١٤٦ - . . . يحيى بن سعيد، عن ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن ثوبان، قال: بعث رسول الله - ﷺ - سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على رسول الله - ﷺ - أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين.
• حديث صحيح.
أخرجه الحاكم (١/ ١٦٩)، وأحمد (٥/ ٢٧٧)، وابنه عبد الله في مسائله لأبيه (١٣٣)، وأبو بكر الأثرم في السنن (١٥)، وأبو إسحاق الحربي في غريب الحديث (١/ ٣٠١) و(٣/ ١٠٣٣)، والروياني (٦٤٢)، والطبراني في مسند الشاميين (١/ ٢٧٤/ ٤٧٧)، والبيهقي (١/ ٦٢)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢٣٣).
قال عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي يقول: العصائب: العمائم، والتساخين: الخفاف، قال أبي: وبه أقول".
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، إنما اتفقا على المسح على العمامة بغير هذا اللفظ".
وتعقبه الذهبي في السير (٤/ ٤٩١) فقال: "إسناده قوي، وخرجه الحاكم فقال على شرط مسلم فأخطأ، فإن الشيخين ما احتجا براشد، ولا ثور من شرط مسلم".
قلت: وهو كما قال، وهذا إسناد شامي صحيح؛ ويحيى بن سعيد القطان: بصري.
وقد أُعل بالانقطاع؛ قال ابن حزم في المحلى (٢/ ٧٥): "ولا يصح من طريق الإسناد".
وقال ابن حجر في التلخيص (١/ ١٥٦): "وهو منقطع".
وقال في الدراية (١/ ٧٢): "وإسناده منقطع، وضعفه البيهقي، وقال البخاري: حديث لا يصح، ولفظ أحمد: أن النبي - ﷺ - توضأ ومسح على خفيه وعلى الخمار والعمامة".
• وفيما قاله نظر:
أما قوله: "وإسناده منقطع"، فقد اعتمد فيه على قول من قال بأن راشد بن سعد لم يسمع من ثوبان، وقد نُسب هذا القول إلى الإمام أحمد وأبي حاتم وأبي إسحاق الحربي:
• أما الإمام أحمد فثابت عنه ذلك، فقد سمع عبد الله بن أحمد أباه يقول: "راشد بن سعد لم يسمع من ثوبان" [العلل (١/ ٣٤٦/ ٦٤٢) و(٣/ ١٢٩/ ٤٥٥٢)، المراسيل (٢٠٧)].
[ ٢ / ١٥٩ ]
وذكر الخلال في علله أن أحمد قال: "لا ينبغي أن يكون راشد بن سعد سمع من ثوبان؛ لأنه مات قديمًا" [الإمام (١/ ٥٥٨)، نصب الراية (١/ ١٦٥)، إكمال التهذيب (٤/ ٣٠٦)، التهذيب (٣/ ٥١)].
• وأما أبو حاتم والحربي؛ فقد قال ابن حجر في التهذيب (٣/ ٥١): "وقال أبو حاتم والحربي: لم يسمع من ثوبان".
ومن المعلوم أن الحافظ ابن حجر قد نقل جُلَّ مادته العلمية التي زادها على تهذيب المزي من إكمال مغلطاي، فإذا رجعنا إلى الإكمال (٤/ ٣٠٥ - ٣٠٦) وجدنا مغلطاي قد نقل كلام أبي إسحاق الحربي من كتابه العلل، ثم أتبعه بما جاء في علل الخلال عن الإمام أحمد، ثم قال: "وفي المراسيل لابن أبي حاتم عنه: لم يسمع منه" وهذا ظاهر في كون الضمير الأول إنما يرجع إلى الإمام أحمد، يعني: وفي المراسيل لابن أبي حاتم عن أحمد، لكن ذهل ابن حجر عن هذا، وظن أن الضمير راجع إلى أبي حاتم فنسب إليه هذا القول، ولم أجده لا في المراسيل، ولا في الجرح والتعديل، ولا في العلل، ولم ينقل ابن أبي حاتم في هذا عن أبيه شيئًا، وإنما الذي في المراسيل (٢٠٧): "أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل فيما كتب إليَّ قال: قال أحمد -يعني: ابن حنبل-: راشد بن سعد لم يسمع من ثوبان".
وعليه: فلا تصح نسبة هذا القول إلى أبي حاتم.
• وأما أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي: فهو من أصحاب الإمام أحمد، صحبه عشرين سنة، ونقل عنه مسائل [طبقات الحنابلة (١/ ٢١٨)، تاريخ بغداد (٦/ ٢٧)، السير (١٣/ ٣٥٦)]، فلا يبعد أن يكون أخذ هذا القول عنه، لا سيما وهو تفسير لقول الإمام أحمد من رواية الخلال، يقول الحربي: "لم يسمع راشد بن سعد من ثوبان؛ لأن ثوبان توفي سنة أربع وخمسين، وراشد توفي سنة ثلاث عشرة ومائة، وبين موتيهما تسع وخمسون سنة" [الإكمال (٤/ ٣٠٦)].
وعلى هذا فإن القول بأن راشد بن سعد لم يسمع من ثوبان: إنما هو قول الإمام أحمد وحده، وتبعه عليه تلميذه أبو إسحاق الحربي.
قال مغلطاي بعد حكاية كلامهما: "وفيه نظر، من حيث قول أبي داود والبخاري: "أدرك صفين وذهبت عينه بها"، فإذا كان بصفين رجلًا مقاتلًا، كيف لا يسمع ممن توفي بعد صفين بسبعة عشر عامًا، ولهذا [فـ] إن البخاري لم يعتد بها، وصرح بسماعه منه".
قلت: روى البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٢٩٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٧/ ٤٥١):
من طريق حيوة بن شريح: نا بقية، قال: سمعت صفوان بن عمرو السكسكي، قال: ذهبت عين راشد بن سعد يوم صفين.
وهذا إسناد حمصي صحيح، صرح فيه بقية بالسماع.
[ ٢ / ١٦٠ ]
قال الذهبي في السير (٤/ ٤٩٠): "وقيل: وإنه شهد صفين مع معاوية، فإن صح هذا -وهو ممكن- فقد عاش نحو التسعين".
قلت: قد صح، وجزم به ابن عساكر في تاريخه (١٧/ ٤٥٠)، فقال: "وشهد مع معاوية صفين" وانظر: نصب الراية (١/ ١٦٥).
وينضم إلى هذه القرينة: قرينة أخرى؛ فقد روى البخاري في الأدب المفرد (٥٧٩)، قال: حدثنا أحمد بن عاصم، قال: حدثنا حيوة، قال: حدثنا بقية، قال: حدثني صفوان، قال: سمعت راشد بن سعد يقول: سمعت ثوبان، يقول: قال لي رسول الله - ﷺ -: "لا تسكن الكفور، فإن ساكن الكفور كساكن القبور"، قال أحمد [يعني: ابن عاصم،: الكفور: القرى.
حدثنا إسحاق، قال: أخبرنا بقية، قال: حدثني صفوان، قال: سمعت راشد بن سعد، يقول: سمعت ثوبان، قال: قال لي النبي - ﷺ -: "يا ثوبان! لا تسكن الكفور، فإن ساكن الكفور كساكن القبور".
تابعهما: داود بن رشيد: نا بقية به.
أخرجه البيهقي في الشعب (١٨/ ٦٨/ ٧٥١٨).
قال العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- في الضعيفة (١٠/ ١/ ٣٢٥) الحديث رقم (٤٧٨٣): "وهذا إسناد جيد؛ رجاله كلهم ثقات، وقد صرح فيه بقية بالتحديث، فأمنا شبهة تدليسه".
قلت: هو إسناد حمصي صحيح؛ قد ثبت فيه سماع راشد بن سعد من ثوبان، وانظر: القول المسدد (١٢).
وبهاتين القرينتين: ظهرت حجة الإمام البخاري في إثبات سماع راشد من ثوبان؛ قال البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٢٩٢): "راشد بن سعد الحمصي المقرئ: سمع ثوبان ".
وعليه فإن المثبِت مقدَّم على النافي لما معه من زيادة علم، ويكفي ما اطلعنا عليه من حجة البخاري في إثبات السماع، في رد قول من نفاه، والله أعلم.
وعلى هذا فالإسناد صحيح متصل بلا ريب.
سمعه يحيى بن سعيد القطان من ثور بن يزيد [كما عند الروياني]، وثور بن يزيد قد سمع من راشد بن سعد [كما أثبته البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ١٨١)]، وسمع راشد من ثوبان [كما تقدم بيانه].
قال النووي في المجموع (١/ ٤٦٥): "رواه أبو داود بإسناد صحيح".
• وقد وجدت متابعة للقطان:
تابعه محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني [وهو ضعيف، قال أحمد: "لم يسمع حديثًا، وثب على كتب أبيه"؛ لذا كذبه ابن معين وأبو داود، وتركه النسائي. التهذيب (٣/ ٥٤٣)، الميزان (٣/ ٥١٤)، المجروحين (٢/ ٢٧٦)]، رواه عن ثور، عن راشد، عن ثوبان به مرفوعًا، إلا أنه قال: "المشاوذ" بدل: "العصائب"، وهي بمعناها.
[ ٢ / ١٦١ ]
أخرجه البغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٢٧/ ٢٣٣).
وليس بشيء.
• وأما قول ابن حجر في الدراية: "وضعفه البيهقي": فغير مُسلَّم؛ فإنما ادعى البيهقي في هذا الحديث وغيره مما جاء فيه المسح على العمامة ادعى وقوع الاختصار من جهة الراوي، يعني بذلك أن الراوي لم يذكر فيه مسح الرأس مع العمامة، وليس هذا بتضعيف للحديث، كما هو ظاهر، ونص كلام البيهقي بعدما ذكر أدلة إيجاب مسح الرأس لهان كان متعممًا، قال: "ففي كل ذلك مع ظاهر الكتاب: دلالة على اختصار وقع من جهة الراوي في الحديث "، ثم ذكر أحاديث هذا منها، وبعضها في صحيح مسلم [سنن البيهقي (١/ ٦٢)].
وأما قوله: "وقال البخاري: حديث لا يصح": فلم أقف عليه في مصادره، لا في التواريخ للبخاري، ولا في علل الترمذي، ولا في سنن البيهقي، فلا يُعوَّل عليه حتى يثبت.
لكن يبدو لي -والله أعلم- أن ابن حجر كان يعلق على سنن أبي داود، ومما علق: أحكام الإمام البخاري في تاريخه، وأبو داود قد أتبع هذا الحديث الذي نحن بصدده (١٤٦)، بحديث أبي معقل عن أنس في المسح على العمامة، وقد أخرجه البخاري في تاريخه (٦/ ٢٨)، وقال: "ولم يصح".
فلعل الحافظ ابن حجر انتقل بصره أثناء التعليق، فعلق هذا الحكم على حديث ثوبان، بدلًا من حديث أبي معقل عن أنس، وسيأتي.
• وأما قوله: "ولفظ أحمد: أن النبي - ﷺ - توضأ ومسح على خفيه وعلى الخمار والعمامة": فيشعر بأنه بنفس هذا الإسناد، والحق أن أحمد قد رواهما حديثين بإسنادين مختلفين ومتنين مختلفين، لا يُعَلُّ أحدهما بالآخر.
وهذا اللفظ يرويه: معاوية بن صالح، عن عتبة أبي أمية الدمشقي، عن أبي سلام الأسود الدمشقي، عن ثوبان - ﵁ - قال: رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ فمسح على الخفين والخمار، يعني: العمامة.
أخرجه البخاري في التاريخ (٦/ ٥٢٥)، وأحمد (٥/ ٢٨١)، والبزار (١٠/ ١١٠/ ٤١٧٣)، والدولابي في الكنى تعليقًا (١/ ٣٥٠/ ٦٢٢ م)، والطبراني في الكبير (٢/ ٩٢/ ١٤٠٩)، وفي مسند الشاميين (٢٠٨٤)، وابن منده في فتح الباب (٤٢١)، والخطيب في التاريخ (١١/ ٤٢٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٨/ ٢٩٢)، وابن الجوزي في التحقيق (١٤٦).
وهذا إسناد ضعيف؛ أبو سلام الأسود ممطور: لم يسمع من ثوبان [المراسيل (٢١٥)، جامع التحصيل (٢٨٦)، تحفة التحصيل (٣١٥)].
وعتبة أبو أمية الدمشقي: مجهول، لم يرو عنه سوى معاوية بن صالح [التاريخ الكبير (٦/ ٥٢٥)، الجرح والتعديل (٦/ ٣٧٤)، الثقات (٨/ ٥٠٧)، كنى مسلم (١٧٦)، الكنى للدولابي (١/ ٣٥٠)، فتح الباب (٤٢١)، الاستغناء (٤٢٠)، تاريخ دمشق (٣٨/ ٢٩٢)،
[ ٢ / ١٦٢ ]
وقال: "لم يرو عن أبي أمية غير معاوية". الإكمال للحسيني (١٠٢٨)، وقال: "مجهول". تعجيل المنفعة (١٢٢٥)، ذيل الكاشف (١٧٥٠)، وقال: "لا يعرف"].
قال أبو زرعة العراقي في تحفة التحصيل (٢٢٢): "عتبة أبو أمية الدمشقي: روى عن أبي سلام الأسود عن ثوبان قال: رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ على الخفين والخمار. رواه أحمد والبزار والطبراني، وكلام ابن حبان يقتضي الانقطاع روايته عنه، فإنه ذكره في الطبقة الرابعة، وذلك يقتضي أنه لا يثبت له رواية عن أحد من التابعين، وأكد ذلك بقوله: يروى المقاطيع"، وهذه علة ثالثة تزيد هذا الحديث ضعفًا.
وكما قلت فإنه لا يُعَلُّ حديث ثوبان الصحيح بهذا؛ لأنهما حديثان مختلفان، وواقعتان متغايرتان، مع اختلاف المخرج.
وأخيرًا، أعود فأؤكد على صحة هذا الحديث، ولم تثبت له عندي علة يُرَدُّ بها، والله أعلم.
***
١٤٧ - . . . ابن وهب: حدثني معاوية بن صالح، عن عبد العزيز بن مسلم، عن أبي مَعقِل، عن أنس بن مالك، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ، وعليه عمامةٌ قِطْريَّةٌ، فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مُقدَّم رأسه، ولم ينقض العمامة.
• حديث ضعيف.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٢٨)، وابن ماجه (٥٦٤)، والحاكم (١/ ١٦٩)، والضياء في المختارة (٦/ ٢٣٩/ ٢٢٥٦)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي - ﷺ - (٢/ ٢٠٢/ ٣١٠)، والبيهقي في السنن (١/ ٦١)، وفي المعرفة (١/ ١٦١)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ١٢٨)، والمزي في التهذيب (١٨/ ٢٠٥).
قال البخاري: "ولم يصح".
وقال الحاكم: "هذا الحديث وإن لم يكن إسناده من شرط الكتاب؛ فإن فيه لفظة غريبة؛ وهي أنه مسح على بعض الرأس، ولم يمسح على عمامته".
وقال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٤/ ١٥٤٨/١١١): "وهو حديث لا يصح، قال ابن السكن: لم يثبت إسناده، وهو كما قال.
وبيان ذلك: هو أن الحديث من رواية ابن وهب عن معاوية بن صالح عن عبد العزيز بن مسلم عن أبي معقل عن أنس.
وأبو معقل: مجهول الاسم والحال، وقد ذكره ابن أبي حاتم بحديثه هذا، ولم يزد على ذلك.
وعبد العزيز بن مسلم مولى آل رافع: ذكره البخاري بهذا الحديث، ولم يزد على ذلك، وقال ابن أبي حاتم: "روى عنه ابن إسحاق ومعاوية بن صالح"، ولم يزد على ذلك.
[ ٢ / ١٦٣ ]
وإلى هذا، فإن معاوية بن صالح مختلف فيه، ومن ضعفه ضعفه بسوء الحفظ، وأبو محمد مترجح فيه، تارة يسكت عن أحاديث هي من روايته ولا يبين ذلك، وتارة يتبعها ذكر اختلافهم فيه كالمتبرئ من عهدته، فالحديث من أجله لو لم يكن فيه مجهول، لا يكون صحيحًا بل حسنًا، [نقله ابن دقيق العيد في الإمام (١/ ٥٣٧)].
وقال في موضع آخر (٥/ ٦٦٥): "وهو حديث لا يصح".
وقال ابن حجر في التلخيص (١/ ٩٥): "وفي إسناده نظر".
وقال في الفتح (١/ ٢٩٣): "وفي إسناده أبو معقل: لا يعرف حاله".
قلت: أبو معقل: مجهول [التقريب (١٢٠٨)، الميزان (٤/ ٥٧٦).
وعبد العزيز بن مسلم الأنصاري مولى آل رفاعة، وليس هو بالقسملي، ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه معاوية بن صالح وابن إسحاق: ففيه جهالة [التهذيب (٥/ ٢٥٨)، الميزان (٢/ ٦٣٥)].
ثم إن البخاري أعله في التاريخ الكبير (٦/ ٢٨) بما رواه يحيى بن أبي إسحاق [الحضرمي مولاهم البصري، وهو: صدوق ربما أخطأ. التقريب (١٠٤٨)]، عن أنس - ﵁ -: لم أر النبي - ﷺ - مسح.
ثم قال البخاري: "وهذا أصح"، يعني: من حديث أبي معقل، والله أعلم.