٨٤ - . . . عن أبي فزارة، عن أبي زيد، عن عبد الله بن مسعود، أن النبي - ﷺ - قال له ليلة الجن: "ما في إداوتك؟ " قال: نبيذ، قال: "تمرة طيبة، وماء طهور".
• ضعيف بإجماع المحدثين
تقدم تخريجه والكلام عليه ونقل كلام الأئمة فيه تحت الحديث المتقدم برقم (٣٩).
ومما لم ينقل هناك بتمامه قول ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٤٤ - ٤٥/ ٩٩): "سألت أبي وأبا زرعة عن حديث ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ؟ فقالوا: هذا حديث ليس بقوي؛ لأنه لم يروه غير أبي فزارة عن أبي زيد، وحماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن ابن مسعود، وعلي بن زيد: ليس بقوي، وأبو زيد: شيخ مجهول، لا يعرف، وعلقمة يقول: لم يكن عبد الله مع النبي - ﷺ - ليلة الجن فوددت أنه كان معه.
قلت لهما: فإن معاوية بن سلام يحدث عن أخيه عن جده عن ابن غيلان عن ابن مسعود؟ قالا: وهذا أيضًا ليس بشيء، ابن غيلان: مجهول، ولا يصح في هذا الباب شيء".
وقال البيهقي في المعرفة (١/ ١٤٠ - ١٤١): "وأما حديث ابن مسعود أنه كان مع
[ ١ / ٣٥١ ]
النبي - ﷺ - ليلة الجن، وأنه خط حوله خطًّا، وقال: "لا تخرجن منه"، وأنه لما رجع قال: "هل معك من وضوء؟ " قال: لا، معي إداوة فيها نبيذ، فقال: "تمرة طيبة، وماؤه طهور"، وتوضأ به: فقد روى من أوجه كلها ضعيف.
وأشهرها رواية أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود، وقد ضعفها أهل العلم بالحديث".
• ولهذا الحديث أسانيد أخرى، منها ما رواه:
١ - الحسين بن عبيد الله العجلي: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: سمعت ابن مسعود يقول: كنت مع النبي - ﷺ - ليلة الجن، فأتاهم فقرأ عليهم القرآن، فقال لي رسول الله - ﷺ - في بعض الليل: "أمعك ماء يا بن مسعود؟ " قلت: لا والله يا رسول الله! إلا إداوة فيها نبيذ، فقال رسول الله - ﷺ -: "تمرة طيبة، وماء طهورًا، فتوضأ به رسول الله - ﷺ -.
أخرجه الدارقطني (١/ ٧٧)، والبيهقي في الخلافيات (١/ ١٧٢/ ٣١)، والخطيب في التاريخ (٨/ ٥٦)، وابن الجوزي في التحقيق (٣٤)، وفي العلل المتناهية (١/ ٣٥٦/ ٥٨٩)، وعلقه الجوزقاني في الأباطيل (٣٠٩).
قال الدارقطني في السنن: "الحسين بن عبيد الله هذا: يضع الحديث على الثقات".
وقال في العلل (٥/ ٣٤٦/ ٩٤٠): "والراوي له متروك الحديث، وهو الحسين بن عبيد الله العجلي عن أبي معاوية: كان يضع الأحاديث على الثقات، وهذا كذب على أبي معاوية، وعلى الأعمش". ونقل الجوزقاني وابن الجوزي بعض كلام الدارقطني.
قلت: وهو كما قال، موضوع على أبي معاوية [والعجلي هذا اتهمه بالوضع أيضًا: ابن عدي وغيره. اللسان (٣/ ١٨٤)]، والمعروف عن الأعمش خلافه:
فقد روى شعبة وغيره، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: سألت علقمة: أكان عبد الله مع رسول الله - ﷺ - ليلة الجن؟ فقال: وددت أن صاحبنا كان ذاك.
أخرجه الشاشي (٣٣٢)، والخطيب في الموضح (١/ ٤٩٠).
٢ - حماد بن سلمة، قال: أخبرني علي بن زيد بن جُدعان، عن أبي رافع مولى عمر - ﵁ -، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، أنه كان مع رسول الله - ﷺ - ليلة الجن، وأن رسول الله - ﷺ - احتاج إلى ماء يتوضأ به، ولم يكن معه إلا النبيذ، فقال رسول الله - ﷺ -: "تمرة طيبة، وماء طهور"، فتوضأ به رسول الله - ﷺ -.
أخرجه أحمد (١/ ٤٥٥)، وأبو يعلى في المعجم (٢٧)، والطحاوي (١/ ٩٥)، والدارقطني (١/ ٧٧)، وابن شاهين في الناسخ (٩٥)، والبيهقي في الخلافيات (١/ ١٦٨/ ٢٩)، والجوزقاني في الأباطيل والمناكير (١/ ٤٩٨/ ٣٠٨)، وابن الجوزي في التحقيق (٣٣)، وفي العلل المتناهية (١/ ٥٨٨/٣٥٦).
قال الدارقطني في السنن: "لا يثبت من وجهين، ونكتة ذكرتها فيه"، ثم بيَّنها فقال:
[ ١ / ٣٥٢ ]
"علي بن زيد: ضعيف، وأبو رافع: لم يثبت سماعه من ابن مسعود، وليس هذا الحديث في مصنفات حماد بن سلمة".
وقال في العلل (٥/ ٣٤٦ / ٩٤٠): "ولا يثبت هذا الحديث؛ لأنه ليس في كتب حماد بن سلمة المصنفات، وعلي بن زيد: ضعيف، وأبو رافع: لا يثبت سماعه من ابن مسعود".
وقال الحاكم أبو عبد الله: "هذا حديث تفرد به أبو سعيد مولى بني هاشم عن حماد بن سلمة، وعلي بن زيد بن جدعان علة الطريق، وهو ممن أجمع الحفاظ على تركه" [الخلافيات للبيهقي (١/ ١٧٠)].
قلت: لم ينفرد به أبو سعيد، بل تابعه عليه: عبد العزيز بن أبي رزمة، وأبو عمر حفص بن عمر الحوضي [وهم ثقات].
وقال الجوزقاني: "هذا حديث باطل، مخالف للكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس، لم يروه عن أبي رافع إلا علي بن زيد، قال يحيى بن سعيد: وهو متروك الحديث، وقال أبو حاتم الرازي: هو منكر الحديث، وأبو رافع هذا لم يثبت سماعه من ابن مسعود، وليس هذا الحديث في مصنفات حماد بن سلمة".
٣ - محمد بن عيسى بن حيان: ثنا الحسن بن قتيبة: نا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة وأبي الأحوص، عن ابن مسعود، قال: مرَّ بي رسول الله - ﷺ - فقال: "خذ معك إداوة من ماء"، ثم انطلق وأنا معه، فذكر حديثه ليلة الجن، فلما أفرغت عليه من الإداوة، فإذا هو نبيذ، فقلت: يا رسول الله! أخطأت بالنبيذ، فقال: "تمرة حلوة، وماء عذب".
أخرجه الدارقطني (١/ ٧٨)، والبيهقي في الخلافيات (١/ ١٧١/ ٣٠)، والخطيب في التاريخ (٢/ ٣٩٨)، وابن الجوزي في التحقيق (٣٥)، وفي العلل المتناهية (١/ ٣٥٦/ ٥٩٠)، وعلقه الجوزقاني في الأباطيل والمناكير (١/ ٥٠٠/ ٣١٠).
قال الدارقطني في السنن: "تفرد به الحسن بن قتيبة عن يونس عن أبي إسحاق، والحسن بن قتيبة ومحمد بن عيسى: ضعيفان"، وفي الميزان (١/ ٥١٨): "لا يصح هذا" وأورد هذا الحديث في مناكير الحسن بن قتيبة، وقال الدارقطني في العلل (٥/ ٣٤٧/ ٩٤٠): "والحسن بن قتيبة: متروك الحديث، والراوي له عنه ابن حيان المدائني، وهو: ضعيف، والله أعلم".
وقال الحاكم أبو عبد الله: "هذا حديث لم نكتبه من حديث أبي إسحاق السبيعي إلا بهذا الإسناد، والحمل فيه على محمد بن عيسى المدائني؛ فإنه تفرد به عن الحسن، ومحمد بن عيسى: واهي الحديث بمرة، وهذا لو كان عند أبي إسحاق عن أبي الأحوص وأبي عبيدة، لما احتج فقهاء الإسلام منذ ثلاث مائة وستة وثمانين سنة بأبي فزارة عن أبي زيد، وهذا باطل بمرة" [الخلافيات (١/ ١٧٢)].
[ ١ / ٣٥٣ ]
وقال الخطيب: "تفرد برواية هذا الحديث: الحسن بن قتيبة المدائني عن يونس بن أبي إسحاق، ولم نكتبه إلا من حديث ابن حيان عنه".
وقال الجوزقاني: "محمد بن عيسى والحسن بن قتيبة: ضعيفان".
قلت: فهذا حديث باطل، كما قال الحاكم؛ لتفرد المدائني هذا به عن ثقات أهل الكوفة، والحسن بن قتيبة الخزاعي المدائني: متروك الحديث [اللسان (٣/ ١٠٦)]، ومحمد بن عيسى بن حيان المدائني: ضعيف، كان مغفلًا، لم يكن يدري ما الحديث، حدث عن مشايخه بما لا يتابع عليه، وقال الدارقطني والحاكم: "متروك"، ومشاه بعضهم [اللسان (٧/ ٤٢٨)].
وهذا خلاف الثابت عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود:
فقد روى شعبة عن عمرو بن مرة قال: قلت لأبي عبيدة: حضر عبد الله بن مسعود ليلة الجن؟ قال: لا.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٠١)، وفي الأوسط (١/ ٣٤٢)، وأحمد في العلل (١/ ٢٨٤/ ٤٥٦) و(٢/ ١١٥/ ١٧٤٥)، وابن أبي شيبة (٧/ ٢٦/ ٣٣٩٤٦)، ويعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٢١) و(٣/ ٢٤١)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (١٠٦)، والطحاوي (١/ ٩٥)، والشاشي في مسنده (٢/ ٣٣٠/ ٩٢٠)، وابن المظفر في حديث شعبة (١٩٢)، والدارقطني (١/ ٧٧)، وابن شاهين في الناسخ (٩٩)، والخليلي في الإرشاد (٢/ ٥٥٩/ ١٦٩)، والبيهقي (١/ ١١).
٤ - الوليد [هو: ابن مسلم]، قال: نا معاوية بن سلام، عن أخيه زيد، عن جده أبي سلام، عن فلان بن غيلان الثقفي، أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: دعاني رسول الله - ﷺ - ليلة الجن بوَضوء، فجئته بإداوة، فإذا فيها نبيذ، فتوضأ رسول الله - ﷺ -.
أخرجه الدارقطني (١/ ٧٨)، والبيهقي في الخلافيات (١/ ١٧٦/ ٣٤)، وابن الجوزي في التحقيق (٣٦)، وعلقه الجوزقاني في الأباطيل (٣١١).
قال الدارقطني: "الرجل الثقفي الذي رواه عن ابن مسعود: مجهول، قيل: اسمه عمرو، وقيل: عبد الله بن عمرو بن غيلان"، ونقله الجوزقاني.
وقال أبو حاتم وأبو زرعة: "وهذا أيضًا ليس بشيء، ابن غيلان: مجهول، ولا يصح في هذا الباب شيء" [العلل (١/ ٤٥)] [وانظر: الجرح والتعديل (٩/ ٣٢٥)].
٥ - ابن لهيعة: ثنا قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن عبد الله بن عباس، عن ابن مسعود: أنه خرج مع النبي - ﷺ - ليلة الجن، فقال له رسول الله - ﷺ -: "أمعك ماء يا ابن مسعود؟ " فقال: معي نبيذ في إداوة، فقال رسول الله - ﷺ -: "صُبَّ عليَّ منه"، فتوضأ وقال: "هو شراب وطهور". وفي رواية: "تمرة طيبة وماء طهور".
أخرجه ابن ماجه (٣٨٥)، وأحمد (١/ ٣٩٨)، والبزار (٤/ ٢٦٨/ ١٤٣٧)، والطحاوي (١/ ٩٤ - ٩٥)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٦٣/ ٩٩٦١)، والدارقطني (١/ ٧٦)، والبيهقى في الخلافيات (١/ ٣٣/١٧٤)، وابن الجوزي في التحقيق (٣٢).
[ ١ / ٣٥٤ ]
قال البزار: "وهذا الحديث لا يثبت لابن لهيعة؛ لأن ابن لهيعة كانت قد احترقت كتبه فكان يقرأ من كتب غيره، فصار في أحاديثه أحاديث مناكير، وهذا منها، ولا نعلم روى ابن عباس عن عبد الله بن مسعود إلا هذين الحديثين".
وقال ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٩٢): "وهو غير محفوظ أيضًا".
وقال الدارقطني في السنن: "ابن لهيعة: لا يحتج بحديثه، وقيل: إن ابن مسعود لم يشهد مع النبي - ﷺ - ليلة الجن، كذلك رواه: علقمة بن قيس، وأبو عبيدة بن عبد الله، وغيرهما عنه، أنه قال: "ما شهدت ليلة الجن""، ثم قال بعد أن أسنده من وجه آخر عن ابن لهيعة: "تفرد به ابن لهيعة، وهو ضعيف الحديث".
وقال في العلل (٥/ ٣٤٧/ ٩٤٠): "ولا يثبت، وابن لهيعة: لا يحتج به".
قلت: واضطرب فيه أيضًا ابن لهيعة، فرواه مرة من مسند ابن مسعود، ومرة من مسند ابن عباس.
وختم الدارقطني كلامه في العلل (٥/ ٣٤٧) على هذه الطرق بقوله: "والصحيح: ما رُوي عن ابن مسعود أنه لم يشهد مع النبي - ﷺ - ليلة الجن، والله أعلم".
وقال البيهقي في الخلافيات (١/ ١٧٧): "ومما يدل على بطلان جميع ما روي من ذلك عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -: إقراره بأنه لم يكن ليلة الجن مع رسول الله - ﷺ -"، وتقدم نقل بقية كلامه تحت الحديث المتقدم برقم (٣٩).
وقال أبو حاتم وأبو زرعة: "ولا يصح في هذا الباب شيء" [العلل (١/ ٤٥)].
وقال ابن القيم: "لا يثبت" [إعلام الموقعين (٢/ ٣١٢)].
• ومن شواهده:
١ - حديث ابن عباس، وله طريقان:
أ- يرويه المسيب بن واضح: نا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء".
أخرجه ابن عدي في الكامل (٧/ ١٧٠)، والدارقطني (١/ ٧٥)، والبيهقي في السنن (١/ ١١ و١٢)، وفي الخلافيات (١/ ١٨٣ و١٨٤/ ٣٩ و٤٠)، والجوزقاني في الأباطيل (١/ ٥٠٦/ ٣١٥)، وابن الجوزي في التحقيق (٣٧)، وفي العلل المتناهية (١/ ٣٥٧/ ٥٩١).
وقد اختلف على المسبب في رفعه ووقفه.
قال ابن عدي: "وهذا رفعه يوسف بن بحر عن مسيب، [ثم قال ابن عدي:] ثنا محمد بن تمام: ثنا المسيب بن واضح: ثنا مبشر بإسناده مثله، موقوف".
قلت: يوسف بن بحر الشامي الساحلي: ضعيف [اللسان (٨/ ٥٤٩)]، ولم ينفرد برفعه عن المسيب، بل الوهم فيه والاضطراب من المسيب نفسه، والله أعلم.
وقال الدارقطني: "ووهم فيه المسيب بن واضح في موضعين: في ذكر ابن عباس،
[ ١ / ٣٥٥ ]
وفي ذكر النبي - ﷺ -، وقد اختلف فيه على المسيب"، ثم أسنده من وجه آخر عن المسيب به موقوفًا غير مرفوع إلى النبي - ﷺ -، ثم قال: "والمحفوظ: أنه من قول عكرمة، غير مرفوع إلى النبي - ﷺ -، ولا إلى ابن عباس، والمسيب: ضعيف".
وقال البيهقي في الخلافيات: "حديث واهٍ".
وقال في السنن: "فهذا حديث مختلف فيه على المسيب بن واضح، وهو واهم فيه في موضعين: في ذكر ابن عباس، وفي ذكر النبي - ﷺ -، والمحفوظ: أنه من قول عكرمة غير مرفوع، كذا رواه هقل بن زياد والوليد بن مسلم عن الأوزاعي، وكذلك رواه شيبان النحوي وعلي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة، وكان المسيب رحمنا الله تعالى وإياه: كثير الوهم".
وقال في المعرفة (١/ ١٤١): "وهم فيه المسيب بن واضح، وكان ضعيفًا، وكل من تابعه عليه أضعف منه، وإنما الرواية المحفوظة فيه: عن عكرمة من قوله، غير مرفوع إلى النبي - ﷺ -، ولا إلى ابن عباس. قاله أبو الحسن الدارقطني الحافظ".
وقال الجوزقاني: "هذا حديث باطل، تفرد به المسيب بن واضح عن مبشر بن إسماعيل، والمسيب: كان كثير الخطأ والوهم، وقد وهم في هذا الحديث، والمحفوظ: أنه من قول عكرمة غير مرفوع إلى النبي - ﷺ -، ولا إلى ابن عباس".
• قلت: خالف المسيب على ضعفه [اللسان (٨/ ٦٩)]، ما رواه أصحاب الأوزاعي الثقات: فقد روى الوليد بن مسلم [ثقة، من أثبت أصحاب الأوزاعي]، وهقل بن زياد [ثقة، من أصحاب الأوزاعي، وكان كاتبه]:
كلاهما عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، قال: النبيذ وضوء إذا لم يجد غيره. زاد الوليد: قال الأوزاعي: إن كان مسكرًا فلا يتوضأ به.
أخرجه أبو يعلى (٩/ ٢٧٣/ ٥٣٩٥)، والدارقطني (١/ ٧٥)، والبيهقي في الخلافيات (١/ ١٨٥/ ٤١ و٤٢)، وعلقه الجوزقاني في الأباطيل (٣١٦).
• ورواه شيبان بن عبد الرحمن النحوي [ثقة]، وعلي بن المبارك [ثقة]، كلاهما: عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، قال: الوضوء بالنبيذ إذا لم يجد الماء.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٢/ ٢٦٥)، والدارقطني (١/ ٧٥).
ثم روى الدارقطني (١/ ٧٦) بإسناد حسن إلى: عيسى بن عبيد بن مالك الكندي [لا بأس به]، قال: سمعت عكرمة، وسئل عن الرجل لا يقدر على الماء؟ قال: يتوضأ بالنبيذ.
فهدا هو المحفوظ: عن عكرمة قوله.
ب - وروى أبو عبيدة مجاعة بن الزبير، عن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا لم بجد أحدكم ماءً، ووجد النبيذ فليتوضأ به".
أخرجه الدارقطني (١/ ٧٦)، ومن طريقه: البيهقي في الخلافيات (١/ ١٨٦/ ٤٥)، وابن الجوزي في التحقيق (٣٨)، وفي العلل المتناهية (١/ ٣٥٧/ ٥٩٢)، وعلقه الجوزقاني في الأباطيل (٣١٧).
[ ١ / ٣٥٦ ]
قال الدارقطني: "أبان هو: ابن أبي عياش: متروك الحديث، ومجاعة: ضعيف، والمحفوظ: أنه رأي عكرمة غير مرفوع"، ونقله البيهقي والجوزقاني وابن الجوزي.
• وممن وهم فيه أيضًا على عكرمة فجعله من قول ابن عباس:
عبد الله بن محرر [متروك، منكر الحديث]، رواه عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء.
أخرجه الدارقطني (١/ ٧٦)، ومن طريقه: البيهقي في الخلافيات (١/ ١٨٧/ ٤٦).
قال الدارقطني: "ابن محرر: متروك الحديث".
قلت: هو منكر من حديث قتادة؛ لتفرد ابن محرر عنه به.
٢ - وروي من قول علي بن أبي طالب: أنه كان لا يرى بأسًا بالوضوء بالنبيذ.
رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (٢٦٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٢/ ٢٦٤)، وابن المنذر (١/ ٢٥٥/ ١٧٢)، والدارقطني (١/ ٧٨ - ٧٩ و٧٩)، والبيهقي في الخلافيات (١/ ١٨٩ و١٩٠/ ٤٨ - ٥١)، وابن حزم (١/ ٢٠٣).
بإسنادين ضعيفين، لا تقوم بهما حجة.
قال ابن المنذر: "وقد روينا عن علي -بإسناد لا يثبت-: أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بالنبيذ".
وضعفهما الدارقطني، والبيهقي في السنن (١/ ١٢)، وفي الخلافيات، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ٥٦)، وكان قال في أول كلامه على هذه الطرق لهذا الحديث: "ليس في هذه الأحاديث شيء يصح"، ثم نقل كلام من تقدمه على كل طريق.
وقال النووي في المجموع (١/ ١٤٣): "وأما حديث ابن عباس والآثار عنه، وعن علي وغيرهما: فكلها ضعيفة واهية".
وقال ابن حجر في الفتح (١/ ٣٥٤): "وروي عن علي وابن عباس، ولم يصح عنهما".
• ثم قال ابن الجوزي في خاتمة بحثه على هذه الأحاديث في التحقيق (١/ ٥٧): "قال هبة الله الطبري: أحاديث الوضوء بالنبيذ: وضعت على أصحاب ابن مسعود عند ظهور العصبية"، ونقله ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٦٣).
***
٨٥ - قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا وهيب، عن داود، عن عامر، عن علقمة، قال: قلت لعبد الله بن مسعود: من كان منكم مع رسول الله - ﷺ - ليلة الجن؟ فقال: ما كان معه منا أحد.
تقدم تحت الحديث السابق برقم (٣٩)، وهو حديث صحيح.
وتصرف أبي داود هذا يدل على تضعيفه لحديث النبيذ وإنكاره له، فلا يقال: سكت
[ ١ / ٣٥٧ ]
عليه أبو داود، بل أخرج بعده مباشرة ما ينافيه ويعارضه، لا سيما ما سيأتي من الآثار الدالة على ذلك، والله أعلم.
***
٨٦ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار: حدثنا عبد الرحمن: حدثنا بشر بن منصور، عن ابن جريج، عن عطاء: أنه كره الوضوء باللبن والنبيذ، وقال: إن التيمم أعجب إليَّ منه.
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في السنن (١/ ٩).
وإسناده صحيح إلى ابن جريج، وعطاء هو ابن أبي رباح.
وروى عبد الرزاق في مصنفه (١/ ١٧٩/ ٦٩٥)، عن ابن جريج، عن عطاء: أنه كان يكره أن يتوضأ باللبن.
وعلقه البخاري في الصحيح بصيغة الجزم في (٤) كتاب الوضوء، (٧١) باب: لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر، وكرهه الحسن وأبو العالية، وقال عطاء: التيمم أحب إليَّ من الوضوء بالنبيذ واللبن.
ثم أسند حديث عائشة عن النبي - ﷺ - قال: "كل شراب أسكر فهو حرام" [البخاري (٢٤٢)، مسلم (٢٠٠١)].
قال الخطابي في أعلام الحديث (١/ ٢٩٢): "واستدل به أبو عبد الله في منع جواز النبيذ في الوضوء".
وقال البيهقي في المعرفة (١/ ١٤٠): "وفيه دلالة على أن النبيذ الذي يسكر كثيره: حرام، وما كان حرامًا في نفسه لا بحرمة مالكه، لم تصح به الطهارة".
وقال في الخلافيات (١/ ١٥٦): "ويمكن أن يستدل من طريق الخبر في منع جواز استعمال النبيذ في الوضوء بحديث ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام" أخرجه مسلم في الصحيح [(٢٠٠٣)]، فثبت بهذا وقع اسم الخمر على النبيذ لكونه مسكرًا، وقد قال الله عز اسمه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]، فأمر باجتنابه، وذلك يقتضي منع استعماله من كل وجه".
وقال ابن بطال في شرحه (١/ ٣٦١): "ووجه احتجاج البخاري ﵀ في هذا الباب بقوله - ﷺ -: "كل شراب أسكر فهو حرام" هو أنه إذا أسكر الشراب فقد وجب اجتنابه لنجاسته، وحرم استعماله في كل حال، ولم يحل شربه، وما لم يحل شربه لا يجوز الوضوء به، لخروجه عن اسم الماء في اللغة والشريعة، وكذلك النبيذ غير المسكر أيضًا فهو في معنى المسكر من جهة أنه لا يقع عليه اسم الماء، ولو جاز أن يسمى النبيذ ماءً لأن فيه ماءً، جاز أن يسمى الخل ماءً؛ لأن فيه ماءً، وهذا أبو عبيد -وهو إمام في اللغة-
[ ١ / ٣٥٨ ]
يقول: النبيذ لا يكون طهورًا أبدًا؛ لأن الله شرط الطهور بشرطين، ولم يجعل لهما ثالثًا، وهما: الماء، والصعيد، والنبيذ ليس بواحد منهما" [انظر: الطهور لأبي عبيد (٣١٧)].
وقال ابن حجر في الفتح (١/ ٣٥٤): "ووجه احتجاج البخاري به في هذا الباب: أن المسكر لا يحل شربه، وما لا يحل شربه لا يجوز الوضوء به اتفاقًا، والله أعلم".
قال ابن حزم في "الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس" (٣/ ١٠٩٨): "أجازوا الوضوء بنبيذ التمر، وقالوا: هو ماء استضاف إليه تمر طاهر، قياسًا على كل ما اختلط به شيء طاهر، وقاسوا في أحد قوليهم عليه أيضًا سائر الأنبذة، ولم يقيسوا عليه في قولهم الثاني سائر الأنبذة، ثم لم يقيسوا عليه الخل، فإن كان القياس حقًّا فقد تركوه، وإن كان باطلًا فقد استعملوه، فإن ادعوا الإجماع على المنع من الخل، قلنا: كذبتم؛ لأن الحسن بن حي يجيز الوضوء به، وبماء العصفر، وكذلك حميد بن عبد الرحمن صاحبه، ، فهبكم أنكم صدقتم في أنه إجماع، فهلا قستم ما اختلف فيه من النبيذ على ما صدقتم أنه إجماع من المنع من الوضوء من الخل، وهذا مما خالفوا فيه الأصول التي يعظمون خلافها، وذلك أنه يقال لهم: في أي الأصول وجدتم ماءً يجوز التطهر به في خارج المصر والقرية، ولا يجوز التطهر به في المصر والقرية، وهذا هو خلاف الأصول حقًّا، فإن قالوا: إنما اتبعنا في ذلك فعل النبي - ﷺ -، فلم يفعله إلا خارج القرية، قلنا لهم: ولم يفعله ﵇ إلا خارج مكة، فلا تتعدوا به خارج مكة، وإلا فلم قستم على ذلك الموضع سائر المواضع، ولم تقيسوا عليه ما بين منازل القرية، فتأملوا جهلهم بالقياس، وتلوثهم فيه، وأين وجدوا في الأصول: ما لا يجزئ الوضوء به إذا وجد ماء آخر، ويجزئ الوضوء به إذا لم يوجد ماء غيره، وكيف قاسوا الغسل في ذلك على الوضوء الذي جاء به الخبر، ولم يقيسوا داخل القرية على خارجها، وكيف قاسوا جميع الموزونات في الربا على الذهب والفضة، ولم يقيسوا سائر الأنبذة على ما صححوه عن النبي - ﷺ -، ونسبوه إليه، أنه قال: "تمرة طيبة وماء طهور"، فهلا قالوا في الخل: عنبة طيبة وماء طهور؟! وفي المرق: لحم طيب وماء وطهور؟! وهلا اقتصروا على الأصناف الستة، كما اقتصروا على التمر ههنا؟! " [وانظر أيضًا: (٢/ ٤٨٧)] [وانظر: المحلى (١/ ٢٠٤ - ٢٠٦)، تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل (٢/ ٤٢٦)، إعلام الموقعين (١/ ٢٧٠)].
***
٨٧ - . . . أبو خلدة قال: سألت أبا العالية عن رجل أصابته جنابة وليس عنده ماء، وعنده نبيذ، أيغتسل به؟ قال: لا.
• إسناده صحيح
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (٢٦٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٢/ ٢٦٦)، والدارقطني (١/ ٧٨)، والبيهقي (١/ ٩ و١٢)، وابن حجر في التغليق (٢/ ١٤٦).
[ ١ / ٣٥٩ ]
رواه عن أبي خلدة خالد بن دينار البصري الحناط: عبد الرحمن بن مهدي، ومروان بن معاوية، والنضر [هو: ابن شميل، أو: ابن محمد المروزي]، وإسناده صحيح.
ولفظ مروان بن معاوية، والنضر: قلت لأبي العالية: رجل ليس عنده ماء، عنده نبيذ، أيغتسل به في جنابة؟ قال: لا، فذكرت له ليلة الجن، فقال: أنبذتكم هذه الخبيثة؟ إنما كان ذلك زبيب وماء.
وأما قول ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٥٧): "ولا يثبت عنه"، فلم أر له عليه حجة.
***