٦٣ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء، وعثمان بن أبي شيبة، والحسن بن علي، وغيرهم، قالوا: ثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: سُئل النبيُّ - ﷺ - عن الماء وما ينوبُه من الدوابِّ والسباع؟ فقال - ﷺ -: "إذا كان الماء قُلَّتين لم يحمِل الخَبَثَ".
قال أبو داود: وهذا لفظ ابن العلاء، وقال عثمان والحسن بن علي: عن محمد بن عباد بن جعفر.
قال أبو داود: وهذا هو الصواب.
• حديث صحيح
قلت: اختلف في هذا الحديث على أبي أسامة، فمنهم من قال: محمد بن جعفر بن الزبير، ومنهم من قال: محمد بن عباد بن جعفر.
١ - فرواه أبو كريب محمد بن العلاء، وهناد بن السري، والحسين بن حريث، ويحيى بن حسان التنيسي، وموسى بن عبد الرحمن الكندي المسروقي، ومحمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، ومحمد بن سليمان القيراطي، وحوثرة بن محمد، وعبد الله بن
[ ١ / ٢٣٠ ]
محمد بن شاكر، والحسن بن علي بن عفان، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعثمان بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وشعيب بن أيوب، وأحمد بن عبد الحميد الحارثي، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وأبو عبيدة أحمد بن عبد الله بن أبي السفر، ومحمد بن عبادة، وحاجب بن سليمان، وهارون بن عبد الله الحمال، وعلي بن شعيب، وعبد بن حميد، وأحمد بن جعفر الوكيعي [وهم ثلاثة وعشرون نفسًا من الثقات]:
رووه عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه به مرفوعًا.
وقال بعضهم: "عبيد الله" بدل: "عبد الله"، وهو وهم أو تصحيف.
٢ - ورواه أبو بكر بن أبي شيبة، وأخوه عثمان، وشعيب بن أيوب، وأحمد بن عبد الحميد الحارثي، والحسن بن علي بن عفان، ومحمد بن عثمان بن كرامة، وحجاج بن حمزة بن سويد الرازي، ومحمد بن سعيد أبو يحيى العطار، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وأحمد بن زكريا بن سفيان الواسطي، ومحمد بن حسان بن فيروز الأزرق، ويعيش بن الجهم، وأبو مسعود أحمد بن الفرات، والحسين بن علي بن الأسود، وعلي بن محمد بن أبي الخصيب، ومحمد بن الفضيل البلخي، والإمام محمد بن إدريس الشافعي لكن قال: "أنبأنا الثقة عن الوليد"، قال الحاكم: "وهو أبو أسامة بلا شك فيه" [وانظر: الإمام لابن دقيق العيد (١/ ٢٠١)، [وهؤلاء سبعة عشر نفسًا من الثقات]:
رووه عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه به مرفوعًا.
وقال بعضهم: "عبيد الله" بدل "عبد الله"، وهو وهم أو تصحيف [وانظر: المعرفة للبيهقي (١/ ٣٢٦)].
أخرج الرواية الأُولى:
أبو داود (٦٣)، والنسائي (١/ ٤٦/ ٥٢) و(١/ ١٧٥/ ٣٢٨)، والدارمي (١/ ٢٠٢/ ٧٣٢)، وابن خزيمة (٩٢)، وابن حبان (٤/ ٥٧/ ١٢٤٩)، وابن الجارود (٤٥)، والحاكم (١/ ١٣٢ و١٣٣)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣٣/ ١٥٢٦) و(٧/ ٢٨١/ ٣٦٠٩٤)، وعبد بن حميد (٨١٧)، وسمويه في بعض الثالث من فوائده (٢٢)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٣٠ و٧٣١/ ١١٠٦ و١١٠٧)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٥)، وفي المشكل (١/ ٢٣٣ و٢٣٤/ ٢١٩ و٢٢٥ - ترتيبه)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على كتاب المزني (١٥)، وابن الأعرابي في المعجم (١٤٠٨ و١٤٠٩)، والدارقطني (١/ ١٤ و١٥ و١٦ و١٨)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٦٠ و٢٦١)، وفي المعرفة (١/ ٣٢٧/ ٣٩٣ و٣٩٥)، وفي الخلافيات (٣/ ١٤٦ - ١٥٠ و١٥٦ و١٥٧/ ٩٣٥ و٩٣٦ و٩٤٢ و٩٤٣)، والجوزقاني في الأباطيل (١/ ٥١١/ ٣٢١)، وقال: "حديث حسن"، وابن الجوزي في التحقيق (٧).
[ ١ / ٢٣١ ]
وأخرج الرواية الثانية:
أبو داود (٦٣)، وابن حبان (٤/ ٦٣/ ١٢٥٣)، وابن الجارود (٤٤)، والحاكم (١/ ١٣٣)، والشافعي في الأم (١/ ٤)، وفي اختلاف الحديث (١٠٤)، وفي المسند (٧)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٣١ / ١١٠٨)، وابن أبي حاتم في العلل (١/ ٤٤)، وابن الأعرابي في المعجم (٦٥ و١٤٠٩)، والدارقطني (١/ ١٥ و١٦ و١٧ و١٨)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٦٠ و٢٦١)، وفي المعرفة (١/ ٣٢٦ و٣٢٧/ ٣٩٢ و٣٩٤ و٣٩٥)، وفي الخلافيات (٣/ ١٥٢ - ١٥٧/ ٩٣٨ - ٩٤٣).
وقال بعضهم في المتن: "لم ينجسه شيء" بدل "لم يحمل الخبث"، وكلاهما محفوظ.
وكلا الروايتين في الإسناد محفوظ؛ فإن أبا أسامة حماد بن أسامة: ثقة ثبت حافظ يحتمل هذا من مثله، وقد روى عنه الوجهين جماعة من الحفاظ يبعد نسبتهم إلى الوهم في ذلك، مع متابعة بعضهم لبعض فيه، ومما يؤكد ذلك أن بعضهم قد رواه عن أبي أسامة على الوجهين؛ مثل: أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة، وشعيب بن أيوب، والحسن بن علي بن عفان، وأحمد بن عبد الحميد الحارثي [وثقه الدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات. سؤالات الحاكم (٢)، الثقات (٨/ ٥١)]، فهؤلاء خمسة من الثقات رووه عن أبي أسامة بالوجهين جميعًا، وقد جمعهما شعيب بن أيوب في إسناد واحد في مجلس واحد.
وهذا هو ما ذهب إليه الدارقطني والحاكم والبيهقي:
قال الدارقطني: "فلما اختلف على أبي أسامة في إسناده، أحببنا أن نعلم من أتى بالصواب، فنظرنا في ذلك فوجدنا شعيب بن أيوب قد رواه عن أبي أسامة عن الوليد بن كثير على الوجهين جميعًا، عن محمد بن جعفر بن الزبير، ثم أتبعه عن محمد بن عباد بن جعفر، فصح القولين جميعًا عن أبي أسامة، وصح أن الوليد بن كثير رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وعن محمد بن عباد بن جعفر جميعًا، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه، فكان أبو أسامة مرة يحدث به: عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير، ومرة يحدث به: عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر، والله أعلم".
وقال في العلل (١٢/ ٤٣٥/ ٢٨٧٢) بعد أن ذكر الاختلاف فيه، ثم أتبعه برواية شعيب فقال: "فصح القولان عن أبي أسامة بهذه الرواية".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين، فقد احتجا جميعًا بجميع رواته، ولم يخرجاه، وأظنهما - والله أعلم - لم يخرجاه لخلاف فيه على أبي أسامة عن الوليد بن كثير"، ثم قال: "هذا خلاف لا يوهن هذا الحديث، فقد احتج الشيخان جميعًا بالوليد بن كثير ومحمد بن جعفر أبن الزبير، فأما محمد بن عباد: فغير محتج به]، وإنما قرنه أبو أسامة إلى محمد بن جعفر، ثم حدث به مرة عن هذا، ومرة عن ذاك، والدليل عليه [ثم أسند حديث شعيب بن أيوب الَّذي قرنهما فيه ثم قال:] وقد صح وثبت بهذه
[ ١ / ٢٣٢ ]
الرواية صحة الحديث، وظهر أن أبا أسامة ساق الحديث عن الوليد بن كثير عنهما جميعًا، فإن شعيب بن أيوب الصريفيني: ثقة مأمون، وكذلك الطريق إليه، وقد تابع الوليد بن كثير على روايته عن محمد بن جعفر بن الزبير: محمد بن إسحاق بن يسار القرشي " ثم أسنده ويأتي.
وما بين المعقوفين الأولين سقط من مطبوعة المستدرك، وكذا من مخطوط رواق المغاربة (١/ ٦١ / ج)، واستدركته من الخلافيات للبيهقي (٣/ ١٥٥/ ٩٤١)، وذيل الميزان (٦٤٠).
وتعقبه البيهقي في الخلافيات (٣/ ١٥٥) فقال: "قول شيخناء - ﵀ - في محمد بن عباد بن جعفر: إنه غير محتج به، سهو منه، فقد أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله حديثه [في غير القلتين] في الصحيح واحتجا به".
وقال أبو الفضل العراقي في ذيل الميزان (٦٤٠): "إن أراد الحاكم أنَّه غير محتج به في الصحيحين؛ فهو وهم؛ فقد احتجا به في حديثه عن جابر في النهي عن صوم يوم الجمعة [البخاري (١٩٨٤)، مسلم (١١٤٣)]، واحتج به البخاري في حديثه عن ابن عباس في نزول قوله تعالى ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود: ٥] [البخاري (٤٦٨١ و٤٦٨٢)]، واحتج به مسلم في حديث له عن ابن عمر [مسلم (٢٠٨٥)]، وحديث له عن أبي هريرة [مسلم (٢٦٥٦)]، وغير ذلك [قلت: وحديث له عن عبد الله بن السائب (٤٥٥)].
وإن أراد أنَّه غير محتج به مطلقًا؛ فليس كذلك؛ فقد وثقه: ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وابن سعد وابن حبان، وروى عنه الأئمة: الزهري وابن جريج والأوزاعي، ولم أر لغير الحاكم فيه جرحًا، وعلى تقدير أن يكون الحاكم أراد أنَّه غير محتج به في الصحيحين؛ فلا ينبغي أن يكون تضعيفًا؛ لأنَّ جماعة من الثقات لم يحتج بهم الشيخان، ولم يُتكلم فيهم بجرح، والله أعلم".
وإلى الجمع بين الروايتين ذهب أيضًا: البيهقي في السنن والمعرفة والخلافيات، وبيَّن أن شعيب بن أيوب وعثمان بن أبي شيبة وأحمد بن عبد الحميد الحارثي قد رووه عن أبي أسامة على الوجهين جميعًا.
وهذا القول خلاف ما ذهب إليه أبو داود وأبو حاتم وابن منده:
أما أبو داود فقد صوَّب رواية من قال: "محمد عباد بن جعفر".
وأما أبو حاتم فقد قال: "محمد بن عباد بن جعفر: ثقة، ومحمد بن جعفر بن الزبير: ثقة، والحديث لمحمد بن جعفر بن الزبير، أشبه" [العلل (١/ ٤٤/ ٩٦)].
وأما ابن منده فقد صوَّب رواية من قال: "محمد جعفر بن الزبير" معتمدًا في ذلك على رواية عيسى بن يونس [الإمام (١/ ٢٠٢)].
قلت: أما أبو داود فلعله صوَّب ورجَّح رواية الأكثر عنده، أعني: فيما وقع له في الرواية.
[ ١ / ٢٣٣ ]
أما أبو حاتم فقد مال إلى ترجيح رواية محمد بن جعفر بن الزبير لكونه متأخرًا عن محمد بن عباد، ثم لكونه مدنيًّا بلديًّا لعبد الله بن عبد الله بن عمر، وأما محمد بن عباد فمكي مخزومي.
ورواية محمد بن جعفر غالبها بل كلها عن التابعين، وما رواه عن عبد الله بن الزبير فمرسل؛ وأما رواية محمد بن عباد فغالبها عن الصحابة بل إنه يروي عن ابن عمر بلا واسطة فقد لقيه وجلس معه [انظر: صحيح مسلم (٢٠٨٥)، وعلى هذا فمحمد بن جعفر من أتباع التابعين، وأما محمد بن عباد فتابعي، فكان الحديث أشبه بمحمد بن جعفر منه بمحمد بن عباد لهذه الأمور، ثم إن غير أبي أسامة وغير الوليد بن كثير قالوا: عن محمد بن جعفر، والله أعلم.
لكن لعل أبا حاتم لم يطلع على هاتيك القرائن التي تقدم ذكرها، لا سيما كون بعض الرواة يرويه على الوجهين جميعًا، يجمعهما في إسناد واحد، مثل شعيب بن أيوب، فإن أبا حاتم كان يصحح الوجهين إذا جمعهما راوٍ واحد [انظر: العلل (١٩/ ١/ ٢٥) و(١/ ١٦٥/ ٤٦٩)] وقد علق العلامة عبد الرحمن المعلمي على الموضعين بقوله: "إذا روى الرجل الحديث على وجهين: تارة كذا وتارة كذا، ثم رواه [يعني: آخر] فجمعهما معًا دل ذلك على صحتهما معًا" [فوائده على كتاب العلل (٢٧)].
وعلى هذا فالدارقطني والحاكم والبيهقي معهم زيادة علم، وقولهم هو الصواب، والله أعلم.
• وقد تابع أبا أسامة على هذا الحديث في روايته عن الوليد:
أ - عيسى بن يونس [ثقة مأمون. التقريب (٧٧٣)]، فرواه عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه به مرفوعًا.
ذكره ابن الجارود (٤٥) هكذا معلقًا. وابن منده موصولًا [الإمام (١/ ٢٠٤)]، والبيهقي في المعرفة (١/ ٣٢٨) مرسلًا وموصولًا وعلقه أيضًا، وذكره الدارقطني في العلل (١٢/ ٤٣٥/ ٢٨٧٢) مرسلًا فقط، كذا في المطبوع، وفي نسخة من المخطوط (٤/ ٦٧/ ب) موصول.
لكنه قال: "عبيد الله" بدل "عبد الله" وجعله من رواية محمد بن جعفر بن الزبير وحده.
• وقد تابعه على ذلك أحد المتروكين:
ج - عباد بن صهيب [متروك. المبزان (٢/ ٣٦٧)، اللسان (٣/ ٢٩٠)، قال: نا الوليد بن كثير: نا محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه به مرفوعًا.
أخرجه الدارقطني (١/ ١٨ - ١٩)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ١٦٥ - ١٦٦/ ٩٤٦)، وعلقه في المعرفة (١/ ٣٢٨).
[ ١ / ٢٣٤ ]
• وتابع الوليد بن كثير على هذا الوجه - من رواية عيسى بن يونس عنه -: محمد بن إسحاق بن يسار:
***
٦٤ - . . . محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - سئل عن الماء يكون في الفلاة؟ فذكر معناه.
• حديث صحيح
أخرجه الترمذي (٦٧)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٥٦)، وابن ماجة (٥١٧ و٥١٧ م)، والدارمي (١/ ٢٠٢/ ٧٣١)، وابن الجارود (٤٥) معلقًا، والحاكم (١/ ١٣٣)، وأحمد (٢/ ١٢ و٢٦ - ٢٧ و٣٨)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣٣/ ١٥٢٥)، وأبو بكر الأثرم في السنن (٥٠)، وسمويه في بعض الثالث من فوائده (٢١ و٢٣)، وأبو يعلى (٩/ ٤٣٨ - ٥٥٩٠/ ٤٣٩)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٣٢ و٧٣٤/ ١١٠٩ - ١١١١ و١١١٥)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٥ و١٦)، وفي المشكل (١/ ٢٣٤/ ٢٢١ - ترتيبه)، والدارقطني (١/ ١٩ و٢١)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٦١)، وفي المعرفة (١/ ٣٢٨/ ٣٩٦ و٣٩٧)، وفي الخلافيات (٣/ ١٦٢ و١٦٣ و١٦٧/ ٩٤٤ و٩٤٥ و٩٤٧)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٥٨/ ٢٨٢)، وفي التفسير (٣/ ٣٧١ - ٣٧٢)، وابن الجوزي في التحقيق (٦).
وفي رواية الترمذي: قال: سمعت رسول الله - ﷺ - وهو يُسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض؟ وما ينوبه من السباع والدواب؟ قال: فقال رسول الله - ﷺ -: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث".
قال محمد بن إسحاق: القلة هي الجرار، والقلة التي يُستقى فيها.
وقال بعضهم: "السباع والكلاب".
قال البيهقي في الخلافيات (٣/ ١٦٨): "وهو غريب".
وقد صرح ابن إسحاق فيه بالسماع في رواية، قال: حدثني محمد بن جعفر.
• وقد اختلف فيه على ابن إسحاق:
أ - فرواه الثقات الحفاظ عنه به هكذا: عبد الله بن المبارك، وسفيان الثوري، وعبد الله بن نمير، وزائدة بن قدامة، ويزيد بن هارون، ويزيد بن زريع، وعبدة بن سليمان، وإبراهيم بن سعد، وزهير بن معاوية، وجرير بن عبد الحميد، وعبد الرحمن بن عمر المحاربي، وحماد بن سلمة، وأحمد بن خالد الوهبي، وسعيد بن زيد، وأبو معاوية
[ ١ / ٢٣٥ ]
الضرير محمد بن خازم، وعبد الرحيم بن سليمان، وسلمة بن الفضل الأبرش، وعباد بن عباد المهلبي، وإسماعيل بن عياش [(١٩)]، وهو المحفوظ.
ب - ورواه محمد بن وهب السلمي الدمشقي [صدوق. التقريب (٩٥٥)]: نا ابن عياش، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة مرفوعًا بمعناه.
أخرجه الدارقطني (١/ ٢١)، والبيهقي في الخلافيات (٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦/ ٩٧٧).
قال الدارقطني: "كذا رواه محمد بن وهب عن إسماعيل بن عياش بهذا الإسناد، والمحفوظ: عن ابن عياش، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه".
وقال في العلل (١٢/ ٤٣٦/ ٢٨٧٢): "ولا يصح".
وقال البيهقي: "هكذا رواه ابن عياش عن ابن إسحاق، والمحفوظ عن ابن إسحاق: ما مضى".
ج - ورواه عبد الوهاب بن عطاء الخفاف [صدوق ربما أخطأ. التقريب (٦٣٣)]، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - نحوه.
أخرجه ابن حبان في الثقات (٨/ ٤٧٦ - ٤٧٧)، والدارقطني (١/ ٢١).
قال ابن حبان: "وهذا خطأ فاحش؛ إنما هو: محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه ثم نقل عن عثمان بن خرزاد قوله: ولم يحدث عبد الوهاب هكذا إلا بالرقة".
وقال الدارقطني في العلل (١٢/ ٣٧٣/ ٢٧٩٩): "وهو وهم أيضًا"، وذكر له اختلافًا آخر عن عبد الوهاب في موضع آخر (١٢/ ٤٣٦/ ٢٨٧٢).
د - ورواه المغيرة بن سقلاب [صالح الحديث، له مناكير هذا منها. الميزان (٤/ ١٦٣)، اللسان (٦/ ٩١)]، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا كان الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شيء" وفي رواية: "والقلة أربعة آصع".
أخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ٣٥٩)، ومن طريقه: البيهقي في الخلافيات (٣/ ١٨٣/ ٩٥٥)، ورواه من طريق أخرى أيضًا: (٣/ ١٨٤/ ٩٥٦).
قال ابن عدي: "والمغيرة ترك طريق هذا الحديث، وقال: عن ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر، وكان هذا أسهل عليه، ومحمد بن إسحاق يرويه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ثم قال: وقوله في متن هذا الحديث: "من قلال هجر": غير محفوظ؛ ولم يُذكر إلا في هذا الحديث من رواية مغيرة هذا عن محمد بن إسحاق".
وقال ابن عدي في أول ترجمته: "منكر الحديث"، وختمها بقوله: "وعامة ما يرويه لا يتابع عليه".
[ ١ / ٢٣٦ ]
وقال البيهقي: "المغيرة بن سقلاب: ضعيف؛ والمحفوظ عن محمد بن إسحاق: ما مضى".
وقال الدارقطني في العلل (١٢/ ٣٧٢/ ٢٧٩٩): "وهو وهم، والصواب: عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه"، وقال في موضع آخر (١٢/ ٤٣٦/ ٢٨٧٢): "ووهم فيه".
ثم قال بعد ذكر الاختلاف فيه على ابن إسحاق: "والمحفوظ: عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه".
• قال البيهقي في المعرفة (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨): "فالحديث محفوظ عنهما جميعًا [يعني: عن محمد بن جعفر، وعن محمد بن عباد، إلا أن غير أبي أسامة يرويه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، فكان شيخنا أبو عبد الله الحافظ يقول: الحديث محفوظ عنهما جميعًا، وكلاهما رواه عن أبيه، وإليه ذهب كثير من أهل الرواية.
وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي - ﵀ - يقول: غلط أبو أسامة في عبد الله بن عبد الله إنما [هو] عبيد الله بن عبد الله.
واستدل بما رواه عن عيسى بن يونس ثم قال البيهقي: ورواية محمد بن إسحاق تؤكد ما قال إسحاق [يعني: ابن راهويه]، وكذلك رواه عاصم بن المنذر".
قلت: اختلف فيه على عاصم بن المنذر:
١ - فرواه:
***
٦٥ - . . . حماد: أخبرنا عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: حدثني أبي، أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس".
قال أبو داود: حماد بن زيد وقفه عن عاصم.
• حديث صحيح
أخرجه ابن ماجة (٥١٨)، وأبو الحسن القطان في زياداته على ابن ماجة (٥١٨ م)، وابن الجارود (٤٦)، والحاكم (١/ ١٣٤)، وأحمد (٢/ ٢٣ و١٠٧)، والطيالسي (١٩٥٤)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (١٥٦)، وعبد بن حميد (٨١٨)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٣٢ و٧٣٣/ ١١١٢ و١١١٣)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٧٠/ ١٨٩)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٦)، والدارقطني (١/ ٢٢ و٢٣)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٦٢)، وفي المعرفة (١/ ٣٩٨/ ٣٢٩ و٣٩٩)، وفي الخلافيات (٣/ ١٦٨ / ٩٤٨ و٩٤٩)، وابن الجوزي في التحقيق (٨ و٩).
[ ١ / ٢٣٧ ]
وفي رواية ابن الجارود: عن عفان بن مسلم، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرني عاصم بن المنذر، قال: كنا في بستان لنا أو لعبيد الله بن عبد الله بن عمر، فحضرت الصلاة، فقام عبيد الله إلى مِقْرَى البستان [هو: الحوض يُجمع فيه الماء. تهذيب الآثار (٢/ ٧٤٩)]، وفيه جلد بعير، فاخذ يتوضأ منه، فقلنا: أتتوضأ من هذا وفيه هذا الجلد؛ فقال: حدثني أبي أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس".
وانظر فيمن وهم فيه على حماد بن سلمة: مسند ابن عباس من تهذيب الآثار لابن جرير الطبري (٢/ ٧٣٤/ ١١١٤).
٢ - وخالفه: حماد بن زيد، فرواه عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر [بن] عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه به موقوفًا. كذا ولعل لفظة "ابن" مقحمة، فإن أبا داود لما ذكر رواية حماد بن زيد لم يزد على أنَّه خالفه في الرفع فقط، ولم يذكر أنَّه خالفه في شيخ عاصم.
كذا ذكره الدارقطني (١/ ٢٢) معلقًا. وكذا هو في الإتحاف (٨/ ٥٧٢/ ٩٩٧٩)، وفي الإمام (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩).
٣ - ورواه إسماعيل ابن علية، عن عاصم بن المنذر، عن رجل [لم يسمه]، عن ابن عمر موقوفًا أيضًا.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٣/ ١٥٢٩)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٢٩/ ١١٠٤)، وعلقه الدارقطني (١/ ٢٢).
لكن الدارقطني في العلل (١٢/ ٤٣٦/ ٢٨٧٢) قال: (وخالفه حماد بن زيد وإسماعيل ابن علية، روياه عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر بن عبيد الله مرسلًا، عن النبي - ﷺ -".
قلت: حماد بن زيد وابن علية وإن كانا أثبت من حماد بن سلمة وأكثر، إلا أن رواية حماد بن سلمة محفوظة لأمور:
الأول: لاشتمال رواية حماد بن سلمة على قصة مما يدل على أنَّه حفظه.
الثاني: أنها موافقة لرواية الثقات، فالحديث رواه أبو أسامة وعيسى بن يونس وابن إسحاق متصلًا مرفوعًا.
الثالث: أن الحديث محفوظ من رواية الثقات عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي - ﷺ -، كذا رواه عيسى بن يونس عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر عن عبيد الله به، ورواه ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن عبيد الله به.
الرابع: قال البيهقي في المعرفة وفي الخلافيات بعد حديث حماد: "وهذا إسناد صحيح موصول"، ثم أسند إلى العباس الدوري قوله: وسمعت يحيى بن معين وسُئل عن حديث حماد بن سلمة: حديث عاصم بن المنذر بن الزبير؟ فقال: "هذا جيد الإسناد" قيل له: فإن ابن علية لم يرفعه؟ قال يحيى: "وإن لم يحفظه ابن علية؛ فالحديث جيد الإسناد، وهو أحسن من حديث الوليد بن كثير"، يعني: يحيى في قصة: "الماء لا ينجسه شيء".
[ ١ / ٢٣٨ ]
وهو في تاريخ الدوري (٤/ ٢٤٠) لكن فيه "عن أبي بكر بن عبيد الله" وهو خطأ، وحماد إنما يرويه عن عبيد الله، وكنيته أبو بكر، فلعل لفظة "ابن" أقحمت فيه.
قال البيهقي في السنن (١/ ٢٦٢): "وفيه قوة لرواية ابن إسحاق"، وقال في الخلافيات (٣/ ١٦٦): "وفيه تقوية لرواية ابن إسحاق".
• وقد اختلف في متنه على حماد بن سلمة أيضًا:
١ - فرواه موسى بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي، وعفان بن مسلم، ويزيد بن هارون، وأبو داود الطيالسي، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي، وبشر بن السوي، والعلاء بن عبد الجبار المكي، وعبيد الله بن محمد العيشي:
ثمانيتهم [وهم: ثقات حفاظ] رووه: عن حماد بن سلمة بإسناده، فقالوا فيه: "إذا كان الماء قلتين لم ينجس"، بغير شك في العدد.
٢ - ورواه أيضًا: عفان بن مسلم، ويزيد بن هارون، وتابعهما: وكيع بن الجراح، وابراهيم بن الحجاج، وهدبة بن خالد، وزيد بن الحباب، وكامل بن طلحة، وأبو الوليد الطيالسي هشام بن عبد الملك [وهم أيضًا ثقات ثمانية]:
رووه عن حماد به؛ إلا أنهم قالوا: "قلتين أو ثلاثًا" بالشك في العدد.
قال البيهقي في السنن: "ورواية الجماعة الذين لم يشكوا أولى"، وقال في الخلافيات (٣/ ١٧٩): "والذين لم يشكوا أحفظ وأكثر؛ فهو أولى".
قلت: ويحتمل أن يكون الشك من حماد بن سلمة نفسه، رواه مرة على الصواب، ومرة على الشك، ولعله بعد ما كبر وتغير، والله أعلم.
وإلى هنا يحسن أن نقول: إن حديث عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي - ﷺ -: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث أو "لم ينجس": حديث صحيح، سالم من دعوى الاضطراب.
رواه عن ابن عمر: ابناه عبد الله وعبيد الله.
ورواه عن ابنه عبد الله: محمد بن جعفر ومحمد بن عباد.
ورواه عن عبيد الله: محمد بن جعفر وعاصم بن المنذر.
ورواه عن محمد بن جعفر: الوليد بن كثير ومحمد بن إسحاق.
ولو سلمنا لابن راهويه بأن أبا أسامة غلط في عبد الله وإنما هو عبيد الله المصغر، وكذلك لو سلمنا لأبي حاتم قوله: "والحديث لمحمد بن جعفر بن الزبير أشبه":
فإن هذا مما لا يوهن الحديث، ولا يضره في شيء؛ فإنه انتقال من ثقة إلى ثقة، وهو كيفما دار: دار على ثقة، ولم يعله أبو حاتم بشيء ولم يضعفه.
• وهذا الحديث قد صححه: ابن جرير الطبري [مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٣٦)]، والطحاوي [شرح المعاني (١/ ١٥ - ١٦)، المشكل (١/ ٢٣٣ - ترتيبه)]، والبيهقي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وابن الجارود، وابن منده، وعبد الحق
[ ١ / ٢٣٩ ]
الإشبيلي، والجوزقاني، وابن الأثير، والنووي، والمنذري، وابن الملقن، وابن حجر، والألباني، وغيرهم.
وقد احتج به الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد القاسم بن سلام وأبو ثور أجامع الترمذي (٦٧)، الأم (١/ ٤)، مسائل أحمد لابنه عبد الله (٨)، مسائل أحمد لابنه صالح (٦٧ و٦٨ و٢٠١)، مسائل أحمد وإسحاق للكوسج (١ ٣ - ٣٣ و٣٣٥٠)، مسائل أحمد لأبي داود (٢)، الطهور (٢٢٦ - ٢٤٥)، الأوسط (١/ ٢٦١)، المجموع (١/ ١٦١)، المغني (١/ ٣٦)].
وقد سبق نقل قول الإمام ابن معين: "هذا جيد الإسناد".
قال الخطابي في معالم السنن (١/ ٣٢): "وكفى شاهدًا على صحته أن نجوم الأرض من أهل الحديث قد صححوه، وقالوا به، وهم القدوة وعليهم المعول في هذا الباب".
وصححه ابن حزم في المحلى (١/ ١٥١)؛ فإنه لما ذكر الأحاديث التي احتج بها الشافعية وغيرهم في هذا الباب، ومنها حديث القلتين، قال: "وكل هذه الأحاديث صحاح ثابتة لا مغمز فيها".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فأكثر أهل العلم بالحديث على أنَّه: حديث حسن يحتج به" [المجموع (٢١/ ٤٢)].
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ١٥٤): "هذا صحيح".
وقال ابن الأثير في الشافي في شرح مسند الشافعي (١/ ٧٨): "وهو حديث صحيح".
وقال النووي في المجموع (١/ ١٦٢): "حديث حسن ثابت"، وقال بصحته في مواضع (١/ ١٦٣ و١٦٥)، وقال في الخلاصة (٩): "وهو صحيح، صححه الحفاظ".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (١/ ٤٠٤): "هذا الحديث: صحيح ثابت"، ونقل أقوال الأئمة في تصحيحه.
وقال بصحته ابن حجر في الفتح (١/ ٤٠٨ و٤١٤)، وصححه الألباني في الإرواء (٢٣) وغيره. وانظر: فيض القدير (١/ ٣١٣)، نصب الراية (١/ ١٠٤)، البدر المنير (١/ ٤٠٦)، طبقات الشافعية الكبرى (٩/ ٢٤٥).
• وأما تضعيف ابن عبد البر للحديث في التمهيد وغيره فهو لا ينهض لمعارضة أقوال من صححه، فقد قال في التمهيد (٢٤/ ١٨): "فإنه حديث يدور على محمد بن جعفر بن الزبير: وهو شيخ ليس بحجة فيما انفرد به".
وتبعه على عدم تصحيح الحديث: ابن العربي في عارضة الأحوذي (١/ ٧٤)، وأحكام القرآن (٣/ ٤٣٩)، والقبس (١/ ١٣٠)، ونقله القرطبي في تفسيره (١٣/ ٤٢٠).
قلت: محمد بن جعفر: مدني ثقة، وثقة أبو حاتم، وهو معروف بتشدده وتعنته في الحكم على الرجال؛ حتَّى إنه قال في الإمام مسلم جبل الحفظ والإتقان: "صدوق" [الجرح (٨/ ١٨٣)]، وعلى هذا فهو عنده حجة، ووثقه أيضًا الدارقطني، وقال أبو زرعة:
[ ١ / ٢٤٠ ]
"صدوق"، وقال ابن سعد: "كان عالمًا، وله أحاديث"، وأثنى عليه ابن إسحاق بأنه كان من فقهاء أهل المدينة وقرائهم [التهذيب (٧/ ٨٤)، العلل (١/ ٤٤)].
وهو مع ذلك لم ينفرد به، فقد تابعه على رواية الحديث عن عبد الله بن عبد الله بن عمر: محمد بن عباد بن جعفر المخزومي المكي، وهو: ثقة أيضًا.
وأما رواية الحديث عن عبيد الله: فقد تابع محمد بن جعفر عليه: عاصم بن المنذر بن الزبير، وهو: صدوق، وثقه أبو زرعة، وقال أبو حاتم: "صالح الحديث"، وقال البزار: "ليس به بأس"، وذكره ابن حبان في الثقات [التهذيب (٤/ ١٤٩)]، ولم يتكلم فيه بشيء إلا أنَّه قال في مشاهير علماء الأمصار (١٥٩٥): لأمن خيار أهل المدينة وسادات قريش، وكان يغرب" [انظر: الثقات (٧/ ٢٥٦)].
وعلى هذا فلا نعترض على قول ابن عبد البر (٢٤/ ١٨): "وعاصم بن المنذر عندهم لين ليس بحجة" في نفس الأمر؛ لكن الاعتراض على مورده في الاستدلال، فإن عاصمًا وإن كان يغرب، فإن هذا لا يمنع قبول روايته؛ وقد تابعه من هو أقوى منه وأوثق: محمد بن جعفر، فإنه لا يقال في المتابع بأنه تفرد، ولا يشترط فيه من الحفظ والضبط والإتقان ما يشترط في المتفرد، ثم إنه ليس كل من تفرد بحديث، رددنا حديثه لأجل تفرده به، لكن لهذا ضوابط ليس هذا موضع ذكرها، وأما قول إسماعيل القاضي: "هذان شيخان [يعني: محمد بن جعفر بن الزبير وعاصم بن المنذر] لا يحتملان التفرد بمثل هذا الحكم الجليل" [التمهيد (٢٤/ ١٩)] فسيأتي الكلام عليه بعدُ إن شاء الله تعالى.
قال الحافظ أبو عبد الله ابن منده: "إسناد هذا الحديث على شرط مسلم في: عبيد الله بن عبد الله، ومحمد بن جعفر، ومحمد بن إسحاق، والوليد بن كثير.
قال: وقد روى هذا الحديث حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه.
ورواه إسماعيل ابن علية، عن عاصم بن المنذر، عن رجل، عن ابن عمر.
فهذا محمد بن إسحاق، وافق عيسى بن يونس، عن الوليد بن كثير في ذكر محمد بن جعفر بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عمر.
وروايتهما توافق رواية حماد بن سلمة وغيره، عن عاصم بن المنذر، في ذكر عبيد الله بن عبد الله.
فثبت هذا الحديث باتفاق أهل المدينة والكوفة والبصرة على: حديث عبيد الله بن عبد الله، وباتفاق محمد بن إسحاق، والوليد بن كثير، على روايتهما عن محمد بن جعفر بن الزبير.
فعبيد الله، وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر: مقبولان بإجماعٍ من الجماعة في كتبهم. وكذلك محمد بن جعفر بن الزبير، ومحمد بن عَبَّاد بن جعفر، والوليد بن كثير: في كتاب مسلم بن الحجاج، وأبي داود، والنسائي.
[ ١ / ٢٤١ ]
وعاصم بن المنذر يُعْتَبر بحديثه.
وابن إسحاق أخرج عنه مسلم وأبو داود والنسائي.
وعاصم بن المنذر استشهد به البخاري في مواضع، وقال شعبة بن الحجاج: محمد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث، وقال ابن المبارك: هو ثقة ثقة ثقة" [الإمام (١/ ٢٠٥)، البدر المنير (١/ ٤٠٦)].
• والحاصل: أن هذا الحديث سالم من دعوى الاضطراب التي رمى بها ابن عبد البر هذه الأسانيد، وكذلك سالم من القدح في رجاله، فهم جميعًا ثقات في الجملة.
• ولحديث ابن عمر إسناد آخر، وليس بشيء:
يرويه عبد الرزاق، عن إبراهيم بن محمد، عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن، عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء].
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١/ ٨٠/ ٢٦٦)، ومن طريقه: الدارقطني (١/ ٢٣)، والبيهقي في المعرفة (١/ ٣٣٠/ ٤٠١).
وإبراهيم بن محمد هذا: هو ابن أبي يحيى الأسلمي: كذاب.
وقد تكون لفظة (بن) هنا مقحمة أيضًا، مثل ما تقدم ذكره في رواية عاصم بن المنذر.
• وثم إسناد آخر:
يرويه عبد الله بن حسين بن جابر: ثنا محمد بن كثير المصيصي، عن زائدة، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: "إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء".
أخرجه الدارقطني (١/ ٢٣)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٦٢)، وفي الخلافيات (٣/ ١٨٠/ ٩٥١).
وهذا إسناد واهٍ إلى زائدة: محمد بن كثير المصيصي: صدوق كثير الغلط؛ له أحاديث لا يتابعه عليها أحد [التقريب (٨٩١)، التهذيب (٧/ ٣٩١)]، وعبد الله بن الحسين بن جابر المصيصي: يقلب الأخبار ويسرقها [الميزان (٢/ ٤٥٨)، اللسان (٣/ ٣٣٩)، المجروحين (٢/ ٤٦)].
قال الدارقطني: "رفعه هذا الشيخ عن محمد بن كثير عن زائدة، ورواه معاوية بن عمرو عن زائدة: موقوفًا، وهو الصواب".
أخرجه الدارقطني (١/ ٢٤)، ومن طريقه: البيهقي (١/ ٢٦٢).
من طريق معاوية بن عمرو: نا زائدة، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر مثله موقوفًا.
قال الدارقطني في العلل (١٢/ ٣٧٢/ ٢٧٩٩): "والموقوف أصح".
[ ١ / ٢٤٢ ]
ومعاوية بن عمرو هذا: هو ابن المهلب الأزدي، قال ابن سعد: "روى عن زائدة مصنفاته"، وهو: ثقة، وثقه أحمد وأبو حاتم وغيرهما [التهذيب (٨/ ٢٥٠)].
ورواه أيضًا: غير زائدة، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر به موقوفًا.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (١/ ١٧٨/ ٢٦١).
وهذا موقوف بإسناد ضعيف؛ ورفعه منكر؛ وليث: هو ابن أبي سليم: ضعيف لاختلاطه وعدم تميز حديثه.
وقد خولف فيه:
رواه ابن جريج قال: أخبرني لوط، عن أبي إسحاق، عن مجاهد: أن ابن عباس قال: إذا كان الماء قلتين فصاعدًا لم ينجسه شيء.
أخرجه ابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٢٨ / ١١٠١)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على كتاب المزني (١٧)، والدارقطني (١/ ٢٥)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٦٢)، وفي الخلافيات (٣/ ١٨٢ - ١٨٣/ ٩٥٤).
ولوط هذا هو: لوط بن يحيى أبو مخنف؛ فإنه من طبقته، وأبو مخنف: متروك، تالف [الميزان (٣/ ٤١٩)، اللسان (٤/ ٥٨٤)].
وهذا منكر؛ فقد رواه أصحاب أبي إسحاق السبيعي عنه به، فأوقفوه على مجاهد قوله، ولم يذكروا ابن عمر ولا ابن عباس، وهو الصواب.
رواه سفيان الثوري [ثقة ثبت، إمام حجة، من أثبت أصحاب أبي إسحاق]، وشريك بن عبد الله النخعي [صدوق يخطئ كثيرًا، من أصحاب أبي إسحاق]:
كلاهما: عن أبي إسحاق، عن مجاهد، قال: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء.
قال شريك: قلت لأبي إسحاق: ما تعني بالقلتين؟ قال: الجرتين.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٣/ ١٥٣١) [وتصحف فيه شريك إلى يزيد]. وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٢٨ /١١٠٢)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٢١١٠)، ومن طريقه: البيهقي (١/ ٢٦٤).
تابع أبا إسحاق عليه:
ابنه يونس [ثقة]، قال: سمعت مجاهدًا يقول: إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثًا لم ينجسه شيء.
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (١٦٨)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٢٩ / ١١٠٣).
• وعليه: فإنما هو قول مجاهد مقطوع عليه.
وحينئذ لا يقال بأن الصواب: موقوف على ابن عمر؛ فإن مجاهدًا قد اختلف عليه في إسناده، والصواب: أنَّه قوله لا يبلغ به ابن عمر ولا ابن عباس، والله أعلم.
[ ١ / ٢٤٣ ]
• ولابن جريج في هذا الحديث إسناد آخر:
أخرجه أبو بكر النيسابوري في الزيادات على كتاب المزني (١٦)، وعنه: الدارقطني (١/ ٢٤)، ومن طريقه: البيهقي في السنن (١/ ٢٦٣)، وفي الخلافيات (٣/ ١٨٢/ ٩٥٣)، وفي المعرفة (١/ ٣٣١/ ٤٠٣ و٤٠٤).
من طريقين: عن ابن جريج، قال: أخبرني محمد بن يحيى، أن يحيى بن عقيل أخبره، أن يحيى بن يعمر أخبره، أن النبي - ﷺ - قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا ولا بأسًا".
فقلت ليحيى بن عقيل: قلال هجر؟ قال: قلال هجر. قال محمد: فرأيت قلال هجر؛ فأظن أن كل قلة تأخذ قربتين.
وهدا مرسل بإسناد ضعيف؛ فإن يحيى بن يعمر: تابعي يروي عن ابن عمر، ومحمد بن يحيى: قال أبو أحمد الحاكم: "يحدث عن يحيى بن أبي كثير ويحيى بن عقيل" [معرفة السنن والآثار (١/ ٣٣١)، السنن الكبرى (١/ ٢٦٤)، الشافي في شرح مسند الشافعي (١/ ٨٨)، الإمام (١/ ٢١٧)، البدر المنير (١/ ٤١٥)]، قال الحافظ في التلخيص (١/ ٢١):) وكيف ما كان فهو مجهول".
• وقد رواه عبد الرزاق عن ابن جريج قال: حُدثت أن النبي - ﷺ - قال: فذكره.
أخرجه عبد الرزاق (١/ ٧٩/ ٢٥٨)، ومن طريقه: ابن المنذر (١/ ٢٧١/ ١٩٥)، والخطابي في معالم السنن (١/ ٣١).
قال ابن المنذر: "فالحديث في نفسه مرسل لا تقوم به حجة".
وقد جزم الرافعي في شرح المسند [البدر المنير (١/ ٤١٤)]، وابن الأثير في الشافي (١/ ٨٧)، وابن دقيق العيد في الإمام (١/ ٢١٥)، وابن حجر في التلخيص (١/ ٢١) بأن ذاك الإسناد الأول هو ما عناه الإمام الشافعي في الأم (١/ ٤) [وهو في مختصر المزني (٩)، والمسند (١٦٥)، بقوله: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، بإسناد لا يحضرني ذكره: أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا"، وفي هذا الحديث: "بقلال هجر"، قال ابن جريج: وقد رأيت قلال هجر، فالقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئًا.
ورواه من طريقه: البيهقي في السنن (١/ ٢٦٣)، وفي المعرفة (٤٠٢)، وفي الخلافيات (٣/ ١٨١ / ٩٥٢).
ومسلم بن خالد الزنجي: فقيه صدوق كثير الأوهام
وبذا يعلم أن الإسناد الَّذي اعتمد عليه الشافعي رحمه الله تعالى في تقدير القلتين: لا تقوم بمثله حجة، فهو: مرسل بإسناد ضعيف.
وقد تقدم في بعض طرق الحديث تعيين القلتين بقلال هجر، وهي رواية منكرة؛ تفرد بها المغيرة بن سقلاب، وهو منكر الحديث.
قال الدارقطني في العلل (١٢/ ٣٧٢/ ٢٧٩٩): "والتوقيت غير ثابت".
[ ١ / ٢٤٤ ]
ولابن جريج في هذا أسانيد أخر، مقطوعًا على عكرمة من قوله، ولا تصح [انظر: مسند ابن عباس من تهذيب الآثار لابن جرير الطبري (٢/ ٧٠٠ و٧٠١/ ١٠٤٥ - ١٠٤٧)، وانظر فيه أيضًا: إسنادًا آخر لهذا الحديث، ولا يصح (٢/ ٧٠٥/ ١٠٥٣)].
• وقد رُوي من حديث جابر مرفوعًا بإسناد واهٍ؛ لكن بلفظ "أربعين قلة":
رواه القاسم بن عبد الله العمري [متروك، رماه أحمد بالكذب. التقريب (٧٩٢)]، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا بلغ الماء أربعين قلة فإنه لا يحمل الخبث".
أخرجه العقيلي (٣/ ٤٧٣)، وابن عدي (٦/ ٣٤)، والدارقطني (١/ ٢٦)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٦٢)، وفي الخلافيات (٣/ ١٨٩/ ٩٥٨)، والجوزقاني في الأباطيل (٣٢٠)، وابن الجوزي في التحقيق (١٠)، وفي الموضوعات (٢/ ٥).
قال ابن عدي: "وهذا بهذا الإسناد بهذا المتن لا أعلم يرويه غير القاسم عن ابن المنكدر، وله عن ابن المنكدر غير هذا من المناكير".
وقال الدارقطني: "كذا رواه القاسم العمري عن ابن المنكدر عن جابر، ووهم في إسناده، وكان ضعيفًا كثير الخطأ.
وخالفه: روح بن القاسم وسفيان الثوري ومعمر بن راشد: رووه عن محمد بن المنكدر عن عبد الله بن عمرو موقوفًا، ورواه أيوب السختياني عن ابن المنكدر من قوله لم يجاوزه".
وقال البيهقي: "فهذا حديث تفرد به القاسم العمري هكذا، وقد غلط فيه، وكان ضعيفًا في الحديث، " ثم نقل عن الحافظ أبي علي قوله في هذا الحديث: "خطأ، والصحيح عن محمد بن المنكدر عن عبد الله بن عمرو قوله" [وانظر: الخلافيات (٣/ ١٩١)].
فهذا حديث منكر، وإنما يعرف موقوفًا على عبد الله بن عمرو، وابن المنكدر.
• رواه سفيان وروح ومعمر، عن ابن المنكدر، عن عبد الله بن عمرو قال: إذا بلغ الماء أربعين قلة لم ينجس.
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (١٧٠)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣٣ / ١٥٢٧)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٢٣ و٧٢٤ و٧٢٦/ ١٠٨٧ - ١٠٨٩ و١٠٩٥)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ١٧٩/ ٢٦٤)، والعقيلي (٣/ ٤٧٣)، والدارقطني (١/ ٢٧)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٦٢)، وفي الخلافيات (٣/ ١٩٤ و١٩٥/ ٩٦٣ و٩٦٤).
وهذا إسناد رجاله ثقات، ولا يعرف لابن المنكدر سماع من ابن عمرو.
قال أبو عبيد في الطهور (٢٣٩): "مرسل؛ لا نعلمه سمع منه شيئًا".
ورواه أيوب، عن محمد بن المنكدر، قال: إذا بلغ الماء أربعين قلة لم ينجس، أو كلمة نحوها.
[ ١ / ٢٤٥ ]
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٣/ ١٥٣٣)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٢٤/ ١٠٩٠)، والعقيلي (٣/ ٤٧٣)، والدارقطني (١/ ٢٧).
• وحاصل ما تقدم: أنَّه لا يصح في الباب شيء مرفوع إلا من حديث ابن عمر، فإن قيل: قد رُوي عن ابن عمر في هذا حديث بنحو سياق القصة والسؤال مع اختلاف الجواب، فيقال:
إنما رواه أيوب بن خالد الحراني: نا محمد بن علوان، عن نافع، عن ابن عمر، قال: خرج رسول الله - ﷺ - في بعض أسفاره فسار ليلًا، فمروا على رجل جالس عند مقراة له، فقال عمر: يا صاحب المقراة أولغت السباع الليلة في مقراتك؟ فقال له النبي - ﷺ -: "يا صاحب المقراة لا تخبره؛ هذا متكلف، لها ما حملت في بطونها، ولنا ما بقي شراب وطهور".
أخرجه الدارقطني (١/ ٢٦)، ومن طريقه: ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٦٦/ ٤٦).
وهذا حديث باطل؛ محمد بن علوان: قال أبو حاتم: "مجهول" وقال الأزدي: "متروك الحديث" [الضعفاء والمتروكون لابن الجوزي (٣١٢٩)، الميزان (٣/ ٦٥٠ و٦٥١)، اللسان (٥/ ٣٢٧)، الجرح والتعديل (٨/ ٤٩)، الثقات (٧/ ٤١٠)] ففي تفرد مثله عن نافع نكارة ظاهرة.
وأيوب بن خالد: هو الحراني الجهني: منكر الحديث، لا يتابع على أكثر حديثه [التهذيب (١/ ٤١٨)، الميزان (١/ ٢٨٦)].
وقد اضطرب فيه أيضًا: فرواه مرة أخرى عن خطاب بن القاسم، عن عبد الكريم الجزري، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - نحوه.
أخرجه الدارقطني (١/ ٢٦).
وهذا حديث منكر: لتفرد أيوب بن خالد الحراني به، ولا يتابع عليه، بل لا يتابع على أكثر حديثه.
• وقد رُوي هذا الحديث من حديث: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أن النبي - ﷺ - سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر؟ وعن الطهارة منها؟ فقال: "لها ما حملت في بطونها، ولنا ما غير طهور".
أخرجه ابن ماجة (٥١٩)، وابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٠٨/ ١٠٥٨)، والطحاوي في المشكل (١/ ٢٣٦/ ٢٢٢ - ترتيبه)، والبيهقي (١/ ٢٥٨).
هكذا رواه عن عبد الرحمن بن زيد: إسماعيل بن أبي أويس، وأبو مصعب المدني أحمد بن أبي بكر؛ وهما صدوقان.
وخالفهما: عبد الله بن وهب [ثقة ثبت]، فرواه عن عبد الرحمن بإسناده مثله؛ إلا أنَّه قال فيه: عن أبي هريرة، بدل: أبي سعيد الخدري.
[ ١ / ٢٤٦ ]
أخرجه ابن جرير الطبري في مسند ابن عباس من تهذيب الآثار (٢/ ٧٠٨/ ١٠٥٩)، والطحاوي في المشكل (٢٢٢ - ترتيبه)، والدارقطني (١/ ٣١)، وابن الجوزي في التحقيق (٤٧).
قال الطحاوي: "ليس من الأحاديث التي يحتج بمثلها؛ لأنَّه إنما دار على عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وحديثه عند أهل العلم بالحديث في النهاية من الضعف".
وقال البيهقي: "وعبد الرحمن بن زيد: ضعيف؛ لا يحتج بأمثاله، وقد رُوي من وجه آخر [عن] ابن عمر مرفوعًا وليس بمشهور".
وقال ابن الجوزي: "عبد الرحمن بن زيد: ضعيف بإجماعهم ".
• وقد جرت نحو هذه الواقعة لعمر بن الخطاب مع عمرو بن العاص:
انظر: الموطأ (١/ ٢٣/ ٤٣)، مصنف عبد الرزاق (١/ ٧٦/ ٢٥٠)، الأوسط لابن المنذر (١/ ٣١٠/ ٢٣٤)، سنن الدارقطني (١/ ٣٢)، سنن البيهقي (١/ ٢٥٠).
وانظر أيضًا: مصنف عبد الرزاق (١/ ٧٦ - ٧٧/ ٢٤٧ - ٢٥١)، مصنف ابن أبي شيبة (١/ ١٥٠٨/ ١٣١ و١٥٠٩)، مسند ابن عباس من تهذيب الآثار لابن جرير الطبري (٢/ ٧١١ و٧١٨ - ٧٢٠ و٦٣١/ ١٥٧٢ و١٠٧٨ - ١٠٨١ و١٠٨٤)، الخلافيات للبيهقي (٣/ ٢١٥/ ٩٨٠).
• أما حكم المسألة:
قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت النجاسة الماء طعمًا أو لونًا أو ريحًا: أنَّه نجس ما دام كذلك، ولا يجزئ الوضوء والاغتسال به.
وأجمعوا على أن الماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة فلم تغير له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا: أنَّه بحاله في الطهارة قبل أن تقع فيه النجاسة.
واختلفوا في الماء القليل تحل فيه نجاسة لم تغير للماء طعمًا ولا لونًا ولا ريحًا:
فقالت طائفة: إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثًا، رُوي ذلك عن عبد الله بن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور واختلفوا في قدر القلتين ".
ثم حكي فيه تسعة أقوال [الأوسط (١/ ٢٦٠ - ٢٦٣)].
وهؤلاء على القول بأن ما دون القلتين إذا لاقته النجاسة فلم يتغير بها فهو نجس.
ونقل النووي في المجموع (١/ ١٦٢) عن ابن المنذر وغيره في هذه المسألة سبعة مذاهب للعلماء؛ هذا أولها.
وسادسها: إذا كان بحيث لو حرك جانبه تحرك الجانب الآخر نجس، وإلا فلا، وهو مذهب أبي حنيفة.
وسابعها: لا ينجس كثير الماء ولا قليله إلا بالتغير: رُوي ذلك عن حذيفة وأبي
[ ١ / ٢٤٧ ]
هريرة وابن عباس، قالوا: الماء لا ينجس، ورُوي ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن وعكرمة وعطاء وجابر بن زيد وابن أبي ليلى ومالك والأوزاعي والثوري ويحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي وابن المنذر، وهو قول للشافعي، ورواية عن أحمد، وهو قول داود والظاهرية [انظر: المغني (١/ ٣١)، المجموع (١/ ١٦٣)، وغيرهما]، قال النووي: "وهذا المذهب أصحها بعد مذهبنا".
واحتج أصحاب القول الأول: بمفهوم حديث القلتين: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث"، وحديث أبي هريرة: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتَّى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده"، وحديث أبي هريرة: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا أولاهن بالتراب"، وحديث أبي هريرة: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه من الجنابة".
وقالوا بأن حديث: "الماء طهور لا ينجسه شيء" مخصص بهذه الأدلة.
• والرد عليهم بأن هذه الأحاديث، كما قال ابن حزم (١/ ١٥١): "لا حجة لهم في شيء منها، وكلها حجة عليهم لنا".
١ - أما حديث ابن عمر فهو حديث صحيح، كما تقدم بيانه، وإن ضعفه ابن عبد البر، وإن قال ابن المنذر في الأوسط: "مع أن حديث القلتين يدفعه عبد الله بن المبارك، ويقول: ليس بالقوي "، وإن ضعفه ابن القيم:
فقد تقدم تفصيل القول فيه، وأنه حديث صحيح، سالم من العلة والشذوذ والاضطراب، صححه جمع كبير من أهل العلم على رأسهم ابن معين، فقد جوَّد إسناده، وسلَّم بصحته معارضوه: كالطحاوي وابن حزم.
وأما دعوى الشذوذ التي أقامها ابن القيم لرد الحديث، فقال: "أما الشذوذ: فإن هذا حديث فاصل بين الحلال والحرام، والطاهر والنجس، وهو في المياه كالأوسق في الزكاة، والنصب في الزكاة، فكيف لا يكون مشهورًا شائعًا بين الصحابة ينقله خلف عن سلف لشدة حاجة الأمة إليه أعظم من حاجتهم لنصب الزكاة ، ومن المعلوم أن هذا لم يروه غير ابن عمر، ولا عن ابن عمر غير عبيد الله وعبد الله، فأين نافع وسالم وأيوب وسعيد بن جبير؟، وأين أهل المدينة وعلماؤهم عن هذه السُّنَّة التي مخرجها من عندهم، وهم إليها أحوج الخلق لعزة الماء عندهم؟
حتَّى قال: فأي شذوذ أبلغ من هذا؟ وحيث لم يقل بهذا التحديد أحد من أصحاب ابن عمر علم أنَّه لم يكن فيه عنده سُنَّة من النبي - ﷺ -، فهذا وجه شذوذه".
أقول: فهذه دعوى ساقطة، ولو أعملناها على هذا الوجه لرددنا بها كثيرًا من الأحاديث الصحيحة الثابتة، فقط لأنَّه لم يروها عن الصحابي أثبت أصحابه وأكثرهم عنه رواية!
فإنه يكفينا للحكم بصحة الحديث أن يرويه عن الصحابي: تابعي ثقة، معروف
[ ١ / ٢٤٨ ]
بالرواية عن هذا الصحابي، وثبت لنا أنَّه سمع منه، ولا يلزم أن يتابعه عليه أكثرهم رواية عنه.
وهنا قد رواه عن ابن عمر ابناه عبيد الله وعبد الله، وأهل بيت الرجل من أعلم الناس به، فما يمنع أن يكون قد سمعاه منه، ولم يسمعه سالم ولا نافع، ثم رواه عنهما ثلاثة من الثقات: محمد بن جعفر ومحمد بن عباد وعاصم بن المنذر، ولو كان واحدًا لكفى، فكيف يقبل فيه بعدُ قول إسماعيل القاضي: "هذان شيخان لا يحتملان التفرد بهذا الحكم الجليل"، وقد قال بهذا القول من أصحاب ابن عمر: سعيد بن جبير ومجاهد، فكيف يقال بأنه لم يقل به أحد من أصحاب ابن عمر.
وقد أجاد الطحاوي وابن حزم حيث سلما بصحة الحديث، ولو كان لهما فيه مطعن لما سكتا عنه، كيف وهو أقوى أدلة المخالفين لهما؟.
ولما سئل أبو زرعة وأبو حاتم عن هذا الحديث لم ينكراه، ولم يقولا ببطلانه، وهذا الترمذي سكت عليه، ولو كان منكرًا عنده لما سكت، ولقال: "غريب"، أو: "حسن غريب".
• وأما عمل الناس بمفهوم هذا الحديث فهذا هو المحز، والكلام فيه من وجوه:
الأول: تحديد القلتين بقلال هجر، أو بخمس قرب، أو بخمسائة رطل بالعراقي، أو بغير ذلك، فيقال: أولًا: هذه تحديدات لم يقم عليها دليل صحيح؛ قال ابن المنذر في الأوسط: "فأما تحديد من حدد القلتين بـ [وذكر هذه الأقوال التي سبق أن نقل فيها لأهل العلم تسعة أقوال ولم تستقر أقوالهم فيها على قدم]: فتلك تحديدات واستحسانات من قائلها، لا يرجع القائل منهم في ذلك إلى حجة من كتاب أو سُنَّة ولا إجماع، وحديث ابن جريج: مرسل لا يثبت، [ثم أسنده من طريق عبد الرزاق ثم قال:] فالحديث في نفسه مرسل لا تقوم به حجة".
وقال الدارقطني في العلل (١٢/ ٣٧٢/ ٢٧٩٩): "والتوقيت غير ثابت".
وقال ابن حزم في المحلى (١/ ١٥٤): "أن رسول الله - ﷺ - لم يحد مقدار القلتين، ولا شك أنَّه - ﷺ - لو أراد أن يجعلها حدًّا بين ما يقبل النجاسة وبين ما لا يقبلها: لما أهمل أن يحدها لنا بحد ظاهر لا يحيل، وليس هذا مما يوجب على المرء، ويوكل فيه إلى اختياره "، ثم قال: "وكل قول لا برهان له فهو باطل".
وقال ابن عبد البر نقلًا عن إسماعيل القاضي قوله: "ومقدار القلتين غير معلوم ومن ذهب إلى أنها قلال هجر، فمحال أن يسن رسول الله - ﷺ - سُنَّة على قلال هجر مع اختلافها" [التمهيد (٢٤/ ١٩)].
وقال ابن عبد البر (١/ ٢٣٤): "ولأن القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع".
وقال المنبجي في اللباب في الجمع بين السُّنَّة والكتاب (١/ ٦٣): "أن القلة مجهولة
[ ١ / ٢٤٩ ]
القدر محتملة لمعان، ، فلا يسوغ لأحد تخصيصها بشيء مما ذكرنا إلا بدليل، فإن ساغ لغيرنا حملها على قلال هجر، ساغ لنا أن نحملها على أعلى ما قيل فيها؛ إذ قد سيق لبيان أنَّه لا ينجس لكثرته؛ فتقديره به أنسب لأنَّه كالماء الجاري معنى ليوافق معنى الآثار".
وقال ابن دقيق العيد: "هذا الحديث قد صححه بعضهم، وهو صحيح على طريقة الفقهاء؛ لأنَّه كان كان حديثًا مضطرب الإسناد مختلَفًا في بعض ألفاظه، فإنه يجاب عنها بجواب صحيح؛ بأن يمكن الجمع بين الروايات، ولكني تركته لأنَّه لم يثبت عندنا بطريق استقلالي يجب الرجوع إليه شرعًا تعيين مقدار القلتين" [التلخيص (١/ ٢٥)، البدر المنير (١/ ٤١٣)].
وانظر: شرح معاني الآثار (١/ ١٦).
وقال ابن القيم: "قالوا: وأما تقدير القلتين بقلال هجر، فلم يصح عن رسول الله - ﷺ - فيه شيء أصلًا فكيف يكون كان هذا الحكم العظيم: الحد الفاصل بين الحلال والحرام الَّذي تحتاج إليه جميع الأمة، لا يوجد إلا بلفظ شاذ بإسناد منقطع؟ وذلك اللفظ ليس من كلام رسول الله - ﷺ -. قالوا: وأما ذكرها في حديث المعراج [يعني: حديث مالك بن صعصعة، وفيه: [ورفعت في سدرة المنتهى، فإذا نبقها كأنه قلال هجر". أخرجه البخاري (٣٢٠٧ و٣٨٨٧)، وأصله في مسلم دون موضع الشاهد (١٦٤)، والنسائي (٤٤٨)، وأحمد (٣/ ١٦٤) و(٤/ ٢٠٧ و٢٠٨ و٢٠٩)، وابن خزيمة (٣٠١)، وابن حبان (٤٨ و٧٤١٥)، وغيرهم، فمن العجب أن يحال هذا الحد الفاصل على تمثيل النبي - ﷺ - نبق السدرة بها! وما الرابط بين الحكمين؟ وأي ملازمة بينهما؟ ألكونها معلومة عندهم معروفة لهم مثل لهم بها؟! وهذا من عجيب حمل المطلق على المقيد؟ والتقييد بها في حديث المعراج لبيان الواقع، فكيف يحمل إطلاق حديث القلتين عليه؛ وكونها معلومة لهم لا يوجب أن ينصرف الإطلاق إليها حيث أطلقت العلة، فإنهم كانوا يعرفونها ويعرفون غيرها، والظاهر أن الإطلاق في حديث القلتين إنما ينصرف إلى قلال البلد التي هي أعرف عندهم، وهم لها أعظم ملابسة من غيرها، فالإطلاق إنما ينصرف إليها، ، وإنما مثَّل النبي - ﷺ - بقلال هجر؛ لأنَّه هو الواقع في نفس الأمر، كما مثل بعض أشجار الجنّة بشجرة بالشام تدعى الجوزة [في حديث عتبة بن عبد السلمي: أخرجه أحمد (٤/ ١٨٣)، والطبراني في الكبير (١٧/ ١٢٧ و١٢٨/ ٣١٢ و٣١٣)] دون النخل وغيره من أشجارهم؛ لأنَّه هو الواقع، لا لكون الجوز أعرف الأشجار عندهم، وهكذا التمثيل بقلال هجر لأنَّه هو الواقع، لا لكونها أعرف القلال عندهم، وهذا بحمد الله واضح.
وأما قولكم: إنها متساوية المقدار، فهذا إنما قاله الخطابي، بناءً على أن ذكرها تحديد، والتحديد إنما يقع بالمقادير المتساوية، وهذا دور باطل، وهو لم ينقله عن أهل اللغة، وهو الثقة في نقله، ولا أخبر به عن عيان، ثم إن الواقع بخلافه، فإن القلال فيها الكبار والصغار في العرف العام أو الغالب، ولا تعمل بقالب واحد، ولهذا قال أكثر
[ ١ / ٢٥٠ ]
السلف: القلة: الجرة ، ومن جعلها متساوية فإنما مستنده أن قال: التحديد لا يقع بالمجهول، فيا سبحان الله! إنما يتم هذا أن لو كان التحديد مستندًا إلى صاحب الشرع، فأما والتقدير بقلال هجر وقرب الحجاز: تحديد يحيى بن عقيل وابن جريج، فكان ماذا؟ " [تهذيب السنن (١/ ٥٦ - ٧٤)].
الوجه الثاني: قال ابن القيم: "وأما قولكم: إن العدد خرج مخرج التحديد والتقييد، كنصب الزكوات، فهذا باطل من وجوه:
أحدها: أنه لو كان هذا مقدارًا فاصلًا بين الحلال والحرام، والطاهر والنجس، لوجب على النبي - ﷺ - بيانه بيانًا عامًّا تعرفه الأمة، كما بيَّن نصب الزكوات، وعدد الجلد في الحدود، ومقدار ما يستحقه الوارث، فإن هذا أمر يعم الابتلاء به كل الأمة، فكيف لا يبينه حتى يتفق سؤال سائل له عن قضية جزئية فيجيبه بهذا، ويكون ذلك حدًا عامًا للأمة كلها لا يسع أحدًا جهله، ولا تتناقله الأمة، ولا يكون شائعًا بينهم، بل يحالون فيه على مفهوم ضعيف، شأنه ما ذكرناه، قد خالفته العمومات والأدلة الكثيرة، ولا يعرفه أهل بلدته، ولا أحد منهم يذهب إليه؟!.
الثاني: أن الله ﷾ قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، وقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فلو كان الماء الذي لم يتغير بالنجاسة: منه ما هو حلال، ومنه ما هو حرام، لم يكن في هذا الحديث بيان للأمة ما يتقون، ولا كان قد فصَّل لهم ما حرَّم عليهم، فإن المنطوق من حديث القلتين لا دليل فيه، والمسكوت عنه كثير من أهل العلم يقولون: لا يدل على شيء، فلم يحصل لهم بيان، ولا فصل الحلال من الحرام، والآخرون يقولون: لا بد من مخالفة المسكوت للمنطوق، ومعلوم أن مطلق المخالفة لا يستلزم المخالفة المطلقة الثابتة لكل فرد فرد من المسكوت عنه، فكيف يكون هذا حدًا فاصلًا؟ فتبين أنه ليس في المنطوق ولا في المسكوت عنه فصل ولا حد.
الثالث: أن القائلين بالمفهوم إنما قالوا به إذا لم يكن هناك سبب اقتضى التخصيص بالمنطوق، فلو ظهر سبب يقتضي التخصيص به لم يكن مفهومًا معتبرًا، كقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] فذكر هذا القيد لحاجة المخاطبين إليه، إذ هو الحامل لهم على قتلهم، لا لاختصاص الحكم به، ونظيره: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] ونظائره كثيرة.
وعلى هذا فيحتمل أن يكون ذكر القلتين وقع في الجواب لحاجة السائل إلى ذلك، ولا يمكن الجزم بدفع هذا الاحتمال، نعم لو أن النبي - ﷺ - قال هذا اللفظ ابتداء من غير سؤال لاندفع هذا الاحتمال.
الرابع: أن حاجة الأمة - حضرها وبدوها على اختلاف أصنافها - إلى معرفة الفرق بين الطاهر والنجس ضرورية، فكيف يحالون في ذلك على ما لا سبيل لأكثرهم إلى معرفته؟!.
[ ١ / ٢٥١ ]
فإن الناس لا يكتالون الماء، ولا يكادون يعرفون مقدار القلتين لا طولهما، ولا عرضهما، ولا عمقهما! فإذا وقعت في الماء نجاسة فما يدريه أنه قلتان؟ وهل تكليف ذلك إلا من باب علم الغيب، وتكليف ما لا يطاق؟ فإن قيل: يستظهر حتى يغلب على ظنه أنه قلتان. قيل: ليس هذا شأن الحدود الشرعية فإنها مضبوطة، لا يزاد عليها ولا ينقص منها، كعدد الجلدات، ونصب الزكوات، وعدد الركعات، وسائر الحدود الشرعية.
الخامس: أن خواص العلماء إلى اليوم لم تستقر لهم قدم على قول واحد في القلتين، فمن قائل: ألف رطل بالعراقي، ومن قائل: ستمائة رطل، ومن قائل: خمسمائة، ومن قائل: أربعمائة، وأعجب من هذا جعل هذا المقدار تحديدًا! فإذا كان العلماء قد أشكل عليهم قدر القلتين، واضطربت أقوالهم في ذلك، فما الظن بسائر الأمة! ومعلوم أن الحدود الشرعية لا يكون هذا شأنها.
السادس: أن المحددين يلزمهم لوازم باطلة شنيعة جدًّا:
منها: أن يكون ماء واحد إذا ولغ فيه الكلب تنجس وإذا بال فيه لم ينجسه!.
ومنها: أن الشعرة من الميتة إذا كانت نجسة فوقعت في قلتين إلا رطلًا مثلًا أن ينجس الماء، ولو وقع رطل بول في قلتين لم ينجسه وكذلك ميتة كاملة تقع في قلتين لا تنجسها، وشعرة منها تقع في قلتين إلا نصف رطل أو رطلًا فتنجسها! إلى غير ذلك من اللوازم التي يدل بطلانها على بطلان ملزوماتها.
الوجه الثالث: أنهم قالوا: إن المفهوم حجة، وتخصيصه بهذا الوصف والعدد لا بد له من فائدة، وهي نفي الحكم عما عدا المنطوق، ثم إن تعليله وتعليق الحكم بهذا الوصف المناسب يدل على أنه علة له، فينتفي الحكم بانتفائها، فإن كان المفهوم مفهوم شرط فهو قوي؛ لأن المشروط عدم عند عدم شرطه، وإلا لم يكن شرطًا له.
وهذا مسلَّم في كون المفهوم حجة.
لكن قالوا: يقدم على العموم لأن دلالته خاصة، فلو قدم العموم عليه بطلت دلالته جملة، وإذا خص به العموم عمل بالعموم فيما عدا المفهوم، والعمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما، كيف وقد تأيد المفهوم بحديث الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب وإراقته، ويحديث النهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها عند القيام من نوم الليل.
وهذا أيضًا من حيث النظر مسلم، لكن في هذه المسألة يقدم العموم على هذا المفهوم؛ لأن العموم موافق للقياس الصحيح [قال في إعلام الموقعين (١/ ٣٤٣): "ومن ذلك أنكم قستم الماء الذي وردت عليه النجاسة فلم تغير له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا على الماء الذي غيرت النجاسة لونه أو طعمه أو ريحه، وهذا من أبعد القياس عن الشرع والحس، وتركتم قياسًا أصح منه، وهو قياسه على الماء الذي ورد على النجاسة، فقياس الوارد على المورود مع استوائهما في الحد والحقيقة والأوصاف: أصح من قياس مائة رطل ماء وقع فيه شعرة كلب، على مائة رطل خالطها مثلها بولًا وعذرة حتى غيَّرها"]،
[ ١ / ٢٥٢ ]
ولأنه موافق لعمل أهل المدينة قديمًا وحديثًا، فإنه لا يعرف عن أحد منهم أنه حدد الماء بقلتين، وعملهم بترك التحديد في المياه عمل نقلي خلفًا عن سلف، فجرى مجرى نقلهم الصاع والمد والأجناس، وترك أخذ الزكاة من الخضروات، وهذا هو الصحيح المحتج به من إجماعهم، دون ما طريقه الاجتهاد والاستدلال، فإنهم وغيرهم فيه سواء، وربما يرجح غيرهم عليهم، ويرجحوا هم على غيرهم.
فإن قيل: ما ذكرتم من الترجيح فمعنا من الترجيح ما يقابله، وهو أن المفهوم هنا قد تأيد بالأحاديث السابق ذكرها، فإن هذه الأحاديث تدل على أن الماء يتأثر بهذه الأشياء وإن لم يتغير. قلنا: هذه الأحاديث لا حجة لكم فيها، وسيأتي الرد عليكم فيها مستقلًا.
قالوا أيضًا بعموم المفهوم؛ لأنه إنما دل على نفي الحكم عما عدا المنطوق بطريق سكوته عنه، ومعلوم أن نسبة المسكوت إلى جميع الصور واحدة، فلا يجوز نفي الحكم عن بعضها دون بعض للتحكم، ولا إثبات حكم المنطوق لها لإبطال فائدة التخصيص، فتعين بقيد عن جميعها.
وقال شيخ الإسلام (٢٠/ ٥٢٥) بأن حديث القلتين: "يدل على أن الموجب لنجاسته كون الخبث فيه محمولًا، فمتى كان مستهلكًا فيه لم يكن محمولًا، فمنطوق الحديث وتعليله لم يدل على ذلك، وأما تخصيص القلتين بالذكر، فإنهم سألوه عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب، وذلك الماء الكثير في العادة، فبيَّن - ﷺ - أن مثل ذلك لا يكون فيه خبث في العادة؛ بخلاف القليل فإنه قد يحمل الخبث، وقد لا يحمله، فإن الكثرة تعين على إحالة الخبث إلى طبعه، والمفهوم لا يجب فيه العموم: فليس إذا كان القلتان لا تحمل الخبث يلزم أن ما دونها يلزمه مطلقًا، على أن التخصيص وقع جوابًا لأناس سألوه عن مياه معينة، فقد يكون التخصيص لأن هذه كثيرة لا تحمل الخبث والقلتان كثير، ولا يلزم أن يكون الكثير إلا قلتين، وإلا فلو كان هذا حدًا فاصلًا بين الحلال والحرام لذكره ابتداء، ولأن الحدود الشرعية تكون معروفة كنصاب الذهب والمعشرات ونحو ذلك، والماء الذي تقع فيه النجاسة لا يعلم كيله إلا خرصًا، ولا يمكن كيله في العادة، فكيف يفصل بين الحلال والحرام بما يتعذر معرفته على غالب الناس في غالب الأوقات، وقد أطلق في غير حديث قوله: "الماء طهور لا ينجسه شيء"، و"الماء لا يجنب"، ولم يقدِّره مع أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ومنطوق هذا الحديث يوافق تلك، ومفهومه إنما يدل عند من يقول بدلالة المفهوم إذا لم يكن هناك سبب يوجب التخصيص بالذكر لا الاختصاص بالحكم، وهذا لا يعلم هنا".
قال ابن القيم: "وأما دعواكم أن المفهوم عام في جميع الصور المسكوت عنها، فدعوى لا دليل عليها، فإن الاحتجاج بالمفهوم يرجع إلى حرفين: التخصيص والتعليل كما تقدم.
ومعلوم أنه إذا ظهر للتخصيص فائدة بدون العموم بقيت دعوى العموم باطلة،؛ لأنها
[ ١ / ٢٥٣ ]
دعوى مجردة، ولا لفظ معنا يدل عليها، وإذا علم ذلك فلا يلزم من انتفاء حكم المنطوق انتفاؤه عن كل فرد فرد من أفراد المسكوت، لجواز أن يكون فيه تفصيل، فينتفي عن بعضها، ويثبت لبعضها، ويجوز أن يكون ثابتًا لجميعها بشرط ليس في المنطوق، فتكون فائدة التخصيص به لدلالته على ثبوت الحكم له مطلقًا، وثبوته للمفهوم بشرط، فيكون المنفي عنه الثبوت المطلق لا مطلق الثبوت، فمن أين جاء العموم للمفهوم، وهو من عوارض الألفاظ؟.
وعلى هذا عامة المفهومات، فقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]: لا يدل المفهوم على أنه بمجرد نكاحها الزوج الثاني تحل له وكذلك إن سلكت طريقة التعليل لم يلزم العموم أيضًا، فإنه يلزم من انتفاء العلة انتفاء معلولها، ولا يلزم انتفاء الحكم مطلقًا، لجواز ثبوته بوصفه آخر، وإذا ثبت هذا فمنطوق حديث القلتين لا ننازعكم فيه، ومفهومه لا عموم له، فبطل الاحتجاج به منطوقًا ومفهومًا".
وقال شيخ الإسلام [مجموع الفتاوى (٣٣/ ١٤)]: "والمفهوم لا عموم له في جانب المسكوت عنه، بل قد يكون فيه تفصيل، كقوله: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" أو: "لم ينجسه شيء"، وهو إذا بلغ قلتين فقد يحمل الخبث، وقد لا يحمله".
وقال أيضًا (٢١/ ٧٣): "وقوله: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث": إنما دل على ما دونهما بالمفهوم، والمفهوم لا عموم له، فلا يدل ذلك على أن ما دون القلتين يحمل الخبث، بل إذا فرق فيه بين دائم وجار، أو إذا كان في بعض الأحيان يحمل الخبث، كان الحديث معمولًا به، فإذا كان طاهرًا بيقين وليس في نجاسته نص ولا قياس وجب البقاء على طهارته مع بقاء صفاته، وإذا كان حوض الحمام الفائض إذا كان قليلًا، ووقع فيه بول أو دم أو عذرة ولم تغيره: لم ينجسه على الصحيح، فكيف بالماء الذي جميعه يجري على أرض الحمام؟ فإنه إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره لم ينجس"، وانظر أيضًا (٢١/ ٣٢٧).
فالخلاصة: أن مفهوم هذا الحديث دل على أن الماء إذا لم يبلغ قلتين فهو مظنة لحمل الخبث، فقد يحمله وقد لا يحمله، فيحترز منه ويحتاط، ولا نجزم بأنه تنجس بمجرد ملاقاة النجاسة إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة.
قال ابن حزم في المحلى (١/ ٢٥٤): "وليس في قوله - ﷺ - هذا دليل ولا نص على أن ما دون القلتين ينجس ويحمل الخبث"، أي: يقينًا إلا بالتغير إذ المفهوم لا عموم له.
٢ - وأما حديث أبي هريرة: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده"، فقد استدلوا به على أن ورود قليل النجاسة على الماء القليل يفسده ويمنع الطهارة به وإن لم يتغير، فعللوا النهي هنا باحتمال النجاسة.
قال ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ٢٣٦): "إنما ذلك ندب وأدب وسُنَّة قائمة لمن
[ ١ / ٢٥٤ ]
كانت يده طاهرة وغير طاهرة؛ لأنه لو أراد بذلك النجاسة لأمر بغسل المخرجين أولًا، ولقال: إذا قام أحدكم من نومه فلينظر يده فإن لم يكن فيها نجاسة أدخلها في وَضوئه، وإن كانت في يده نجاسة غسلها قبل أن يدخلها".
وقيل: النهي هنا تعبدي، ويرد هذا القول: أنه معلل في الحديث بقوله: "فإنه لا يدري أين باتت يده".
قال ابن القيم: "وقيل -وهو الصحيح-: إنه معلل بخشية مبيت الشيطان على يده، أو مبيتها عليه، وهذه العلة نظير تعليل صاحب الشرع الاستنشاق بمبيت الشيطان على الخيشوم إلى أن قال: والمقصود أنه لا دليل لكم في الحديث بوجه ما"، وقد بيَّن قبلُ أن ليس في الحديث دليل على نجاسة الماء أو فساده، وأن جمهور الأمة على طهارته.
٣ - وأما حديث أبي هريرة: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا أولاهن بالتراب": فليس فيه ما يدل على نجاسة الماء بولوغ الكلب فيه، وإنما الأمر فيه بالإراقة وبالغسل سبعًا أولاهن بالتراب: تعبدي، ولو كان لأجل النجاسة لاكتفى فيه بإزالة النجاسة، وقد تزول من غسلة واحدة بالماء، ولا يحتاج فيها إلى التراب، فدل التسبيع في العدد والتتريب والإراقة على أمر تعبدي أظهره الطب الحديث، وهو اشتمال لعاب الكلب على مرض لا يزيله إلا الغسل سبعًا بالماء أولاهن بالتراب.
وانظر: تهذيب السنن لابن القيم. التمهيد (٦/ ٤٧٧ - ط إحياء التراث)، المحلى (١/ ١٥٤).
٤ - وأما حديث أبو هريرة: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه من الجنابة": قال شيخ الإسلام (٢١/ ٣٤) [وانظر أيضًا (٢٠/ ٣٣٨)]: "نهيه عن البول في الماء الدائم لا يدل على أنه ينجس بمجرد البول، إذ ليس في اللفظ ما يدل على ذلك، بل قد يكون نهيه سدًا للذريعة؛ لأن البول ذريعة إلى تنجيسه، فإذا بال هذا ثم بال هذا تغير الماء بالبول، فكان نهيه سدًا للذريعة، أو يقال: إنه مكروه بمجرد الطبع لا لأجل أنه ينجسه، وأيضًا: فيدل نهيه عن البول في الماء الدائم أنه يعم القليل والكثير، فيقال لصاحب القلتين: أتجوِّز بوله فيما فوق القلتين؟ إن جوَّزته فقد خالفت ظاهر النص، وإن حرمته فقد نقضت دليلك فلم يجز تعليل النهي بالنجاسة، ولا يجوز أن يقال: إنه - ﷺ - إنما نهى عن البول فيه لأن البول ينجسه، فإن هذا خلاف النص والإجماع".
وقد أطال ابن القيم في تهذيب السنن في بيان هذا المعنى وخلاصته فيه قوله: "ذكره - ﷺ - الماء الدائم الذي لا يجري تنبيه على أن حكمة النهي: إنما هي ما يخشى من إفساد مياه الناس عليهم، وأن النهي إنما تعلق بالمياه الدائمة التي من شأنها أن تفسدها الأبوال ".
وحاصل ما تقدم أنه لا دليل لهم، ولا حجة لهم فيما استدلوا به على أن ما دون القلتين ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة وإن لم يتغير، وإنما مفهوم حديث القلتين: أن ما كان
[ ١ / ٢٥٥ ]
دون القلتين فهو مظنة لحمل الخبث، فقد يحمله وقد لا يحمله، ولا نجزم بنجاسته إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة.
قال الشوكاني في الدراري المضية (١٠ - ١٢): "وأما ما كان دون القلتين فهو مظنة لحمل الخبث، وليس فيه أنه يحمل الخبث قطعًا وبتًا، ولا أن ما يحمله من الخبث يخرجه عن الطهورية؛ لأن الخبث المخرج عن الطهورية هو خبث خاص، وهو الموجب لتغيير أحد أوصافه أو كلها، لا الخبث الذي لم يغير، وحاصله: أن ما دل عليه مفهوم حديث القلتين: من أن ما دونهما قد يحمل الخبث؛ لا يستفاد منه إلا أن ذلك المقدار إذا وقعت فيه نجاسة قد يحملها، وأما أنه يصير نجسًا خارجًا عن كونه طاهرًا فليس في هذا المفهوم ما يفيد ذلك، ولا ملازمة بين حمل الخبث، والنجاسة المخرجة عن الطهورية، إلى أن قال: فتقرر بهذا أنه لا منافاة بين مفهوم حديث القلتين، وبين سائر الأحاديث، بل يقال فيها: أن ما دون القلتين إن حمل الخبث حملًا استلزم تغيير ريح الماء أو لونه أو طعمه، فهذا هو الأمر الموجب للنجاسة والخروج عن الطهورية، وإن حمله حملًا لا يغير أحد تلك الأوصاف فليس هذا الحمل مستلزمًا للنجاسة" [انظر: الروضة الندية (١/ ٥٩)، نيل الأوطار (١/ ٣٠)، السيل الجرار (١/ ٥٤ - ٥٦)، وغيرها].
• وأما أدلة الفريق الثاني القائل بأنه لا ينجس كثير الماء ولا قليله إلا بالتغيير، وهو الصواب:
قال العمراني في البيان (١/ ٢٧): "وذهبت طائفة إلى أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، سواء كان قليلًا أو كثيرًا. ذهب إليه من الصحابة: ابن عباس، وحذيفة، وأبو هريرة، وبه قال الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، وابن أبي ليلى، وجابر بن زيد، ومالك، والأوزاعي، وداود، والثوري، والنخعي، واختاره ابن المنذر".
١ - قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]: قال ابن المنذر: "فالطهارة على ظاهر كتاب الله بكل ماء إلا ماة منع منه كتاب أو سُنَّة أو إجماع، ظاهر الذي منع الإجماع من الطهارة به: الماء الذي يغلب عليه النجاسة بلون أو طعم أو ريح".
وقال شيخ الإسلام في الماء الذي خالطته نجاسة فلم تغيره: "وأيضًا، فإن هذا باق على أوصاف خلقته، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] فإن الكلام إنما هو فيما لم يتغير بالنجاسة لا طعمه ولا لونه ولا ريحه" [المجموع (٢١/ ٣٣)].
٢ - قال ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٣٠): "لدليل على أن الماء لا يفسد إلا بما ظهر فيه من النجاسة أن الله ﷿ سماه طهورًا فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وفي طهور معنيان: أحدهما: أن يكون طهورًا بمعنى طاهر ، والآخر: أن يكون بمعنى فعول ، فيكون فيه معنى التعدي والتكثير، يدل على ذلك قوله ﷿: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، وقد أجمعت الأمة أن الماء مطهر
[ ١ / ٢٥٦ ]
للنجاسات ، وما كان طاهرًا مطهرًا استحال أن تلحقه النجاسة؛ لأنه لو لحقته النجاسة لم يكن مطهرًا أبدًا، لأنه لا يطهرها إلا بممازجته إياها، واختلاطه بها، فلو أفسدته النجاسة من غير أن تغلب عليه ، لم تحصل لأحد طهارة، ولا استنجى أبدًا".
٣ - حديث الأعرابي: وفيه أن النبي - ﷺ - أن يصب على بول الأعرابي دلو من ماء أو ذنوب من ماء [متفق عليه من حديث أنس. البخاري (٢٢١ و٢١٩ و٦٠٢٥)] مسلم (٢٨٤ و٢٨٥)، وأخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (٢٢٠ و٦١٢٨)،: قال ابن عبد البر (٢٤/ ١٦): "وهذا الحديث أصح حديث يروى عن النبي - ﷺ - في الماء، وهو ينفي التحديد في مقدار الماء الذي تلحقه النجاسة، ويقضي أن الماء طاهر مطهر لكل ما غلب عليه، وأن كل ما مازجه من النجاسات وخالطه من الأقذار لا يفسده؛ إلا أن يظهر ذلك فيه أو يغلب عليه، فإن كان الماء غالبًا مستهلكًا النجاسات، فهو مطهر لها، وهي غير مؤثرة فيه، وسواء في ذلك قليل الماء وكثيره، هذا ما يوجبه هذا الحديث، ، وهو أصح مذهب في الماء من جهة الأثر، ومن جهة النظر ، وهذا الحديث ينقض على أصحاب الشافعي ما أصلوه في الفرق بين ورود النجاسة على الماء، وبين وروده عليها، ، وقد علمنا أن الذنوب الذي صبه رسول الله - ﷺ - على بول الأعرابي لم يعتبر فيه قلتين، ولو كان في الماء مقدار يُراعى: لاعتبر ذلك في الصب على بول الأعرابي، ومعلوم أن ذلك الذنوب ليس بمقدار القلتين الذي جعله الشافعي حدًا، والله أعلم".
٤ - حديث ابن عباس: أن امرأة من أزواج النبي - ﷺ - اغتسلت من جنابة، فاغتسل النبي - ﷺ - وتوضأ من فضلها وقال: "الماء طهور، لا ينجسه شيء"، سيأتي تخريجه برقم (٦٨).
٥ - حديث أبي سعيد في بئر بضاعة: أنه قيل لرسول الله - ﷺ -: أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "الماء طهور لا ينجسه شيء"، سيأتي تخريجه برقم (٦٦ و٦٧).
قال ابن المنذر: "فهذا جواب النبي - ﷺ - في الماء جواب عام يقع على كل ماء؛ وإن قل".
وقال شيخ الإسلام (٢١/ ٣٣): "وهذا اللفظ عام في القليل والكثير، وهو عام في جميع النجاسات، وأما إذا تغير بالنجاسة، فإنما حرم استعماله لأن جرم النجاسة باقٍ، ففي استعماله استعمالها، بخلاف ما إذا استحالت النجاسة فإن الماء طهور، وليس هناك نجاسة قائمة".
وقال ابن القيم: "فهذا نص صحيح صريح على أن الماء لا ينجس بملاقاة النجاسة، مع كونه واقفًا؛ فإن بئر بضاعة كانت واقفة، ولم يكن على عهده بالمدينة ماء جار أصلًا فوضوؤه من بئر بضاعة، وحالها ما ذكروه له، دليل على أن الماء لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه، ما لم يتغير".
٦ - قال ابن المنذر: "ومنها: أنهم مجمعون على أن الماء القليل طاهر قبل أن يحل
[ ١ / ٢٥٧ ]
فيه النجاسة، ولم يجمعوا على أن النجاسة إذا حلت فيه ولم تغير الماء لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا أنه نجس؛ فالماء المحكوم له بالطهارة طاهر حتى يثبت له حكم النجاسة بخبر أو إجماع".
يعني استصحاب الحال [الأصل] وهي الطهارة، ولا ننتقل عنها إلا بيقين، ولا يحصل إلا بالتغير.
وقال ابن القيم: "فهلا أخذتم بهذا الأصل هنا، وقلتم: ما ثبت تنجيسه بالدليل الشرعي نجسناه، وما شككنا فيه رددناه إلى أصل الطهارة؟ لأن هذا لما كان طاهرًا قطعًا وقد شككنا: هل حكم رسول الله - ﷺ - بتنجيسه أم لا؟ فالأصل الطهارة"، فاليقين لا يزول بالشك.
٧ - قال شيخ الإسلام (٢٠/ ٥٢١): "وقد أطلق في غير حديث قوله: "الماء طهور لا ينجسه شيء" و"الماء لا يجنب" ولم يقدِّره، مع أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ومنطوق هذا الحديث أيعني: حديث القلتين، يوافق تلك، ومفهومه إنما يدل عند من يقول بدلالة المفهوم إذا لم يكن هناك سبب يوجب التخصيص بالذكر لا الاختصاص بالحكم وهذا لا يعلم هنا".
٨ - أن هذا القول هو الموافق للقياس الصحيح، وهو قياس الماء الذي وردت عليه النجاسة فلم تغيره، على الماء الذي ورد على النجاسة [في حديث الأعرابي مع العلم بأن الذنوب أو الدلو لم يبلغ قلتين]، فقياس الوارد على المورود مع استوائهما في الحد والحقيقة والأوصاف أصح من قياس مائة رطل ماء [لم تبلغ قلتين] وقع فيه شعرة كلب [فلم تغيره قطعًا] على مائة رطل خالطها مثلها بولًا وعذرة حتى غيرها [انظر: إعلام الموقعين (١/ ٣٤٣)].
***