٨٣ - . . . صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق، أن المغيرة بن أبي بردة -وهو من بني عبد الدار- أخبره، أنَّه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجلٌ رسولَ الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل
[ ١ / ٣٤٠ ]
من الماء، فإن توضأنا به عطِشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "هو الطهورُ ماؤه، الحِلُّ مَيْتَتُه".
• حديث صحيح
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٤٧٨)، والترمذي (٦٩)، وأبو علي الطوسي
في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٦٠)، والنسائي (١/ ٥٠ و١٧٦/ ٥٩ و٣٣٢) و(٧/
٢٠٧/ ٤٣٥٠)، وابن ماجة (٣٨٦ و٣٢٤٦)، والدارمي (١/ ٢٠١/ ٧٢٩) و(٢/ ١٢٦/ ٢٠١١)، وابن خزيمة (١/ ٥٩/ ١١١)، وابن حبان (٤/ ٤٩/ ١٢٤٣) و(١٢/ ٦٢ / ٥٢٥٨)، وابن الجارود (٤٣)، والحاكم (١٤٠/ ١ - ١٤١ و١٤١)، ومالك (١/ ٥٥/ ٤٥)، والشافعي في الأم (١/ ٣)، وفي المسند (٧)، وأحمد (٢/ ٢٣٧ و٣٦١ و٣٩٢)، والقاسم بن سلام في الطهور (٢٢٠)، وابن أبي شيبة (١/ ١٢٢/ ١٣٩٢)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٢٤٧/ ١٥٧ و١٥٨)، والطحاوي في المشكل (٦/ ٤٠١ / ٤٤٦٨ و٤٤٦٩ - ترتيبه)، وفي أحكام القرآن (٥٩ و٦٠)، وأبو أحمد الحاكم في عوالي مالك (٥)، والجوهري في مسند الموطأ (٤٤١)، والدارقطني (١/ ٣٦)، والحاكم في معرفة علوم الحديث (٨٧)، والبيهقي في السنن (١/ ٣) و(٩/ ٥٢ ٢)، وفي المعرفة (١/ ١٣٢ - ١٣٣/ ٢ - ٤)، والخطيب في التاريخ (٩/ ١٢٩)، وفي تلخيص المتشابه (٢/ ٧٢٣)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٥٥ - ٥٦/ ٢٨١)، وفي التفسير (٢/ ٦٧)، والجوزقاني في الأباطيل (١/ ٥٢٢/ ٣٣١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٠/ ٢٧٩) و(٣٧/ ٣١٦)، وابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة (٢/ ٥٥٥)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٣١)، والرافعي في التدوين (٣/ ٣٧)، وابن دقيق العيد في الإمام (١/ ١٠١)، والمزي في التهذيب (١٠/ ٤٨١).
قال الإمام البخاري: "هو حديث صحيح" [العلل الكبير للترمذي (٣٣)].
وقال الترمذي في الجامع: "هذا حديث حسن صحيح".
وقال ابن المنذر: "ثابت عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال في ماء البحر: "هو الطهورُ ماؤه، الحِلُّ مَيْتَتُه".
وقال ابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٩٩): "صحيح من حديث أبي هريرة" [بتصرف]، وقد أخرجه في صحيحه.
وقال البغوي: "هذا حديث حسن صحيح".
وقال الجوزقاني في الأباطيل: "هذا حديث حسن، لم نكتبه إلا بهذا الإسناد، وهو إسناد متصل ثابت".
واحتج به مالك فاودعه موطأه، وكذلك احتج به أبو داود فسكت عليه، واحتج به النسائي في المجتبي فلم يذكر اختلافًا في إسناده، ووثق رواته، وصححه ابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والحاكم والبيهقي والخطابي وابن منده وابن العربي وابن تيمية وغيرهم
[ ١ / ٣٤١ ]
[الإمام (١/ ٩٨)، أحكام القرآن (١/ ٧٨) و(٣/ ٤)، القبس (٢/ ٦٣٧)، مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٦)، البدر المنير (١/ ٣٥٠)].
وقال ابن الأثير في الشافي في شرح مسند الشافعي: جهذا حديث صحيح مشهور، أخرجه الأئمة في كتبهم، واحتجوا به، ورجاله ثقات" [البدر المنير (١/ ٣٥٠)، وقد سقط من المطبوع من شرح المسند (١/ ٦١) لسقوطه من المخطوط].
وقال النووي: "حديث صحيح" [المجموع (١/ ١٢٧ و١٣٠)، شرح مسلم (١٣/ ٨٦)].
وقال ابن الملقن في البدر المنير (١/ ٣٤٨): "هذا الحديث صحيح جليل".
وقال في طرح التثريب (٦/ ١٠): "حديث صحيح".
وصححه الألباني في صحيح السنن، وفي الإرواء (٩)، وفي الصحيحة (٤٨٥).
• إلا أن هناك من أهل العلم من طعن في صحته من قبل الإسناد:
قال الشافعي: "في إسناده من لا أعرفه".
وقال ابن حزم: "لا يصح" [المحلى (١/ ٢٢١)].
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ١٠٧): "لا أدري ما هذا من البخاري - ﵀ -، ولو كان عنده صحيحًا لأخرجه في مصنفه الصحيح عنده، ولم يفعل لأنَّه لا يعوِّل في الصحيح إلا على الإسناد، وهذا الحديث: لا يحتج أهل الحديث بمثل إسناده، وهو عندي صحيح؛ لأنَّ العلماء تلقوه بالقبول له والعمل به، ولا يخالف في جملته أحد من الفقهاء، وإنما الخلاف في بعض معانيه على ما نذكر إن شاء الله".
وكان قبلُ أعلَّ إسناده بجهالة سعيد بن سلمة، فقال: "فهو مجهول؛ لا تقوم به حجة عندهم"، ثم تردد في جهالة المغيرة بن أبي بردة.
وقال في الاستذكار (١/ ١٥٨): "وهو مرسل؛ لا يصح فيه الاتصال" وانظر: (٥/ ٢٨٦).
وقال ابن دقيق العيد في الإمام: "وهذا الحديث يعل بأربع علل"، وهي:
١ - جهالة سعيد بن سلمة والمغيرة بن أبي بردة.
٢ - الاختلاف في اسم سعيد بن سلمة.
٣ - الإرسال: لأنَّه وقع في بعض طرقه: عن يحيى بن سعيد عن المغيرة بن أبي بردة: أن ناسًا من بني مدلج أتوا رسول الله - ﷺ - . . . الحديث.
٤ - الاضطراب.
[انظر: شرح مشكل الآثار. الإمام (١/ ٩٩)، النفح الشذي (٢/ ١٥٥)، البدر المنير (١/ ٣٥١)، نصب الراية (١/ ٩٦)].
قلت: أما اعتراض ابن عبد البر على تصحيح البخاري له، بأنه لو كان صحيحًا عنده لأخرجه في صحيحه: فمردود؛ لأنَّ البخاري لم يلتزم في جامعه استيعاب الصحيح عنده
[ ١ / ٣٤٢ ]
[شرح الإلمام (١/ ١٧٩)، النفح الشذي (٢/ ١٥٩)، البدر المنير (١/ ٣٥٠)، التلخيص (١/ ٨)].
وهذه العلل كلها ساقطة، وإسناد مالك: صحيح، رجاله ثقات.
• وقد تابع مالكًا عليه، فرواه عن صفوان بن سليم [المدني الثقة]: عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي المدني [صدوق يهم. التقريب (٥١٨)]، وعبد الرحمن بن إسحاق المدني [صدوق. التقريب (٥٧٠)]، وإسحاق بن إبراهيم بن سعيد المدني المزني [لين الحديث. التقريب (١٢٥)]: أربعتهم عن صفوان به.
[وانظر: إتحاف المهرة (١٥/ ٦١٢)، علل الدارقطني (٩/ ٨)].
• وتابع صفوان بن سليم المدني: الجلاح أبو كثير المصري مولى الأمويين [صدوق. التقريب (٢٠٥)]، لكن اختلف عليه في اسم سعيد بن سلمة:
١ - رواه ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن الجلاح، عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - . . . الحديث.
أخرجه البخاري في التاريخ (٣/ ٤٧٨)، والبيهقي في المعرفة (١/ ١٣٤/ ٧).
وهذا إسناد مصري، غاية في الصحة إلى الجلاح.
٢ - ورواه الليث بن سعد، واختلف عليه:
أ - فرواه يحيى بن عبد الله بن بكير [مصري، ثقة في الليث. التقريب (١٠٥٩)]، وشعيب بن الليث بن سعد [ثقة نبيل فقيه، من أثبت الناس في أبيه. التقريب (٤٣٨)، سؤالات ابن بكير (٥٣)]، وأبو النضر [هاشم بن القاسم: بغدادي، ثقة ثبت. التقريب (١٠١٧)]، وعبد الله بن عبد الحكم بن أعين [مصري، ثقة. التهذيب (٢/ ٣٧٠)]:
رواه أربعتهم: يحيى بن بكير، وشعيب بن الليث، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وعبد الله بن عبد الحكم: عن اللبث بن سعد، عن يزيد بن أبي جبيب: حدثني الجلاح أبو كثير، أن سعيد بن سلمة المخزومي حدثه، أن المغيرة بن أبي بردة أخبره، أنَّه سمع أبا هريرة يقول: كنا عند رسول الله - ﷺ - يومًا فجاءه صياد، فقال: يا رسول الله! إنا ننطلق في البحرين نريد الصيد، فيحمل أحدنا معه الإداوة أو الاثنين وهو يرجو أن يجد الصيد قريبًا، فربما وجده كذلك، وربما لم يجد الصيد حتَّى يبلغ من البحرين مكانًا لم يظن أن يبلغه، فلعله يحتلم أو يتوضأ، فإن اغتسل أو توضأ به في كل صلاة فقد الماء، فلعل أحدنا أن يُهلِكه العطش فما ترى يا رسول الله في ماء البحر، أنغتسل به أو نتوضأ إذا خفنا ذلك؟ فزعم أن رسول الله - ﷺ -، قال: "نعم، فاغتسلوا منه، وتوضؤوا؛ فإنه الطهور ماؤه، الحل ميتته".
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٤٧٨)، والحاكم (١/ ١٤١)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (٢٢١)، والطحاوي في المشكل (٦/ ٤٠٣ - ٤٠٤/ ٤٤٧٣ - ترتيبه)، وفي أحكام القرآن (٦٣ و٦٤)، والبيهقي في السنن (١/ ٣)، وفي المعرفة (١/ ١٣٣ - ١٣٤/ ٥ و٦).
[ ١ / ٣٤٣ ]
وتابع الليث بن سعد على هذا الوجه: ابن لهيعة [ضعيف، يكتب حديثه في المتابعات والشواهد]، فرواه عن يزيد به هكذا، إلا أنَّه قال: الجلاخ، بالخاء المعجمة.
أخرجه أبو عبيد في الطهور (٢٢٢).
• وخالف هؤلاء الثقات الأربعة:
ب - قتيبة بن سعيد [ثقة ثبت. التقريب (٧٩٩)]، فرواه عن الليث، عن الجلاح أبي كثير، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة به مرفوعًا.
أخرجه أحمد (٢/ ٣٧٨)، والدولابي في الكنى (٣/ ٩٣٥/ ١٦٣٧).
ووهم فيه قتيبة مرتين: الأُولى: بإسقاط يزيد بن أبي حبيب من بين الليث والجلاح، والثانيه: بإسقاط سعيد بن سلمة من بين الجلاح والمغيرة، والمحفوظ إثباتهما في الإسناد، كما رواه الجماعة عن الليث، لا سيما وفيهم من أهل بيته ابنه شعيب، وأهل بيت الرجل أعلم بحديثه من غيرهم، أضف إلى ذلك أن شعيبًا من أثبت الناس في أبيه الليث، وتابعه على ذلك: ابن بكير، وهو ثبت في الليث أيضًا، ثم أبو النضر وهو ثقة ثبت، ثم عبد الله بن عبد الحكم، وهو مصري ثقة، فظهر بذلك وهم قتيبة في هذا الإسناد، وقصة وهم قتيبة في حديث معاذ بن جبل في الجمع بين الصلاتين الَّذي رواه عن الليث مشهورة عند أهل العلم.
وهذا التحقيق خلاف ما ذهب إليه العلامة الألباني - رحمه الله تعالى - في الصحيحة (٤٨٠) من ترجيح رواية قتيبة بن سعيد على رواية ابن بكير؛ وذلك لعدم اطلاعه على المتابعات التي ذكرناها.
وهذا أيضًا: إسناد مصري صحيح إلى الجلاح، وقد صرح يزيد فيه بالتحديث.
لكن اختلف فيه على يزيد:
١ - فرواه الليث بن سعد عنه به هكذا.
٢ - ورواه ابن إسحاق عنه واختلف عليه:
أ - فرواه محمد بن سلمة [الحراني: ثقة. التقريب (٨٤٩)] عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن الجلاح، عن عبد الله بن سعيد المخزومي، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة به مرفوعًا.
أخرجه البخاري في التاريخ (٣/ ٤٧٨)، والدارمي (١/ ٢٠١/ ٧٢٨) وزاد: "عن أبيه" بعد المغيرة، وهو وهم. والطحاوي في المشكل (٦/ ٤٠٥ - ٤٠٦/ ٤٤٧٥ - ترتيبه)، والبيهقي في المعرفة (١/ ١٣٤ - ١٣٥/ ٨).
ب - تابعه عبد الرحمن بن مغراء [صدوق، حدث عن الأعمش بأحاديث لم يتابع عليها. التقريب (٦٠٠) التهذيب (٥/ ١٧٩)]، فرواه عن ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن اللجلاج - وكان رضىً -، عن عبد الله بن سعيد المخزومي، عن مغيرة بن أبي بردة الكناني، عن أبي هريرة، قال: سمعت النبي - ﷺ - . . . الحديث، كذا قال: اللجلاج.
[ ١ / ٣٤٤ ]
أخرجه البخاري في التاريخ (٣/ ٤٧٩)، ومن طريقه: البيهقي في المعرفة (١/ ١٣٥/ ٨).
ج - خالفهما: سلمة بن الفضل الأبرش [صدوق كثير الأخطأ، من أثبت الناس في ابن إسحاق. التقريب (٤٠١)، التهذيب (٣/ ٤٣٩)]، فرواه عن ابن إسحاق، عن يزيد، عن اللجلاج، عن سلمة بن سعيد، عن المغيرة بن أبي بردة حليف بني عبد الدار، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -.
أخرجه البخاري في التاريخ. ومن طريقه: البيهقي في المعرفة.
قال في المعرفة: "قال البخاري: وحديث مالك أصح، واللجلاج خطأ"، وليست في المطبوع من التاريخ.
وفي هذا إشارة إلى أن محمد بن إسحاق لم يضبط إسناد هذا الحديث عن يزيد، وقد اضطرب فيه، فمرة يقول: "عبد الله بن سعيد المخزومي"، ومرة يقول: "سلمة بن سعيد"، ومرة يقول: "عن الجلاح"، وأخرى يقول: "عن اللجلاج".
والليث بن سعد أثبت من مائة مثل ابن إسحاق، وإسناد الليث هو المحفوظ، وقد تابعه عليه: ابن لهيعة عن يزيد، وتابع يزيد بن أبي حبيب: عمرو بن الحارث فرواه عن الجلاح مثله، وقد تقدم، وهؤلاء مصريون، وابن إسحاق: مدني.
قال البيهقي في المعرفة (١/ ١٣٥): "الليث بن سعد أحفظ من محمد بن إسحاق، وقد أقام إسناده عن يزيد بن أبي حبيب، وتابعه على ذلك: عمرو بن الحارث عن اللجلاج [كذا، والصواب عن الجلاح]، فهو أولى أن يكون صحيحًا".
فظهر بذلك أن عمرو بن الحارث ويزيد بن أبي حبيب قد رويا هذا الحديث: عن الجلاح، عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة به مرفوعًا.
فزالت بذلك دعوى الاختلاف في اسم سعيد بن سلمة، وإنما الَّذي اضطرب في اسمه هو ابن إسحاق، وقد حفظه غيره.
وزالت أيضًا: دعوى جهالة سعيد بن سلمة بن الأزرق المخزومي؛ فقد روى عنه ثقتان: صفوان بن سليم المدني، والجلاح أبو كثير المصري، وقال النسائي: "ثقة"، وحسبك به في الجرح والتعديل، وذكره ابن حبان في الثقات، وصحح له هذا الحديث جماعة من كبار الأئمة في مقدمتهم: البخاري والترمذي وابن خزيمة وغيرهم، وأدخله مالك في موطئه، فماذا بعدُ؟! [وانظر في هذا المعنى: حديث أبي قتادة في سؤر الهرة المتقدم برقم (٧٥)].
• ولم ينفرد سعيد بن سلمة به عن المغيرة، فقد رواه أيضًا: يزيد بن محمد القرشي ويحيى بن سعيد الأنصاري.
١ - أما رواية يزيد بن محمد القرشي:
فأخرجها الحاكم (١/ ١٤٢)، والبيهقي في السنن (١/ ٤)، وفي المعرفة (١/ ١٣٥/ ٩).
من طريق عبيد بن عبد الواحد بن شريك، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: حدثني
[ ١ / ٣٤٥ ]
يحيى بن أيوب، قال: حدثني خالد بن يزيد، أن يزيد بن محمد القرشي حدثه، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة، قال: أتى نفر من بني فراس إلى رسول الله - ﷺ - فقالوا: نصير في البحر فنتزود معنا من الماء العذب، فربما تخوَّفنا العطش، فهل يصلح أن نتوضأ من ماء البحر [من البحر المالح]؟ كما فقال: "نعم، توضؤوا منه، وحل ميت ما طرح".
وهذا إسناد حسن، ما بين عبيد وأبي هريرة كلهم مصريون، أما عبيد بن عبد الواحد فهو: بغدادي صدوق، حدث عن جماعة من أهل مصر [تاريخ بغداد (١١/ ٩٩)، سؤالات الحاكم (١٥٤)، الثقات (٨/ ٤٣٤)، سير أعلام البلاء (١٣/ ٣٨٥)، اللسان (٤/ ١٤٠)].
وابن أبي مريم: هو سعيد بن الحكم: مصري، ثقة ثبت، ويحيى بن أيوب هو الغافقي المصري: صدوق ربما أخطأ، وخالد بن يزيد: هو الجمحي السكسكي المصري: ثقة فقيه، ويزيد بن محمد: هو ابن قيس بن مخرمة القرشي المطلبي البصري، مدني الأصل، نزيل مصر: ثقة، والمغيرة يأتي الكلام عليه بعدُ.
٢ - وأما رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، فقد اختلف عليه فيه اختلافًا شديدًا، والاضطراب فيه منه؛ كما قال الحافظ ابن حجر في التلخيص (١/ ٩).
قال البيهقي في المعرفة (١/ ١٣٧): "هذا الاختلاف يدل على أنَّه لم يحفظه كما ينبغي".
أخرج روايته هذه: البخاري في التاريخ (٥/ ٢٠٥)، والحاكم (١/ ١٤١ - ١٤٢)، وأحمد (٥/ ٣٦٥)، وعبد الرزاق (١/ ٩٤/ ٣٢١)، وابن أبي شيبة (١/ ١٢١/ ١٣٧٨)، وأبو عبيد في الطهور (٢٢٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥/ ٢٩١ / ٢٨١٨)، والطحاوي في المشكل (٦/ ٤٠١ - ٤٠٢/ ٤٤٧٠ و٤٤٧١ - ترتيبه)، وفي أحكام القرآن (٦١)، والدارقطني في العلل (٩/ ١٣)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦/ ٣١٤٥/ ٧٢٤٠)، والبيهقي في المعرفة (١/ ١٣٦ و١٣٧/ ١٠ - ١٨)، وابن عبد البر في التمهيد (٩٦/ ٢١١).
وانظر وجوه الاختلاف على يحيى بن سعيد: مشكل الآثار، وعلل الدارقطني، والمعرفة للبيهقي. البدر المنير (١/ ٣٦٠).
• قال الحافظ ابن دقيق العيد في الإمام (١/ ١٠٠): "قال الحافظ أبو عبد الله بن منده: "فاتفاق صفوان والجلاح: مما يوجب شهرة سعيد بن سلمة، واتفاق يحيى بن سعيد وسعيد بن سلمة على المغيرة بن أبي بردة: مما يوجب شهرة المغيرة، فصار الإسناد مشهورًا" ثم قال: "فتلخص أن المغيرة بن أبي بردة: روى عنه ثلاثة: يحيى بن سعيد، ويزيد بن محمد، وسعيد بن سلمة، وأن سعيد بن سلمة روى عنه: صفوان بن سليم، والجلاح، وبطلت دعوى من ادعى انفراد سعيد عن المغيرة، وانفراد صفوان عن سعيد".
وانظر: شرح الإلمام لابن دقيق العيد (١/ ١٧٨)، البدر المنير (١/ ٣٥٣).
• وبذلك تزول دعوى الجهالة عن المغيرة بن أبي بردة، فقد روى عنه ثلاثة من الثقات: يحيى بن سعيد الأنصاري [إلا أنَّه اضطرب فيه، ولم يقم إسناده]، ويزيد بن محمد
[ ١ / ٣٤٦ ]
القرشي، وسعيد بن سلمة، وقد روى عنه غيرهم غير هذا الحديث، وقال أبو داود: "معروف"، وقال النسائي: "ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات، ولي غزو البحر لسليمان بن عبد الملك، وكان وجهًا من وجوه التابعين بأفريقية [التهذيب (٨/ ٢٩٦)].
قال الحاكم في المستدرك (١/ ١٤٢): " أن هذه المتابعات والشواهد لهذا الأصل الَّذي صدر به مالك كتابه الموطأ، وتداوله فقهاء الإسلام - ﵃ -، من عصره إلى وقتنا هذا، وأن مثل هذا الحديث لا يعلل بجهالة سعيد بن سلمة والمغيرة بن أبي بردة، على أن اسم الجهالة مرفوع عنهما بهذه المتابعات".
• وتزول أيضًا: دعوى الاضطراب والإرسال، فإنما وقع هذا من يحيى بن سعيد الأنصاري نفسه، وقد حفظه غيره وأقام إسناده.
• وبهذا بظهر بوضوح: أن هذا الحديث: حديث صحيح، كما قال البخاري والترمذي وغيرهما، وأفضل من حفظه وأقام إسناده هو الإمام مالك رحمه الله تعالى.
قال البخاري: "وحديث مالك أصح".
وقال الدارقطني: "وأشبهها بالصواب: قول مالك ومن تابعه عن صفوان بن سليم" [العلل (٩/ ١٣)].
وقال العقيلي بعد أن ساق بعض الاختلاف فيه على الأوزاعي، مما لا يصح عنه، وختمه بطريق مالك فقال: "وهو الصواب" [ضعفاء العقيلي (٢/ ١٣٢)].
وقال البيهقي في المعرفة (١/ ١٣٧ - ١٣٨): "وقد أقام إسناده: مالك بن أَنس عن صفوان بن سليم، وتابعه على ذلك: الليث بن سعد عن يزيد عن الجلاح أبي كثير، ثم عمرو بن الحارث عن الجلاح: كلاهما عن سعيد بن سلمة عن المغيرة بن أبي بردة، ثم يزيد بن محمد القرشي عن المغيرة بن أبي بردة عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، فصار الحديث بذلك صحيحًا، كما قال البخاري في رواية أبي عيسى عنه، والله أعلم".
• ولحديث أبي هريرة هذا أسانيد أخرى، لا يصح منها شيء، إنما هي أباطيل؛ تفرد بها المجاهيل عن المشاهير، أو لا تصح إلى رواتها عن المذكورين [انظر مثلًا: أحكام القرآن للطحاوي (٦٢)، ضعفاء العقيلي (٢/ ١٣٢)، المجروحين (٢/ ٣٩ - ٤٠ و٢٩٩)، الكامل (٦/ ١٥٣)، علل الدارقطني (٩/ ٧/ ١٦١٤)، المستدرك (١/ ١٤٢)].
• ورُوي هذا الحديث أيضًا: عن أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، والعركي، والفراسي، وغيرهم، ولا يصح منها شيء [انظر: المستدرك. شرح مشكل الآثار. أحكام القرآن (٦٥)، سنن الدارقطني (١/ ٣٥)، علل الدارقطني (٩/ ١٢)، معرفة الصحابة لأبي نعيم (٤/ ١٩١٣/ ٤٨٠٨)، سنن البيهقي (١/ ٤)، غوامض الأسماء المبهمة (٢/ ٥٥٦)، كان الوهم (٢/ ٤٤٠/ ٤٤٥)، الإمام (١/ ١٠٩)، البدر المنير (١/ ٣٦٣ - ٣٧٤)].
[ ١ / ٣٤٧ ]
• وأحسن ما روي فيه غير ما تقدم عن أبي هريرة:
حديث جابر، وله إسنادان:
• الأول: يرويه أبو القاسم بن أبي الزناد: أخبرني إسحاق بن حازم، عن ابن مقسم -يعني: عبيد الله بن مقسم-، عن جابر بن عبد الله، عن النبي - ﷺ - قال في البحر: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته".
أخرجه ابن ماجة (٣٨٨)، وأبو الحسن القطان في زوائده عليه (٣٨٨ م)، وابن خزيمة (١/ ٥٩/ ١١٢)، وابن حبان في صحيحه (٤/ ٥١ / ١٢٤٤)، وفي المجروحين (٢/ ١٣٩ و٣٠٣)، وابن الجارود (٨٧٩)، وأحمد (٣/ ٣٧٣)، وابنه عبد الله في العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٤١)، والدارقطني (١/ ٣٤)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٢٩)، والبيهقي (١/ ٢٥٣) و(٩/ ٢٥٢)، والخطيب في التاريخ (١٤/ ٣٩٨)، وفي المتفق والمفترق (٣/ ١٤٢٩/ ٨١٢)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٣١)، والمزي في التهذيب (٣٤/ ١٩٢).
وهذا إسناد مدني صحيح، رجاله ثقات إلا أنَّه فرد غريب.
وقد سأل الترمذي الإمام البخاري عن هذا الحديث فقال: "لا أعرفه إلا من حديث أبي القاسم بن أبي الزناد"، فقال الترمذي: "رواه غير أحمد بن حنبل؟ " قال: "نعم" [العلل الكبير (٣٥)].
• وقد أخطأ فيه خطأ فاحشًا، ووهم فيه وهمًا قبيحًا:
عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، المعروف بابن أبي ثابت [وهو: متروك، منكر الحديث. التقريب (٦١٥)، التهذيب (٥/ ٢٥٢)]، فرواه عن إسحاق بن حازم الزيات مولى آل نوفل، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله، عن أبي بكر الصديق - ﵃ -، أن رسول الله - ﷺ - سئل عن ماء البحر؟ فقال: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته".
أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٣٩)، والدارقطني في السنن (١/ ٣٤).
قال ابن حبان: "وهو خطأ فاحش: إنما هو عن إسحاق بن حازم، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر، عن النبي - ﷺ -" ثم أسنده ثم قال: "والخبر عن أبي بكر الصديق مشهور قوله غير مرفوع من حديث عمرو بن دينار عن أبي الطفيل عن أبي بكر الصديق".
وقال الدارقطني في العلل (١/ ٢٢٠/ ٦): "هو حديث تفرد به عبد العزيز بن أبي ثابت الزهري، وهو عبد العزيز بن عمران بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف: مديني ضعيف الحديث، رواه عن إسحاق بن حازم الزيات، عن وهب بن كيسان، عن جابر، عن أبي بكر الصديق، عن النبي - ﷺ -، وإسحاق بن حازم هذا: شيخ مديني ليس بالقوي، وقد اختلف عنه في إسناد هذا الحديث ، وقد رُوي هذا الحديث عن أبي بكر الصديق موقوفًا من قوله غير مرفوع إلى النبي - ﷺ - من رواية صحيحة عنه، حدث به عبيد الله بن عمر عن عمرو بن دينار عن أبي الطفيل عن أبي بكر قوله".
[ ١ / ٣٤٨ ]
وحديث أبي بكر الموقوف: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٢١ / ١٣٧٩)، والدارقطني في السنن (١/ ٣٥)، وفي العلل (١/ ٢٤٠/ ٤١)، وقال بعد أن ذكر الاختلاف في رفعه ووقفه: "والموقوف أصح"، وكذا قال في الموضع الأول (١/ ٢٢٠/ ٦).
وانظر فيمن وهم على عبيد الله بن عمر العمري في رفعه: المجروحين (١/ ٣٥٥).
• الإسناد الثاني: يرويه المعافى بن عمران، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي - ﷺ - في البحر: "هو الطهور ماؤه، الحلال ميتته".
أخرجه الحاكم (١/ ١٤٣)، والدارقطني (١/ ٣٤)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٨٦/ ١٧٥٩).
قال أبو علي بن السكن: "حديث جابر أصح ما رُوي في هذا الباب".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (١/ ٣٦٣): "وهذا سند على شرط الصحيح، إلا أنَّه يخشى أن يكون ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير فإنه مدلس، وأبو الزبير مدلس أيضًا، وقد عنعنا في هذا الحديث".
وقال ابن حجر في التلخيص (١/ ١١): "وإسناده حسن، ليس فيه إلا ما يخشى من التدليس".
قلت: هو سند صحيح، ليس فيه إلا ما يخشى من تدليس ابن جريج فإنه قبيح التدليس، وأما أبو الزبير: فما لم يسمعه من جابر فإنما هو من كتاب سليمان بن قيس اليشكري من كبار أصحاب جابر الثقات، وجادةً، وهي وجادة صحيحة احتج بها مسلم.
ولم يظهر لنا من طرق الحديث أن ابن جريج دلسه، أو رواه بصيغة دالة على وقوع التدليس وعدم السماع، مثل: قال وذكر وأُخبِرت ونحو ذلك، وابن جريج مشهور بالرواية عن أبي الزبير، وقد سمع منه، واحتج مسلم بروايته عنه؛ فالأصل صحة هذا الإسناد حتَّى تظهر له علة، والله أعلم.
ولم ينفرد به ابن جريج: فقد رواه سهل بن تمام: نا مبارك بن فضالة، عن أبي الزبير، عن جابر - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن البحر حلال ميتته، طهور ماؤه".
أخرجه الدارقطني (١/ ٣٤).
وهذا إسناد ضعيف؛ سهل: صدوق يخطئ، ومبارك: صدوق يدلس ويسوى، إلا أنَّه يصلح في الشواهد والمتابعات.
• وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام، تلقته الأمة بالقبول، وتداوله فقهاء الأمصار في سائر الأعصار في جميع الأقطار، ورواه الأئمة الكبار [شرح الزرقاني (١/ ٨١)]، يحمل من معاني العلم الكثير، فمنها:
١ - أن البحر طهور ماؤه، وأن الوضوء به جائز من غير ضرورة، كما جاء في جواب السائل، لذلك فإن النبي - ﷺ - لم يجب السائل بقوله: نعم، مقتصرًا عليها، وإلا لزم منه أن يختص الحكم بحال السائل، فلما قال: "الطهور ماؤه" دل على عموم طهوريته مطلقًا،
[ ١ / ٣٤٩ ]
وعدم اختصاص الجواب بحال السائل، وأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] [الشافي في شرح مسند الشافعي (١/ ٦٦٤)، شرح الإلمام (١/ ٢٣٨)، مجموع الفتاوى (١٤/ ٨٩)، بدائع الفوائد (٢/ ٢٨٢)]، وكذلك حكم ما كان داخلًا في معنى ماء البحر [انظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٦)].
٢ - فيه إباحة ركوب البحر سواء لطلب الرزق أو للحج أو للجهاد إلا إذا خيف منه العطب والهلاك فحينئذ لا يجوز.
وهذه الإباحة مستفادة أيضًا مما ذكره الله تعالى في معرض الامتنان في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢]، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾ [لقمان: ٣١]، وغيرها مما في معناها كثير [انظر: شرح الإلمام (١/ ١٩٨)].
٣ - أن المسافر إذا لم يكن معه من الماء إلا ما يكفيه لشربه وحاجته فإنه جائز له التيمم [التمهيد (٦/ ١٠٩)].
٤ - قوله - ﷺ -: "الحل ميتته": يدل على أنة يؤكل ما في البحر من السمك والدواب وسائر ما فيه من الحيوان، سواء اصطيد أو وجد ميتًا طافيًا أو غير طاف، من غير سبب ضار كالسموم وغيرها، ولا يحتاج شيء من ذلك إلى ذكاة، وهو ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]، فطعام البحر: ميتته وما ألقاه وقذفه، على ما فسره به جماعة من الصحابة، منهم: أبو بكر الصديق؛ فقد صح عنه أنَّه قال: "إن السمكة الطافية حلال لمن أراد أكلها" [مصنف عبد الرزاق (٤/ ٥٥٣/ ٨٦٥٤)، مصنف ابن أبي شيبة (٤/ ٢٤٨/ ١٩٧٥٦)، غريب الحديث للحربي (٢/ ٥٦٩)، مشكل الآثار (٦/ ٤٠٧/ ٤٤٧٨ - ترتيبه)، سنن الدارقطني (٤/ ٢٦٩)، معرفة علوم الحديث (٣٣)، سنن البيهقي (٩/ ٢٥٣)، التغليق (٤/ ٥٠٦)، وصحح إسناده النووي في المجموع (٩/ ٣١)]، وسيأتي لذلك مزيد كان عند الحديث رقم (٣٨١٥)، إن شاء الله تعالى.
وانظر: مشكل الآثار. التمهيد (١٦/ ٢٢٣) و(٢٣/ ١٣)، شرح البخاري لابن بطال (٥/ ٤٠١)، أضواء البيان (١/ ٧٥)، وغيرها.
٥ - في هذا الحديث جواب الحكيم، وهو الزيادة في الجواب عما لم يأت في سؤال السائل مما له تعلق به وهو بحاجة إليه، قال الخطابي: "وفيه أن العالم والمفتي إذا سئل عن شيء وهو يعلم أن بالسائل حاجة إلى معرفة ما وراءه من الأمور التي يتضمنها مسألته أو تتصل بمسألته كان مستحبًا له تعليمه إياه والزيادة في الجواب عن مسألته، ولم يكن ذلك عدوانًا في القول ولا تكلفًا لما لا يعني من الكلام، ألا تراهم سألوه عن ماء البحر حسب فأجابهم عن مائه وعن طعامه لعلمه بأنه قد يعوزهم الزاد في البحر كما يعوزهم الماء العذب فلما جمعتهم الحاجة منهم انتظمها الجواب منه لهم، وأيضًا فإن علم طهارة الماء مستفيض عند الخاصة والعامة، وعلم ميتة البحر وكونها حلالًا مشكل في
[ ١ / ٣٥٠ ]
الأصل، فلما رأى السائل جاهلًا بأظهر الأمرين غير مستبين للحكم فيه علم أن أخفاهما أولاهما بالبيان " إلى آخر ما قال [معالم السنن (١/ ٣٨)].
وقال ابن العربي: "وذلك من محاسن الفتوى بأن يأتي بأكثر مما يسأل عنه تتميمًا للفائدة، وإفادة لعلم آخر غير المسؤول عنه، ويتأكد ذلك عند ظهور الحاجة إلى الحكم كما هنا؛ لأن من توقف في طهورية ماء البحر فهو عن العلم بحل ميتته -مع تقدم تحريم الميتة- أشد توقفًا" [عارضة الأحوذي (١/ ٨٩)، [وانظر: الشافي في شرح مسند الشافعي (١/ ٦٦٤)، شرح مسلم للنووي (١٣/ ١٦٩)، البدر المنير (١/ ٣٧٩)، الفيض (٣/ ٢١٦)، تحفة الأحوذي (١/ ١٨٩)، وغيرها].
• ونختم بما بدأنا به: فقد قال الشافعي في هذا الحديث: "هذا الحديث نصف علم الطهارة"؛ لأن العالم: بر وبحر، وهذا لخص ما يختص بالبحر.
وقال ابن الملقن: "إنه حديث عظيم، أصل من أصول الطهارة، مشتمل على أحكام كثيرة وقواعد مهمة" [عون المعبود (١/ ١٠٧)].
وقد شرح ابن دقيق العيد هذا الحديث في "شرح الإلمام" وقسم الكلام عليه في إحدى وخمسين مسألة، وأطال فيه النفس جدًّا، فليراجع ففيه نفائس (١/ ٧٦ - ٣٣٧).
***