قال أبو داود: حدثنا محمد بن عثمان أبو الجماهر: حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: "أمرنا النبي - ﷺ - أن نردَّ على الإمام، وأن نتحابَّ، وأن يسلِّمَ بعضُنا على بعض".
* حديث ضعيف
أخرجه من طريق أبي الجماهر [وهو: ثقة]: ابن خزيمة (٣/ ١٠٤/ ١٧١١)، والحاكم (١/ ٢٧٠)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٢/ ٧٥)، والطبراني في مسند الشاميين (٤/ ٢٩/ ٢٦٤٣)، والبيهقي (٢/ ١٨١)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٢٠٨/ ٧٠٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٢٣٣).
أتبعه يعقوب بن سفيان بقوله: "وقال [يعني: أبا الجماهر]: وسألت أبا مسهر عن سعيد بن بشير؟ قال: لم يكن في جندنا أحفظ منه، وهو ضعيف، منكر الحديث".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، وسعيد بن بشير: إمام أهل الشام في عصره؛ إلا أن الشيخين لم يخرجاه بما وصفه أبو مسهر من سوء حفظه، ومثله لا ينزل بهذا القدر".
وقال ابن مفلح في المبدع (١/ ٤٧١): "إسناده ثقات".
قلت: سعيد بن بشير: ضعيف، يروي عن قتادة المنكرات [تقدم ذكره تحت الأحاديث المتقدمة برقم (٣ و٢٧ و١٨٠ و٣٠٦ و٤٩٠ و٥٧٠ و٦٧١ و٦٧٥) وغيرها]، وأكثر الأئمة على تضعيفه، وحديثه صالح في المتابعات [انظر: التهذيب (٢/ ٨)، الميزان (٢/ ١٢٨)].
* ورواه الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: "أمرنا رسول الله - ﷺ - إذا سلَّم الإمام أن نرُدَّ عليه".
أخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ٢١٤/ ٦٨٩٠)، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرق الحمصي: ثنا محمد بن مصفى: ثنا الوليد به.
قلت: ولا أظنه يثبت من حديث الوليد بن مسلم؛ لأنه لو كان مشتهرًا من حديث الوليد، لما تركوه وذهبوا لحديث أبي الجماهر، لشهرة الوليد وكثرة حديثه، وشيخ الطبراني: إبراهيم بن محمد بن الحارث بن عرق: مجهول الحال، قال الذهبي: (شيخ للطبراني غير معتمد" [الميزان (١/ ٦٣)، اللسان (١/ ٣٥٥)].
* ورواه عبد الأعلى بن القاسم أبو بشر صاحب اللؤلؤ [بصري، صدوق]: ثنا همام، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: "أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نسلِّمَ على أئمتنا،
[ ١١ / ٥ ]
وأن يسلِّمَ بعضُنا على بعض". وفي رواية [عند ابن خزيمة]: قال همام: يعني: في الصلاة.
أخرجه ابن ماجه (٩٢٢)، وابن خزيمة (٣/ ١٠٤/ ١٧١٠) (٣/ ١٩٣/ ١٧١٠ - ط. الميمان)، وابن حبان في وصف الصلاة بالسُّنَّة (٦/ ٢١/ ٦٠٦٤ - إتحاف المهرة)، والبزار (١٠/ ٤١٨/ ٤٥٦٦)، والروياني (٨٢٩)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢١٨/ ٦٩٠٦)، والدارقطني (١/ ٣٦٠)، والبيهقي (٢/ ١٨١).
تنبيهات:
الأول: وقع في أكثر نسخ ابن ماجه، وكذا في التحفة (٣/ ٥٩١/ ٤٥٩٥ - ط. الغرب): علي بن القاسم، بدل: عبد الأعلى، وهو على الصواب في نسخة مكتبة باريس، وقال المزي في التحفة: "كذا وقع عنده، والصواب: عبد الأعلى بن القاسم"، وقال في التهذيب (٢١/ ١٠٩):"هكذا وقع عنده في جميع الروايات عنه، والصواب عبد الأعلى بن القاسم"، وانظر أيضًا: شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي (٥/ ١٥٨٦).
الثاني: وقع في مطبوعة البزار: هشام بدل همام، وهو تصحيف، وجاء على الصواب عند ابن القطان في بيان الوهم (٥/ ٢٣٢/ ٢٤٤٢) [ونقله عنه: ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٦٧)]، فيما نقله من مسند البزار، ويؤيده قوله بعد ذلك (٥/ ٢٣٣): "وهو أيضًا أحسن إسنادًا؛ فإن همام بن يحيى لا يفاضَل بينه وبين سعيد بن بشير في قتادة"، وانظر أيضًا: شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي (٥/ ١٥٨٦).
الثالث: جاءت زيادة في آخر الحديث عند البزار: "وأن يسلِّمَ بعضُنا على بعض في الصلاة"، وقوله: في الصلاة؛ إنما هو من قول همام، أدرجه بعضهم في الحديث، وفصله إبراهيم بن المستمر، وهو صدوق، وقد رواه جماعة من الثقات عن عبد الأعلى بدونها.
الرابع: وقع عند ابن خزيمة والطبراني: "أن نسلم على أيماننا"، بدل: "أئمتنا"، وهي شاذة، تفرد بها إبراهيم بن المستمر العروقي، وهو صدوق، وقد رواه عمرو بن علي الفلاس، وعبدة بن عبد الله الصفار، ومحمد بن يزيد بن عبد الملك الأسفاطي، وعمر بن شبة النميري [وهم ثقات]، فقالوا: "أئمتنا".
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يُروى إلا عن سمرة".
وجوَّد إسناده ابن القطان في بيان الوهم (٥/ ٢٣٢/ ٢٤٤٢)، وصححه أو حسنه في آخر الكتاب (٥/ ٦١٥/ ٢٨٣٥)، وانظر أيضًا: (٣/ ١٥/ ٦٥٦).
وحسن إسناده النووي في المجموع (٣/ ٤٤٣)، وقال: "واعتضدت طرق هذا الحديث فصار حسنًا أو صحيحًا".
وقال في الخلاصة (١٤٦٩): "حديث حسن أو صحيح".
وقال ابن حجر في التلخيص (١/ ٢٧١/ ٤٢١): "إسناده حسن".
قلت: هو أمثل إسناد لهذا الحديث، وهو إسناد بصري حسن غريب، ووجه غرابته:
[ ١١ / ٦ ]
تفرد عبد الأعلى بن القاسم به عن همام، دون بقية أصحاب همام الثقات على كثرتهم.
° فإن قيل: تابع عبد الأعلى عليه:
محمد بن سعيد بن زياد القرشي: حدثنا همام بن يحيى: حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: "أمرنا نبينا - ﷺ - أن يسلِّمَ بعضنا على بعض، وأن نسلِّمَ على أئمتنا".
أخرجه يعقوب بن سفيان في مشيخته (١٩ - الثاني)، والخطيب في التاريخ (٥/ ٣٠٥).
فيقال: هي متابعة واهية، لا تغني شيئًا؛ فإن محمد بن سعيد بن زياد القرشي الكريزي: منكر الحديث، واتهم بالكذب [اللسان (٧/ ١٥٥)].
* ورواه عثمان بن مقسم، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: "أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نسلِّم على نسائنا، وأن يردَّ بعضنا على بعض".
أخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ٢١٨/ ٦٩٠٧)، قال: حدثنا جعفر بن محمد الفريابي [ثقة حافظ]: ثنا عبد الرحمن بن عمرو الحراني [شيخ، قاله أبو زرعة. الجرح والتعديل (٥/ ٢٦٧)]: ثنا عثمان به.
وهذا إسناد واهٍ بمرة، وحديث منكر؛ أبو سلمة الكندي عثمان بن مقسم البري: متروك، كذبه جماعة [راجع الحديث السابق برقم (١٣٢)].
* ورواه إسماعيل بن عياش، قال: حدثنا أبو بكر الهذلي، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب؛ أن النبي - ﷺ - قال: "إذا سلَّم الإمام فردُّوا عليه".
أخرجه ابن ماجه (٩٢١)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢١٦/ ٦٨٩٩)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٣٢٤).
قال ابن عدي: "رواه عن قتادة مع أبي بكر الهذلي: سعيد بن بشير".
قلت: وهذا حديث منكر بهذا السياق؛ وإسناده واهٍ بمرة؛ أبو بكر الهذلي: متروك الحديث، عامة ما يرويه لا يتابع عليه، وهو بصري، وحديث إسماعيل بن عياش عن أهل العراق والحجاز فيه ضعف، وهذا منه، وقد خالف فيه همام بن يحيى، وتقدم لفظه.
* وقد اختلفت الأقوال في معنى الحديث، فذهب أكثر الفقهاء إلى كونه في التسليم من الصلاة، لكن قال العيني في شرح سنن أبي داود (٤/ ٢٨٦): "قوله: "أن نردَّ على الإمام" أراد به: أن يفتح على إمامه إذا استفتح في الصلاة"، قلت: وهو معنى يحتمله النص لو بقي هكذا بلا قيد، لكن جاء عند ابن خزيمة (١٧١١): "أن نردَّ على أئمتنا السلام"، فزال بذلك الإشكال وترجح ما ذهب إليه جماعة الفقهاء.
كما يمكن لقائل أن يقول: إن رواية سعيد بن بشير، ورواية الجماعة لحديث همام، هي في عموم رد السلام وإفشائه، والذي يؤدي إلى غرس جذور المحبة في قلوب المؤمنين، لكن رواية ابن خزيمة والبزار فيها التصريح بكونه في الصلاة، بهذا صرح راويه همام بن يحيى، وأدرجها بعضهم في المرفوع، والله أعلم.
[ ١١ / ٧ ]
* والحاصل: فإن أصح ما روي به هذا الحديث:
ما رواه عبد الأعلى بن القاسم: ثنا همام، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: "أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نسلِّمَ على أئمننا، وأن يسلِّمَ بعضُنا على بعض".
وتابعه: سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: "أمرنا النبي - ﷺ - أن نردَّ على الإمام، وأن نتحابَّ، وأن يسلِّمَ بعضُنا على بعض".
* وقد صحح حديث سمرة هذا: ابن خزيمة والحاكم، وقال ابن حبان في كتابه "وصف الصلاة بالسُّنّة" بعد أن أخرجه: "أنا عائذ بالله أن نحتج في شيء سنن كتبنا بالمقاطيع والمراسيل، والحسن لم يسمع من سمرة شيئًا، لكن ظاهر الكتاب يوجب رد السلام على المسَلِّم مطلقًا، سواء كان في صلاة أم غيرها".
* وقد سبق تحقيق القول في سماع الحسن من سمرة عند الحديث رقم (٣٥٤) [وراجع أيضًا: الأحاديث رقم (٢٧) و(٧٧٧ - ٧٨٠)]، وخلاصة ما قلت هناك: أن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة، والباقي كتاب غير مسموع؛ إلا أنه وجادة صحيحة معمول بها عند الأئمة.
وعليه: فإنه إذا صح الإسناد إلى الحسن البصري؛ فحديثه عن سمرة محمول على الاتصال، وهو صحيح.
إلا أن الوجادة قد يدخلها شيء من الوهم بالتصحيف وغيره، وظاهر هذا الحديث أن المأموم يسلم ثلاث تسليمات، اثنتان عن يمينه وشماله، والثالثة على الإمام، وطالما أن الإمام ينتهي من تسليمه قبل أن يشرع المأموم في التسليم، فعلى المأموم أن يرد السلام على الإمام، وعندئذٍ يكون قد تكلم بكلام أجنبي عن الصلاة مخاطبًا به آدميًا أثناء الصلاة.
وبهذا يكون ظاهر هذا الحديث معارضًا لما ثبت من حديث ابن مسعود، في النهي عن الكلام في الصلاة برد السلام وغيره، كما صح ذلك في حديث ابن مسعود، فيما رواه عاصم، عن شقيق، عن عبد الله، قال: كنا نتكلم في الصلاة، ويسلم بعضنا على بعض، ويومئ أحدُنا بالحاجة، فأتيت النبي - ﷺ -، فسلمتُ عليه وهو يصلي، فلم يردَّ عليَّ، فأخذني ما قدُم وما حدُث، فلما صلَّى قال: "إن الله ﷿ يحدث من أمره ما شاء، وإنه قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة" [حديث صحيح، تقدم تخريجه برقم (٩٢٤)]، وعلى هذا فإن من تكلم في صلاته، وقبل أن يسلم منها بكلام يخاطب به آدميًا كرد السلام على الإمام ونحوه فإنه تبطل به صلاته، وهذا بخلاف ما إذا نوى بتسليمتيه التحلل من الصلاة، والسلام على مَن على يمينه، وعلى مَن على يساره، لحديث جابر بن سمرة، والله أعلم.
• فإن قيل: ألا يشهد له حديث سمرة الذي رواه بنوه عنه:
فقد روى محمد بن داود بن سفيان: حدثنا يحيى بن حسان: حدثنا سليمان بن موسى أبو داود: حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب: حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب: أما بعدُ، أمرنا رسول الله - ﷺ - إذا كان في وسط
[ ١١ / ٨ ]
الصلاة، أو حين انقضائها: "فابدؤوا قبل التسليم، فقولوا: التحيات الطيبات، والصلوات والملك لله، ثم سلِّموا على اليمين، ثم سلموا على قارئكم، وعلى أنفسكم".
تقدم برقم (٩٧٥)، والشاهد منه: قوله - ﷺ -: "ثم سلِّموا على اليمين، ثم سلِّموا على قارئكم، وعلى أنفسكم".
وهذه الرواية تؤكد أن هذا الحديث قد أخذه الحسن من كتاب سمرة الذي رواه بنوه، فتزيد من ثقتنا بثبوت الحديث عن سمرة.
فيقال: ليس الأمر كذلك؛ فإن المحفوظ في لفظ هذا الحديث:
ما رواه دحيم: ثنا يحيى بن حسان: ثنا سليمان بن موسى: ثنا جعفر بن سعد بن سمرة: حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان، عن سمرة قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - إذا كان في وسط الصلاة، أو في حين انقضائها: "فابدؤوا قبل التسليم، بقول: التحيات الطيبات الصلوات، والسلام والملك لله، ثم سلِّموا على النبيين، ثم سلِّموا على أقاربكم، وعلى أنفسكم".
وما رواه مروان بن جعفر السَّمُري: ثنا محمد بن إبراهيم: ثنا جعفر بن سمرة، عن خبيب بن سليمان بن سمرة، عن أبيه، عن سمرة؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا كان حين التسليم في وسط الصلاة، أو حين انقضائها، فابدؤوا قبل التسليم، فقولوا: التحيات الطيبات، والصلوات والسلام والملك لله، ثم سلِّموا على النبي - ﷺ -، ثم سلِّموا على أقاربكم، وعلى أنفسكم".
وعلى هذه الرواية المحفوظة: فحديث سمرة هذا إنما جاء في بيان صيغة التشهد، وليس فيه بيان التسليم من الصلاة، فلم يعد متابعًا لحديث الحسن عن سمرة.
وقوله هنا: "وسط الصلاة"؛ يعني: في التشهد الأوسط، ولا يعارضه قوله: "إذا كان حين التسليم"؛ لأنه يراد به التسليم على النبي - ﷺ -، وهو الداخل في التحيات، ففي حديث كعب بن عجرة: فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ [تقدم برقم (٩٧٧)، وهو حديث متفق عليه]، فأطلقوا التسليم على التحيات، وأما قوله بعد ذلك: "فابدؤوا قبل التسليم"، فهو متعلق بآخر مذكور، وهو قوله: "أو حين انقضائها"، يعني التسليم والخروج من الصلاة حين انقضائها، وعلى هذا فيكون المعنى: بيان صيغة التشهد المشتمل على التسليم على النبي - ﷺ - سواء في وسط الصلاة، أو حين انقضائها قبل التسليم والخروج منها.
وهذا كله يؤكد وقوع التحريف في رواية أبي داود: "ثم سلِّموا على اليمين، ثم سلِّموا على قارئكم، وعلى أنفسكم"؛ لأنه بذلك لم يذكر التسليم على النبي - ﷺ -، وهو الثابت في الرواية الأخرى كما ترى.
والحاصل: فإن المحفوظ في ألفاظ حديث بني سمرة عن أبيهم، يدل على أن رواية الحسن، والتي أخذها من هذه الصحيفة نفسها، قد وقع فيه تحريف، ورواية بالمعنى،
[ ١١ / ٩ ]
ومعلوم ما يدخل الكتب والصحف والوجادات ما يدخلها من التحريف والتصحيف، لا سيما، ولم أجد السلام على الإمام إلا في هذه الرواية، ولم أجد ما يشهد لها، والله أعلم.
هذا من جهة مخالفة رواية الحسن لصحيفة سمرة التي رواها بنوه، وأما هذا الحديث بعينه من صحيفة سمرة، فقد ختمت كلامي عليه في الموضع المشار إليه بقولي:
وقد سبق تفصيل الكلام عن هذا الإسناد عند الحديث السابق برقم (٤٥٦)، وذكرت هناك كلام العلماء في هذه الصحيفة وإسنادها، والحاصل:
أن الذي يترجح عندي في هذا الإسناد - والله أعلم -: أنه إسناد صالح في الشواهد والمتابعات، لا ينهض على انفراده بإثبات حكم، أو تثبت به سُنَّة، فإن جاء بمخالفة ما صح فهو منكر.
وعليه: فإن التشهد بهذا اللفظ منكر؛ لمخالفته الأحاديث الصحيحة في الباب [حديث ابن مسعود، وحديث أبي موسى، وحديث ابن عباس].
وبذا تسقط الرواية من أصلها لمخالفتها الأصول الصحيحة، وهذا الحكم يعود عندئذٍ على الفرع الذي اعتمد عليها بالإبطال، وهي رواية الحسن عن سمرة لهذا الحديث، فإذا كان الحديث المروي في الصحيفة قد دخله ما دخله مما عاد عليه بالرد وعدم القبول؛ فيقال مثله فيمن رواه من طريقه أيضًا، وذلك لأن الحسن لم يسمع هذا الحديث من سمرة، وإنما استعار الحسن الصحيفة من بني سمرة فرواها، فوقع له حينئذ من الوهم ما وقع في أصل الصحيفة، والله أعلم.
* هذا إذا قلنا بأن هذا الحديث من صحيفة سمرة هو أصل حديث الباب الذي رواه الحسن عن سمرة، لكن يبدو لي - والله أعلم - أن حديث الحسن عن سمرة هذا له أصل آخر في صحيفة سمرة:
فقد روى الطبراني في الكبير (٧/ ٢٥٠/ ٧٠١٧)، قال: حدثنا موسى بن هارون: ثنا مروان بن جعفر السَّمُري: ثنا محمد بن إبراهيم بن خبيب بن سليمان بن سمرة، عن جعفر بن سعد بن سمرة، عن خبيب بن سليمان بن سمرة، عن أبيه، عن سمرة؛ "أن رسول الله - ﷺ - أمرنا أن يحب بعضنا بعضًا، وأن يسلم بعضنا على بعض إذا التقينا".
شيخ الطبراني هو: الحمَّال، الحافظ الكبير الحجة الناقد، مشهور بالحفظ والإتقان ونقد الرجال.
ومروان بن جعفر السَّمُري: روى صحيفة سمرة، روى عنه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، وقال أبو حاتم: "صدوق، صالح الحديث"، فلا عبرة بعد ذلك بقول الأزدي: "يتكلمون فيه" [الجرح والتعديل (٨/ ٢٧٦)، طبقات ابن سعد (٦/ ٤١٧)، تاريخ الإسلام (١٧/ ٣٦٠)، الميزان (٤/ ٨٩)، اللسان (٨/ ٢٨)].
ومحمد بن إبراهيم بن خبيب بن سليمان بن سمرة: ترجم له البخاري وابن أبي حاتم
[ ١١ / ١٠ ]
بروايته لرسالة سمرة بهذا الإسناد، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في الثقات؛ إلا أنه قال: "لا يعتبر بما انفرد به من الإسناد" [التاريخ الكبير (١/ ٢٦)، الجرح والتعديل (٧/ ١٨٦)، الثقات (٩/ ٥٨)، المؤتلف للدارقطني (٢/ ٦٣٢)، اللسان (٦/ ٤٧٧)]، وعلى هذا فهو صالح فيما رواه بهذا الإسناد وتوبع عليه.
وفي الجملة: فهو إسناد جيد في المتابعات.
• وقد وجدت له طريقًا أخرى:
قال البزار في مسنده (١٠/ ٤٤٨/ ٤٦٠٥): وحدثنا خالد بن يوسف، قال: حدثني أبي يوسف بن خالد، قال: نا جعفر بن سعد بن سمرة، قال: حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب، أنه كتب إلى بنيه: من سمرة بن جندب، سلام عليكم، فإنى أحمد إليكم الله، الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة إلخ.
ثم سرد البزار سبعة وسبعين حديثًا بهذا الإسناد، منها طرف من هذا الحديث (١٠/ ٤٥٠/ ٤٦٠٩): قال: "وأمرنا رسول الله - ﷺ - أن يسلم بعضنا على بعض إذا التقينا".
ويوسف بن خالد، هو: السمتي، متروك، ذاهب الحديث، كذبه غير واحد [انظر: التهذيب (٤/ ٤٥٤) وغيره]، وابنه خالد: أصلح حالًا منه؛ فقد ضُعِّف، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "يعتبر حديثه من غير روايته عن أبيه" [انظر: اللسان (٣/ ٣٥٠) وغيره]، فهذه الطريق لا يعتمد عليها، ولا تصلح للاعتبار، والعمدة على الأول.
* وعلى هذا فالأقرب عندي: أن هذا الحديث من صحيفة سمرة هو أصل حديث الباب الذي رواه الحسن عن سمرة، وعليه: فحديث الحسن عن سمرة إنما هو في عموم إفشاء السلام عند اللقاء، وليس في خصوص التسليم للخروج من الصلاة، هذا إذا لم نقل أيضًا بأنه دخل له حديث في حديث، فهو حديث ضعيف بهذا السياق، والله أعلم.
* وفي الباب أيضًا:
حديث علي بن أبي طالب:
رواه جماعة من أصحاب أبي إسحاق، منهم: سفيان الثوري، وشعبة، وإسرائيل:
عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، قال: سألنا عليًّا عن تطوع النبي - ﷺ - بالنهار، فقال: إنكم لا تطيقونه، قال: قلنا: أخبرنا به نأخذ منه ما أطقنا، قال: "كان النبي - ﷺ - إذا صلى الفجر أمهل، حتى إذا كانت الشمس من هاهنا - يعني: من قبل المشرق - مقدارها من صلاة العصر من هاهنا من قبل المغرب، قام فصلى ركعتين، ثم يمهل حتى إذا كانت الشمس من هاهنا - يعني: من قبل المشرق - مقدارها من صلا الظهر من هاهنا - يعني: من قبل المغرب - قام فصلى أربعًا، وأربعًا قبل الظهر إذا زالت الشمس، وركعتين بعدها، وأربعًا قبل العصر، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين، والنبيبن، ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين". قال: قال علي: تلك ست عشرة ركعة، تطوع النبي - ﷺ - بالنهار، وقلَّ من يداوم عليها.
[ ١١ / ١١ ]
يأتي تخريجه مفصلًا - إن شاء الله تعالى - في موضعه من السنن برقم (١٢٧٢/ ١٢٧٥).
وهذا الحديث قد ضعفه ابن المبارك وغيره [انظر: جامع الترمذي (٥٩٩)، التهذيب (٢/ ٢٥٤)، الميزان (٢/ ٣٥٣)].
وعلى فرض صحته فإنه ليس دليلًا على أنه ينوي بسلامه الملائكة والنبيين والمؤمنين؛ فإن قوله: يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين، والنبيبن، ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين، إنما أراد به التشهد، ففي تشهد ابن مسعود: "السلام علينا وعلي عباد الله الصالحين"، قال النبي - ﷺ - مفسرًا هذه الجملة: "فإنكم إذا قلتم ذلك أصاب كلَّ عبدٍ صالح في السماء والأرض"، وفي رواية: "إذا قلتَها أصابت كلَّ ملكٍ مقرب، أو نبيٍ مرص، أو عبدٍ صالح"، [تقدم برقم (٩٦٨)، وهو متفق عليه، دون اللفظ الثاني، وهو صحيح أيضًا].
قال الترمذي في الجامع (٤٢٩): "واختار إسحاق بن إبراهيم [يعني: ابن راهويه] أن لا يُفصَل في الأربع قبل العصر، واحتج بهذا الحديث، وقال: ومعنى أنه يفصل بينهن بالتسليم، يعني: التشهد" [وقد أطال ابن خزيمة في صحيحه (٢/ ٢١٩/ ١٢١١) في الرد على هذا القول بما لا طائل تحت؛ فإن نصوص الشريعة وكلام الصحابة لا ينبغي محاكمتها وتنزيلها على اصطلاحات الفقهاء الحادثة، وسبق تقرير هذه المسألة قبل ذلك تحت الحديث رقم (٥٧٣)].
قلت: ويشهد لهذا المعنى رواية حصين بن عبد الرحمن عن أبي إسحاق به، وفيها: "كان يصلي حين ترتفع الشمس ركعتين، وقبل نصف النهار أربع ركعات يجعل التسليم في آخر ركعة، وقبل الظهر أربع ركعات يجعل التسليم في آخر ركعة، وبعدها أربع ركعات يجعل التسليم في آخر ركعة" [سنن النسائي الكبرى (١/ ٢١٢/ ٣٣٦)].
• قلت: والذي صح في هذا الباب، وهو أن ينوي المأموم بالسلام شيئًا آخر إضافة إلى التحلل من الصلاة المنصوص عليه في حديث علي بن أبي طالب: "وتحليلها التسليم" [تقدم برقم (٦١)، وهو حديث صحيح]، هو أن ينوي بسلامه التسليم على من كان عن يمينه وشماله، لحديث جابر بن سمرة مرفوعًا: "علامَ تُومِئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما يكفي أحدَكم أن يضع يده على فخِذه، ثم يسلم على أخيه، مَن على يمينه وشماله" [أخرجه مسلم (٤٣١/ ١٢٠)]، وفي رواية: "ثم يسلم على أخيه، عن يمينه، وعن شماله"، وفي أخرى: "ثم يسلم على صاحبه عن يمينه، وعن شماله" [وقد تقدم تخريجه برقم (٩٩٨ و٩٩٩)].
• وأختم كلامي بنقلٍ عن الإمام أحمد:
قال أبو داود في مسائله لأحمد (٥٥٦): "قلت لأحمد: الردُّ على الإمام؟ قال: ما أعرف فيه حديثًا - أي: حديث عالي يعتمد عليه -؛ فإن شاء ردَّ.
[ ١١ / ١٢ ]
قلت: فإذا ردَّ أيردُّ قبل السلام؟ قال: لا، قلت: بعدُ؟ قال: نعم، قال: وإن شاء نوى بالسلام الردَّ، واحتجَّ في ترك الردِ بقول النبي - ﷺ -: "انقضاؤها التسليم".
وانظر: المحلى (٤/ ١٣٣)، سنن البيهقي (٢/ ١٨١)، المغني (١/ ٣٢٧)، المجموع للنووي (٣/ ٤٤٣)، الفتح لابن رجب (٥/ ٢٣١)، المبدع (١/ ٤٧١).
* * *