١٧٣ - . . . ابن وهب، عن جرير بن حازم: أنه سمع قتادة بن دعامة: حدثنا أنس بن مالك: أن رجلًا جاء إلى رسول الله - ﷺ -، وقد توضأ وترك على قدمه مثل موضع الظُّفُر، فقال له رسول الله - ﷺ -: "ارجع فأحسن وضوءك".
قال أبو داود: هذا الحديث: ليس بمعروف عن جرير بن حازم، ولم يروه إلا ابن وهب وحده.
• حديث غريب.
أخرجه ابن ماجه (٦٦٥)، وابن خزيمة (١/ ٨٥/ ١٦٤)، والضياء في المختارة (٧/ ٣٠ - ٣١/ ٢٤١٥ - ٢٤١٧)، وأبو عوانة (١/ ٢١٢ - ٢١٣/ ٦٩٢)، وأحمد (٣/ ١٤٦)، وأبو يعلى (٥/ ٣٢٢/ ٢٩٤٤)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٣٢٣/ ٦٥٢٥)، وابن عدي في الكامل (٢/ ١٢٦)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (٣/ ٤٢٣)، والدارقطني (١/ ١٠٨)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٣٠)، وفي تاريخ أصبهان (١/ ١٢٣)، وابن حزم في المحلى (٢/ ٧١)، والبيهقي في السنن (١/ ٧٠ و٨٣)، وفي الخلافيات (١/ ٤٥٤/ ٢٥٨ - ٢٦٠)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٦٥/ ٢٥٩).
قال أبو عوانة: "قال أبو داود: ليس هذا الحديث بمعروف عن جرير ولا عن قتادة، لم يروه إلا ابن وهب".
[ ٢ / ٢٩١ ]
وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا جرير بن حازم، تفرد به ابن وهب".
وقال ابن عدي بعد أن ذكر لابن وهب حديثين بهذا الإسناد: "وهذان الحديثان تفرد بهما ابن وهب عن جرير بن حازم، ولابن وهب عن جرير غير ما ذكرت غرائب" وهذا الحديث أحدهما.
وقال الدارقطني في السنن: "تفرد به جرير بن حازم عن قتادة، وهو ثقة".
وقال في الأفراد (١/ ٢٠٦/ ٩٧٥ - أطرافه): "تفرد به جرير بن حازم عنه [يعني: عن قتادة]، ولم يروه عنه غير ابن وهب".
وقال أبو نعيم في الحلية: "غريب من حديث جرير عن قتادة، لم يروه عنه إلا ابن وهب".
وقال البيهقي: " بإسناد صحيح، رواة هذا الحديث كلهم ثقات، مجمع على عدالتهم".
قلت: هو حديث غريب؛ وإن كان رجاله ثقات مشاهير.
وهو إسناد بصري تفرد به ابن وهب المصري.
قال الإمام أحمد: "إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا الحديث غريب، أو فائدة؛ فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدث، أو ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة وسفيان" [الكفاية (١٧٢)، شرح علل الترمذي (٢/ ٦٢٣)].
• ولهذا الحديث عدة علل:
الأولى: تفرد جرير بن حازم به عن قتادة دون أصحاب قتادة المشاهير سواء الحفاظ منهم أو الشيوخ، وجرير وإن كان في نفسه ثقة إلا أنه في تفرده عن قتادة نظر.
الثانية: أن جريرًا ليس من أصحاب قتادة المقدَّمين فيه بحيث يقبل تفردهم لو تفردوا، مثل شعبة وهشام الدستوائي وابن أبي عروبة، بل وليس هو في منزلة الشيوخ من أصحاب قتادة، مثل أبان وهمام وحماد وغيرهم.
الثالثة: أن جرير بن حازم: ضعيف في قتادة، وإن كان ثقة في غيره، قال عبد الله بن أحمد: "سألت يحيى عن جرير بن حازم؟ فقال: ليس به بأس. فقلت له: إنه يحدث عن قتادة عن أنس أحاديث مناكير. فقال: ليس بشيء؛ هو عن قتادة: ضعيف" [العلل ومعرفة الرجال (٣/ ١٠/ ٣٩١٢)].
وقال الميموني عن أحمد: "كان حديثه عن قتادة غير حديث الناس يوقف أشياء، ويسند أشياء، ثم أثنى عليه، وقال: صالح، صاحب سُنَّة وفضل" [ضعفاء العقيلي (١/ ١٩٩)، التهذيب (١/ ٣٩)].
وقال ابن عدي (٢/ ١٣٠): "وهو مستقيم الحديث، صالح فيه، إلا روايته عن قتادة؛ فإنه يروي أشياء عن قتادة لا يرويها غيره".
[ ٢ / ٢٩٢ ]
قال الذهبي في الميزان (١/ ٣٩٣): "وفي الجملة: لجرير عن قتادة أحاديث منكرة".
الرابعة: تفرد ابن وهب به عن جرير بن حازم؛ وقد روى عن جرير جماعات من الثقات لا سيما من أهل بلده البصريين فلم يتابع أحد منهم ابن وهب على روايته هذه.
الخامسة: وهذا يعني أن هذا الحديث مما حدث به جرير بن حازم بمصر، حيث لم يروه عنه إلا أهل مصر، ولم يروه منهم إلا ابن وهب، قال أحمد: "جرير بن حازم: حدث بالوهم بمصر لم يكن يحفظ"، وقال الساجي: "صدوق، حدث بمصر أحاديث وهم فيها، وهي مقلوبة"، وقال نحوه الأزدي [إكمال مغلطاي (٣/ ١٨١)، تهذيب التهذيب (٢/ ٣٨)].
قال ابن عدى: "ولابن وهب عن جرير غرائب" وعدَّ هذا من غرائبه، وكذا عدَّه أبو نعيم، وعدَّ ابن رجب الحنبلي في شرح علل الترمذي (٢/ ٧٨٤) هذا الحديث فيما أنكره الأئمة على جرير بن حازم فيما رواه عن قتادة عن أنس مرفوعًا.
فهو حديث غريب غريب.
***
قال أبو داود: وقد روي عن معقل بن عبيد الله الجزري، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر، عن النبي - ﷺ - نحوه، قال: "ارجع فأحسن وضوءك".
• حديث صحيح
وهذا يرويه الحسن بن محمد بن أعين: حدثنا معقل، عن أبي الزبير، عن جابر: أخبرني عمر بن الخطاب: أن رجلًا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي - ﷺ - فقال: "ارجع فأحسن رضوءك"، فرجع ثم صلى.
أخرجه مسلم (٢٣٤)، وأبو عوانة (١/ ٢١٢/ ٦٩١)، وأبو نعيم في مستخرجه (١/ ٣٠٥/ ٥٧١)، والبزار (١/ ٣٥٠/ ٢٣٢)، والبيهقي في السنن (١/ ٧٠ و٨٤)، وفي الخلافيات (١/ ٤٥٢/ ٢٥٧).
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم أحدًا أسنده عن عمر إلا من هذا الوجه، وقد رواه الأعمش عن أبي سفيان [عن جابر] عن عمر موقوفًا".
قلت: أما إسناد مسلم: فهو إسناد حسن، ومعقل بن عبيد الله الجزري: صدوق، حسن الحديث، الجمهور على توثيقه، أحمد والنسائي وابن معين، ورواية معاوية بن صالح عن ابن معين في تضعيفه، معارضة بمن قوله وروايته أولى بالقبول منه لطول الصحبة وكثرة المسائل، ففي رواية عثمان بن سعيد الدارمي عن ابن معين قال: "ليس به بأس" [تاريخه (٧٤٣)]، يعني: أنه ثقة في اصطلاح ابن معين، يؤيده رواية إسحاق بن منصور عن ابن معين قال: "ثقة"، وروى عبد الله بن أحمد عن ابن معين مثل الدارمي: "ليس به بأس" ثم قال: قال أبي: "ثقة" [العلل ومعرفة الرجال (٣/ ٢٥/ ٣٩٨٨)، الجرح والتعديل (٨/ ٢٨٦)، ضعفاء العقيلي (٤/ ٢٢١)، التهذيب (٨/ ٢٧٢)].
[ ٢ / ٢٩٣ ]
فرواية هؤلاء الثلاثة مقدمة بلا شك على رواية معاوية بن صالح، وعليه فمعقل: ثقة عند ابن معين.
أضف إلى هذا أن علي بن المديني قال فيه: "كان معقل ثقة عند أصحابه" [سؤالات ابن أبي شيبة (٢٥٦)].
وأما قول ابن حبان في الثقات (٧/ ٤٩٢): "كان يخطئ، ولم يفحش خطؤه فيستحق الترك" كذا نقله في التهذيب واقتصر عليه [التهذيب (٨/ ٢٧٢)].
ولو أنه أكمل كلامه لظهر المقصود حيث يقول ابن حبان: "وإنما كان ذلك منه على حسب ما لا ينفك منه البشر، ولو ترك حديث من أخطأ من غير أن يفحش ذلك منه، لوجب ترك حديث كل محدث في الدنيا؛ لأنهم كانوا يخطئون ولم يكونوا بمعصومين، بل يحتج بخبر من يخطئ ما لم يفحش ذلك منه، فإذا فحش حتى غلب على صوابه ترك حينئذ، ومتى ما علم الخطأ بعينه، وأنه خالف فيه الثقات ترك ذلك الحديث بعينه، واحتج بما سواه، هذا حكم المحدثين الذين كانوا يخطئون ولم يفحش ذلك منهم" انتهى بتمامه.
فهذا من ابن حبان توثيق للرجل، ودليل على قلة خطئه، لذا قال في مشاهير علماء الأمصار (١٤٨٤): "ربما وهم"، وهذا يعني أنه وقف له على أوهام قليلة معدودة، لا تخرج الرجل عن زمرة الثقات، يؤكد هذا المعنى ما قاله ابن عدي في كامله (٦/ ٤٥٤) عن معقل حيث يقول: "ومعقل هذا هو حسن الحديث، ولم أجد في أحاديثه حديثًا منكرًا فأذكره إلا حسب ما وجدت في حديث غيره ممن يصدق [ويغلط] في حديث أو حديثين".
فهو إذًا صدوق، إن لم نقل ثقة، كما قال أحمد وابن معين وابن المديني، إلا أنه لم يكن في الطبقة العليا، فقد كان ممن يخطئ، وانظر مثالًا على خطئه مما خالف فيه الثقات في العلل لابن أبي حاتم (١/ ٢٩١).
وحاصل ما تقدم أن معقل بن عبيد الله إذا لم يخالف غيره من الثقات ممن شاركه في رواية الحديث عن شيخه فروايته حينئذ صحيحة مقبولة محتج بها، وقد احتج به مسلم هنا كما ترى.
وهو معروف بالرواية عن أبي الزبير المكي، وإن كان جزريًّا، قال ابن عدي: "ولمعقل هذا عن أبي الزبير عن جابر نسخة يرويها عنه الحسن بن محمد بن أعين عن معقل"، فهي نسخة موثوقة صحيحة إلا ما ثبت فيه أنه خالف غيره من الثقات.
وهو هنا في هذا الحديث لم ينفرد بهذا الإسناد عن أبي الزبير كما يشير إليه كلام البزار، لكنه قد توبع عليه ممن يعتبر به، ويصلح في المتابعات.
فقد رواه ابن لهيعة قال: حدثنا أبو الزبير، عن جابر، أن عمر بن الخطاب أخبره: أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا توضأ لصلاة الظهر، فترك موضع ظفر على ظهر قدمه، فأبصره النبي - ﷺ - فقال: "ارجع فأحسن وضوءك"، فرجع فتوضأ ثم صلى.
أخرجه ابن ماجه (٦٦٦)، وأبو عوانة (١/ ٢١٣/ ٦٩٣)، وأحمد (١/ ٢١ و٢٣)، وابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٥٦/١٦٤ و١٥٧).
[ ٢ / ٢٩٤ ]
تنبيه: وقع في رواية ابن ماجه: فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة، وهي رواية شاذة تفرد بها زيد بن الحباب، أو تكون من تخليط ابن لهيعة، والله أعلم.
وهذا الحديث قد أعله أيضًا بعد البزار: ابن عمار الشهيد وأبو علي النيسابوري.
قال ابن حجر في النكت الظراف (٨/ ١٦ - بهامش التحفة): "وقد أعل بعض الحفاظ صحته، فقد نقل الدقاق الأصبهاني الحافظ عن أبي علي النيسابوري أن هذا الحديث مما عيب على مسلم إخراجه، وقال: الصواب: ما رواه أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: رأى عمر في يد رجل مثل موضع ظفر فذكره موقوفًا. قال أبو علي: هذا هو المحفوظ، وحديث معقل خطأ، لم يتابع عليه".
وقال ابن عمار الشهيد في العلل (٥): "ووجدت فيه من حديث ابن أعين، عن معقل، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر بن الخطاب: أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه ، وهذا الحديث إنما يعرف من حديث ابن لهيعة عن أبي الزبير بهذا اللفظ، وابن لهيعة لا يحتج به، وهو خطأ عندي؛ لأن الأعمش رواه عن أبي سفيان عن جابر فجعله من قول عمر".
قلت: هو صحيح ثابت من الوجهين مرفوعًا وموقوفًا، وكما بينا لم ينفرد به معقل عن أبي الزبير [وهو ثابت عن معقل]، بل تابعه ابن لهيعة، وهو صالح في المتابعات، فالحديث محفوظ عن أبي الزبير.
وعلى هذا فيكون الاختلاف قد وقع بين أبي الزبير، وأبي سفيان طلحة بن نافع، رفعه أبو الزبير، ووقفه أبو سفيان، وأبو الزبير أعلم بحديث جابر من أبي سفيان، وأكثر منه رواية عن جابر، وسماعه من جابر أكثر بكثير مما سمع أبو سفيان من جابر، فقد سمع طلحة بن نافع من جابر أربعة أحاديث فقط، والباقي صحيفة، وهي صحيفة سليمان بن قيس اليشكري التي أخذها أبو الزبير وأبو سفيان فرويا منها أحاديث جابر، وهي وجادة صحيحة، احتج بها مسلم وغيره.
وقد قال كل من: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو حاتم الرازي: "أبو الزبير أحب إلي من أبي سفيان"، فهو مقدم عليه في جابر [انظر: الجرح والتعديل (٨/ ٧٦)، التهذيب (٧/ ٤١٦)].
وعليه فإن رواية أبي سفيان الموقوفة لا تعل رواية أبي الزبير المرفوعة.
والصواب مع الإمام مسلم في تصحيح رواية أبي الزبير والاحتجاج بها، وأما البزار وابن عمار الشهيد وأبو علي النيسابوري فقد جانبهم الصواب في هذا.
والإمام الدارقطني أعلم بالعلل من هؤلاء الثلاثة؛ ومع هذا فلم ينتقد هذا الحديث فيما انتقده على مسلم في التتبع، مما يدل على موافقته له في تصحيحه، أو يكون داخلًا فيما عناه بقوله: "ولم يخرج البخاري لأبي الزبير شيئًا، وبقي على مسلم من تراجم أبي الزبير حديث كثير، ومن حديث الأعمش عن أبي سفيان أيضًا" [التتبع ص (٣٧٠)].
[ ٢ / ٢٩٥ ]
• وقد نبهني أحد الإخوة الفضلاء على ما ذكره ابن رجب في شرح العلل في إعلال هذا الحديث:
قال ابن رجب (٢/ ٧٩٣) فيمن ضُعِّفوا في بعض شيوخهم وهم ثقات: "ومنهم معقل بن عبيد الله الجزري: ثقة، كان أحمد يضعف حديثه عن أبي الزبير خاصة، ويقول: يشبه حديثه حديث ابن لهيعة.
ومن أراد حقيقة الوقوف على ذلك فلينظر إلى أحاديثه عن أبي الزبير فإنه يجدها عند ابن لهيعة يرويها عن أبي الزبير كما يرويها معقل سواء.
ومما أنكر على معقل بهذا الإسناد:
حديث: الذي توضأ وترك لمعة لم يصبها الماء.
وحديث: النهي عن ثمن السنور.
وقد خرجهما مسلم في صحيحه.
وكذلك حديث: "لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالف إلى مقعده". انتهى كلامه.
وقال في موضع آخر (٢/ ٨٦٦): "وظهر مصداق قول أحمد أن أحاديثه عن أبي الزبير مثل أحاديث ابن لهيعة سواء، كحديث اللمعة في الوضوء، وغيره.
وقد كانوا يستدلون باتفاق حديث الرجلين في اللفظ على أن أحدهما أخذه عن صاحبه".
قلت: قول أحمد -إن ثبت عنه- لا يلزم منه إعلال أحاديث معقل عن أبي الزبير، على أنه أخذها عن ابن لهيعة ثم دلسها عنه، فإن معقلًا لا يعرف بتدليس، ولا يعرف بالرواية عن ابن لهيعة، وهو أقدم منه وفاة [توفي معقل سنة (١٦٦)، وتوفي ابن لهيعة سنة (١٧٤)].
وقد احتج مسلم بأحاديث معقل عن أبي الزبير عن جابر، فقد أخرج له في صحيحه بهذا الإسناد: سبعة عشر حديثًا (١٧)، بعضها في الأصول، وبعضها في المتابعات.
فمنها ما تفرد به معقل عن أبي الزبير، وليس هو من حديث ابن لهيعة [فيما وقفت عليه] مثل حديث: "الاستجمار تو، ورمي الجمار تو".
ومنها ما اختلف لفظه عن لفظ ابن لهيعة، مثل حديث "لا يحل لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح"، وقد احتج به مسلم في بابه مع تفرد معقل به، هكذا رواه معقل، بينما رواه ابن لهيعة بعد حديثه عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا: "مثل المدينة كالكير " الحديث، ثم قال بعده: وإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ولا يحل لأحد يحمل فيها صلاحًا لقتال" يعني: بالمدينة، وكذا فسره قتيبة، بينما حديث معقل صريح في مكة بدون قيد القتال.
ومن هذه الأحاديث ما تابعه عليها ابن لهيعة وحده، وعددها سبعة.
ومنها ما تابعه عليها جماعة، وفيهم ابن لهيعة، وعددها سبعة.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
ومنها حديث واحد تابعه عليه غير ابن لهيعة.
كما أن لابن لهيعة أحاديث كثيرة يرويها عن أبي الزبير عن جابر لم يرو معقل منها شيئًا.
ثم إن قرابة نصف هذه الأحاديث التي أخرجها مسلم من طريق معقل عن أبي الزبير عن جابر [وعددها تسعة] لها أسانيد أخرى عن جابر، وأغلبها مروية من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر.
وبذا يظهر أن معقل بن عبيد الله الجزري يشارك الثقات فيما يرويه عن أبي الزبير عن جابر، مثل ابن جريج وسفيان الثوري وهشام الدستوائي وموسى بن عقبة وحماد بن سلمة وزكريا بن إسحاق وخير بن نعيم وغيرهم.
وفي بعضها لفظه ولفظهم سواء.
وعليه فمثله إذا انفرد بشيء عن أبي الزبير فإنه يقبل منه، لا سيما إذا كان لهذا الحديث طرق أخرى عن جابر، أو شواهد تعضده، والله أعلم.
• وهاك الأحاديث التي رواها مسلم في صحيحه لمعقل عن أبي الزبير عن جابر، على سبيل الاختصار الشديد:
١ - حديث: "استكبروا من النعال " [عند مسلم (٢٠٩٦)، وأبي عوانة (٨٦٦٢)، والنسائي في الكبرى (٩٧١٥)، وابن حبان (٥٤٥٨)].
تابعه عليه عن أبي الزبير:
أ- ابن جريج [عند أبي عوانة (٨٦٦٣)، وابن حبان (٥٤٥٧)].
ب- موسى بن عقبة [عند أبي داود (٤١٣٣)، وأبي عوانة (٨٦٦٤)، والطبراني في الأوسط (٥٠٨٠ و٨٥٨١)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٢٧٥)].
ج- ابن لهيعة [عند أحمد (٣/ ٣٣٧ و٣٦٠)، وعبد بن حميد (١٠٥٦)].
٢ - حديث: "أن امرأة من بني مخزوم سرقت " [عند مسلم (١٦٨٩)، وأبي عوانة (٦٢٤٦)، والنسائي (٨/ ٧١/ ٤٨٩١)].
تابعه:
أ- موسى بن عقبة [عند أبي عوانة (٦٢٤٧)، والحاكم (٤/ ٣٧٩)، وأحمد (٣/ ٣٩٥)].
ب- ابن لهيعة [عند أحمد (٣/ ٣٨٦)].
٣ - حديث: "أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات " [عند مسلم (١٥/ ١٨)، وأبي نعيم في المستخرج (٩٦)، وابن منده في الإيمان (١٣٩)].
تابعه:
فقط ابن لهيعة [عند الحاكم (٣/ ٥٨٩)، وأحمد (٣/ ٣٤٨)].
وله طرق أخرى عن جابر [عند مسلم (١٥/ ١٦ و١٧)، وأبي عوانة (٥ و٦)].
[ ٢ / ٢٩٧ ]
٤ - حديث: "إن من الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم " [عند مسلم (٧٥٧)، وأبي نعيم في المستخرج (١٧٢١)].
تابعه:
فقط ابن لهيعة [عند أحمد (٣/ ٣٤٨)].
ورواه أبو سفيان عن جابر [عند مسلم (٧٥٧)، وأبي عوانة (٢١٩٨ و٢١٩٩)، وأبي نعيم في المستخرج (١٧٢٠)، وابن حبان (٢٥٦١)، وأحمد (٣/ ٣١٣ و٣٣١)].
٥ - حديث: "أيكم خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر " [عند مسلم (٧٥٥)، وأبي نعيم في المستخرج (١٧١٧)، والبيهقي (٣/ ٣٥)].
تابعه:
فقط ابن لهيعة [عند أحمد (٣/ ٣٣٧ و٣٤٨)].
ورواه أبو سفيان عن جابر [عند مسلم (٧٥٥)، وأبي نعيم في المستخرج (١٧١٦)، وابن ماجه (١١٨٧)، وابن حبان (٢٥٦٥)، وأحمد (٣/ ٣١٥ و٣٨٩)، وعبد الرزاق (٤٦٣٢)، وابن أبي شيبة (٦٧٠٧)، وعبد بن حميد (١٠١٧)، وأبي يعلى (١٩٠٥ و٢١٠٦)].
٦ - حديث: "الاستجمار تو، ورمي الجمار تو" [عند مسلم (١٣٠٠)، وأبي عوانة (٣٥٧٤)، وأبي نعيم في المستخرج (٣٠٠٢)، والبيهقي (٥/ ٩٠)].
لم يتابع عليه واحتج به مسلم.
٧ - حديث: "اركبها بالمعروف حتى تجد ظهرًا" [عند مسلم (١٣٢٤)، وأبي نعيم في المستخرج (٣٠٦٨)، والبيهقي (٥/ ٢٣٦)].
تابعه:
أ- ابن جريج [عند مسلم (١٣٢٤)، وأبي نعيم في المستخرج (٣٠٦٧)، وأبي داود (١٧٦١)، والنسائي (٥/ ١٧٧/ ٢٨٠٢)، وابن خزيمة (٢٦٦٣ و٢٦٦٤)، وابن حبان (٤٠١٥ و٤٠١٧)، وأحمد (٣/ ٣١٧ و٣٢٤ و٣٢٥)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣٥٨)، وأبي يعلى (٢١٩٩ و٢٢٠٤)، والطحاوي (٢/ ١٦٢)].
ب- ابن لهيعة [عند أحمد (٣/ ٣٤٨)، والطحاوي (٢/ ١٦٢)].
٨ - حديث: "لا يحل لأحدكم أن يحمل بمكة سلاح" [عند مسلم (١٣٥٦)، وأبي عوانة (٣٧٣١)، والفاكهي في أخبار مكة (١٦٤٦)، والبيهقي (٥/ ١٥٥)، وابن عبد البر في التمهيد (٦/ ١٧٥)].
لم يتابع عليه واحتج به مسلم.
خالفه ابن لهيعة فرواه بلفظ: "لا يحل لأحد يحمل فيها السلاح لقتال" قال قتيبة: يعني: المدينة [عند أحمد (٣/ ٣٤٧ و٣٩٣)].
٩ - حديث النهي عن ثمن الكلب والسنور [عند مسلم (١٥٦٩)، وأبي عوانة (٥٢٧٤)، وابن حبان (٤٩٤٠)، والبيهقي (٦/ ١٠)].
[ ٢ / ٢٩٨ ]
تابعه:
أ- حماد بن سلمة [عند النسائي (٧/ ٣٠٩/ ٤٦٦٨)، والطحاوي (٤/ ٥٨)، والدارقطني (٣/ ٧٣)، والبيهقي (٦/ ٦)].
ب- خير بن نعيم [عند الدارقطني (٣/ ٧٢)].
ج- عمر بن زيد الصنعاني [عند البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ١٥٧)، وأبي داود (٣٤٨٠) و(٣٨٠٧)، وأحمد (٣/ ٢٩٧)، والبيهقي (٦/ ١٠)].
د- الحسن بن أبي جعفر [عند الدارقطني (٣/ ٧٣)].
هـ- ابن لهيعة [عند أحمد (٣/ ٣٣٩ و٣٤٩ و٣٨٦)، والطحاوي (٤/ ٥٢ و٥٣)].
ورواه أبو سفيان عن جابر [عند أبي داود (٣٤٧٩)، والترمذي (١٢٧٩)، وأبي عوانة (٥٢٧١ و٥٢٧٢)، والحاكم (٢/ ٣٩)، وابن الجارود (٥٨٠)، وابن أبي شيبة (٧/ ٢٩٦)، وأبي يعلى (٢٢٧٥)، والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ٥٢)، وفي المشكل (٧/ ٨٠) و(١٢/ ٧٣)، والعقيلي (٢/ ٢٢٠)، والطبراني في الأوسط (٣٢٠١)، والدارقطني (٣/ ٧٢)، والبيهقي (٦/ ١١)].
١٠ - حديث: "لعن الله من وسمه" [عند مسلم (٢١١٧)، وابن حبان (٥٦٢٨)، والبيهقي (٧/ ٣٥)].
تابعه:
أ- ابن جريج [عند مسلم (٢١١٦)].
ب- سفيان الثوري [عند البخاري في الأدب المفرد (١٧٥)، وأبي داود (٢٥٦٤)، وأحمد (٣/ ٣٢٣)، وعبد الرزاق (٨٤٥١)، وأبي يعلى (٢١٤٨)، والبيهقي (٧/ ٣٥)].
ج- حماد بن سلمة [عند ابن حبان (٥٦٢٧)، وأبي يعلى (٢٠٩٩)].
د- زكريا بن إسحاق [عند ابن حبان (٥٦٢٦)].
هـ- ابن لهيعة [عند ابن عدي في الكامل (٤/ ١٤٦)].
وله طرق أخرى عن جابر [عند أحمد (٣/ ٢٩٦)، وعبد الرزاق (٨٤٥٠)].
١١ - حديث: "لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة " [عند مسلم (٢١٧٨)، والبيهقي (٣/ ٢٣٣)].
تابعه:
فقط ابن لهيعة [عند أحمد (٣/ ٣٤٢)].
وله طريق أخرى عن جابر [عند أحمد (٣/ ٢٩٥)، والشافعي في المسند (٦٩)، وعبد الرزاق (٥٥٩١)].
١٢ - حديث: "أن أم مالك كانت تهدي للنبي - ﷺ - في عكةٍ لها سمنًا " [عند مسلم (٢٢٨٠)].
تابعه:
[ ٢ / ٢٩٩ ]
ابن لهيعة فقط [عند أحمد (٣/ ٣٤٠ و٣٤٧)].
١٣ - حديث: "أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - يستطعمه، فأطعمه شطر وسق شعير " [عند مسلم (٢٢٨١)].
تابعه:
ابن لهيعة وحده [عند أحمد (٣/ ٣٣٧ و٣٤٧)].
١٤ - حديث: "أسلم سالمها الله" [عند مسلم (٢٥١٥)].
تابعه:
أ- ابن جريج [عند مسلم (٢٥١٥)، وأحمد (٣/ ٣٨٣)].
ب- ابن لهيعة [عند أحمد (٣/ ٣٤٥)].
وله طرق أخرى عن جابر [عند الطيالسي (١٧٦٦)، وأحمد في علل الحديث ومعرفة الرجال (٢٥٨)، وأبي نعيم في الحلية (٧/ ٣١٦)].
١٥ - حديث: "يبعث الشيطان سراياه " [عند مسلم (٢٨١٣)].
تابعه:
أ- ابن جريج [عند أحمد (٣/ ٣٨٤)].
ب- سفيان الثوري [عند أحمد (٣/ ٣٣٢ و٣٦٦)، والسري بن يحيى في حديث الثوري (٨)، وأبي يعلى (٢١٥٣)، وأبي نعيم في الحلية (٧/ ٩٢)].
لم يروه ابن لهيعة فيما وقفت عليه على عجالة.
وله طرق كثيرة عن جابر [عند مسلم (٢٨١٣)، وابن حبان (٦١٨٧)، وأحمد (٣/ ٣١٤ و٣٥٤)، وعبد بن حميد (١٠٣٣)، وأبي يعلى (١٩٠٩)، والطبراني في مسند الشاميين (١٠١٦) و(٢٧٤٦)، والأوسط (٤١٢٧)].
١٦ - حديث: "لا يُدخِل أحدًا منكم عملُه الجنة " [عند مسلم (٢٨١٧)].
تابعه:
ابن لهيعة وحده [عند أحمد (٣/ ٣٩٤)].
ورواه أبو سفيان عن جابر [عند مسلم (٢٨١٧)، وأحمد (٣/ ٣٣٧ و٣٦٢)].
١٧ - حديث: "إذا أحدكم أعجبته المرأة، فوقعت في قلبه " [عند مسلم (١٤٠٣)، وأبي نعيم في المستخرج (٣٢٤٤)].
تابعه.
أ- هشام الدستوائي [عند مسلم (١٤٠٣)، وأبي نعيم في المستخرج (٣٢٤٢)، وأبي داود (٢١٥١)، والترمذي (١١٥٨)، والنسائي في الكبرى (٩٠٧٢)، وابن حبان (٥٥٧٢)، وعبد بن حميد (١٠٦١)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٥٠/ ١٣٢)، وفي الأوسط (٢٣٨٥)، والبيهقي (٧/ ٩٠)].
[ ٢ / ٣٠٠ ]
ب- حرب بن أبي العالية [عند مسلم (١٤٠٣)، وأبي نعيم في المستخرج (٣٢٤٣)، وأحمد (٣/ ٣٣٠)].
ج- موسى بن عقبة [عند أحمد (٣/ ٣٩٥)].
د- ابن لهيعة بلفظ مختلف [عند أحمد (٣/ ٣٤١ و٣٤٨)، والطبراني في الأوسط (٩٠٧٣)].
• نعود بعد ذلك إلى رواية أبي سفيان: فنذكر نصها، ومن أخرجها:
رواه الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: رأى عمر بن الخطاب - ﵁ - رجلًا يتوضأ فبقي في رجله لمعة، فقال: أعد الوضوء. هكذا موقوفًا.
أخرجه من طرق عن الأعمش: ابن أبي شيبة (١/ ٤٦/ ٤٥٤)، وأبو يعلى (٤/ ٢٠٣ ٢٣١٢)، والبيهقي في السنن (١/ ٨٤)، وفي الخلافيات (٢٦٣).
• ولهذا الموقوف طرق عن عمر منها:
١ - ما رواه إسماعيل بن علية، وسفيان الثوري، ومعمر بن راشد:
عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة: أن عمر بن الخطاب رأى رجلًا قد ترك على ظهر قدمه مثل الظفر، فأمره أن يعيد وضوءه وصلاته.
أخرجه عبد الرزاق (١/ ٣٦/ ١١٨)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٥/ ٤٤٧)، وابن جرير الطبري (٤/ ٤٦٧/ ١١٤٥٨)، والبيهقي في الخلافيات (٢٦٤).
وهذا موقوف على عمر بإسناد منقطع، رجاله ثقات، وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي: لم يدرك عمر [تهذيب الكمال (١٤/ ٥٤٢)، المحلى (٢/ ٧١)].
٢ - ورواه هشيم، عن حجاج وعبد الملك (ح) ورواه عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج وحده:
كلاهما عن عطاء، عن عبيد بن عمير الليثي: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - رأى رجلًا وبظهر قدمه لمعة لم يصبها الماء، فقال له عمر: أبهذا الوضوء تحضر الصلاة؟ فقال: يا أمير المؤمنين البرد شديد، وما معي ما يدفئني، فرَقَّ له بعد ما همَّ به؛ فقال له: اغسل ما تركت من قدمك، وأعد الصلاة، وأمر له بخميصة.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٥/ ٤٤٦)، والدارقطني (١/ ١٠٩ و١١٠)، والبيهقي في السنن (١/ ٨٤)، وفي الخلافيات (٢٦٦).
عبيد بن عمير الليثي: مجمع على ثقته، وُلِد على عهد النبي - ﷺ -، وروايته عن عمر عند البخاري، وفي التاريخ الكبير (٥/ ٤٥٥): "سمع عمر، ، سمع منه عطاء".
وعطاء: هو ابن أبي رباح: ثقة فقيه فاضل.
وحجاج: هو ابن أرطاة؛ صدوق كثير الخطأ والتدليس [التقريب (٢٢٢)]، ولم يذكر سماعًا.
[ ٢ / ٣٠١ ]
وعبد الملك: هو ابن أبي سليمان العرزمي: صدوق؛ بل ثقة مشهور، معروف بالرواية عن عطاء.
ورواية هشيم عن عبد الملك في صحيح مسلم.
فهو إسناد صحيح إلى عمر موقوف عليه؛ إلا أنه دال على تفريق الوضوء؛ فقد استدل به البيهقي على تفريق الوضوء، فقال: "وقد روي عن عمر ما دل على أن أمره بالوضوء كان على طريق الاستحباب، وإنما الواجب غسل تلك اللمعة فقط "، وقال نحوه في الخلافيات، وقال: "إسناده جيد".
• وقد وجدت للمرفوع طريقين آخرين إلا أنهما ضعيفان:
الأول: يرويه قراد أبو نوح، عن شعبة، عن إسماعيل بن مسلم، عن أبي المتوكل، قال: توضأ عمر، وبقي على بعض رجله قطعة لم يصبها الماء، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يعيد الوضوء.
ذكره ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٥٤/ ١٣٤).
قال أبو حاتم: "أبو المتوكل لم يسمع من عمر، وإسماعيل هذا: ليس به بأس".
وأسنده البيهقي في الخلافيات (٢٦٢)، وقال: "وهذا منقطع".
قلت: إسماعيل هذا هو العبدي أبو محمد البصري: ثقة، وقراد: لقب، واسمه: عبد الرحمن بن غزوان: وهو ثقة أيضًا، فالسند رجاله ثقات إلا أنه منقطع، وهي متابعة جيدة لطريق أبي الزبير عن جابر.
تنبيه: وقع عند البيهقي: "توضأ ابن عمر"، وهو خطأ: إنما هو عمر.
الثاني: يرويه المغيرة بن سقلاب الحراني، عن الوازع بن نافع العقيلي، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر، عن أبي بكر [وفي رواية: عن أبي بكر وعمر]، قال: كنت جالسًا عند النبي - ﷺ - فجاء رجل قد توضأ، وبقي على ظهر قدمه مثل ظفر إبهامه لم يمسه الماء، فقال له النبي - ﷺ -: "ارجع فأتم وضوءك"، ففعل.
أخرجه أبو عوانة (١/ ٢١٣/ ٦٩٤)، والعقيلي في الضعفاء (٤/ ١٨٢)، وابن أبي حاتم في العلل (١/ ٦٧)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٣٥٩) و(٧/ ٩٦)، والدارقطني في السنن (١/ ١٠٩)، وفي الأفراد (٢ - أطرافه)، وابن شاهين في الناسخ (١٢٨)، والرافعي في التدوين (٤/ ١٤٨).
قال العقيلي بعد أن أخرجه في ترجمة المغيرة: "ولا يتابعه إلا من هو نحوه".
وقال أبو حاتم: "هذا حديث باطل بهذا الإسناد، ووازع بن نافع: ضعيف الحديث".
وقال ابن عدي: "ولا أعلم رواه عن الوازع بهذا الإسناد غير مغيرة هذا".
وقال الدارقطني في السنن: "الوازع بن نافع: ضعيف الحديث"، وقال في الأفراد: "غريب من حديث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده عن أبي بكر، تفرد به الوازع بن نافع عنه، وتفرد به المغيرة بن سقلاب عن الوازع" [أطرافه (١/ ٣٣/ ٢)].
[ ٢ / ٣٠٢ ]
فهو حديث باطل، كما قال أبو حاتم، تفرد به عن سالم: الوازع بن نافع، وهو: متروك، منكر الحديث، روى أحاديث موضوعة [انظر: اللسان (٦/ ٢٥٩)]، وتفرد به عن الوازع: المغيرة بن سقلاب، وهو: ضعيف [انظر: اللسان (٦/ ٩١)].
وقد أخرجه من طريق المغيرة أيضًا لكن سقط من إسناده ذكر عمر بن الخطاب: الطبراني في الأوسط (٢/ ٣٥٦/ ٢٢١٩)، وفي الصغير (١/ ٣٨/ ٢٧).
وقال: "لا يروى عن أبي بكر الصديق إلا بهذا الإسناد تفرد به المغيرة بن سقلاب".
***
١٧٤ - قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا حماد: أخبرنا يونس وحميد، عن الحسن، عن النبي - ﷺ -، بمعنى قتادة.
• مرسل صحيح الإسناد.
أخرجه من طريق أبي داود هكذا: البيهقي (١/ ٨٣).
ورواه ابن أبي شيبة (١/ ٤٥/ ٤٤٥)، قال: حدثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن: أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا ترك من قدمه موضع ظفر، فقال له رسول الله - ﷺ -: "أحسن وضوءك".
قال يونس: فكان الحسن يغسل ذلك المكان.
فهذا مرسل صحيح الإسناد.
وهو شاهد جيد لحديث عمر بن الخطاب المرفوع بطريقيه؛ طريق أبي الزبير عن جابر، وطريق أبي المتوكل الناجي.
***
١٧٥ - قال أبو داود: حدثنا حيوة بن شريح: حدثنا بقية، عن بحير - هو ابن سعد -، عن خالد، عن بعض أصحاب النبي - ﷺ -: أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا يصلي، وفى ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي - ﷺ - أن يعيد الوضوء والصلاة.
• إسناده جيد.
من طريق أبي داود: أخرجه البيهقي في السنن (١/ ٨٣)، وفي الخلافيات (٢٦١).
وأخرجه أحمد (٣/ ٤٢٤)، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس: حدثنا بقية: حدثنا بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن بعض أصحاب النبي - ﷺ - . . . فذكر الحديث، وفيه: أن يعيد الوضوء، ولم يذكر الصلاة.
ومن طريق أحمد: أخرجه ابن الجوزي في التحقيق (١/ ١٦٤/ ١٥٨).
[ ٢ / ٣٠٣ ]
وعزاه للحاكم في المستدرك: ابن دقيق العيد في الإمام (٢/ ١١)، وتبعه: ابن التركماني في الجوهر النقي بحاشية سنن البيهقي (١/ ٨٣)، وابن حجر في التلخيص (١/ ١٦٧)، على أن فيه: تصريح بقية بالتحديث.
قال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٢٤٠): "لعله وهم من الناسخ [يعني: ما وقع في الإمام من عزوه للحاكم في مستدركه، وقد تبعه عليه الآخرون]، فإن هذا الحديث ليس له ذكر فيه [يعني: في المستدرك]، وإنما صوابه: في المسند -يعني: لأحمد بن حنبل- فإنه أخرجه كذلك فيه" إلى أن قال: "وقد تبع الشيخ في هذا الغلط إمامان من جلة شيوخنا الحفاظ، فإياك والتقليد".
• وقد أعل هذا الحديث بعلتين:
الأولى: أن في إسناده بقية بن الوليد وفيه مقال [انظر: المحلى (٢/ ٧١)، الأحكام الوسطى (١/ ١٨٤)، مختصر السنن للمنذري (١/ ١٢٨)].
وأجاب عنها ابن القيم في تهذيب السنن (١/ ١٢٨ - ١٢٩) بقوله: "فإن بقية: ثقة في نفسه، صدوق حافظ، وإنما نقم عليه التدليس، مع كثرة روايته عن الضعفاء والمجهولين، وأما إذا صرح بالسماع فهو حجة، وقد صرح في هذا الحديث بسماعه له".
وقال ابن دقيق العيد في الإمام (٢/ ١١): "في المستدرك [صوابه: في المسند، كما تقدم بيانه] من طريق بقية: "حدثنا بحير"، فعلى هذا يسلم من تهمة التدليس من بقية في روايته عن بحير".
وما قالاه حق، فإنه ثقة إذا صرح بالسماع، وقد قال: حدثنا بحير بن سعد، فانتفت شبهة تدليسه.
والعلة الثانية: الإرسال.
قال ابن حزم في المحلى (٢/ ٧١): "وفي السند من لا يدرى من هو".
وقال البيهقي: "وهو مرسل".
وأعله بالإرسال أيضًا ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٢/ ٥٩٥).
وذلك لكون الصحابي لم يسم.
قال ابن القيم في التهذيب: "وأما العلة الثانية: فباطلة أيضًا على أصل ابن حزم وأصل سائر أهل الحديث، فإن عندهم جهالة الصحابي لا تقدح في الحديث، لثبوت عدالة جميعهم".
• وقد سأل الأثرمُ الإمامَ أحمد عن هذا الحديث بعينه فقال الأثرم: "هذا إسناد جيد؟ قال: نعم، قلت لأبي عبد الله: إذا قال رجل من التابعين: حدثني رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، ولم يسمه؛ فالحديث صحيح؟ قال: نعم" [بيان الوهم (٢/ ٦١١)، الإمام (٢/ ١١)، المغني (١/ ٩١)، نصب الراية (١/ ٣٥ - ٣٦)، البدر المنير (٢/ ٢٣٩)، التلخيص (١/ ١٦٧)، فتح الباري لابن رجب (١/ ٢٩١)، وجعل هذا الحديث من أجود ما روي في الباب مرفوعًا في الأمر بإعادة الوضوء].
[ ٢ / ٣٠٤ ]
قلت: فلعل رواية الأثرم كان فيها: "عن خالد بن معدان: حدثني رجل من أصحاب النبي - ﷺ -" فيه يصح الحديث، وإلا فإن خالد بن معدان: كثير الإرسال، وقد سمع جماعة من الصحابة.
وقال ابن عبد الهادي في شرح العلل (١٠٨): "وجهالة الصحابة لا تضر، وإسناد هذا الحديث جيد، وراوية بقية عن بحير صحيحة، سواء صرح بالتحديث أم لا، مع أنه قد صرح في هذا الحديث بالتحديث".
• وبهذا الحديث يحتج على عدم جواز تفرقة الوضوء ووجوب الموالاة لأمره - ﷺ - الرجل بإعادة الوضوء والصلاة، وهذا محمول على طول الفصل عرفًا، ويحتمل الجفاف.
وأما قول النووي في المجموع (١/ ٤٨١) بأن: "حديث خالد ضعيف الإسناد، وحديث عمر: لا دلالة له فيه، والأثر عن عمر روايتان: إحداهما للاستحباب، والأخرى للجواز".
فيجاب عنه: بأن حديث خالد بن معدان: جوّد إسناده الإمام أحمد، وكفى به حجة في الحكم عليه، فقد أغنانا عن البحث والنظر والتفتيش.
وأما حديث عمر: "ارجع فأحسن وضوءك" وأثره الصحيح: "اغسل ما تركت من قدمك"، فيحملان على فتواه الصحيحة بالأمر بإعادة الوضوء.
وأيًّا كان فإنه طالما ثبت لدينا الحديث مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - بالأمر بإعادة الوضوء؛ وجب العمل بما دل عليه من وجوب الموالاة، واطراح ما عدا ذلك.
• واحتج من قال بتفريق الوضوء بفعل ابن عمر الثابت عنه: الذي رواه مالك، عن نافع: أن ابن عمر بال في السوق، ثم توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه، ثم دعي لجنازة ليصلي عليها حين دخل المسجد، فمسح على خفيه، ثم صلى عليها.
وفي رواية: فمسح على خفيه بعد ما جف وضوؤه وصلى.
رواه مالك في الموطأ (١/ ٧٨/ ٨١)، وعنه: الشافعي في الأم (١/ ٣١)، والمسند (١٦)، ومن طريقه: ابن المنذر في الأوسط (١/ ٤٢١/ ٤٣١)، والبيهقي في السنن (١/ ٨٤)، وفي المعرفة (١/ ١٨٢/ ٩٩)، وفي الخلافيات (٢٦٥)، وابن حجر في التغليق (٢/ ١٥٧).
وإسناده صحيح كالشمس مسلسل بالأئمة، وصححه ابن المنذر والبيهقي وابن حجر.
ولكنا في مثل هذا نتأول فعل الصحابي، ولا نتأول له حديث رسول الله - ﷺ -.
راجع: فتح الباري لابن رجب (١/ ٢٨٩)، فتح الباري لابن حجر (١/ ٤٤٦)، الأوسط لابن المنذر (١/ ٤٢٠)، الدراية (١/ ٢٩)، التلخيص (١/ ١٦٥)، الكافي الشافي (١/ ٥٩٩).
• هذا حكم تفريق الوضوء أنه لا يجوز، والواجب الموالاة، فإن طال الفصل عرفًا وجب الاستئناف.
وأما تفريق الغسل: فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى عند الحديث رقم (٢٥٦).
***
[ ٢ / ٣٠٥ ]