٥٠ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى: حدثنا عَنْبَسة بن عبد الواحد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يستنُّ، وعنده رجلان: أحدهما أكبر من الآخر، فأُوحِيَ إليه في فضل السواك: أن كَبِّر: أعْطِ السواك أكبرهما.
قال لنا أبو داود: قال أبو جعفر محمد بن عيسى: عنبسة بن عبد الواحد كنا نعده من الأبدال قبل أن نسمع أن الأبدال من الموالي.
[ ١ / ١٩١ ]
قال أحمد بن حزم: قال لنا أبو سعيد -هو ابن الأعرابي-: هذا مما تفرد به أهل المدينة.
• حديث صحيح
انفرد به أبو داود دون أصحاب الكتب الستة، وعنبسة بن عبد الواحد: كوفي ثقة لا يضره تفرده عن هشام به؛ فهو إسناد صحيح.
• وقد وجدت له متابعًا:
فقد أخرج ابن عدي (٤/ ٢٠١) من طريق: عبد الله بن محمد بن زاذان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عائشة أخبرته. . . فذكر الحديث.
وهذا إسناد واهٍ بمرة؛ عبد الله بن محمد بن زاذان: هالك [الميزان (٢/ ٤٨٦)، اللسان (٣/ ٤٠٩)].
فالحديث حديث عنبسة، ولا تضره أيضًا: مخالفة معمر بن راشد، فقد رواه عن هشام، عن أبيه، مرسلًا، لا يذكر فيه عائشة.
أخرجه عبد الرزاق (١٠/ ٤٣٠/ ١٩٦٠٤).
ويبدو لي -والله أعلم- أن أبا حاتم رجح رواية معمر المرسلة على رواية ابن زاذان الموصولة، فقد سأله ابنه عنها، فقال: "هذا خطأ؛ إنما هو عروة أن النبي - ﷺ -: مرسل، وعبد الله: ضعيف الحديث" [العلل (٢/ ٣٤٢/ ٢٥٥١)].
وما ذاك عندي -والله أعلم- إلا لكون أبي حاتم لم يطلع على رواية عنبسة، فإن معمرًا ممن يهم في حديث العراقيين، قال ابن معين: "إذا حدثك معمر عن العراقيين فخالفه؛ إلا عن الزهري وابن طاووس فإن حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا. . . قال يحيى: وحديث معمر عن ثابت وعاصم بن أبي النجود وهشام بن عروة وهذا الضرب: مضطرب كثير الأوهام" [التهذيب (٨/ ٢٨٤)، شرح علل الترمذي (٢/ ٦٨٢)].
كما أن هشام بن عروة كان ينشط أحيانًا فيسند، ويرسل أحيانًا أخرى، قال الأثرم: قال أبو عبد الله [أحمد بن حنبل]: "ما أحسن حديث الكوفيين عن هشام بن عروة، أسندوا عنه أشياء، قال: وما أرى ذاك إلا على النشاط" [شرح العلل (٢/ ٦٧٩)].
• ومما يدل على أن عنبسة الكوفي قد حفظ هذا الحديث: شاهده عن ابن عمر: فقد روى صخر بن جويرية، عن نافع: أن عبد الله بن عمر حدثه: أن رسول الله - ﷺ - قال: "أراني في المنام أتسوك بسواك، فجذبني رجلان، أحدهما كبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر منهما، فقيل لي: كَبِّر، فدفعته إلى الأكبر".
أخرجه البخاري (٢٤٦)، قال: "وقال عفان"، وهو شيخه، فهو موصول، وبعضهم يراه تعليقًا. ومسلم (٢٢٧١ و٣٠٠٣)، وأبو عوانة [الإتحاف (٩/ ١٠١)]، والبيهقي (١/ ٣٩ - ٤٠)، وابن حجر في التغليق (٢/ ١٤٩).
[ ١ / ١٩٢ ]
قال البخاري بعده: "اختصره نعيم، عن ابن المبارك، عن أسامة، عن نافع، عن ابن عمر".
رواه أسامة بن زيد الليثي المدني [صدوق يهم، روى عن نافع أحاديث مناكير. التهذيب (١/ ٢٢٧)، الإكمال (١/ ٥٧)، الميزان (١/ ١٧٤)، التقريب (١٢٤)، قال: حدثني نافع: أن ابن عمر قال: رأيت رسول اللَّه - ﷺ - وهو يستن، فأعطى أكبر القوم، وقال: "إن جبريل أمرني أن أُكبِّر".
أخرجه أحمد (٢/ ١٣٨) وهذا لفظه. ويعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة (٣/ ٣٨٩)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٣٠٠/ ٣٢١٨)، وأبو بكر الشافعي في فوائده (٨٩٧)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٧٤) [وفيه تصحيف]. والبيهقي (١/ ٤٠)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (٢/ ٣٨٥)، وابن حجر في التغليق (٢/ ١٥٠).
من طرق عن ابن المبارك، عن أسامة به.
ورواية أسامة هذه تقتضى وقوع ذلك في اليقظة، وهو مخالف لما رواه صخر بن جويرية من أن ذلك وقع في المنام، لذا أخرجه مسلم في أبواب الرؤيا، وصخر: ثقة، وهو أثبت من أسامة بن زيد، وروايته أولى بالصواب.
وقد جمع بينهما ابن حجر في الفتح (١/ ٤٢٥) فقال: "ويجمع بينه وبين رواية صخر: أن ذلك لما وقع في اليقظة أخبرهم عقبما رآه في النوم تنبيهًا على أن أمره بذلك بوحي متقدم، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ بعض.
ويشهد لرواية ابن المبارك [يعني: رواية أسامة بن زيد، إذ يرويها عنه ابن المبارك] ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن عائشة قالت:. . . " فذكر حديث الباب.
قلت: الأولى تقديم رواية صخر بن جويرية، إذ لو كان الأمر كما يقول ابن حجر، لكان فيه تسوية بين صخر وأسامة، ولكان كل منهما حفظ عن نافع ما لم يحفظ الآخر، ولحقهما جميعًا الوهم، لكون ذلك كان في مجلس واحد، والحق أن إلحاق الوهم بأسامة وحده أولى حيث جعلها في اليقظة، وإنما هي في المنام، والله أعلم.
وفي الجملة: فإن حديث عائشة محفوظ، وإسناده صحيح.
وحسَّن إسناده ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٤٨)، وابن حجر في الفتح (١/ ٤٢٥)، والتلخيص (١/ ١١٦).
قال ابن بطال في شرح البخاري (١/ ٣٦٤): "فيه: تقديم ذي السن في السواك، وكذلك ينبغي تقديم ذي السن في الطعام والشراب والكلام والمشي والكتاب، وكل منزلة قياسًا على السواك،. . .، وهذا من باب أدب الإسلام.
وقال المهلب: تقديم ذي السن أولى في كل شيء ما لم يترتب القوم في الجلوس، فإذا ترتبوا فالسُّنَّة تقديم الأيمن فالأيمن من الرئيس أو العالم، على ما جاء في حديث شرب اللبن".
***
[ ١ / ١٩٣ ]
٥١ - . . . المقدام بن شريح، عن أبيه، قال: قلت لعائشة: بأي شيء كان يبدأ رسول الله - ﷺ - إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك.
• حديث صحيح
وفي لفظ لمسلم: أن النبي - ﷺ - كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك.
أخرجه مسلم (٢٥٣)، وأبو عوانة (١/ ١٦٤/ ٤٧٦ و٤٧٧)، وأبو نعيم في المستخرج (١/ ٣١٢/ ٥٨٩ و٥٩٠)، والنسائي (١/ ١٣/ ٨)، وابن ماجه (٢٩٠)، وابن خزيمة (١/ ٧٠/ ١٣٤)، وابن حبان (٣/ ٣٥٦/ ١٠٧٤) و(٦/ ٢٦٠/ ٢٥١٤)، وأحمد (٦/ ٤١ و١٠٩ و١١٠ و١٨٢ و١٨٨ و١٩٢ و٢٣٧ و٢٥٤)، وإسحاق بن راهويه (٣/ ٨٩٦/ ١٥٧٧)، وابن أبي شيبة (١/ ١٥٥/ ١٧٨٥)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٢١)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٦٥/ ٣٤٠ و٣٤١)، والبيهقي (١/ ٣٤)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٩٥/ ٢٥١)، والرافعي في التدوين (٢/ ٢٣٥).
هكذا رواه مسعر باللفظ الأول، ورواه سفيان باللفظ الثاني، وكفى بهما نهاية في الحفظ والإتقان.
• ورواه إسرائيل وشريك فزادا فيه زيادة:
أما رواية شريك ففيها: قلت لعائشة: يا أمه! بأي شيء كان يبدأ النبي - ﷺ - إذا دخل عليك بيتك؟ وبأي شيء كان يختم؟
قالت: كان يبدأ بالسواك، ويختم بركعتي الفجر [ابن حبان (٢٥١٤)، وأحمد (٦/ ١١٠ و١٨٢ و٢٣٧) واللفظ له].
وأما رواية إسرائيل ففيها: أن شريح بن هانئ سأل عائشة: ما كان رسول الله - ﷺ - يصنع قبل أن يخرج؟ قالت: كان يصلي الركعتين قبل الفجر، ثم يخرج إلى الصلاة، فإذا دخل تسوك [أحمد (٦/ ١٠٩ و٢٥٤)].
• قال القرطبي في شرح الحديث (١/ ٥٠٩): "يدل على استحباب تعاهد السواك لما يكره من تغير رائحة الفم بالأبخرة والأطعمة وغيرها. . . ويحتمل أن يكون ابتداء النبي - ﷺ - عند دخول بيته بالسواك لأنه كان يبدأ بصلاة النافلة، فقلما كان يتنفل في المسجد"، وأما بقية كلامه فقد سبق نقله، ونقل رد الحافظ ابن حجر عليه عند حديث أبي موسى الأشعري (٤٩)، وانظر: شرح النووي (٣/ ١٤٣)، المجموع (١/ ٣٣٨).
وقال المناوي في فيض القدير (٥/ ١٣٠): "بدأ بالسواك لأجل السلام على أهله. . .، أو ليطيب فمه لتقبيل أهله ومضاجعتهم؛ لأنه ربما تغير فمه عند محادثة الناس، فإذا دخل بيته كان من حسن معاشرة أهله ذلك، أو لأنه كان يبدأ بصلاة النفل أول دخوله بيته. . .، وفيه ندب السواك عند دخول المسجد. . .، وتكراره لذلك ومثابرته عليه، وأنه كان لا يقتصر في ليله ونهاره على مرة لأن دخول البيت ما يتكرر، والتكرر دليل العناية
[ ١ / ١٩٤ ]
والتأكد، وبيان فضيلة السواك في جميع الأوقات، وشدة الاهتمام به. . .!.
• وفي الباب مما جاء صريحًا من فعله - ﷺ - ويدل على شدة عنايته - ﷺ - بالسواك حتى عند احتضاره:
ما روته عائشة - ﵂ - قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي - ﷺ -، وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستنُ به، فأَبَدَّه رسول الله - ﷺ - بصره، فأخذت السواك فقضمته ونفضته وطيبته، ثم دفعته إلى النبي - ﷺ - فاستن به، فما رأيت رسول الله - ﷺ - استن استنانًا قط أحسن منه، فما عدا أن فرغ رسول الله - ﷺ - رفع يده أو إصبعه ثم قال: "في الرفيق الأعلى" ثلاثًا، ثم قضى، وكانت تقول: مات ورأسه بين حاقنتي وذاقنتي.
أخرجه البخاري (٨٩٠ و٣١٠٠ و٤٤٣٨ و٤٤٤٩ و٤٤٥٠ و٤٤٥١)، والنسائي في الكبرى (٤/ ٢٥٩/ ٧١٠٢)، وابن حبان (٥٨٣/ ١٤ و٥٨٤/ ٦٦١٦ و٦٦١٧) و(١٦/ ٥٣/ ٧١١٦)، والحاكم (١/ ١٤٥) و(٤/ ٧)، وأحمد (٦/ ٤٨ و٢٧٤)، وابن طهمان في مشيخته (٤٠)، وابن سعد (٢/ ٢٣٣ و٢٣٤) و(٢/ ٢٦١)، وإسحاق بن راهويه (٢/ ٢٦١/ ٧٦٤) و(٣/ ٦٦١ و٩٨٩/ ١٢٥٤ و١٧١٥)، وأبو يعلى (٦١/ ٨ و٧٧/ ٤٥٨٥ و٤٦٠٤)، وعبد الله بن أحمد في فضائل الصحابة (٢/ ٨٧٧/ ١٦٤٩)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٣١ - ٣٣/ ٧٨ - ٨٢)، وفي الأوسط (٢/ ٢٢١/ ١٧٩٧) و(٧/ ٧٢/ ٦٨٨٧)، وأبو الشيخ في أحاديث أبي الزبير (١٢٠)، وأبو الفضل الزهري في حديثه (٣٤٩)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٢٧٧)، والبيهقي في السنن (١/ ٣٩) و(٧/ ٧٤)، وفي الدلائل (٧/ ٢٠٦)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١٤/ ٤٤/ ٣٨٢٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٦/ ٣٠٧)، وابن بشكوال في الغوامض (١/ ٤٥٨ و٤٥٩).
من طرق عن عائشة به، وفي رواية: "فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فناولته فاشتد عليه، وقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فليتنه، فأمَرَّه".
قال ابن رجب في الفتح (٥/ ٣٨٠): "وفي الحديث دليل على أن الاستياك سُنَّة في جميع الأوقات عند إرادة الصلاة وغيرها، فإن استياك النبي - ﷺ - بهذا السواك كان في مرض موته عند خروج نفسه، ولم يكن قاصدًا حينئذٍ لصلاةٍ ولا تلاوةٍ. وقد قيل: إنه قصد بذلك التسوك عند خروج نفسه الكريمة لأجل حضور الملائكة الكرام ودنوهم منه لقبض روحه الزكية الطاهرة الطيبة"، وانظر: الفتح لابن حجر (٢/ ٤٣٨).
وقد بوب البخاري على هذا الحديث بقوله: "من تسوك بسواك غيره"، وكذا البيهقي في سننه: "باب: التسوك بسواك الغير".
***
[ ١ / ١٩٥ ]