٤٥ - . . . شريك، عن إبراهيم بن جرير، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: كان النبي - ﷺ - إذا أتى الخلاء أتيتُه بماء في تَوْر أو رَكْوة فاستنجى، ثم مسح يده على الأرض، ثم أتيتُه بإناء آخر فتوضأ.
• حديث ضعيف.
أخرجه النسائي (١/ ٤٥/ ٥٠)، وابن ماجه (٣٥٨ و٤٧٣)، وأبو الحسن بن القطان في زوائده عليه. وابن حبان (٤/ ٢٥١/ ١٤٠٥)، وأحمد (٢/ ٣١١ و٤٥٤)، وإسحاق (١/ ٢٠٨/ ١٦٤)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٩١/ ٦٠٤)، والبيهقي (١/ ١٠٦ - ١٠٧)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٩٠/ ١٩٦).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن أبي زرعة إلا إبراهيم بن جرير، تفرد به شريك".
قلت: قد اختلف فيه على إبراهيم بن جرير:
١ - فرواه شريك بن عبد الله القاضي النخعي [وهو صدوق سيئ الحفظ] عنه، واختلف فيه على شريك:
أ- فرواه وكيع بن الجراح [ثقة حافظ عابد. التقريب (١٠٣٧)]، والأسود بن عامر شاذان [ثقة. التقريب (١٤٦)]، وسعيد بن سليمان الواسطي [ثقة حافظ. التقريب (٣٨٠)]، وآدم بن أبي إياس [ثقة عابد. التقريب (١٠٢)]، وإسحاق بن عيسى بن الطباع [صدوق. التقريب (١٣١)]، وحجاج بن محمد الأعور [ثقة ثبت. التقريب (٢٢٤)]، ويحيى بن آدم [ثقة حافظ فاضل. التقريب (١٠٤٨)]:
سبعتهم عن شريك به هكذا.
ب- ورواه أبو نعيم الفضل بن دكين [ثقة ثبت. التقريب (٧٨٢)]، ويحيى بن عبد الحميد الحماني [حافظ إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث. التقريب (١٠٦٠)]:
كلاهما عن شريك، عن إبراهيم بن جرير، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير قال: رأيت رسول الله - ﷺ - بال فتوضأ ومسح على خفيه.
أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ٣١١/ ٢٢٩٣)، وذكره ابن أبي حاتم في العلل (١٥٦).
[ ١ / ١٧٣ ]
ج- ورواه محمد بن سعيد بن سليمان بن الأصبهاني [ثقة ثبت. التقريب (٨٤٨)]، عن شريك، عن إبراهيم بن جرير، عن أبيه: أن النبي - ﷺ - توضأ ومسح على خفيه.
ذكره ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٦٠/ ١٥٦).
قال أبو زرعة لما سئل عن الحديث بطريقيه الثاني والثالث: "الحديث حديث أبي نعيم، وإبراهيم: هو ابن جرير بن عبد الله البجلي: فلم يلحق أباه".
قلت: إما أن يكون هذا من سوء حفظ شريك، اضطرب فيه، أو المحفوظ ما رواه عنه الجماعة. والله أعلم.
٢ - ورواه أبان بن عبد الله بن أبي حازم البجلي، واختلف عليه:
أ- فرواه أبو أحمد الزبيري محمد بن عبد الله بن الزبير، وأبو داود الطيالسي سليمان بن داود، ومحمد بن يوسف الفريابي:
ثلاثتهم [وهم ثقات حفاظ]: عن أبان بن عبد الله بن أبي حازم: حدثني مولى لأبي هريرة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: "وضئني" فأتيته بوَضوء فاستنجى، ثم أدخل يده في التراب فمسحها، ثم غسلها، ثم توضأ ومسح على خفيه. فقلت: يا رسول الله! رجلاك لم تغسلهما! قال: "إني أدخلتهما وهما طاهرتان".
أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٨)، والدارمي (١/ ١٨٣/ ٦٧٨)، وأبو يعلى (١٠/ ٥٢٠/ ٦١٣٦)، وابن عدي (١/ ٣٨٨)، والبيهقي (١/ ١٠٧)، واللفظ لأحمد.
ب- وخالفهم: أبو نعيم الفضل بن دكين [ثقة ثبت. التقريب (٧٨٢)]، وشعيب بن حرب [ثقة عابد. التقريب (٤٣٧)]، ومحمد بن يوسف الفريابي [ثقة فاضل. التقريب (٩١١)]، ومحمد بن عبد الله أبو عثمان الكوفي [لم أعرفه]:
رواه أربعتهم: عن أبان بن عبد الله: حدثني إبراهيم بن جرير، عن أبيه بنحوه.
أخرجه النسائي (١/ ٤٥/ ٥١)، وابن ماجه (٣٥٩)، والدارمي (١/ ١٨٣/ ٦٧٩)، وابن خزيمة (١/ ٤٧/ ٨٩)، والطبراني في الكبير (٢/ ٣٣٤/ ٢٣٩٣)، ولفظه أتم بنحو لفظ أحمد في الرواية السابقة، والبيهقي (١/ ١٠٧).
فالذي يظهر لي -والله أعلم- أن كلا الإسنادين محفوظ عن أبان، وذلك أن الذين رووا الإسنادين ثقات حفاظ، وقد حفظ الفريابي الإسنادين عن أبان ورواهما عنه؛ مما يدل على أنه كان عند أبان بالإسنادين جميعًا.
وأما عن الترجيح بين روايتي شريك وأبان:
فقد قال النسائي بعد رواية أبان: "هذا أشبه بالصواب من حديث شريك، والله ﷾ أعلم".
قلت: وهذا ظاهر فإن شريكًا وإن كان في الأصل صدوقًا إلا أنه سيئ الحفظ يخطئ كثيرًا، وأما أبان فإن الأكثر على توثيقه:
فقد وثقه أحمد وابن معين وابن نمير والعجلي وابن شاهين وابن خلفون، وقال
[ ١ / ١٧٤ ]
البخاري: "صدوق الحديث"، وصحح له حديث "لا صلاة قبل العيدين" [علل الترمذي الكبير (١٥٧)]، وصححه له أيضًا: الترمذي (٥٣٨)، والحاكم (١/ ٢٩٥)، وصحح له ابن خزيمة هذا الحديث من الطريق الثاني، وقال ابن عدي: "وأبان هذا عزيز الحديث، عزيز الروايات، ولم أجد له حديثًا منكر المتن فأذكره، وأرجو أنه لا بأس به!.
وأما الذين ضعفوه أو لينوه فهم: النسائي، فقد قال: "ليس بالقوي"، والعقيلي وابن حبان، فقد ذكراه في الضعفاء، إلا أنهما لم يذكرا له حديثًا منكرًا، وقد شذ ابن حبان بقوله: "وكان ممن فحش خطؤه، وانفرد بالمناكير".
وأما الدارقطني فقد بيَّن حجته في تضعيفه حيث قال في العلل (٨/ ٢٧٦): "وحديث آخر يرويه أبان بن عبد الله البجلي -وكان ضعيفًا- عن مولى لأبي هريرة في المسح على الخفين مرفوعًا، وأبان: ضعيف، وقال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر، وكلها باطلة [يعني: ما روى عن أبي هريرة في المسح على الخفين]، ولا يصح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - في المسح".
وضعف مسلم في التمييز (٢٠٩) ما رُوي من أحاديث المسح عن أبي هريرة، قال مسلم: "فقد صح برواية أبي زرعة وأبي رزين عن أبي هريرة إنكاره المسح على الخفين، ولو كان قد حفظ المسح عن النبي - ﷺ - كان أجدر الناس وأولاهم للزومه والتدين به. . . وإن من أسند ذلك عنه عن النبي - ﷺ - واهي الرواية، أخطأ فيه إما سهوًا أو تعمدًا".
وبذا يظهر جليًا أنه ضُعِّف لأجل حديث أبي هريرة في المسح على الخفين، ومع كون الإمام أحمد قال في هذا الحديث: "هذا حديث منكر" إلا أنه لم يضغف أبان مطلقًا، فقد قال فيه مرة: "ثقة"، وقال أخرى: "صدوق، صالح الحديث"، مما يبين أنه أخطأ في هذه الرواية فقط، وفيما عداها هو صدوق حسن الحديث، وعليه يحمل تضعيف من أطلق تضعيفه كابن حبان والعقيلي، وكذا تليين النسائي له، ثم إن النسائي مع كونه لينه فقال: "ليس بالقوي"؛ فقد قدم روايته -الطريق الثاني، والذي جعله من مسند جرير- على رواية شريك؛ مما يدل على أنه لم يخطئ فيها مثلما أخطأ في الرواية الأخرى [انظر ترجمة أبان: التهذيب (١/ ١٢١)، إكمال مغلطاي (١/ ١٦٢)، الميزان (١/ ٩)، المجروحين (١/ ٩٩)، ضعفاء العقيلي (١/ ٤٢)، وغيرها].
وخلاصة ما تقدم: أن كلًا من شريك وأبان قد أخطأ في هذا الحديث:
أما شريك فلكونه جعله من حديث أبي زرعة عن أبي هريرة، وأما أبان فلكونه جعله من رواية مولى لأبي هريرة عن أبي هريرة، فاتفقا في الوهم حيث جعلاه من حديث أبي هريرة، وليس من حديثه.
والمحفوظ في ذلك: هو ما رواه أبان بن عبد الله البجلي: حدثني إبراهيم بن جرير عن أبيه به.
وهو الذي صححه ابن خزيمة، واستصوبه النسائي.
[ ١ / ١٧٥ ]
لكن الدارقطني في العلل ذهب إلى خلاف ذلك، فقد قال: "يرويه أبان بن عبد الله البجلي، وأسد [كذا] بن عمرو البجلي، عن إبراهيم بن جرير، عن جرير.
وخالفهما شريك، رواه عن إبراهيم بن جرير، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير، وهو: أشبه" [العلل (١٣/ ٤٣٧/ ٣٣٢٨) (٤/ ١٠٥/ أ)]، والصواب مع النسائي وابن خزيمة.
• ولم ينفرد بذلك أبان، فقد توبع على أصل الحديث، لكن لم يصح من ذلك شيء:
أ- فقد رواه قيس بن مسلم الجدلي [ثقة رمي بالإرجاء. التقريب (٨٠٦)]، عن إبراهيم بن جرير بن عبد الله، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح على خفيه، لا ينزعهما، ويصلي فيهما.
قيل له: بعد نزول المائدة؟ قال: نعم.
أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ٣٣٤/ ٢٣٩٤)، وفي الأوسط (٤/ ٦٤/ ٣٦١٧).
الا أن إسناده واهٍ، الراوي عن قيس: هو حفص بن سليمان: متروك الحديث مع إمامته في القراءة [التقريب (٢٥٧)].
ب- ورواه إسماعيل بن عمرو البجلي: ثنا سفيان الثوري، عن إبراهيم بن جرير، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - مسح على الخفين.
أخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ١٠٨).
وقال: "قال سليمان [يعني: شيخه الطبراني]: لم يروه عن سفيان إلا إسماعيل بن عمرو".
قلت: فهو ليس من حديث الثوري في شيء، وهو منه بريء، إسماعيل بن عمرو البجلي: ضعيف، قال ابن عدي: "حدث عن مسعر والثوري والحسن بن صالح وغيرهم بأحاديث لا يتابع عليها"، فهو حديث منكر [الميزان (١/ ٢٣٩)، اللسان (١/ ٤٧٤)، الكامل (١/ ٣٢٢)].
ج- ورواه إسماعيل بن عياش، عن حميد بن مالك اللخمي، عن إبراهيم بن جرير بن عبد الله البجلي، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح على الخفين، بعد نزول المائدة.
أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ١٣٩/ ٤٣٨)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٢٧٩)، وعلقه في موضع آخر (١/ ٢٥٩).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن حميد بن مالك إلا إسماعيل بن عياش".
وحميد بن مالك هذا: ضعيف، لم يرو عنه غير إسماعيل بن عياش [الميزان (١/ ٦١٦)، اللسان (٢/ ٤٤٥)].
• وفي الجملة فإن هذا حديث ضعيف، إبراهيم بن جرير: لم يسمع من أبيه، قد ولد بعد موت أبيه، وهو صدوق في نفسه، فلعله أُتي ممن حدثه بهذا، أعني هذه الزيادة من
[ ١ / ١٧٦ ]
مسح يده - ﷺ - بالتراب أو بالأرض، وغيرها مما يأتي بيانه، قال أبو حاتم وابن معين: "لم يسمع من أبيه شيئًا"، وقال أبو زرعة: "لم يلحق أباه"، وقال ابن عدي: "ولإبراهيم بن جرير غير ما ذكرت من الحديث، في بعض رواياته يقول: حدثني أبي، ولم يضعف في نفسه، إنما قيل: لم يسمع من أبيه شيئًا، وأحاديثه مستقيمة تكتب"، قلت: الذي صرح في روايته بسماع إبراهيم من أبيه، فقال: "حدثني أبي"، هو داود بن عبد الجبار، وهو: متروك منكر الحديث، اتهمه ابن معين بالكذب [الميزان (٢/ ١٠)، اللسان (٢/ ٥١٤)]، وقال الذهبي في إبراهيم: "صدوق، وقال يحيى بن معين: لم يسمع من أبيه، قلت: فضعف حديثه جاء من جهة الانقطاع لا من قبل الحفظ" [انظر: التهذيب (١/ ١٣٤)، إكمال مغلطاي (١/ ١٨٩)، الميزان (١/ ٢٥)، تاريخ ابن معين (٢/ ٧)، التاريخ الكبير (١/ ٢٧٨)، الجرح والتعديل (٢/ ٩٠)، بيان الوهم (٤/ ١٠٢/ ١٥٤٤) و(٥/ ٦٥٨)، علل الحديث (٢٤٢٧)، المراسيل (٢٦ و٢٧)، جامع التحصيل (٣)، تحفة التحصيل (١٤)].
• وقد روى هذا الحديث عن جرير بن عبد الله البجلي بدون هذه الزيادات:
١ - همام بن الحارث بن قيس بن عمرو النخعي الكوفي [ثقة عابد. التقريب (١٥٢٤)]:
رواه الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن همام، قال: بال جرير ثم توضأ، ومسح على خفيه، فقيل: تفعل هذا؟ فقال: نعم، رأيت رسول الله - ﷺ - بال، ثم توضأ ومسح على خفيه.
قال الأعمش: قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة.
أخرجه البخاري (٣٨٧)، ومسلم (٢٧٢)، وأبو عوانة (١/ ٢١٣ و٢١٤/ ٦٩٥ - ٦٩٨)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١/ ٣٢٦/ ٦٢٤)، والترمذي (٩٣) وقال: "حسن صحيح"، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٧٦)، والنسائي (١/ ٨١/ ١٨١) و(٢/ ٧٣ - ٧٤/ ٧٧٤)، وابن ماجه (٥٤٣)، وابن خزيمة (١/ ٩٤/ ١٨٦)، وابن الجارود (٨١)، وابن حبان (٤/ ١٦٤ - ١٦٦/ ١٣٣٥ - ١٣٣٧)، وأحمد (٤/ ٣٥٨ و٣٦١ و٣٦٣ و٣٦٤)، والطيالسي (٦٦٨)، وعبد الرزاق (١/ ١٩٤/ ٧٥٦ و٧٥٧)، والحميدي (٢/ ٣٤٩/ ٧٩٧)، وابن أبي شيبة (١/ ١٦١/ ١٨٥٧)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١٤٣٢)، وابن المنذر (١/ ٤٢٦ و٤٣١/ ٤٣٨ و٤٤٥)، والطحاوي في المشكل (١/ ٣٦٧ - ٣٦٩/ ٣٤٥ - ٣٤٧ - ترتيبه)، وفي أحكام القرآن (١/ ١١٠/ ١٢٥ و١٢٦)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٨٦)، والطبراني في الكبير (٢/ ٣٤٠ - ٣٤٢/ ٢٤٢١ - ٢٤٣٠)، وابن المقرئ في المعجم (٢٥٤)، والدارقطني (١/ ١٩٣)، والبيهقي (١/ ١١٤ و٢٧٠ و٢٧٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٣٨٩) و(١١/ ١٣٥)، والخطيب في التاريخ (١١/ ١٥٣)، وفي تالي تلخيص المتشابه (١/ ٣١٢/ ١٨٥)، والمهرواني في فوائده (١٣٣).
[ ١ / ١٧٧ ]
وانظر: علل الحديث لابن أبي حاتم (١/ ٥٩/ ١٥٥)، علل الدارقطني (١٣/ ٤٦٧/ ٣٣٥٩).
تابع الأعمش عليه جماعة منهم: مغيرة، وحماد، ومنصور، والحكم بن عتيبة.
أخرجها: ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١٤٣٢)، والطبراني (٢/ ٣٤٢ - ٣٤٣/ ٢٤٣٢ - ٢٤٣٦)، والخطيب في التاريخ (٥/ ٣٢٧)، وغيرهم.
٢ - شهر بن حوشب [صدوق، من علماء التابعين]:
يرويه مقاتل بن حيان، عن شهر بن حوشب، قال: رأيت جرير بن عبد الله توضأ، ومسح على خفيه، قال: فقلت له في ذلك، فقال: رأيت النبي - ﷺ - توضأ فمسح على خفيه.
فقلت له: أقبل المائدة أم بعد المائدة؟ قال: ما أسلمت إلا بعد المائدة.
أخرجه الترمذي (٩٤ و٦١١ و٦١٢)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٧٧)، والطحاوي في المشكل (١/ ٣٧٠/ ٣٤٩ - ترتيبه)، وأبو بكر الدينوري في المجالسة وجواهر العلم (٢٠٧١)، والسهمي في تاريخ جرجان (٢٢٧)، والطبراني في الكبير (٢/ ٣٥٩/ ٢٥١١)، والدارقطني (١/ ١٩٤)، وابن منده في مسند إبراهيم بن أدهم (١ ٣ - ٣٣)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٤٥)، والبيهقي (١/ ٢٧٣ و٢٧٤)، والمزي في التهذيب (٢/ ٣٩).
قال الترمذي في الموضع الأول: "وهو حديث مفسَّر لأن بعض من أنكر المسح على الخفين تأول أن مسح النبي - ﷺ - على الخفين كان قبل نزول المائدة، وذكر جرير في حديثه أنه رأى النبي - ﷺ - مسح على الخفين بعد نزول المائدة".
وقال في الموضع الثاني: "هذا حديث غريب، لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث مقاتل بن حيان عن شهر بن حوشب".
قال أحمد شاكر (١/ ١٥٧): "ورواية شهر هذه إسنادها صحيح"، وهو كما قال.
٣ - أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي [ثقة. التقريب (١١٤٨)]:
يرويه بكير بن عامر، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير: أن جريرًا بال ثم توضأ فمسح على الخفين، وقال: ما يمنعني أن أمسح وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح.
قالوا: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة؟ قال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة.
أخرجه أبو داود (١٥٤)، وابن خزيمة (١/ ٩٤ - ٩٥/ ١٨٧)، وابن الجارود (٨٢)، والحاكم (١/ ١٦٩)، والطحاوي في المشكل (١/ ٣٦٩/ ٣٤٨ - ترتيبه)، وفي أحكام القرآن (١/ ١١١/ ١٢٧)، والطبراني في الكبير (٢/ ٣٣٦/ ٢٤٠١)، والبيهقي (١/ ٢٧٠)، وابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٣٩٠).
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح. . . وبكير بن عامر البجلي: كوفي ثقة، عزيز الحديث يجمع حديثه في ثقات الكوفيين".
وصححه ابن خزيمة وابن الجارود.
[ ١ / ١٧٨ ]
وقال ابن عدي: "وبكير بن عامر هذا ليس بكثير الرواية ورواياته قليلة، ولم أجد له متنًا منكرًا، وهو ممن يكتب حديثه".
قلت: هو ليس بالقوي، كما قال أبو حاتم وأبو زرعة، وقد اختلفت فيه أقوال الأئمة، بل إن الإمام أحمد اختلفت رواية ابنه عبد الله فيه، فقال مرة: "ليس بالقوي في الحديث"، وقال أخرى: "صالح الحديث، ليس به بأس"، فلا يقال في مثله: ضعيف، كما قال الحافظ في التقريب (١٧٧) [انظر: التهذيب (١/ ٥١٣)، الميزان (١/ ٣٥٠)، إكمال مغلطاي (٣/ ٢٨)، علل الحديث (٣٨٢)، الجرح والتعديل (٢/ ٤٠٥) و(٦/ ٢١٨)].
وحديثه هذا لم ينفرد به بل تابعه شهر في الرواية السابقة: فهو حديث حسن.
٤ - ضمرة بن حبيب بن صهيب أبو عتبة الحمصي [ثقة]:
يرويه زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، قال: حدثنا ضمرة بن حبيب، عن جرير بن عبد الله، قال: قدمت على رسول الله - ﷺ - بعد نزول سورة المائدة، فرأيته يمسح على الخفين.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٦١/ ١٨٥٨)، والطبراني في الكبير (٢/ ٣٥٩/ ٢٥١٢)، وفي مسند الشاميين (٣/ ١٧٢/ ٢٠١٤)، والدارقطني (١/ ١٩٣).
وإسناده حسن؛ إلا أن في سماع ضمرة بن حبيب من جرير نظر، فإن بين وفاتيهما قرابة ثمانين سنة، وقد سمع ضمرة من أبي أمامة [التاريخ الكبير (٤/ ٣٣٧)] وبينهما خمسًا وأربعين سنة.
• ورواه جماعة آخرون عن جرير [راجع: معجم ابن الأعرابي (٣/ ١٠٧٦/ ٢٣١٩)، المعجم الكبير للطبراني (٢/ ٢٩٠ - ٣٥٩)] ولم يذكروا فيه هذه الزيادات التي رواها أبان مما يدل على ضعفها وردِّها، وهذه الزيادات تتلخص في أمرين:
الأول: مسح اليد بالتراب أو بالأرض بعد الفراغ من الاستنجاء، لقوله: "ومسح يده بالتراب" أو "على الأرض".
الثاني: قوله: "إني أدخلتهما طاهرتين".
فهاتان الزيادتان لا تثبتان من حديث جرير في المسح على الخفين لضعف الإسناد الذي جاء بهما، -أعني: بسبب الانقطاع بين إبراهيم وأبيه-، ولمخالفة هذه الرواية لرواية جماعة من الثقات عن جرير بن عبد الله؛ فلم يذكروا فيها هاتين الزيادتين، لا سيما والحديث متفق عليه بدونهما بإسناد صحيح كالشمس، والله أعلم.
• وعليه: فلا يقال باستحباب مسح اليد بالتراب أو بالأرض بعد الفراغ من الاستنجاء؛ لضعف الحديث، والله أعلم.
وبعد هذا التقرير والتحرير في بيان ضعف هذا الحديث وما دل عليه؛ تعلم ما في قول النووي في شرح المهذب (٢/ ١٢٩): "والسُّنَّة أن يدلك يده بالأرض بعد غسل الدبر، ذكره البغوي والروياني وآخرون؛ لحديث ميمونة - ﵂ - قالت:. . . [فذكر حديث الغسل
[ ١ / ١٧٩ ]
والشاهد منه قولها:] "ثم غسل فرجه، ثم ضرب بيده الأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثًا. . ."، وفي رواية مسلم: ". . . ثم ضرب بشماله الأرض ندلكها دلكًا شديدًا"، وعن أبي هريرة: كان رسول الله - ﷺ - إذا أتى الخلاء. . . [فذكر الحديث]، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم، وهو حديث حسن، وعن جرير بن عبد الله. . . [فذكر الحديث] رواه النسائي وابن ماجه بإسناد جيد".
قلت: أما حديث ميمونة: فإنما ورد في الغسل فهو فيه سُنَّة، وأما أحاديث الاستنجاء فلم يصح فيها أنه دلك يده بالأرض، أو أنه مسح، والله أعلم.
• وأما ما رُوي عن عمر في ذلك فلا يصح:
أخرج ابن عدي في كامله (٥/ ٣٦٤) من طريق: الوليد بن مسلم، عن روح بن جناح، عن عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: رأيت عمر بن الخطاب بال، ثم مسح يده بالتراب، ثم قال: هكذا عُلِّمنا.
وفي الميزان (٢/ ٥٨): ". . . فمسح ذكره في التراب ثم توضأ. . .".
وهذا ضعيف؛ بل منكر، روح بن جناح: دمشقي ضعيف، اتهمه ابن حبان [التقريب (٣٢٩)]، وعطاء بن السائب: كوفي صدوق اختلط، ولم يُذكر روح بن جناح فيمن روى عنه قبل الاختلاط.
***