١٥ - . . . عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن عياض، قال: حدثني أبو سعيد قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "لا يخرج الرجلانِ يضربانِ الغائطَ كاشفينِ عن عورتهما يتحدثانِ؛ فإن الله -﷿- يمقت على ذلك".
قال أبو داود: هذا لم يسنده إلا عكرمة بن عمار.
• المحفوظ: مرسل، ورواية عكرمة وهم
أخرجه النسائي في الكبرى (١/ ٧٠/ ٣٢ و٣٣)، وابن ماجه (٣٤٢)، وابن خزيمة (٧١)، وابن حبان (٤/ ٢٧٠/ ١٤٢٢)، والحاكم (١/ ١٥٧)، وأحمد (٣/ ٣٦)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٤٠)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٤٦)، والبيهقي (١/ ٩٩)، والخطيب في التاريخ (١٢/ ١٢٢)، وفي الموضح (٢/ ٣٤٥)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ٣٨١/ ١٩٠)، والمزي في التهذيب (١١/ ٢١٣).
وقد اختلف فيه على يحيى بن أبي كثير:
١ - فرواه عكرمة بن عمار [صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب. التقريب (٦٨٧)]:
واختلف عليه أيضًا:
أ- فرواه عبد الرحمن بن مهدي وسفيان الثوري [الإمامان الجليلان جبلا الحفظ والإتقان، وعبد الملك بن الصباح المسمعى [صدوق. التقريب (٦٢٣)، وعبد الله بن رجاء الغداني [صدوق يهم قليلًا. التقريب (٥٠٥)]. وأبو حذيفة النهدي موسى بن مسعود
[ ١ / ٤٨ ]
[صدوق سيئ الحفظ، وكان يصحف. التقريب (٩٨٥)]. وسلم بن إبراهيم الوراق [ضعيف. التقريب (٣٩٦)]. وإسماعيل بن سنان [صدوق، قال أبو حاتم: "ما بحديثه بأس"، وقال الدارقطني: "بصري صالح"، الجرح (٢/ ١٧٦)، سؤالات البرقاني (٨)]:
سبعتهم عن عكرمة به هكذا، مع اختلاف بينهم في تسمية هلال بن عياض.
ب- وخالفهم: عبيد بن عقيل [صدوق. التقريب (٦٥١)]، فرواه عن عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا يخرج اثنان إلى الغائط فيجلسا كاشفين عن عورتهما؛ فإن الله يمقت على ذلك".
أخرجه النسائي في الكبرى (١/ ٧٠/ ٣١)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٦٥/ ١٢٦٤).
وهذا وهمٌ ظاهرٌ من عبيد بن عقيل حيث سلك الجادة والطريق السهل، ورواية الجماعة هي الصواب؛ لا سيما وفيهم الثوري وابن مهدي.
٢ - ورواه الأوزاعي الإمام عبد الرحمن بن عمرو [كان لا يقيم حديث يحيى بن أبي كثير ولم يكن عنده فيه كتاب، إنما كان يحدث به من حفظه ويهم فيه، قاله الإمام أحمد. شرح علل الترمذي (٢٦٩)].
واختلف عليه أيضًا:
أ- فرواه عبد الملك بن الصباح [صدوق]: ثنا الأوزاعي، عن يحيى، عن هلال بن عياض، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي -ﷺ- قال: "إذا تغوط الرجلان فليتوار أحدهما عن صاحبه ولا يتحدثان على طوقهما؛ فإن الله يمقت عليه".
أخرجه الخطيب في التاريخ (١٢/ ١٢٢).
ب- ورواه مسكين بن بكير [صدوق يخطئ. التقريب (٩٣٧)]، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن [يعني: ابن ثوبان العامري المدني]، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا تغوط الرجلان فليتوارَ كل واحد منهما عن صاحبه، ولا يتحدثان على طوقهما؛ فإن الله يمقت على ذلك".
أخرجه ابن السكن في صحيحه [ذكره ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٥/ ٢٦٠)].
ج- ورواه الوليد بن مسلم [ثقة، من أثبت أصحاب الأوزاعي، وأعلمهم بحديثه]، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن رسول الله -ﷺ-، مرسلًا.
أخرجه الحاكم (١/ ١٥٨)، وعنه: البيهقي (١/ ١٠٠).
ورواية الوليد: أولى بالصواب من روايتي عبد الملك بن الصباح، ومسكين بن بكير؛ فإنه أثبت منهما في الأوزاعي؛ قال مروان بن محمد الطاطري: "كان عالمًا بحديث الأوزاعي" [الجرح والتعديل (٩/ ١٦)، التهذيب (٩/ ١٦٨)].
ولا يقال هنا بأن الوليد عنعنه ولم يصرح فيه بالسماع من الأوزاعي؛ وذلك لأن الوليد لم ينفرد بروايته عن الأوزاعي، والوليد إذا دلَّس فإنما يريد تجويد السند، وهنا رواية
[ ١ / ٤٩ ]
الوليد مرسلة بينما رواية صاحبيه عن الأوزاعي مسندة، ثم إنه قد توبع على هذه الرواية كما سيأتي مما يؤكد بأن الوليد قد حفظ الحديث ولم يدلسه.
إذا تبين هذا علمت خطأ ابن السكن في تصحيح حديث جابر الشاذ؛ إذ يقول: "رواه عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن عياض عن أبي سعيد عن النبي -ﷺ-، وأرجو أن يكونا صحيحين" وقد صحح حديث جابر أيضًا: ابن القطان الفاسي إذ يقول: "وإنما يصح من حديث جابر" [بيان الوهم والإيهام (٥/ ٢٦٠)] والحق أنه شاذ، وقد قال ابن حجر في البلوغ (١/ ٢٧): [وصححه ابن السكن وابن القطان، وهو معلول" فأصاب.
وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث عكرمة بن عمار -في المحفوظ عنه-، وحديث الأوزاعي -في الراجح عنه، وهي رواية الوليد المرسلة- فقال أبو حاتم: "الصحيح هذا -يعني: حديث الأوزاعي-، وحديثُ عكرمة وهمٌ" [العلل (١/ ٤١/ ٨٨)].
٣ - ورواه أبان بن يزيد العطار [ثقة، مقدم في يحيى بن أبي كثير على غيره، مثل همام والأوزاعي وعكرمة وغيرهم. شرح علل الترمذي (٢٦٩)]، عن يحيى بن أبي كثير، عن النبي -ﷺ-. مرسلًا.
أخرجه أبو داود [تحفة الأشراف (٣/ ٤٧٧/ ٤٣٩٧) وانظر: نسخة محمد عوامة (١/ ١٥٦/ ١٦)].
وبذلك تتفق رواية أبان مع رواية الأوزاعي -من رواية الوليد بن مسلم عنه- على إرسال هذا الحديث، وأنه هو المحفوظ.
وهذا يؤكد ما قاله أبو داود في حديث عكرمة إذ يقول: "هذا لم يسنده إلا عكرمة، وهو مرسل عندهم. حدثنا أبو سلمة: حدثنا أبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن النبي -ﷺ-؛ نحو حديث عكرمة، ثم قال: وعكرمة في يحيى ليس بذاك" [التحفة (٣/ ٤٧٧)].
وهو نفس ما ذهب إليه أبو حاتم في قوله: "الصحيح هذا -يعني: حديث الأوزاعي-، وحديثُ عكرمة وهمٌ".
وقال عبد الحق الإشبيلي: "لم يسنده غير عكرمة بن عمار، وقد اضطرب فيه" [الأحكام الوسطى (١/ ٨٥)].
وانظر: بيان الوهم والإيهام (٣/ ١٤٣ و٢٧١/ ٨٥٢ و١٠١٨)، علل الدارقطني (١١/ ٢٩٦/ ٢٢٩٤).
وأما قول الحاكم: "هذا حديث صحيح من حديث يحيى بن أبي كثير"؛ فليس بشيء، إذ لم يسنده عنه سوى عكرمة بن عمار، وأما من هو أثبت منه في يحيى فقد أرسله، أعني: أبانًا والأوزاعي.
• وقد أُعلَّ حديثُ عكرمة أيضًا بالاضطراب في سنده ومتنه:
أما الاضطراب في سنده: فقد قال ابن مهدي وعبد الله بن رجاء وعبد الملك بن
[ ١ / ٥٠ ]
الصباح وأبو حذيفة: هلال بن عياض، وقال سلم بن إبراهيم الوراق وإسماعيل بن سنان: عياض بن هلال، وقال الثوري: عياض بن عبد الله.
وقد وقع هذا الاختلاف وأكثر منه في حديثه الآخر: "إذا صلى أحدكم فلم يدر زاد أم نقص " [أبو داود (١٠٢٩)، الترمذي (٣٩٦)، النسائي الكبرى. ابن ماجه (١٢٥٤)، وهو مخرج في رسالتي "سجود السهو"].
وقد رجح البخاري وأبو حاتم ومسلم ومحمد بن يحيى الذهلي والدارقطني وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والخطيب وغيرهم: أن الصواب فيه قول من قال: عياض بن هلال، ومن قال: هلال بن عياض فقد وهم [نظر: التهذيب (٦/ ٣٢٠)، الجرح (٦/ ٤٥٨)، الثقات (٥/ ٢٦٥)، المستدرك (١/ ١٥٨)، سنن ابن ماجه (٣٤٢ م ١)، علل الدارقطني (١١/ ٢٩٦/ ٢٢٩٤)، الموضح (٢/ ٣٤٥)].
وأيًّا كان فإنه: مجهول، لم يرو عنه سوى يحيى بن أبي كثير [التقريب (٧٦٥)، الميزان (٣/ ٣٠٧)، الترغيب والترهيب (١/ ٨٣)].
وأما الاضطراب في متنه: فمرة يجعل المقت على التكشف والتحدث في حال قضاء الحاجة. ومرة يجعله على التكشف والنظر دون التحدث، ومرة يجعله على التحدث فحسب؛ ذكره ابن القطان الفاسي (٥/ ٢٥٩ - ٢٦٠) ثم قال: "واضطرابه دليل سوء حال راويه، وقلة تحصيله، فكيف وهو من لا يعرف؟! ".
وسيأتي له حديث ضعيف آخر برقم (١٠٢٩).
وخلاصة مما تقدم، أنه لو صح حديث عكرمة، لكان ضعيفًا لجهالة راويه عياض بن هلال، والاضطراب في سنده ومتنه، فكيف وهو لم يصح أصلًا، وإنما المحفوظ فيه هو ما رواه أبان بن يزيد العطار والأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير مرسلًا كما قال أبو حاتم وأبو داود، والله أعلم.
***