمع بينهما بأن عبدة إنما أراد بقوله بيان اختلاط سعيد وأنه لم يحدث عنه بما سمعه منه في الاختلاط [انظر: الكامل (٣/ ٣٩٤)، التقييد والإيضاح (٤٢٨)، الكواكب النيرات]، وقال أحمد بأن سماع عبدة منه جيد، وكذا قال في سماع عيسى بن يونس، قال: "سماع عيسى منه جيد، سمع منه بالكوفة" [شرح العلل (٢/ ٧٤٤)].
وأما غندر محمد بن جعفر: فاختلف في سماعه من سعيد أكان قبل الاختلاط أو بعده، فقال ابن مهدي بأنه سمع منه بعد الاختلاط، وذكر ابن عدى هذا القول لابن مكرم فأنكره، وكذا أنكره عمرو بن علي الفلاس، وسأل ابن الجنيد ابن معين عن سماع غندر فقال ابن معين: "زعموا أنه لم يسمع منه إلا في الصحة، وأن أول من عرف اختلاط سعيد بن أبي عروبة: غندر" [انظر: الكامل. شرح العلل. التقييد والإيضاح. سؤالات ابن الجنيد (٧١)].
وقيل: إن أبا أسامة كتب عن سعيد بالكوفة، وروى له مسلم من روايته عن سعيد [شرح العلل. الكواكب النيرات].
وعلى هذا فرواية هؤلاء الأربعة: عبدة وعيسى وأبي أسامة وغندر [وهم ثقات،
[ ١ / ١١٨ ]
وفيهم من وصف بأنه أثبت الناس سماعًا من ابن أبي عروبة، وسمع منه قبل الاختلاط]: أولى بالصواب من رواية ابن أبي عدي الذي لم يسمع منه إلا في الاختلاط، ومن رواية الخفاف الذي لم يميز بين هذا وهذا، والله أعلم.
رواه أربعتهم عن ابن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن عائشة به، منقطعًا، وهو الصواب.
فإن قيل: رجح الدارقطني في العلل (١٤/ ٢٨٥/ ٣٦٢٧) رواية ابن أبي عدي، فيقال: إنما رجحها على رواية الخفاف وحده، وهو لم يتعرض لرواية هؤلاء الأربعة ولم يذكرها في وجوه الاختلاف، وروايتهم مقدمة بلا شك على رواية الخفاف وابن أبي عدي.
فإن قيل: قد وصف ابن أبي عروبة بالتدليس، فيقال: فلا يعلل هذا الإسناد بتدليس ابن أبي عروبة، فإن الذين وصفوه بالتدليس إنما عابوا عليه روايته عن أقوام لم يسمع منهم، وعلى هذا فإن عنعنته مقبولة فيمن عُلم أنه سمع منهم [انظر: التهذيب (٣/ ٣٥٤) وغيره] ولذلك ذكره ابن حجر في المرتبة الثانية فيمن احتمل الأئمة تدليسه [تعريف أهل التقديس (٥٠)]، وقد قال الإمام أحمد: "أروى الناس عن أبي معشر: ابن أبي عروبة" [العلل (٥٢٤٨)]، وأبو معشر: هو زياد بن كليب: ثقة.
وإنما يعلل هذا الحديث بالانقطاع بين إبراهيم بن يزيد النخعي وعائشة، فإنه دخل عليها وهو صغير، ولم يسمع منها شيئًا [المراسيل (١)، جامع التحصيل (١٣)، تحفة التحصيل (١٩)]، وسيأتي حديث بهذا الإسناد (٢٤٣)، ونقلت هناك أقوال الأئمة في ذلك.
قال النووي في المجموع (١/ ٤٤٥): "حديث صحيح، رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح"، وصححه أيضًا في الخلاصة (٣٨٦).
وقال العراقي في طرح التثريب (٢/ ٦٧): "رواه أبو داود بإسناد صحيح".
وانظر: الأحكام الوسطى (١/ ١٣٢)، بيان الوهم (٢/ ٢١١/ ١٩٦) و(٥/ ٢٦١/ ٢٤٦١).
وقال ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ١٤٣): "هذا حديث غريب"، وتعقب قول النووي في الأذكار، وفي المجموع (٢/ ١١٧): "بإسناد صحيح" بقوله: "والتحرير أنه حسن، فإن فيه علتين: الاختلاف على سعيد في وصله وإرساله، وفي زيادة راوٍ على السند الموصول" ثم ذكر أن الدارقطني رجح رواية ابن أبي عدي ثم قال: "وإنما قلت أن الحديث حسن لاعتضاده بالحديث الذي بعده، والله أعلم" يعني: حديث حفصة المتقدم.
[وانظر: التلخيص (١/ ١٩٨)، الإرواء (١/ ١٣١) وصححه].
وهو كما قال الحافظ، حسن لغيره، فإن رجاله ثقات إلا أنه منقطع، ويعتضد بحديث حفصة المتقدم.
• ورُوي بإسناد آخر:
رواه محمد بن فضيل، قال: ثنا الأعمش، عن رجل [وفي رواية: عن بعض
[ ١ / ١١٩ ]
أصحابه]، عن مسروق، عن عائشة، قالت: كان يمين رسول الله - ﷺ - لطعامه وصلاته وكانت شماله لما سوى ذلك.
أخرجه أحمد (٦/ ١٦٥)، وابن أبي شيبة (١/ ١٤٠/ ١٦١٥) و(٥/ ٢٢٤/ ٢٥٤٦٩).
والمحفوظ في هذا عن مسروق: ما رواه أشعث بن سليم، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة قالت: "كان النبي - ﷺ - يحب التيمن -ما استطاع- في شأنه كله: في طهوره وترجله وتنعله"، وهو متفق عليه، وتقدم ذكره قريبًا.
• وانظر فيما لا يثبت من أسانيد أخر: تاريخ أصبهان (١/ ١٥٥).
• وحديثا حفصة وعائشة استدل بهما أبو داود على كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء، وشاهده من حديث حفصة: "ويجعل شماله لما سوى ذلك" ومن حديث عائشة: "وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى".
قال النووي في شرح مسلم (٣/ ١٦٠): "هذه قاعدة مستمرة في الشرع، وهي: أن ما كان من باب التكريم والتشريف: كلبس الثوب والسراويل والخف، ودخول المسجد، والسواك والاكتحال، وتقليم الأظفار وقص الشارب، وترجيل الشعر وهو مشطه، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، وغسل أعضاء الطهارة، والخروج من الخلاء، والأكل والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك مما هو في معناه يستحب التيامن فيه.
وأما ما كان بضده: كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط والاستنجاء، وخلع الثوب والسراويل والخف، وما أشبه ذلك فيستحب التياسر فيه، وذلك كله لكرامة اليمين وشرفها، والله أعلم".
ولخصه ابن حجر في الفتح (١/ ٣٢٥) بقوله نقلًا عن النووي: "قاعدة الشرع المستمرة: استحباب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزيين، وما كان بضدها استحب فيه التياسر".
وراجع: الأوسط لابن المنذر (١/ ٣٣٨)، المغني (١/ ١٠٣)، المجموع (١/ ١٢٨)، البيان (١/ ٢٢١)، الإنصاف (١/ ١٠٤)، الفتح (١/ ٣٢٥)، الإحكام لابن دقيق العيد (١/ ٩١)، الإرواء (١/ ١٣١)، وغيرها.
***