٣٦ - . . . المُفضَّل -يعني: ابن فَضالة المصري-، عن عياش بن عباس القِتْباني، أن شِيَيْمَ بن بَيتانَ، أخبره عن شيبان القتباني، قال: إن مَسْلمة بن مُخلَّد استعمل رُويفِع بن ثابت على أسفل الأرض. قال شيبان: فَسِرنا معه من كُوم شريك إلى عَلقماء، أو: من عَلقماء إلى كُوم شريك -يريد: عَلقام- فقال رويفع: إن كان أحدنا في زمن رسول الله - ﷺ - ليأخذ نِضْوَ أخيه على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف، وإن كان أحدنا لَيَطيرُ له النَّصل والريش وللآخر القِدْح، ثم قال: قال لي
[ ١ / ١٢٢ ]
رسول الله - ﷺ -: "يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدي، فأخبر الناس أنه من عقد لحيته، أو تقلَّد وَتَرًا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم؛ فإن محمدًا - ﷺ - منه بريء".
• شاذ بذكر شيبان القتباني في الإسناد، وهو حديث صحيح.
أخرجه أحمد (٤/ ١٠٩)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر (١٤٠ و٤٧٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٢١٠/ ٢١٩٦)، والبزار (٦/ ٣٠١/ ٢٣١٧)، والطبراني في الكبير (٥/ ٢٨/ ٤٤٩١)، والخطابي في غريب الحديث (١/ ٤٢٢ - ٤٢٣) و(٢/ ١٦٩ - ١٧٠)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ١٠٦٨/ ٢٧٠٤)، والبيهقي (١/ ١١٠)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١١/ ٢٨/ ٢٦٨٠)، والمزي في تهذيب الكمال (١٢/ ٥٩٢).
قال البزار: "وإسناده حسن غير شيبان، فإنه لا نعلم روى عنه غير شِييم بن بيتان، وعياش بن عباس مشهور".
قلت: رجاله ثقات؛ غير شيبان بن أمية أو ابن قيس القتباني المصري، فإنه مجهول [التقريب (٤٤١)].
وللمفضل بن فضالة فيه إسناد آخر: فقد روى الحديث عن المفضل: يحيى بن غيلان، وسعيد بن أبي مريم، ومُعلَّى بن منصور، وعبد الأعلى بن حماد، ويزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب، وأبو الأسود النضر بن عبد الجبار [وهم ثقات]، وقد رواه الأخيران عنه بالإسنادين جميعًا:
***
٣٧ - قال أبو داود: حدثنا يزيد بن خالد: حدثنا مفضل، عن عياش، أن شييم بن بيتان أخبره بهذا الحديث أيضًا، عن أبي سالم الجيشاني، عن عبد الله بن عمرو، يذكر ذلك وهو معه مُرابِط بحصن باب أَليُون.
قال أبو داود: حصن أليون بالفسطاط على جبل.
قال أبو داود: وهو شيبان بن أمية، يُكْنى أبا حذيفة.
• حديث صحيح
وأخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر (١٤٠ - ١٤١)، قال: حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار، قال: حدثنا المفضل بن فضالة، قال: أخبرنا عياش بن عباس القتباني فذكر حديث شيبان عن رويفع، ثم قال: قال عياش بن عباس: أخبرني شييم بن بيتان، عن أبي سالم الجيشاني، أنه سمع عبد الله بن عمرو -وهو مرابط حصن باب أليون- يحدث عن رسول الله - ﷺ - بهذا الحديث. وأعاده مرة أخرى في موضع آخر (٤٧٠).
[ ١ / ١٢٣ ]
وأبو سالم الجيشاني: هو سفيان بن هانئ المصري ممن شهد فتح مصر ووفد على عليٍّ، وهو تابعي مخضرم، ثقة مشهور، وقد سمع من عبد الله بن عمرو كما ترى، وهما مرابطان معًا بحصن باب أليون؛ فالإسناد صحيح.
• تابع المفضل بن الفضالة على إسناده الأول:
عبد الله بن عياش، عن أبيه، عن شييم بن بيتان، عن شيبان بن أمية، عن رويفع بن ثابت، قال: كنت في مجلس فيه رسول الله - ﷺ -، قال: وكنت من أحدثهم سنًا، فنظر إلي رسول الله - ﷺ - فقال: "رويفع! لعله سيطول بك العمر، فأخبر الناس أنه من استنجى بروث دابة أو بعظم، أو تعلق وترًا -يريد تميمة-، أو عقد لحيته في الصلاة؛ فقد برئت منه ذمة محمد".
أخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر (٤٦٩).
وعبد الله بن عياش بن عباس القتبانى: ضعيف [التهذيب (٢/ ٤٠٠)، الميزان (٢/ ٤٦٩)].
• وقد خالفهما:
حيوة بن شريح [ثقة ثبت فقيه زاهد. التقريب (٢٨٢)]، وابن لهيعة [ضعيف]:
فروياه: عن عياش بن عباس القتباني، أن شييم بن بيتان حدثه، أنه سمع رويفع بن ثابت يقول: إن رسول الله - ﷺ - قال: "يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدي، فأخبر الناس أنه من عقد لحيته، أو تقلد وترًا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم؛ فإن محمدًا بريء منه".
أخرجه النسائي (٨/ ١٣٥ - ١٣٦/ ٥٠٦٧)، وأحمد (٤/ ١٠٨)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٢٣)، وابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ٢٨٦).
وحيوة بن شريح المصري: ثقة ثبت فقيه، قدمه أبو حاتم على المفضل بن فضالة، فقال: "حيوة أعلى القوم، وهو ثقة، وأحب إليَّ من المفضل بن فضالة" [التهذيب (٢/ ٤٨٧)].
وعلى هذا فروايته المتصلة مقدمة على رواية المفضل وابن عياش، ولم ينفرد بذلك حيوة -وإن كان لا يضره التفرد-، فقد تابعه ابن لهيعة على ذلك، فاتصل الإسناد برواية الثقات، فهو إسناد مصري صحيح، وصح الحديث والحمد لله.
والحديث جوَّد إسناده النووي في المجموع (١/ ٣٥٩) و(٢/ ١٣٥)، وابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٣٥٢).
وقد وهم فيه ابن لهيعة حيث رواه مرة: عن عياش بن عباس، عن شييم بن بيتان، عن أبي سالم، عن شيبان بن أمية، عن رويفع بن ثابت الأنصاري: أنه غزا مع رسول الله - ﷺ -، قال: وكان أحدنا يأخذ الناقة على النصف مما يغنم، حتى أن لأحدنا القاخ وللآخر النصل والريش.
أخرجه أحمد (٤/ ١٠٨).
[ ١ / ١٢٤ ]
وانظر أيضًا: مسند ابن أبي شيبة (٧٣٦).
• غريب الحديث:
كوم شريك: قرب الإسكندرية بمصر، وعلقماء أو علقام: موضع بأسفل مصر [معجم البلدان (٤/ ٤٩٥)].
نضو أخيه: يعني: الناقة المهزولة.
ليطير له النصل: أي يصيبه في القسمة.
القِدح: خشب السهم قبل أن يراش ويُركَّب فيه النصل، وفيه جواز قسمة الشيء ما لم تذهب منفعته وتبطل قيمته.
وأما نهيه - ﷺ - عن عقد اللحية فإن ذلك يفسر على وجهين: أحدهما: ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من عقد اللحى في الحروب، وذلك من زي الأعاجم، يفتلونها، ويعقدونها، وقيل معناه: معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد، وذلك من فعل أهل التوضيع والتأنيث، ووقع في رواية ابن أبي عاصم: "عقص لحيته".
وأما نهيه - ﷺ - عن تقليد الوتر، فقد قيل: إن ذلك من أجل العُوَذ التي يعلقونها عليه، والتمائم التي يشدونها بتلك الأوتار، وكانوا يرون أنها تعصم من الآفات، وتدفع عنهم المكاره، وقيل غير ذلك [معالم السنن (١/ ٢٤)، غريب الحديث للخطابي (١/ ٤٢٢ - ٤٢٣) و(٢/ ١٦٩ - ١٧٠)، شرح السُّنَّة (١١/ ٢٨)، النهاية (٣/ ٢٧٠) و(٤/ ٩٩)، المجموع (١/ ٣٥٩)، الإمام (٢/ ٥٦٠)، البدر المنير (٢/ ٣٥٣)، زهر الربى (٨/ ١٣٥)، عون المعبود (١/ ٣٩)، تيسير العزيز الحميد (١٣٤)].
***
٣٨ - . . . روح بن عبادة: حدثنا زكريا بن إسحاق: حدثنا أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: نهانا رسول الله - ﷺ - أن نتمسح بعظم، أو بعر.
• حديث صحيح
أخرجه مسلم (٢٦٣)، وأبو عوانة (١/ ١٨٦/ ٥٨٣)، وأبو نعيم في مستخرجه (١/ ٣١٩/ ٦٠٨)، وأحمد (٣/ ٣٤٣ و٣٨٤)، وأبو يعلى (٤/ ١٦٨/ ٢٢٤٢)، والبيهقي (١/ ١١٠)، وابن عبد البر (١١/ ١٩).
ولم ينفرد بذلك زكريا بن إسحاق المكي عن أبي الزبير المكي به، وإن كان لا يضره تفرده لو تفرد، فقد تابعه: ابن لهيعة عن أبي الزبير به.
قال ابن لهيعة: حدثنا أبو الزبير، عن جابر: أن رسول الله - ﷺ - نهى أن يستنجى ببعرة أو بعظم.
أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٦).
***
[ ١ / ١٢٥ ]
٣٩ - . . . ابن عياش، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن عبد الله بن الديلمي، عن عبد الله بن مسعود، قال: قدم وفد الجن على النبي - ﷺ - فقالوا: يا محمد! اِنْهَ أُمتَّك أن يستنجوا بعظم أو رَوْثة أو حُمَمَة؛ فإن الله ﷿ جعل لنا فيها رزقًا، قال: فنهى النبيُّ - ﷺ - عن ذلك.
• حديث ضعيف
أخرجه الدارقطني (١/ ٥٥ - ٥٦)، والبيهقي (١/ ١٠٩)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٦٦/ ١٨٠).
قال الدارقطني: "إسناد شامي ليس بثابت".
وقال البيهقي: "إسناد شامي غير قوي".
وقال الحازمي: "لا يعرف متصلًا إلا من حديث الشاميين، وهو على شرط أبي داود" [البدر المنير (٢/ ٣٥١)].
وقال النووي في المجموع (٢/ ١٣٦): "هذا الحديث ضعيف"، وذكره في فصل الضعيف من الخلاصة (٣٧٧).
لكن أخرج الطبراني في مسند الشاميين (٢/ ٣٧/ ٨٧٢)، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرق الحمصي: ثنا محمد بن مصفى: ثنا بقية، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن عبد الله بن الديلمي، عن عبد الله بن مسعود، قال: قدم وفد الجن الحديث.
وليس هذا من حديث الأوزاعي في شيء: بقية بن الوليد: يدلس ويسوي عن الكذابين والمجهولين، وقد عنعنه، وتفرد به عن الأوزاعي [التهذيب (١/ ٤٩٥)، الميزان (١/ ٣٣١)].
وشيخ الطبراني: قال الذهبي "شيخ للطبراني غير معتمد" [الميزان (١/ ٦٣)، اللسان (١/ ١٠٤)].
وعليه: فالحديث إنما يعرف بإسماعيل بن عياش ولا متابع له، والله أعلم.
ومع كون ابن عياش إنما ضُعِّف في روايته عن غير أهل الشام وأما روايته عنهم فمستقيمة، مع ذلك فلم يحتج بهذا الإسناد الدارقطني ولا البيهقي مع كونه إسنادًا شاميًّا.
فإن لم يكونا قد أعلاه بابن عياش، فقد أعلاه بمخالفة أهل الشام في روايتهم لرواية أهل الكوفة وهم أعلم بابن مسعود من غيرهم؛ كما سيأتي بيانه.
• ولم ينفرد أهل الشام بذلك بل تابعهم عليه أهل مصر.
وقبل أن نستطرد بذكر رواية أهل مصر؛ فقد يقال بأن لإسناد ابن عياش علة أخرى، وهي أن عبد الله بن فيروز الديلمي الشامي لا يعرف له سماع من ابن مسعود [انظر:
[ ١ / ١٢٦ ]
التاريخ الكبير (٥/ ٨٠)، فيقال: قد ثبت لقاؤه به وسماعه منه في حديث: "لو أن الله عذَّب أهل سماواته وأهل أرضه " [أخرجه أبو داود (٤٦٩٩)، وابن ماجه (٧٧)].
• وأما رواية أهل مصر: فيرويها موسى بن عُلَي بن رباح عن أبيه عن عبد الله بن مسعود: أن النبي - ﷺ - نهى أن نستنجي بعظم حائل أو روثة أو حممة.
أخرجه أحمد (١/ ٤٥٧)، والطبراني في الأوسط (٩/ ١٧/ ٨٩٩٥)، والدارقطني (١/ ٥٦)، والخطابي في غريب الحديث (١/ ٢٣٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٠٩)، وفي الدلائل (٢/ ٢٣١).
ولفظ أحمد: أن رسول الله - ﷺ - أتاه ليلة الجن ومعه عظم حائل وبعرة وفحمة، فقال: "لا تستنجين بشيء من هذا إذا خرجت إلى الخلاء".
ولفظ البيهقي في الدلائل: استتبعني رسول الله - ﷺ - فقال: "إن نفرًا من الجن خمسة عشر بني إخوة وبني عم يأتونني الليلة فأقرأ عليهم القرآن" فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد، فخط لي خطًّا، وأجلسني فيه، وقال لي: "لا تخرج من هذا" فبِتُّ فيه حتى أتاني رسول الله - ﷺ - مع السَّحَر، في يده عظم حائل وروثة وحممة، فقال لي: "إذا ذهبت إلى الخلاء فلا تستنج بشيء من هؤلاء" قال: فلما أصبحت قلت: لأعلمن علمي حيث كان رسول الله - ﷺ -، قال: فذهبت فرأيت موضع مبرك ستين بعيرًا.
والعظم الحائل: المتغير من البلى.
قال الدارقطني: "عُلَي بن رباح لا يثبت سماعه من ابن مسعود ولا يصح".
وقال البيهقي في السنن: "عُلَي بن رباح لم يثبت سماعه من ابن مسعود، والأول: إسناد شامي غير قوي، والله أعلم".
• وقد رُوي نحو هذا:
عن أبي عثمان بن سَنَّة الخزاعي، وعبد الرحمن بن رافع التنوخي، عن ابن مسعود؛ إلا أنه ليس في روايتهما ذكر الحممة.
وانظر: تحفة التحصيل (٢٣٤)، ولا تغتر بتعقب ابن التركماني في الجوهر النقي فقد جانب الصواب ومشى على ظاهر الإسناد.
ولحديث ابن مسعود طرق كثيرة جدًّا أغلبها لا يصح [انظر: تفسير الطبري (١١/ ٢٩٨)، المعجم الكبير للطبراني (١٠/ ٦٣)، سنن البيهقي (١/ ٩ - ٠ ١)، تفسير ابن كثير (٤/ ١٦٦)، مجمع الزوائد (٨/ ٣١٣)، نصب الراية (١/ ١٣٧)، وغيرها] وليس في شيء منها ذكر الحممة أو الفحمة.
وقد اشتمل بعض هذه الطرق أو أغلبها على زيادات لا تصح في قصة وفد الجن.
ومن هذه الطرق:
أ- ما رواه يونس بن يزيد، وعقيل بن خالد: عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو عثمان بن سَنَّة الخزاعي -وكان رجلًا من أهل الشام-، أنه سمع ابن مسعود يقول: إن
[ ١ / ١٢٧ ]
رسول الله - ﷺ - قال لأصحابه وهو بمكة: "من أحب منكم أن بحضر الليلة أمر الجن فليفعل" فلم يحضر منهم أحد غيري، فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خط لي برجله خطًّا، ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن، فغشيته أَسْوِدة كثيرة حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم انطلقوا فطفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين حتى بقي منهم رهط، وفرغ رسول الله - ﷺ - مع الفجر، فانطلق فتبرز، ثم أتاني فقال: "ما فعل الرهط؟ " فقلت: هم أولئك يا رسول الله، فأخذ عظمًا وروثًا فأعطاهم إياه زادًا، ثم نهى أن يستطيب أحد بعظم أو روث.
أخرجه النسائي (١/ ٣٧ - ٣٨/ ٣٩) مختصرًا. والحاكم (٢/ ٥٠٣ - ٥٠٤)، والفاكهي في أخبار مكة (٤/ ٢١/ ٢٣١٦)، وابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٢٩٩)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٢٣)، وأبو الشيخ في العظمة (٥/ ١٦٦٢/ ١١٠٢)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٩٧١/ ٦٩٢٤)، وفي الدلائل (٢٦٣)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٢٣٠) واللفظ له. وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٧/ ٧٤ و٧٥)، والمزي في التهذيب (٣٤/ ٦٧).
قال الحاكم: "وقد رُوي حديث تداوله الأئمة الثقات، عن رجل مجهول، عن عبد الله بن مسعود: أنه شهد مع رسول الله - ﷺ - ليلة الجن" ثم أخرج حديث ابن سَنَّة هذا.
وأبو عثمان بن سَنَّة هذا في عداد المجهولين، كما قال الحاكم، لم يرو عنه سوى الزهري، وقال أبو زرعة الرازي: "لا أعرف اسمه"، ولم أر من وثقه [انظر ترجمته في: المنفردات والوحدان لمسلم (٢٣٦)، طبقات ابن سعد (٥/ ٢٤٨)، علل ابن المديني (١٠٠)، الإصابة (٤/ ١٤٩)، الاستيعاب (٤/ ١٤٢ - بهامش الإصابة)، الجرح والتعديل (٩/ ٤٠٨)، التهذيب (١٠/ ١٨٥)، الميزان (٤/ ٥٤٩)].
ب- ومنها ما رواه أبو فزارة العبسي الكوفي راشد بن كيسان، عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث المخزومي، عن عبد الله بن مسعود قال: بينما نحن مع رسول الله - ﷺ - بمكة وهو في نفر من أصحابه إذ قال: "لِيَقُم معي رجل منكم، ولا يقومَنَّ معي رجل في قلبه من الغش مثقال ذرة" قال: فقمت معه وأخذت إداوة، ولا أحسبها إلا ماءً، فخرجت مع رسول الله - ﷺ - حتى إذا كنا بأعلى مكة، رأيت أسودة مجتمعة، قال: فخط لي رسول الله - ﷺ - خطًّا، ثم قال: "قم ها هنا حتى آتيك" قال: فقمت، ومضى رسول الله - ﷺ - إليهم فرأيتهم يتثورون إليه، قال: فسمر معهم رسول الله - ﷺ - ليلًا طويلًا حتى جاءني مع الفجر، فقال لي: "ما زلت قائمًا يا ابن مسعود؟ " قال: فقلت له: يا رسول الله أولم تقل لي: قم حتى آتيك؟! قال: ثم قال لي: "هل معك من وضوء؟ " قال: فقلت: نعم، ففتحت الإداوة، فإذا هو نبيذ، قال: فقلت له: يا رسول الله، والله لقد أخذت الإداوة، ولا أحسبها إلا ماءً، فإذا هو نبيذ، قال: فقال رسول اللّه - ﷺ -: "تمرة طيبة وماء طهور" قال: ثم توضأ منها، فلما قام يصلي أدركه شخصان منهم، قالا له: يا رسول الله إنا نحب أن تؤمنا في صلاتنا، قال: فصفهما رسول الله - ﷺ - خلفه ثم صلى بنا، فلما انصرف قلت له: من هؤلاء يا
[ ١ / ١٢٨ ]
رسول الله؟ قال: "هؤلاء جن نصيبين، جاؤوا يختصمون إليَّ في أمور كانت بينهم، وقد سألوني الزاد فزودتهم" قال: فقلت له: وهل عندك يا رسول الله من شيء تزودهم إياه؟ قال: فقال: "قد زودتهم الرجعة، وما وجدوا من روث وجدوه شعيرًا، وما وجدوه من عظم وجدوه كاسيًا" قال: وعند ذلك نهى رسول الله - ﷺ - عن أن يستطاب بالروث والعظم.
أخرجه هكذا مطولًا: أحمد (١/ ٤٥٨) بإسناد صحيح إلى راشد.
وأخرجه مطولًا ومختصرًا: أبو داود (٨٤)، والترمذي (٨٨)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٧١)، والنسائي في كتاب الأغراب (٢٠٥)، وابن ماجه (٣٨٤)، وأحمد (١/ ٤٠٢ و٤٤٩ و٤٥٠)، وعبد الرزاق (١/ ١٧٩/ ٦٩٣)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (٢٥٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٢٦٣/٣١)، وفي المسند (٣٠٠)، وأبو يعلى (٨/ ٤٥٩/ ٥٠٤٦) و(٩/ ٢٠٣/ ٥٣٠١)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٥٦/ ١٧٣)، والهيثم بن كليب في مسنده (٢/ ٢٤٨ و٢٥٤/ ٨٢٢ و٨٢٧ و٨٢٨)، وابن الأعرابي في المعجم (٧٢٧)، وابن حبان في المجروحين (٣/ ١٥٨)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٦٣ - ٦٦/ ٩٩٦٢ - ٩٩٦٧)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٥) و(٧/ ٢٩١ و٢٩٢)، وابن شاهين في الناسخ (٩٤)، والبيهقي في السنن (١/ ٩ و٩ - ١٠)، وفي الخلافيات (١/ ١٥٧ - ١٦٠/ ١٩ - ٢٥)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٥٢/ ٣٠ و٣١)، وفي العلل المتناهية (١/ ٣٥٥/ ٥٨٧)، والمزي في تهذيب الكمال (٣٣/ ٣٣٣).
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (ص ٢٠١): "وأما الذي رُوي عن ابن مسعود في ليلة الجن فإنا لا نثبته؛ من أجل أن الإسناد فيه من ليس بمعروف، وقد وجدنا مع هذا أهل الخبرة والمعرفة بابن مسعود ينكرون أن يكون حضر في تلك الليلة مع النبي - ﷺ -، منهم: ابنه أبو عبيدة بن عبد الله، وصاحبه علقمة بن قيس، مع هذا كله أنه لو كان له أصل لكان منسوخًا ".
وقال ابن المديني: "ورواه سفيان عن أبي فزارة عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن عبد الله بن مسعود؛ فخفت أن لا يكون أبو زيد سمعه من عبد الله؛ لأني لم أعرفه، ولم أعرف لقيه له؛ فرواه شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد قال: حدثنا عبد الله بن مسعود فجوَّده بقوله: حدثنا عبد الله بن مسعود" [علل ابن المديني (١٠٠)، المراسيل (٩٦٦)].
وقال البخاري: "أبو زيد الذي روى حديث ابن مسعود أن النبي - ﷺ - قال: "تمرة طيبة وماء طهور": رجل مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله، وروى علقمة عن عبد الله أنه قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله - ﷺ -، وروى شعبة عن عمرو بن مرة قال: سألت أبا عبيدة: أكان عبد الله مع رسول الله - ﷺ - ليلة الجن؟ قال: لا" [الكامل (٧/ ٢٩١)، سنن البيهقي (١/ ١٠)] [وانظر: الكامل (٤/ ١٥)].
وقال أبو زرعة: "حديث أبي فزارة: ليس بصحيح، وأبو زيد مجهول" [العلل (١/ ١٤/ ١٧)].
[ ١ / ١٢٩ ]
وقال أبو حاتم وأبو زرعة: "هذا حديث ليس بقوي" [العلل (١/ ٤٤/ ٩٩)] وسينقل بتمامه إن شاء الله في موضعه.
وقال أبو حاتم أيضًا: "لم يلق أبو زيد: عبد الله" [المراسيل (٩٦٧)].
وتصرف أبي داود في سننه يدل على تضعيفه وإنكاره له؛ فقد أخرج بعده ما يعارضه من قول ابن مسعود في ليلة الجن: "ما كان معه منا أحد".
وقال الترمذي: "وإنما رُوي هذا الحديث عن أبي زيد عن عبد الله عن النبي - ﷺ -، وأبو زيد: رجل مجهول عند أهل الحديث، لا تعرف له رواية غير هذا الحديث".
وقال ابن المنذر: "وضعف هذا الحديث غير واحد من أصحابنا، وقالوا: حديث ابن مسعود لا يثبت؛ لأن الذي رواه أبو زيد وهو: مجهول، لا يعرف بصحبة عبد الله، ولا بالسماع منه، ولا يجوز ترك ظاهر الكتاب وأخبار النبي - ﷺ - لرواية رجل مجهول، مع أن علقمة قد أنكر أن يكون عبد الله مع النبي - ﷺ - ليلة الجن"، وتبعهما ابن قدامة في المغني (١/ ٢٤).
وقال ابن حبان في أبي زيد: "يروي عن ابن مسعود ما لم يتابع عليه، ليس يُدرى من هو، لا يعرف أبوه ولا بلده، والإنسان إذا كان بهذا النعت ثم لم يرو إلا خبرًا واحدًا خالف فيه الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس والنظر والرأي يستحق مجانبته فيها ولا يحتج به"، وانظر نفيه لشهود ابن مسعود ليلة الجن: صحيح ابن حبان (١٤/ ٦٣١٩/٢٢٤).
وقال ابن عدي: "وهذا الحديث مداره على أبي فزارة عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود، وأبو فزارة مشهور واسمه: راشد بن كيسان، وأبو زيد مولى عمرو بن حريث: مجهول، ولا يصح هذا الحديث عن النبي - ﷺ -، وهو خلاف القرآن، وقد رواه ابن لهيعة عن حبيش [كذا، ولعله: حنش] عن أبي هبيرة عن ابن عباس عن ابن مسعود شبه من هذا المتن، وهو غير محفوظ أيضًا"، وقال في الموضع الأول: "وأبو فزارة: راشد بن كيسان، وأبو زيد مولى عمرو بن حريث: مجهول، والحديث ضعيف لأجل أبي زيد هذا".
وقال الدارقطني في السنن (١/ ٧٦): "وقيل: إن ابن مسعود لم يشهد مع النبي - ﷺ - ليلة الجن، كذلك رواه علقمة بن قيس وأبو عبيدة بن عبد الله وغيرهما عنه: أنه قال: ما شهدت ليلة الجن"، ثم قال (١/ ٧٧) بعد رواية علقمة عن ابن مسعود في عدم شهوده ليلة الجن: "هذا الصحيح عن ابن مسعود"، وقال في العلل (٥/ ٣٤٧): "والصحيح: ما رُوي عن ابن مسعود أنه لم يشهد مع النبي - ﷺ - ليلة الجن، والله أعلم".
وضعف ابن حزم هذا الحديث في مواضع كثيرة من المحلى منها (١/ ٢٠٤) و(٢/ ١٨٩) و(٥/ ٧٥) و(٨/ ٤٦٦) و(٩/ ٣٤٦) و(١٠/ ١٦ و٣٦٧) وقال في بعضها بأنه خبر مكذوب.
وقال البيهقي في المعرفة (١/ ١٤٠ - ١٤١): "وأما حديث ابن مسعود فقد رُوي
[ ١ / ١٣٠ ]
من أوجه كلها ضعيف، وأشهرها رواية أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود، وقد ضعفها أهل العلم بالحديث".
وقال البغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٦٤): "وهذا حديث غير ثابت؛ لأن أبا زيد: مجهول، وقد صح عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله - ﷺ -".
وقال الجوزقاني في الأباطيل (١/ ٤٩٨): "هذا حديث باطل، مخالف للكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس".
وقال النووي في شرح مسلم (٤/ ١٦٩): "وحديث النبيذ ضعيف باتفاق المحدثين، ومداره على أبي زيد مولى عمرو بن حريث، وهو مجهول"، وقال في المجموع (١/ ١٤١): "ضعيف بإجماع المحدثين"، وذكره في فصل الضعيف من الخلاصة (٢٩)، وقال: "أجمعوا على ضعفه".
وقال ابن حجر في الفتح (١/ ٤٢٢): "وهذا الحديث: أطبق علماء السلف على تضعيفه".
وحديث الوضوء بالنبيذ له طرق كثيرة يأتي الكلام عليها مفصلًا عند الحديث رقم (٨٤) من سنن أبي داود، إن شاء الله تعالى.
لكني أردت من ذكر هذين الطريقين: بيان اشتمالهما على زيادات لا تصح، ومع ذلك فلم يرد فيها ولا في غيرها ذكر الحممة.
• بقي أن نتكلم عن مسألتين هامتين:
الأولى: وهي: هل حضر ابن مسعود ليلة الجن مع رسول الله - ﷺ -، كما دلت على ذلك طرق كثيرة لهذا الحديث أم لا؟
والثانية: الكلام عن ثبوت موضع الشاهد في حديث ابن مسعود.
أما المسألة الأولى:
فيشفي غليلنا فيها أصحاب عبد الله بن مسعود الكوفيون، الذين لازموه دهرًا طويلًا، وكانوا أعرف به من غيرهم، وهؤلاء يمثلهم: علقمة بن قيس النخعي الكوفي: الثقة الثبت الفقيه العابد، والذي ولد في حياة النبي - ﷺ -، وكان أعلم الناس بعبد الله بن مسعود، وأشبههم به هديًا وسمتًا ودلًا [انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٣)، تذكرة الحفاظ (١/ ٤٨)، التاريخ الكبير (٧/ ٤١)، الجرح والتعديل (٦/ ٤٠٤)، علل ابن المديني (٤٢)، تاريخ بغداد (١٢/ ٢٩٦)، الطبقات الكبرى (٦/ ٨٦)، وغيرها] فإذا خالف علقمة مائة من مثل ابن سَنَّة أو غيره فلا يؤبه له.
ومن ألصق الناس بالرجل وأعرفهم به من غيرهم: أهل بيته، وهؤلاء يمثلهم ابنه أبو عبيدة: فقد روى شعبة عن عمرو بن مرة قال: قلت لأبي عبيدة: حضر عبد الله بن مسعود ليلة الجن؟ قال: لا.
[ ١ / ١٣١ ]
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٠١)، وفي الأوسط (١/ ٣٤٢)، وأحمد في العلل (١/ ٢٨٤/ ٤٥٦) و(٢/ ١١٥/ ١٧٤٥)، وابن أبي شيبة (٧/ ٢٦/ ٣٣٩٤٦)، ويعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٢١) و(٣/ ٢٤١)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (١٠٦)، والطحاوي (١/ ٩٥)، والشاشي في مسنده (٢/ ٣٣٠/ ٩٢٠)، وابن المظفر في حديث شعبة (١٩٢)، والدارقطني (١/ ٧٧)، وابن شاهين في الناسخ (٩٩)، والخليلي في الإرشاد (٢/ ٥٥٩/ ١٦٩)، والبيهقي (١/ ١١).
قال الطحاوي: "فإن قال قائل: الآثار الأول أولى من هذا لأنها متصلة، وهذا منقطع لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئًا.
قيل له: ليس من هذه الجهة احتججنا بكلام أبي عبيدة، إنما احتججنا به لأن مثله -على تقدمه في العلم، وموضعه من عبد الله، وخلطته لخاصته من بعده- لا يخفى عليه مثل هذا من أموره، فجعلنا قوله ذلك حجة فيما ذكرناه، لا من الطريق الذي وضعت، وقد روينا عن عبد الله بن مسعود من كلامه بالإسناد المتصل، ما قد وافق ما قال أبو عبيدة.
حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن خالد الحذاء، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لم أكن مع النبي - ﷺ - ليلة الجن، ولوددت أني كنت معه"، ثم أخرجه من الطريق الآخر الذي سنذكره بعد.
أخرجه من طريق خالد بن عبد الله الواسطي الطحان:
مسلم (٤٥٠/ ١٥٢)، وأبو عوانة (٢/ ٤٥١/ ٣٧٩٠ و٣٧٩١)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٩٩٨)، والبزار (٤/ ٣٤٨/ ١٥٤٥)، وابن المنذر (١/ ٢٥٦/ ١٧٤)، والشاشي (١/ ٣٤٩/ ٣٣١)، والطبراني في الكبير (٦٨/ ١٠/ ٩٩٧١)، وابن عدي (٧/ ٢٩١)، وابن شاهين في الناسخ (١٠٠)، والبيهقي (١/ ١١).
• تابع أبا معشر عليه: سليمان الأعمش.
أخرجه الشاشي (٣٣٢) بإسناد صحيح إليه. وأخرجه الخطيب في الموضح (١/ ٤٩٠) من طريق آخر عن الأعمش به.
• وقد رواه داود بن أبي هند عن الشعبي قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله - ﷺ - ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله - ﷺ - ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله - ﷺ - ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل، قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك، فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: "أتاني داعي الجن، فدهبت معه فقرأت عليهم القرآن" قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم.
قال الشعبي: وسألوه الزاد، وكانوا من جن الجزيرة.
فقال: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل
[ ١ / ١٣٢ ]
بعرة علف لدوابكم"، فقال رسول الله - ﷺ -: "فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم [وفي رواية: زاد إخوانكم من الجن] ".
هكذا جزم ابن مسعود نفسه -من رواية علقمة صاحبه عنه-، وكذا ابنه أبو عبيدة بعدم حضور ابن مسعود ليلة الجن مع رسول الله - ﷺ - بالأسانيد الصحيحة المتصلة، وبذا تكون جهيزة قد قطعت قول كل خطيب.
• وبهذا احتج الأئمة:
قال ابن المديني في العلل (١٠٠) في حديث ابن مسعود في ليلة الجن: "رواه غير واحد عن عبد الله؛ منهم: علقمة، وأبو عثمان النهدي، وعمرو البكالي، وأبو عثمان بن سَنَّة الخزاعي، وأبو زيد مولى عمرو بن حريث، فأما علقمة: فكان منكرًا أن يكون ابن مسعود معه ليلة الجن، وكان أعلمهم بعبد الله ".
وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (٣٢): "وأصحاب الحديث لا يثبتون حديث الزط وما ذكر من حضوره مع رسول الله - ﷺ - ليلة الجن، وهم القدوة عندنا في المعرفة بصحيح الأخبار وسقيمها ".
وقال الدارقطني في العلل (٥/ ٣٤٧): "والصحيح: ما رُوي عن ابن مسعود أنه لم يشهد مع النبي - ﷺ - ليلة الجن، والله أعلم".
وقال في السنن (١/ ٧٧) بعد رواية الشعبي عن علقمة: "وهذا الصحيح عن ابن مسعود" يعني: عدم شهوده ليلة الجن.
وقال البيهقي في الخلافيات (١/ ١٤٢ - مختصره): "فهذان الخبران اللذان اتفق العلماء بصحيح الأخبار وسقيمها على صحتهما وعدالة رواتهما يدلان على أن عبد الله لم يكن مع النبي - ﷺ - ليلة الجن، وانظر: المعرفة (١/ ١٤٠).
وقال في الدلائل (٢/ ٢٣٠): "والأحاديث الصحاح تدل على أن عبد الله بن مسعود لم يكن مع النبي - ﷺ - ليلة الجن، وإنما كان معه حين انطلق به وبغيره يريهم آثار الجن وآثار نيرانهم".
وبهذا احتج ابن عدي في رد حديث أبي زيد في الوضوء بالنبيذ؛ وهو ما فهمه من مسلك البخاري في تاريخه الكبير (٢/ ٢٠١)، والأوسط (١/ ٣٤١ - ٣٤٢) وعليه يدل مسلكه.
وهو أيضًا ما يدل عليه مسلك مسلم في الصحيح، وسبق نقل كلام أبي عبيد القاسم بن سلام في هذا المعنى.
وقال النووي في شرح مسلم (٤/ ١٦٩): "هذا صريح في إبطال الحديث المروي في سنن أبي داود وغيره: المذكور فيه الوضوء بالنبيذ، وحضور ابن مسعود معه - ﷺ - ليلة الجن، فإن هذا الحديث: صحيح، وحديث النبيذ: ضعيف باتفاق المحدثين، ومداره على أبي زيد مولى عمرو بن حريث، وهو مجهول".
[ ١ / ١٣٣ ]
وهذا يقتضي رد كل الروايات التي تثبت شهود ابن مسعود ليلة الجن، وكذا رد كل التفاصيل التي اشتملت عليها هذه الروايات.
وهذا تضعيف مطلق مجمل لكل هذه الروايات بدون الخوض في تفاصيل أسانيدها، وإن كان بعضها يبدو متماسكًا إلا إنه عند التحقيق لا يلبث أن تتهاوى دعائمه، والله أعلم.
• نرجع مرة أخرى إلى رواية داود بن أبي هند، فقد اختلف عليه:
١ - فرواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى [بصري، ثقة. التقريب (٥٦٢)]، وعلي بن عاصم [واسطي، صدوق يخطئ ويصر. التقريب (٦٩٩)]، وعدي بن عبد الرحمن الطائي [ذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في الثقات من رواية ثلاثة عنه ثم قال: "روى الزبيدي عنه عن داود بن أبي هند نسخة مستقيمة"، لكن يعكر عليه قول ابن أبي حاتم: "فسألت أبي عن الزبيدي هذا من هو؟ فقال: هو سعيد بن عبد الجبار الزبيدي. قال أبو محمد: سعيد بن عبد الجبار هذا هو الذي قدم الري: ضعيف، وسعيد بن عبد الجبار أبو شيبة: قوي"، التاريخ الكبير (٧/ ٤٥)، الجرح والتعديل (٧/ ٣)، الثقات (٧/ ٢٩١)، والراوي عنه هنا هو الزبيدي هذا سعيد بن عبد الجبار: ضعيف، كان جرير يكذبه. التقريب (٣٨٢)].
فأدرج ثلاثتهم: عبد الأعلى وعلي وعدي، قول الشعبي المرسل: "وسألوه الزاد " في الحديث.
أخرجه مسلم (٤٥٠/ ١٥٠)، وأبو نعيم في مستخرجه (٢/ ٦٩/ ٩٩٦)، وابن خزيمة (٨٢)، وابن حبان (١٤/ ٤٦١/ ٦٥٢٧)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٠٤)، والبيهقي (١/ ١١ و١٠٨ - ١٠٩)، والبغوي في تفسيره (٤/ ١٧٤)، والخطيب في الفصل (٢/ ٦٢١ و٦٢٢ و٦٢٦)، والذهبي في السير (١٤/ ٣٩١).
وتابعهم: حفص بن غياث [كوفي، ثقة فقيه تغير حفظه قليلًا في الآخر. التقريب (٢٦٠)] فاختصر الحديث واقتصر على آخره المدرج، فرواه مسندًا مرفوعًا، عن داود، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا نستنجوا بالروث ولا بالعظام؛ فإنه زاد إخوانكم من الجن".
أخرجه الترمذي (١٨)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (١٧)، والنسائي في الكبرى (١/ ٣٩/٧٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٤٣/ ١٦٤٩)، وفي المسند (١٩٧)، والبزار (٥/ ٣٧/ ١٥٩٨)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٢٤)، والشاشي (١/ ٣٣٧/ ٣١٦)، وابن حزم في المحلى (١/ ١٤)، والخطيب في الفصل (٢/ ٦٣٢ - ٦٣٤)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٦٣ - ٣٦٤/ ١٧٨)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٢٥/ ١٠٩).
قال الدارقطني في التتبع (٢٣٥): "ووهم فيه حفص".
وقال الترمذي: "وكأن رواية إسماعيل أصح من رواية حفص بن غياث".
[ ١ / ١٣٤ ]
٢ - ورواه عبد الوهاب بن عطاء الخفاف [بصري، صدوق ربما أخطأ. التقريب (٦٣٣)]، فرواه عنه بعضهم بآخره مدرجًا مرفوعًا، ورواه عنه الصاغاني مطولًا، وفصل مرسل الشعبي، لكن قال في آخره: "قال داود: فلا أدري هو في الحديث أو شيء قاله الشعبي" فأسند التردد إلى ابن أبي هند، والذي يظهر لي أن الخفاف كان يختصره أحيانًا فيدرجه، وأحيانًا يرويه على الوجه مفصولًا، لكن يسند التردد إلى داود بن أبي هند، والله أعلم.
أخرجه أبو عوانة (١/ ١٨٦/ ٥٨٤) و(٢/ ٤٥٠/ ٣٧٨٧)، والطحاوي (١/ ١٢٤)، والخطيب في الفصل (٢/ ٦٣٢).
٣ - ورواه يحيى بن زكريا أبي زائدة [كوفي، ثقة متقن. التقريب (١٠٥٤)]، ويزيد بن زريع [بصري، ثقة ثبت. التقريب (١٠٧٤)]، ووهيب بن خالد [بصري، ثقة ثبت. التقريب (١٠٤٥)] واختلف عليهم:
أ- أما ابن أبي زائدة:
فرواه أبو هاشم زياد بن أيوب [بغدادي، ثقة حافظ. التقريب (٣٤٣)]، وعمرو بن زرارة [نيسابوري، ثقة ثبت. التقريب (٧٣٥)]: كلاهما عن ابن أبي زائدة به فأدرجاه.
أخرجه ابن خزيمة (٨٢)، وابن حبان (٤/ ٢٨١/ ١٤٣٢).
ورواه عنه بدون مرسل الشعبي: أحمد بن منيع [بغدادي ثقة حافظ. التقريب (١٠٠)]، وأسد بن موسى [مصري، صدوق يغرب وفيه نصب. التقريب (١٣٤)].
أخرجه النسائي في الكبرى (٦/ ٤٩٩/ ١١٦٢٣)، والطحاوي (١/ ٩٦).
ورواه عنه ففصل المدرج من المرفوع: إمام الحفظ والإتقان أحمد بن حنبل في المسند (١/ ٤٣٦)، ومن طريقه: البيهقي في الدلائل (٢/ ٢٢٩)، والخطيب في الفصل (٢/ ٦٢٩).
وعليه تحمل رواية ابن أبي زائدة؛ أعني: على الفصل.
ب- وأما يزيد بن زريع:
فأدرجه عنه: أبو داود الطيالسي سليمان بن داود [بصري، ثقة حافظ غلط في أحاديث. التقريب (٤٠٦)]، ونصر بن علي الجهضمي الحفيد [بصري، ثقة ثبت. التقريب (١٠٠٠)].
أخرجه أبو داود الطيالسي (٢٨١)، والبزار (٥/ ٣٥/ ١٥٩٤)، وأبو عوانة (٢/ ٤٥١/ ٣٧٨٩).
ورواه عنه ففصل مرسل الشعبي من المرفوع: إسحاق بن أبي إسرائيل [مروزي نزيل بغداد، صدوق. التقريب (١٢٦)]. ويحيى بن غيلان [بغدادي، ثقة. التقريب (١٠٦٣)].
أخرجه أبو عوانة (١/ ١٨٦/ ٥٨٦) و(٢/ ٤٥١/ ٣٧٨٨)، والخطيب في الفصل (٢/ ٦٣١).
وعليه تحمل أيضًا رواية يزيد بن زريع -على الفصل-.
[ ١ / ١٣٥ ]
ج- وأما وهيب بن خالد:
فرواه عنه مدرجًا مقرونًا بيزيد بن زريع: أبو داود الطيالسي (٢٨١)، ومن طريقه: أبو عوانة (٢/ ٤٥١/ ٣٧٨٩).
ورواه عنه بدون مرسل الشعبي: موسى بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي [ثقة ثبت. التقريب (٩٧٧)].
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٠١)، والأوسط (١/ ٣٤٢)، وأبو داود (٨٥).
وبذا يعلم أن أبا داود الطيالسي أحال رواية وهيب على رواية يزيد بعد أن أدرج فيها المرسل.
٤ - ورواه عبد الله بن إدريس [كوفي، ثقة فقيه عابد. التقريب (٤٩١)] فلم يزد شيئًا على قوله: "وآثار نيرانهم"، فلم يذكر مرسل الشعبي.
أخرجه مسلم (٤٥٠/ ١٥١)، وأبو نعيم (٢/ ٩٩٧/٦٩)، وابن أبي شيبة في المسند (٢١١)، والخطيب في الفصل (٢/ ٦٣١ - ٦٣٢).
٥ - ورواه على الصواب ففصل قوله: "وسألوه الزاد " إلى آخره عن المرفوع، فلم يدرجه في الحديث، وجعله من مرسل الشعبي.
إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن علية [بصري، ثقة حافظ. التقريب (١٣٦)]، وبشر بن المفضل [بصري، ثقة ثبت عابد. التقريب (١٧١)]، ومحمد بن أبي عدي [بصري، ثقة. التقريب (٨٢٠)]، إلا أن ابن أبي عدي قال في روايته: "قال داود: ولا أدري في حديث علقمة أو في حديث عامر أنهم سألوا رسول الله - ﷺ - تلك الليلة الزاد " فذكره.
أخرجه مسلم (٤٥٠/ ١٥٠)، وأبو نعيم (٢/ ٦٩/ ٩٩٦)، والترمذي (٣٢٥٨)، وابن حبان (١٤/ ٢٢٥/ ٦٣٢٠)، وأحمد (١/ ٤٣٦)، وأبو يعلى (٩/ ١٥٣/ ٥٢٣٧)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٠٥)، وابن عدي (٧/ ٢٩١)، والدارقطني (١/ ٧٧)، والبيهقي في السنن (١/ ١٠٩)، وفي الدلائل (٢/ ٢٢٩)، والخطيب في الفصل (٢/ ٦٢٨ - ٦٣٠).
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح" وكان قبلُ أعلَّ رواية من أدرجه.
وبذا يظهر أن غالب البصريين فصلوا مرسل الشعبي؛ فلم يدرجوه في حديث ابن مسعود المرفوع، وهو الصواب؛ إذ إن أهل بلد الرجل أعلم بحديثه من غيرهم، وداود بن أبي هند: بصري، وهو ثقة متقن.
قال الإمام أحمد: "أما إسماعيل بن إبراهيم ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة فقالا جميعًا: قال الشعبي، وليس هو في حديث علقمة: "سألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة "، قال: فبلغني أن حفص بن غياث حدث به، فجعله في حديث علقمة عن عبد الله، فنرى أنه وهم، وهذا أثبت" [مسائل صالح (٦٩٠)].
[ ١ / ١٣٦ ]
وقال الدارقطني في العلل (٥/ ١٣٢): "والصحيح قول من فصله فإنه من كلام الشعبي مرسلًا"، وقال في التتبع (٢٣٤): "وآخر الحديث إنما هو من قول الشعبي مرسل عن النبي - ﷺ -".
وقال الترمذي: "وكأن رواية إسماعيل أصح من رواية حفص بن غياث".
وهو ما ذهب إليه مسلم -فيما يدل عليه مسلكه في الصحيح-، وما صرح به الخطيب في الفصل، والله أعلم. وانظر كلام ابن خزيمة في: إتحاف المهرة (١٠/ ٣٥١).
وقال النووي في شرح مسلم (٤/ ١٧٠) معلقًا على كلام الدارقطني: "ومعنى قوله أنه من كلام الشعبي: أنه ليس مرويًا عن ابن مسعود بهذا الحديث، وإلا فالشعبي لا يقول هذا الكلام إلا بتوقيف عن النبي - ﷺ -، والله أعلم".
قلت: قد صح ذلك من حديث أبي هريرة ويأتي.
وعلى هذا فإن قوله - ﷺ -: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم" و"فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن": لا يصح من حديث ابن مسعود مرفوعًا، وإنما هو من مرسل الشعبي، والله أعلم.
وبهذا نصل إلى الجواب عن المسألة الثانية: وهي في ثبوت موضع الشاهد من حديث ابن مسعود.
فالجواب ظاهر في عدم ثبوت ذلك من حديث ابن مسعود، أعني: النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث -في حديث الجن-، فضلًا عن ثبوت النهي عن الاستنجاء بالحممة.
• إلا أن هذا الأخير قد ورد النهي عنه في حديث عبد الله بن الحارث بن جَزْء:
يرويه ابن لهيعة، عن ابن المغيرة -يعني: عبيد الله-، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن الحارث بن جزء، قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يستنجي أحد بعظم أو روثة أو حممة.
أخرجه البزار (٩/ ٢٤٣/ ٣٧٨٣).
وإسناده ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة.
وانظر: مجمع الزوائد (١/ ٢٠٩).
• وعليه فلا يثبت في النهي عن الاستنجاء بالحممة -وهي: الفحمة- شيء، قال في مغني المحتاج (١/ ١٦١): "والنهي عن الاستنجاء بالفحم ضعيف".
• وأما النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث، وتعليل ذلك بأنهما من طعام الجن فثابت:
من حديث أبي هريرة الذي أخرجه: البخاري (١٥٥ و٣٨٦٠)، والطحاوي (١/ ١٢٤)، والبيهقي في السنن (١/ ١٠٧)، وفي الدلائل (٢/ ٢٣٣).
من طريق عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جدي، عن أبي هريرة - ﵁ -: أنه
[ ١ / ١٣٧ ]
كان يحمل مع النبي - ﷺ - إداوةً لوَضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال: "من هذا؟ " فقال: أنا أبو هريرة، فقال: "ابغني أحجارًا أستنفض بها [وفي رواية: أستطيب بهن]، ولا تأتني بعظم ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي، حتى وضعتها إلى جنبه، ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيت معه، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: "هما من طعام الجن، وإنه أتانى وفد جن نَصِيبين، ونعم الجن!، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعامًا".
هذا هو الصحيح الثابت في تعليل النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث، وهو لكونهما من طعام الجن، ويلتحق بهما جميع المطعومات التي للآدميين قياسًا من باب الأولى، وكذا المحترمات كأوراق كتب العلم [انظر: الفتح (١/ ٣٠٨)، شرح العمدة لابن تيمية (١/ ١٦٠)، المغني (١/ ١٠٤)].
• وأما تعليل النهي بكونهما لا يطهران، فقد رُوي من حديث أبي هريرة:
يرويه يعقوب بن حميد بن كاسب: نا سلمة بن رجاء، عن الحسن بن فرات القزاز، عن أبيه، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة، قال: إن النبي - ﷺ - نهى أن يُستنجى بعظم أو روث، وقال: "إنهما لا يطهران".
أخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٣٣١)، والإسماعيلي في معجم شيوخه (٢/ ٦٦٩)، والدارقطني في السنن (١/ ٥٦)، وفي العلل (٨/ ٢٤٠)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٢٥/ ١١٠).
قال الدارقطني: "إسناد صحيح".
وقال ابن عدي: "لا أعلم رواه عن فرات القزاز غير ابنه الحسن، وعن الحسن: سلمة بن رجاء، وعن سلمة: ابن كاسب، ولسلمة بن رجاء غير ما ذكرت من الحديث، وأحاديثه أفراد وغرائب، ويحدث عن قوم بأحاديث لا يتابع عليها".
وقال ابن حجر في الدراية (١/ ٩٧): "إسناده حسن".
وما قاله ابن عدي هو الصواب في إنكاره لهذا الحديث؛ لتفرد هؤلاء به بهذه الزيادة "إنهما لا يطهران"، والتبعة فيه: إما على سلمة بن رجاء، فقد قال فيه الدارقطني وابن عدي بأنه ينفرد عن الثقات بأحاديث لا يتابع عليها [التهذيب (٣/ ٤٣١)، الميزان (٢/ ١٨٩)].
وإما على ابن كاسب فقد ضعفه جماعة لكثرة مناكيره وغرائبه، وهو في الأصل صدوق من علماء الحديث [التهذيب (٩/ ٤٠١)، الميزان (٤/ ٤٥٠)].
وابن كاسب: مدني نزل مكة، وقد تفرد بهذا الحديث عن أهل الكوفة ولم يتابع عليه، فالإسناد كله كوفيون سواه؛ فالحمل عليه فيه أولى، والله أعلم.
وقد رواه بدون الزيادة: نصر بن حماد البصري الوراق، عن شعبة، عن فرات، عن أبي حازم، عن أبي هريرة: نهى أن يُستنجى بعظم أو روث.
أخرجه الدارقطني في العلل (٨/ ٢٣٩).
[ ١ / ١٣٨ ]
ولو صح هذا عن شعبة لكان حجة دامغة في إسقاط رواية ابن كاسب؛ إلا أن نصر بن حماد هذا: متروك، كذبه ابن معين، واتهمه الأزدي بالوضع [التهذيب (٨/ ٤٩٠)، الميزان (٤/ ٢٥٠)]، وفي تفرد مثله عن شعبة نكارة ظاهرة.
• وعليه فالعلة في تحريم الاستنجاء بالعظم والروث هي كونهما طعام الجن لحديث أبي هريرة.
• وقد ورد في حديث ابن مسعود أن النبي - ﷺ - ألقى الروثة وقال: "هذا ركس"، وهو حديث مداره على أبي إسحاق السبيعي وقد اختلف عليه فيه اختلافًا شديدًا.
وقد أخرجه البخاري (١٥٦)، والترمذي في الجامع (١٧)، وفي العلل (١١)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (١٦)، والنسائي (١/ ٣٩ - ٤٠/ ٤٢)، وابن ماجه (٣١٤)، وأبن خزيمة (٧٠)، وأحمد (١/ ٣٨٨ و٤١٨ و٤٢٧ و٤٥٠ و٤٥٦ و٤٦٥)، والطيالسي (٢٨٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٤٣/ ١٦٤٣) و(٧/ ٣٠٥/ ٣٦٣١١)، وفي المسند (٤٢٤)، والبزار (٥/ ٥٠ و٧٤ و٧٥/ ١٦١١ و١٦٤٥ و١٦٤٦)، وأبو يعلى (٨/ ٣٩٠/ ٤٩٧٨) و(٩/ ٦٣ و١١٤ و٢٢٩/ ٥١٢٧ و٥١٨٤ و٥٣٣٦)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٤٤ و٣٥٠ و٣٥٥/ ٢٩٦ و٣١٢ و٣١٨)، والطحاوي (١/ ١٢٢)، والعقيلي (٢/ ٢١٤)، والشاشي (٢/ ٣٣٠/ ٩٢١)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٦١ - ٦٣/ ٩٩٥١ - ٩٩٦٠)، وفي الأوسط (٥/ ٧ - ٨/ ٥٦٣٧)، والدارقطني في السنن (١/ ٥٥)، وفي العلل (٥/ ٢٨ - ٣٩)، والبيهقي في السنن (١/ ١٠٨) و(٢/ ٤١٣)، وفي الخلافيات (٢/ ٨٩ - ١٠٠/ ٣٧٣ - ٣٧٨)، وابن الجوزي في التحقيق (١٠٨)، وذكره ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٤١/ ٩٠)، والدارقطني في التتبع (٣٣٠ - ٣٣٤).
ولفظ البخاري: أتى النبيُّ - ﷺ - الغائطَ فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجد، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: "هذا ركس".
وفي بعض الروايات عند ابن ماجه وابن خزيمة وأبي يعلى وغيرهم: "رجس"، وقال النسائي: "الركس: طعام الجن"، وفي رواية عند الدارقطني في العلل: "وكان أبو إسحاق إذا سئل عن الركس؟ قال: طعام الجن"، وفي أخرى "إنها ركس، يعني: رجيعًا"، وفي رواية لأحمد والدارقطني: "المني بحجر"، وفي أخرى: "فأتني بغيرها"، وفيهما ضعف.
• ولا بأس بذكر بعض الاختلاف الوارد في هذا الحديث على سبيل الإجمال لا التفصيل للفائدة:
١ - فقد رواه إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: خرج رسول الله - ﷺ - لحاجةٍ، فقال: "التمس لي ثلاثة أحجار"، فأتيته بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وطرح الروثة، وقال: "إنها ركس".
٢ - ورواه زهير بن معاوية: حدثنا أبو إسحاق، قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن
[ ١ / ١٣٩ ]
عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله؛ أن رسول الله - ﷺ - أتى الخلاء، وقال: "ائتني بثلاثة أحجار"، فالتمست، فوجدت حجرين، ولم أجد الثالث، فأتيته بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: "إنها ركس".
٣ - ورواه معمر بن راشد، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس، عن ابن مسعود؛ أن النبي - ﷺ - ذهب لحاجته، فأمر ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار، فجاءه بحجرين وبروثة، فألقى الروثة، وقال: "إنها ركس؛ ائتني بحجر".
٤ - ورواه زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ - نحوه.
٥ - ورواه يزيد بن عطاء الواسطي [ليس بالقوي]، عن أبي إسحاق، عن علقمة والأسود، قالا: قال ابن مسعود، فذكر نحوه.
قلت: هكذا اختلف على أبي إسحاق السبيعي في هذا الحديث اختلافًا شديدًا، وهذا بعضه، واختلف فيه على إسرائيل، وشريك، وابن أبي زائدة، وغيرهم، ولا يصح من حديث الثوري ولا من حديث شعبة عن أبي إسحاق، والكلام عليه يطول جدًّا، انظر مثلًا: صحيح البخاري (١٥٦)، جامع الترمذي (١٧)، علل الترمذي (١١)، علل ابن أبي حاتم (٩٠)، معجم الطبراني الكبير (١٠/ ٦١ - ٦٣/ ٩٩٥١ - ٩٩٦٠)، الإلزامات والتتبع (٩٤)، علل الدارقطني (٥/ ١٨ - ٣٩/ ٦٨٦)، النفح الشذي (١/ ١٩٧ - ٢١٥)، الإمام (٢/ ٥٦٦ - ٥٧١)، هدي الساري (٣٤٨)، الفتح لابن حجر (١/ ٢٥٧).
وقد قال باضطراب هذا الحديث أو مال إلى القول به: الدارمي، والترمذي، والدارقطني، ورجح أبو زرعة والترمذي رواية إسرائيل، وهو الذي يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، لكن مع إمعان النظر، يظهر قوة الوجه الذي لأجله رجح البخاري رواية زهير، فأخرجها في صحيحه، فمنها مثلًا:
١ - زهير أثبت وأحفظ وأضبط لحديثه من إسرائيل، ولا مقارنة، مع كون إسرائيل مقدم عليه في أبي إسحاق خاصة.
٢ - أبو إسحاق بيَّن في رواية زهير أنه كان يقول: أبو عبيدة، لكن الآن رجع عن ذلك، فالحديث ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن ابن مسعود، فقد استحضر رواية أبي عبيدة ونفى صحتها، لا سيما مع كون زهير متأخر السماع من أبي إسحاق، وهذا القول من أبي إسحاق يدل على تيقظه وضبطه حال روايته لهذا الحديث، وأنه لم يكن متغيرًا ذاهلًا.
٣ - توبع زهير على هذا الوجه عن أبي إسحاق من قِبَل: يوسف بن أبي إسحاق، وشريك، وابن أبي زائدة، وغيرهم، وإن كان اختلف على الأخيرين.
٤ - تابع أبا إسحاق على هذا الوجه من رواية زهير: ليث بن أبي سليم، وهو صالح في المتابعات.
[ ١ / ١٤٠ ]
٥ - ما ادعاه بعضهم من تدليس أبي إسحاق لهذا الحديث فليس بشيء، فقد صرح يوسف بن أبي إسحاق فيه بالسماع، وقد علقه البخاري، وقال الإسماعيلي في مستخرجه على البخاري: بأن يحيى بن سعيد لا يرضى أن يأخذ عن زهير عن أبي إسحاق ما ليس بسماع لأبي إسحاق.
ونختم ببيان أن زيادة: ائتني بحجر، ائتني بغيرها: زيادة غير محفوظة، فإنها لا تحفظ إلا من حديث أبي إسحاق عن علقمة عن ابن مسعود، وأبو إسحاق لم يسمع من علقمة، فضلًا عن كون هذا الطريق غير محفوظ، وإنما اختلف النقاد في ترجيح رواية إسرائيل على رواية زهير، أو العكس، واتفقوا على اطراح بقية الطرق عن أبي إسحاق، والله أعلم.
• أما على تأويل الركس بأنه طعام الجن فموافق لما تقدم من حديث أبي هريرة ومرسل الشعبي، وأما على تأويله بأنه نجس فمحمول على روث غير مأكول اللحم، ففي رواية ابن خزيمة بإسناد حسن: "وروثة حمار" [وانظر: الإمام (٢/ ٥٦٧)، فتح الباري (١/ ٣١٠)، عون المعبود (١/ ٢٢٠)، هدي الساري (١٢٥)، وغيرها].
• بقيت مسألة أخيرة: هل ما قال به بعض أهل الظاهر، وهو رواية أبي بكر عبد العزيز عن أحمد: بأن الاستجمار بالحجر متعين لنصه - ﷺ - عليه فلا يجزئ غيره، ولأن النبي - ﷺ - أمر به، والأمر للوجوب، ولأنه موضع رخصة ورد الشرع فيها بآلة مخصوصة فوجب الاقتصار عليها؛ كالتراب في التيمم؟ [المغني (١/ ١٠٣)، النيل (١/ ٩٤)].
والصحيح: هو ما ذهب إليه الجمهور: أن الحجر ليس متعينًا بل تقوم الخرقة والخشب وغير ذلك مقامه وكل جامد طاهر مزيل للعين ليس له حرمة ولا هو جزء من حيوان.
ويدل عليه: أن النبي - ﷺ - إنما نهى عن الاستنجاء بالعظم والروث، ثم علل ذلك النهي بكونهما طعام الجن، وبأن الروث نجس، فلما حصر المنهي عنه مع بيان علة النهي دل على أن غيره مما يقوم مقام الحجر مجزئ، وإلا لو كان الحجر متعينًا لنهى عما سواه مطلقًا، ولما علل رده للروثة بأنها ركس، ولقال بأنها ليست بحجر، ولما كان للتخصيص معنى.
"وإنما نص على الأحجار لكونها غالب الموجود للمستنجي بالفضاء، مع أنه لا مشقة فيها، ولا كلفة في تحصيلها، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] وقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] ونظائر ذلك، فكل هذا مما ليس له مفهوم يعمل به لخروجه على الغالب" [قاله النووي في المجموع (٢/ ١٣٢ - ١٣٤)].
"ولأنه متى ورد النص بشيء لمعنى معقول وجب تعديته إلى ما وجد فيه المعنى،
[ ١ / ١٤١ ]
والقصد ههنا إزالة عين النجاسة، وهذا يحصل بغير الأحجار كحصوله بها، وبهذا يخرج التيمم فإنه غير معقول" [قاله ابن قدامة في المغني (١/ ١٠٤)].
وقال البغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٦٣): "ونهي النبي - ﷺ - عن الاستنجاء بالروث والرمة دليل على أن الاستنجاء لا يختص بالحجر، بل يجوز بكل ما يقوم مقام الحجر في الإنقاء، وهو كل ما كان جامدًا طاهرًا قالعًا غير محترم، مثل المدر والخشب والخزف والخرق ونحوها، ولا يجوز بما يكون نجسًا قياسًا على الروث، ولا يجوز بما لا يقلع كالأملس من الأشياء؛ لأنه ينشر النجاسة ولا يقلعها، ولا يجوز بالعظم؛ لأن النجس منه كالروث، والطاهر منه في معنى الطعام".
وقال شيخ الإسلام [المجموع (٢١/ ٢٠٥)]: "لما أمر بالاستجمار بالأحجار لم يختص الحجر إلا لأنه كان الموجود غالبًا، لا لأن الاستجمار بغيره لا يجوز، بل الصواب قول الجمهور في جواز الاستجمار بغيره، كما هو أظهر الروايتين عن أحمد، لنهيه عن الاستجمار بالروث والرمة وقال: "إنهما طعام إخوانكم من الجن"، فلما نهى عن هذين تعليلًا بهذه العلة؛ علم أن الحكم ليس مختصًا بالحجر، وإلا لم يحتج إلى ذلك".
وقال أيضًا: "وليس نهيه عن الاستجمار بالروث والرمة إذنًا في الاستجمار بكل شيء، بل الاستجمار بطعام الآدميين وعلف دوابهم أولى بالنهي عنه من طعام الجن وعلف دوابهم، ولكن لما كان من عادة الناس أنهم لا يتوقون الاستجمار بما نهى عنه من ذلك، بخلاف طعام الإنس وعلف دوابهم فإنه لا يوجد من يفعله في العادة الغالبة" وانظر: (٢١/ ٥٧٧) و(١٩/ ٣٧).
وقال رحمه الله تعالى (٢١/ ٢١١): "وأما إذا استجمر بالعظم واليمين فإنه يجزئه؛ فإنه قد حصل المقصود بذلك -وإن كان عاصيًا- والإعادة لا فائدة فيها، ولكن قد يؤمر بتنظيف العظم مما لوثه به".
قلت: وهذا مبني على ضعف حديث "إنهما لا يطهران".
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ٢٠٧): "ومن هذا قول النبي - ﷺ -: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار"، فلو ذهب معه بخرقة وتنظَّف أكثر من الأحجار، أو قطن، أو صوف، أو خَزٌّ، ونحو ذلك: جاز، وليس للشارع غرض في غير التنظيف والإزالة، فما كان أبلغ في ذلك كان مثل الأحجار في الجواز وأولى".
[راجع: الفتح (١/ ٣٠٨)، المغني (١/ ١٠٣)، كشاف القناع (١/ ٦٨)، المبدع (١/ ٩١)، الإنصاف (١/ ١٠٩)، إعلام الموقعين (٣/ ١٤)، بلغة السالك لأقرب المسالك (١/ ٧١)، مغني المحتاج (١/ ١٦١)، المجموع شرح المهذب (١/ ١٣٢)، الأشباه والنظائر للسيوطي (٥٣١)، التمهيد (١١/ ١٨)، الهداية (١/ ٣٤)، نيل الأوطار (١/ ٩٤)، وغيرها].
***
[ ١ / ١٤٢ ]