١٠٢٨ - . . . محمد بن سلمة، عن خُصَيف، عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه، عن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا كنتَ في صلاةٍ فشككتَ في ثلاثٍ أو أربعٍ، وكبرُ ظنِّك على أربعٍ تشهَّدتَّ، ثم سجدتَّ سجدتين وأنت جالسٌ، قبل أن تسلِّم، ثم تشهَّدتَّ أيضًا، ثم تسلم".
قال أبو داود: رواه عبد الواحد عن خصيف، ولم يرفعه، ووافق عبد الواحد أيضًا: سفيان، وشريك، وإسرائيل، واختلفوا في الكلام في متن الحديث، ولم يسندوه.
* حديث ضعيف مضطرب، ومتنه منكر
أخرجه النسائي في الكبرى (١/ ٣١٤/ ٦٠٨)، وأحمد (١/ ٤٢٨ - ٤٢٩)، والدارقطني (١/ ٣٧٨)، والبيهقي (٢/ ٣٣٦ و٣٥٥).
رواه عن محمد بن سلمة بن عبد الله الباهلي الحراني [وهو: ثقة]: أحمد بن حنبل، وعبد الله بن محمد بن علي النفيلي، وعمرو بن هشام [وهم ثقات].
* خالفه فأوقفه على ابن مسعود:
محمد بن فضيل [ثقة]، وعبد الواحد بن زياد العبدي [ثقة]، وعتاب بن بشير [صدوق، روى عن خصيف أحاديث منكرة]:
عن خصيف: حدثني أبو عبيدة بن عبد الله، عن عبد الله بن مسعود، قال: إذا
[ ١١ / ١٢١ ]
شككت في صلاتك وأنت جالس، فلم تدر ثلاثًا صليت أم أربعًا، فإن كان أكبر ظنك أنك صليت ثلاثًا، فقم فاركع ركعة، ثم سلم، ثم اسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم، وإن كان أكبر ظنك أنك صليت أربعًا، فسلم، ثم اسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم. لفظ ابن فضيل، وبنحوه لفظ عبد الواحد، ولفظ عتاب بمعناه.
أخرجه أحمد (١/ ٤٢٩)، واللفظ له، وابن أبي شيبة (١/ ٣٨٤ / ٤٤٠٧) و(١/ ٣٨٨ / ٤٤٥٨)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٤٥ و٤٦ - الجزء المفقود)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٨٦/ ١٦٦٥)، والذهبي في السير (٦/ ١٤٦)، وفي الميزان (١/ ٦٥٤).
* ورواه سفيان الثوري، عن خصيف، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: إذا قمتَ أو جلستَ أو سلمتَ فاسجُد سجدتي السهو، ثم تشهَّد ثم سلِّم.
وقال مرة: السهو إذا قام فيما يجلس فيه، أو قعد فيما يقام فيه، أو سلم في ركعتين، فإنه يفرغ من صلاته ويسجد سجدتين وهو جالس يتشهد فيهما.
وفي رواية: أنه سلم في ركعتين فقام وأتم وسجد سجدتين.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣١٢/ ٣٤٩١) و(٢/ ٣١٤/ ٣٤٩٩)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٩٢/ ٤٥٠٥)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٣٧/ ١٥٧٤) و(٣/ ٣٠٣/ ١٦٨٨٣) و(٣/ ٣١٥/ ١٧١٠)، والطحاوي (١/ ٤٤١)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٧٣/ ٩٣٦٤ و٩٣٦٥)، واللفظ له، والبيهقي (٢/ ٣٤٥).
* ورواه شريك بن عبد الله النخعي، عن خصيف، عن أبي عبيدة، عن عبد الله: في سجدتي السهو تشهد وتسليم.
أخرجه أبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٢٣٥٦).
° قال أبو داود: "رواه عبد الواحد عن خصيف، ولم يرفعه، ووافق عبد الواحد أيضًا: سفيانُ، وشريك، وإسرائيل، واختلفوا في الكلام في متن الحديث، ولم يسندوه".
وقال البيهقي بأن في صحته نظرًا، وقال في الموضع الثاني: "وهذا غير قوي، ومختلف في رفعه ومتنه".
وقال بعد أن علقه في المعرفة (٢/ ١٧٤): "وهذا حديث مختلف في رفعه ومتنه، وخصيف غير قوي، وأبو عبيدة عن أبيه مرسل".
وقال النووي في الخلاصة (٢/ ٦٤٣/ ٢٢٢١): "رواه أبو داود، وهو ضعيف، وأبو عبيدة لم يدرك أباه، وحديثه هذا مختلف في إسناده ومتنه، وخصيف مختلف فيه".
وقال ابن القطان في بيان الوهم (٣/ ٣٣/ ٦٨٥) متعقبًا عبد الحق الإشبيلي: "ثم ردَّه بانقطاع ما بين أبي عبيدة وأبيه، وباضطرابهم في متن الخبر، واختلافهم في رفعه، ولم يبين ضعف خصيف، وهو عندهم مختلف فيه، سيئ الحفظ في الجملة، وعسى أن يكون قد تبرأ من عهدته لإبرازه".
[ ١١ / ١٢٢ ]
وقال الذهبي في تهذيب سنن البيهقي (٢/ ٧٧٢): "الحديث منكر؛ تفرد به خصيف، وقد ضُعِّف، وأبو عبيدة عن أبيه: منقطع".
قلت: نعم؛ أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن حديثه عنه صحيح، يدخل في المسند، كما سبق تقريره قبل ذلك، راجع الحديثين السابقين برقم (٧٥٤ و٨٧٧).
لكن هذا الحديث اضطرب خصيف بن عبد الرحمن الجزري في إسناده ومتنه، فرواه مرة مرفوعًا، وأكثر ما يرويه موقوفًا، وكذلك فإنه تلون في متنه فرواه على وجوه متباينة، وإنما هذا من سوء حفظ خصيف؛ فإنه ليس بالقوي، وقال فيه أحمد: "شديد الاضطراب في المسند" [التهذيب (١/ ٥٤٣)، الميزان (١/ ٦٥٣)]، وقد خالف في متنه المحفوظ عن ابن مسعود.
• فإن المحفوظ في التحري عن ابن مسعود: السجود بعد التسليم، صح ذلك عنه مرفوعًا وموقوفًا، كما لا يحفظ عنه التشهد بعد السجود.
أما المرفوع فتقدم تخريجه برقم (١٠٢٠)، والشاهد منه قوله - ﷺ -: "إذا شك أحدُكم في صلاته فليتحرَّ الصوابَ، فليُتِمَّ عليه، ثم ليُسلِّم، ثم ليسجد سجدتين".
* وأما الموقوف، فله طرق:
أ - رواه عبد الله بن المبارك، وغندر محمد بن جعفر:
عن شعبة، عن الحكم، قال: سمعت أبا وائل، يقول: قال عبد الله: من أوهم في صلاته فليتحرَّ الصواب، ثم يسجد سجدتين بعد ما يفرغ وهو جالس. موقوفًا على ابن مسعود.
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ٣٠/ ١٢٤٥)، وفي الكبرى (١/ ٣٠٦/ ٥٨٦) و(٢/ ٥٤/ ١١٦٩)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٤٨ - الجزء المفقود).
* تابعه: مسعر بن كدام [ثقة ثبت]، ومطيع بن عبد الله الغزَّال [صدوق]، وحجاج بن أرطأة [ليس بالقوي]، وإسماعيل بن مسلم المكي [ضعيف]:
عن الحكم، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: من شك أو أوهم فليتحر الصواب، ثم ليسجد سجدتين، لفظ مسعر.
ولفظ مطيع: إذا وَهِم أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب في نفسه، فليُتمَّ عليه، ثم يسجد سجدتين بعد التسليم، وهو جالس، موقوفًا على ابن مسعود.
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ٣٠/ ١٢٤٦)، وفي الكبرى (٢/ ٥٤/ ١١٧٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٨٤/ ٤٤٠٨)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٤٧ - الجزء المفقود)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٤١/ ٩١٨٢ و٩١٨٣).
وهذا موقوف على ابن مسعود، بإسناد صحيح.
ب - ورواه زهير بن معاوية: ثنا أبو إسحاق، عن الأسود وعلقمة وأصحاب عبد الله؛ أن عبد الله كان يقول في السهو: يتحرى الصواب، ويسجد سجدتين، وهو جالس بعد التسليم.
[ ١١ / ١٢٣ ]
أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٧٣/ ٩٣٦٣)، بإسناد صحيح إلى زهير.
وهذا موقوف على ابن مسعود، بإسناد كوفي صحيح.
وانظر أيضًا: ما أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٧٢/ ٩٣٦٢).
* * *
١٠٢٩ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم: حدثنا هشام الدستوائي: حدثنا يحيى بن أبي كثير: حدثنا عياض، (ح) وحدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا أبان: حدثنا يحيى، عن هلال بن عياض، عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا صلى أحدكم فلم يدرِ زاد أم نقص، فليسجد سجدتين وهو قاعدٌ، فإذا أتاه الشيطان، فقال: إنك قد أحدثتَ، فليقل: كذبتَ، إلا ما وجد ريحًا؛ بأنفه، أو صوتًا بأذنه". وهذا لفظ حديث أبان.
قال أبو داود: وقال معمر، وعلي بن المبارك: عياض بن هلال، وقال الأوزاعي: عياض بن أبي زهير.
* حديث منكر بشقه الثاني
أخرجه الترمذي (٣٩٦)، وقال: "حديث حسن"، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٢/ ٣٢٩ - ٣٣٠/ ٣٧٨ و٣٧٩)، والنسائي في الكبرى (١/ ٣٠٨ و٣٠٩/ ٥٩٠ - ٥٩٤)، وابن ماجه (١٢٠٤)، وابن خزيمة (٢٩)، وابن حبان في الصحيح (٦/ ٣٨٨ و٣٨٩/ ٢٦٦٥ و٢٦٦٦)، وفي الثقات (٥/ ٢٦٦)، والحاكم (١/ ١٣٤ و١٣٥ و٣٢٤)، وأحمد (٣/ ١٢ و٣٧ و٥٠ و٥١ و٥٣ و٥٤)، وعبد الرزاق (١/ ١٤٠/ ٥٣٣) و(٢/ ٣٠٤/ ٣٤٦٣)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٩٠/ ٧٩٩٦)، وأبو يعلى (٢/ ٣٧٦ و٤٣٦/ ١١٤١ و١٢٤١)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٧٤ و٧٥ - الجزء المفقود)، والطحاوي (١/ ٤٣٢)، وابن الأعرابي في المعجم (٢/ ٧١٦/ ١٤٥٢)، وجعفر الخلدي في الأول من فوائده (٢٧)، وابن بشران في الأمالي (١٣٦٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٢٦)، والخطيب في الموضح (٢/ ٣٤٤).
رواه عن يحيى بن أبي كثير: هشام الدستوائي، وأبان بن يزيد العطار، وحرب بن شداد، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي، والأوزاعي، وعكرمة بن عمار، ومعمر بن راشد.
وقد اختلفوا في شيخ يحيى بن أبي كثير:
فقال هشام الدستوائي، وحرب: عياض، ولم ينسباه.
وقال شيبان، وعلي بن المبارك، ومعمر: عياض بن هلال.
وقال أبان، وعكرمة: هلال بن عياض.
وقال الأوزاعي: عياض بن أبي زهير، وقال مرة: عياض بن عبد الله بن أبي زهير.
[ ١١ / ١٢٤ ]
وقد تقدم تخريجه والحكم عليه تحت الحديث رقم (١٧٧)، وتقدم الكلام على راويه عند الحديث رقم (١٥)، والله أعلم.
ومما قلت هناك: هذا إسناد ضعيف، لجهالة عياض بن هلال؛ بل هو حديث منكر بهذه الزيادة؛ يعني: التي في آخره: "فإذا أتاه الشيطان فقال: إنك قد أحدثت، فليقل [في نفسه] كذبت، إلا ما وجد ريحًا بانفه، أو صوتًا بأذنه".
فقد روى حديث الشك في الصلاة: أبو نضرة وعطاء بن يسار عن أبي سعيد، فلم يذكرا في حديثهما حديث الشك في الطهارة مما يدل على أنه غير محفوظ.
• أما حديث عطاء بن يسار، فقد تقدم تخريجه برقم (١٠٢٤ و١٠٢٦ و١٠٢٧)، وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم (٥٧١).
• وأما حديث أبي نضرة:
فيرويه: أحمد بن حنبل، وعبد بن حميد، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، وعلي بن عبد العزيز البغوي [وهم ثقات حفاظ]:
عن أبي النعمان محمد بن الفضل عارم [ثقة ثبت، تغير في آخر عمره، وأحمد وعبد بن حميد ممن سمع منه قبل التغير]، قال: حدثنا سعيد بن زيد، قال: حدثنا علي بن الحكم، قال: حدثنا أبو نضرة، عن أبي سعيد، ورفعه إلى النبي - ﷺ -؛ أنه قال: "إذا أوهم الرجل في صلاته، فلم يدر أزاد أم نقص، فليسجد سجدتين وهو جالس".
أخرجه أحمد (٣/ ٤٢)، وعبد بن حميد (٨٧٢)، ومُكرَم بن أحمد البزاز في الأول من فوائده (١٢٩)، والطبراني في الكبير (٦/ ٣٦/ ٥٤٤٠).
وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات، رجاله رجال الصحيح، غير سعيد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، وهو: صدوق، وثقه وقواه جماعة، ولينه أبو حاتم والنسائي والبزار، وضعفه يحيى القطان والدارقطني، وهو من رجال مسلم [التهذيب (٢/ ١٩)، الميزان (٢/ ١٣٨)].
وهو حديث صحيح؛ لكنه مختصر مجمل، وحديث عطاء بن يسار حديث مفصل مفسر، وعليه العمل، والله أعلم.
* ولحديث أبي سعيد إسناد آخر، ولا يصح:
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٣٣ - الجزء المفقود) [لم يسمعه سعيد بن أبي عروبة من عمرو بن دينار، وشك في رفعه].
* * *
١٠٣٠ - . . . مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن أحدَكم إذا قام يصلي جاءه الشبطانُ فلبَّسَ عليه حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد أحدُكم ذلك، فليسجد سجدتين وهو جالس".
[ ١١ / ١٢٥ ]
قال أبو داود: وكذا رواه ابن عيينة، ومعمر، والليث.
* حديث متفق على صحته
تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٥١٦)، وهو في الصحيحين [البخاري (١٢٣٢)، ومسلم (٣٨٩/ ٨٢) بعد الحديث (٥٦٩)].
* * *
١٠٣١ - قال أبو داود: حدثنا حجاج بن أبي يعقوب: حدثنا يعقوب: حدثنا ابن أخي الزهري، عن محمد بن مسلم، بهذا الحديث بإسناده، زاد: "وهو جالس قبل التسليم".
* حديث شاذ بهذه الزيادة
تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٥١٦)، وهو حديث شاذ بهذه الزيادة؛ فقد خالف فيه ابنُ أخي الزهري أصحابَ الزهري المكثرين عنه، والمقدَّمين فيه، وفيهم أثبت الناس في الزهري، مثل: مالك ومعمر وغيرهما.
فقد رواه مالك، وسفيان بن عيينة، ومعمر بن راشد، والليث بن سعد، وصالح بن كيسان، ويونس بن يزيد، وعمرو بن الحارث، وشعيب بن أبي حمزة، وابن جريج، وابن أبي ذئب، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وغيرهم: عن الزهري به، بدون زيادة "قبل التسليم".
* * *
١٠٣٢ - قال أبو داود: حدثنا حجاج: حدثنا يعقوب: أخبرنا أبي، عن ابن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم الزهري، بإسناده ومعناه، قال: "فليسجد سجدتين، قبل أن يسلم، ثم ليسلم".
* حديث شاذ بهذه الزيادة
تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٥١٦)، وهو حديث شاذ بهذه الزيادة؛ فقد خالف فيه ابنُ إسحاق أصحابَ الزهري المكثرين عنه، والمقدَّمين فيه، وفيهم أثبت الناس في الزهري، مثل: مالك ومعمر وغيرهما.
فقد رواه مالك، وسفيان بن عيينة، ومعمر بن راشد، والليث بن سعد، وصالح بن كيسان، ويونس بن يزيد، وعمرو بن الحارث، وشعيب بن أبي حمزة، وابن جريج، وابن أبي ذئب، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وغيرهم: عن الزهري به، بدون زيادة "قبل أن يسلم، ثم ليسلم".
[ ١١ / ١٢٦ ]
قال ابن رجب في الفتح (٦/ ٥٠٣): "ففي ثبوت هذه الزيادة نظر".
* وفي الباب:
١ - حديث عبد الرحمن بن عوف:
رواه إبراهيم بن سعد، وأحمد بن خالد الوهبي، ومحمد بن سلمة الباهلي الحراني [وهم ثقات]، وسلمة بن الفضل الأبرش [ثبت في ابن إسحاق، وفي غيره يخطئ ويخالف، وعنده غرائب ومناكير. التهذيب (٢/ ٧٦)]، أربعتهم عن ابن إسحاق:
قال إبراهيم بن سعد: حدثني محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس؛ أنه قال له عمر: يا غلام هل سمعت من رسول الله - ﷺ -، أو من أحد من أصحابه: إذا شك الرجل في صلاته ماذا يصنع؟ قال: فبينا هو كذلك، إذ أقبل عبد الرحمن بن عوف، فقال: فيم أنتما؟ فقال عمر: سألت هذا الغلام: هل سمعت من رسول الله - ﷺ -، أو أحد من أصحابه إذا شك الرجل في صلاته ماذا يصنع؟ فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر أواحدةً صلى أم ثنتين، فليجعلها واحدةً [وفي رواية: فليبنِ على واحدة]، وإذا لم يدر ثنتين صلى أم ثلاثًا، فليجعلها ثنتين [وفي رواية: فليبنِ على ثنتين]، وإذا لم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا، فليجعلها ثلاثًا [وفي رواية: فليبنِ على ثلاث]، ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس قبل أن يسلم سجدتين".
لفظه عند أحمد، وما بين المعكوفين للترمذي.
وفي رواية قال في كل مرة:"وليضف إليها أخرى"، وقال في آخره: "وليجعل السهو في الزيادة".
ورواية الوهبي [عند الطحاوي والبيهقي وابن عبد البر] بمعناه، وحديثه أتم في سرد القصة، وقال في آخره: "يسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم يسلم"، وكذا رواية محمد بن سلمة [عند ابن ماجه والحاكم].
أخرجه الترمذي (٣٩٨)، وابن ماجه (١٢٠٩)، والحاكم (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥)، وأحمد (١/ ١٩٠)، والبزار (٣/ ٢١٠/ ٩٩٦)، وأبو يعلى (٢/ ١٥٢/ ٨٣٩)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١٩ و٢١ و٢٢ - الجزء المفقود)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٧٠٨/٣١٣)، والطحاوي (١/ ٤٣٣)، والهيثم بن كليب الشاشي (١/ ٢٦٦/ ٢٣٤)، والطبراني في مسند الشاميين (٤/ ٣٨٣/ ٣٦١٤ و٣٦١٥)، والبيهقي في السنن (٢/ ٣٣٢ و٣٣٩)، وفي المعرفة (٢/ ١٦٤/ ١١٣١)، وابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٣٤)، والبغوي في شرح السُّنة (٣/ ٢٨٢/ ٧٥٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٥/ ٢٣٧)، والضياء في المختارة (٣/ ٩٧ - ٩٩/ ٨٩٩ و٩٠٠)، والذهبي في السير (١/ ٧٢)، وقال: "هذا حديث حسن، صححه الترمذي".
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وفي نسخة: "حسن غريب صحيح"، وفي أخرى: "حسن غريب"، وهذه الأخيرة عندي هي الأقرب للصواب، وذلك لما سيأتي من بيان علة الحديث مما لا يخفى على الترمذي، ومن وجه آخر: فهذا هو الحكم الذي نقله
[ ١١ / ١٢٧ ]
أبو علي الطوسي في مستخرجه (٣٨١) على الترمذي، فقال: "هذا حديث حسن غريب" [وفي التحفة (٦/ ٤٩٧/ ٩٧٢٢ - ط. الغرب)، والمجموع (٤/ ١٢٠)، والخلاصة (٢٢٠٩)، والفتح لابن رجب (٦/ ٥٠٦)، والبدر المنير (٤/ ٢٢٦)، وتحفة الأحوذي (٢/ ٣٤٨): "حسن صحيح"].
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم".
وقال البغوي: "هذا حديث حسن صحيح".
* خالفهم فأبان عن علته: إسماعيل بن علية، وعبد الله بن نمير، وعبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي [وهم ثقات، وأثبتهم ابن علية]:
• رواه عبد الله بن نمير، والمحاربي:
عن محمد بن إسحاق، عن مكحول؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر زاد أو نقص، فإن كان شك في الواحدة والثنتين فليجعلها واحدةً، حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم يسجد سجدتين وهو جالس، قبل أن يسلم، ثم يسلم".
قال محمد: قال لي حسين بن عبد الله: هل أسند لك مكحول الحديث؟ قال محمد: سألته عن ذلك، قال [يعني: حسين]: فإنه ذكره عن كريب، عن ابن عباس، أن عمر وابن عباس تماريا فيه، فجاء عبد الرحمن بن عوف، فقال: أنا سمعت من رسول الله - ﷺ - هذا الحديث.
ولفظ المحاربي: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلا يدري أزاد أم نقص، فإن كان شكَّ في الواحدة والثنتين، فليجعلهما واحدة، وإن كان شك في الثلاث والثنتين، فليجعلهما ثنتين، وإن كان شك في الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثًا، حتى يكون الوهم في الزيادة"، والباقي مثله.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٨٤/ ٤٤١٤)، والبزار (٣/ ٢٠٨/ ٩٩٤)، والطبراني في مسند الشاميين (٤/ ٣٨٤/ ٣٦١٧)، والدارقطني (١/ ٣٦٩).
• ورواه أحمد بن حنبل [ثقة حجة، حافظ إمام]، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي [ثقة حافظ]، ومؤمل بن هشام اليشكري [ثقة بصري، مكثر عن ابن علية، بل هو ختن إسماعيل بن علية]:
قال أحمد والدورقي: حدثنا إسماعيل [ابن علية]: حدثنا محمد بن إسحاق: حدثني مكحول؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا صلى أحدكم فشك في صلاته، فإن شك في الواحدة والثنتين، فليجعلهما واحدةً، وإن شك في الثنتين والثلاث، فليجعلهما ثنتين، وإن شك في الثلاث والأربع، فليجعلهما ثلاثًا، حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم يسلم".
قال محمد بن إسحاق: وقال لي حسين بن عبد الله: هل أسنده لك؟ فقلت: لا، فقال: لكنه حدثني أن كريبًا مولى ابن عباس؛ حدثه عن ابن عباس، قال: جلست إلى
[ ١١ / ١٢٨ ]
عمر بن الخطاب فقال: يا ابن عباس إذا اشتبه على الرجل في صلاته، فلم يدر أزاد أم نقص؟ قلت: والله يا أمير المؤمنين! ما أدري؟ ما سمعت في ذلك شيئًا، فقال عمر: والله ما أدري؟ قال: فبينا نحن على ذلك إذ جاء عبد الرحمن بن عوف، فقال: ما هذا الذي تذاكران؟ فقال له عمر: ذكرنا الرجل يشك في صلاته كيف يصنع، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول هذا الحديث.
وقال مؤمل [عند البزار]: نا إسماعيل بن إبراهيم، عن محمد بن إسحاق، عن حسين، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبي - ﷺ - قال: ، فذكر الحديث، هكذا اختصر القصة والسياق.
أخرجه أحمد (١/ ١٩٣)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢٠ - الجزء المفقود)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٢/ ٣٣٣/ ٣٨١)، والبزار (٣/ ٢٠٩/ ٩٩٥).
* خالفهم في إسناده واختصر متنه فوهم:
الفضل بن الفضل أبو عبيدة السقطي: ثنا إسماعيل بن إبراهيم: ثنا محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن ابن عباس، قال: كنا عند عمر، فذكر القصة، واختصر المرفوع، ثم قال: قال محمد بن إسحاق: فلقيت حسين بن عبد الله، فذاكرته في هذا الحديث، فقال لي: هل أسنده لك؟ قلت: لا، قال: لكن حدثني مكحول، عن كريب، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبي - ﷺ - بمثله، بهذا الحديث.
أخرجه البيهقي (٢/ ٣٣٢)، بإسناد صحيح إلى الفضل، والمحفوظ: رواية الجماعة عن ابن علية، والفضل هذا: روى عنه أبو زرعة وأبو حاتم، وقال: "ليس هو بذاك، شيخ يكتب حديثه" [التهذيب (٣/ ٣٩٥)].
• هكذا دلس ابن إسحاق هذا الحديث؛ فإنه كان عنده عن مكحول مرسلًا، وعن حسين بن عبد الله متصلًا، فأسقط ابن إسحاق الواسطة، ورواه متصلًا، وعليه:
فهو حديث مرسل بإسناد جيد.
والمتصل لا يصح سنده؛ لأجل الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس الهاشمي المدني، فإنه: ضعيف، تركه أحمد وابن المديني والنسائي، وقال البخاري: "ذاهب الحديث"، وتسهل فيه بعضهم فاكتفى بتضعيفه أو تليينه، وله أشياء منكرة، وكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل [التهذيب (١/ ٤٢٤)، علل الترمذي الكبير (٣٨٩)].
° قال ابن رجب في الفتح (٦/ ٥٠٦): "وله علة ذكرها ابن المديني، قال: وكان عندي حسنًا، حتى وقفت على علته، وذلك أن ابن إسحاق سمعه من مكحول مرسلًا، وسمع إسناده من حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن مكحول، قال: يضعَّف الحديث من هاهنا؛ يعني: من جهة حسين الذي يرجع إسناده إليه".
وقال البزار: "هكذا رواه المحاربي، وإسماعيل بن إبراهيم، عن محمد بن إسحاق،
[ ١١ / ١٢٩ ]
عن حسين، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبي - ﷺ -، ورواه إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس، ولم يدخل بين محمد بن إسحاق ومكحول أحدًا من رواية إبراهيم"، ثم قال: "والذي أدخل رجلًا بين محمد بن إسحاق ومكحول، قد جاء في روايته بمثل رواية إبراهيم بن سعد، وزاد رجلًا أسقطه إبراهيم، وحسبك بحفظ إسماعيل بن إبراهيم إتقانه".
وقال ابن جرير الطبري في تهذيبه: "وهذا خبر عندنا صحيح سنده.
وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيمًا غيرَ صحيح لعلل: إحداها: اضطراب نقلته في سنده، فبعضهم يقول فيه: عن ابن إسحاق، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس. وبعضهم يقول: عن ابن إسحاق، عن مكحول، عن النبي - ﷺ - مرسلًا. وبعضهم يقول: عن ابن إسحاق، عن حسين بن عبد الله، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس.
والثانية: أن حسين بن عبد الله عندهم ممن لا يجوز الاحتجاج بنقله في الدين.
والثالثة: أن محمد بن إسحاق عندهم غير مرتضى".
وقال الدارقطني في العلل (٤/ ٢٥٨/ ٥٤٧): "ورواه إسماعيل بن علية، وعبد الله بن نمير، وعبد الرحمن المحاربي، عن محمد بن إسحاق، عن مكحول، مرسلًا.
وعن محمد بن إسحاق، عن حسين بن عبد الله، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن.
فضبط هؤلاء الثلاثة عن ابن إسحاق المرسل والمتصل".
وقال البيهقي: "ورواه المحاربي عن محمد بن إسحاق بمعنى رواية ابن علية، فصار وصل الحديث لحسين بن عبد الله، وهو ضعيف؛ إلا أن له شاهدًا من حديث مكحول".
° قلت: جميع متابعاته واهية، لا تزيده إلا وهنًا:
أ - فقد رواه عمار بن مطر الرهاوي [أحاديثه بواطيل، وكان يكذب. اللسان (٦/ ٥٢)]، وعبد الله بن واقد الحراني [متروك]، وغصن بن إسماعيل [لا يُعرف إلا بالرواية عن ابن ثوبان، وعنه: محمد بن غالب، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "ربما خالف"، تاريخ الرقة (١٥٤)، الثقات (٩/ ٤)، المؤتلف للدارقطني (٤/ ١٧٧٣)، اللسان (٦/ ٣٠٧)، وزاد في الإسناد: عمر بن الخطاب، بين ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف، وقد تفرد به عنه: محمد بن غالب الأنطاكي؛ وليس بذاك المشهور، الجرح والتعديل (٨/ ٥٥)، الثقات (٩/ ١٣٩)، وقد اختلف عليه، فرواه مرة عن غصن بن إسماعيل، ومرة عن عبد الله بن واقد] [وقد اختلف على بعضهم في إسناده، ما بين إثبات زيادة عمر بن الخطاب في الإسناد، أو إسقاطه، وزاده بعضهم بغير اختلاف عليه]:
عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس، [زاد بعضهم: عن عمر بن الخطاب]، عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبي - ﷺ -، فذكروه بنحو رواية ابن إسحاق.
[ ١١ / ١٣٠ ]
أخرجه البزار (٣/ ٢١٣/ ٩٩٩)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٧٦/ ٦٩٠٠)، وفي مسند الشاميين (١/ ١٣١/ ٢٠٩) و(٤/ ٣٨٣/ ٣٦١٦)، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد المزكي في الثاني من فوائده "المزكيات" بانتقاء الدارقطني (٧٨)، والدارقطني في السنن (١/ ٣٧٠)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ١٨١٠/ ٤٥٧٥)، والحاكم (١/ ٣٢٤)، والبيهقي في السنن (٢/ ٣٣٢)، وفي المعرفة (٢/ ١٦٥/ ١١٣٢).
وهذا حديث منكر؛ عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان: صدوق يخطئ، وتغير بأخرة، وأنكروا عليه أحاديث يرويها عن أبيه عن مكحول [انظر: التهذيب (٢/ ٤٩٤)، الميزان (٢/ ٥٥١)]، فضلًا عن عدم ثبوته عنه.
ب - ورواه حفص بن عمر الأبلي: ثنا ثور بن يزيد، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبي - ﷺ -.
أخرجه الدارقطني (١/ ٣٧٠) (٢/ ١٩٨/ ١٣٩١ - ط. الرسالة)، بإسناد صحيح إلى الأبلي [وقد وقع في بعض نسخ الدارقطني المطبوعة: محمد بن حفص بن عمر الأبلي، وهو خطأ، والصواب ما أثبته من مطبوعة الرسالة، وإتحاف المهرة (١٠/ ٦٣٠/ ١٣٥٢٠)].
قال الغساني في تخريج الأحاديث الضعاف (٢٧٧): "حفص الأبلي: ضعيف" [وقد ضعفه الدارقطني نفسه في موضع آخر من السنن (٢/ ١٥٦)].
ئك: وهذا حديث باطل؛ تفرد به عن ثور بن يزيد الحمصي الثقة الثبت: أبو إسماعيل حفص بن عمر بن دينار الأبُلِّي، وهو: منكر الحديث، يحدث عن الثقات بالبواطيل، كذبه أبو حاتم وغيره [اللسان (٣/ ٢٢٨)].
ج - وروي من طريق: إسماعيل بن مسلم المكي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: كنت أذاكر عمر شيئًا من الصلاة، فأتى علينا عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -، فقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من رسول الله - ﷺ -، قلنا: بلى، قال: أشهد شهادة الله لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إذا كان أحدكم في شكٍّ من النقصان في صلاته؛ فليُصلِّ حتى يكون في شكٍّ من الزيادة".
أخرجه أحمد (١/ ١٩٥) [فيما وجده ابنه عبد الله بخط أبيه]، وإسحاق بن راهويه [البدر المنير (٤/ ٢٢٧)، التلخيص (٢/ ٥)]، وعبد الرزاق (٢/ ٣٠٧/ ٣٤٧٦)، والبزار (٣/ ٢١١/ ٩٩٧)، وأبو يعلى (٢/ ١٦٣/ ٨٥٥)، والطحاوي (١/ ٤٣٢)، والهيثم بن كليب الشاشي (١/ ٢٦٤ و٢٦٥/ ٢٣١ - ٢٣٣)، وأبو بكر الإسماعيلي في معجم شيوخه (٢/ ٦٩٦)، وابن المقرئ في المعجم (١١٣٠)، والدارقطني (١/ ٣٦٩ و٣٧٧)، والبيهقي (٢/ ٣٣٢ و٣٤٦)، والضياء في المختارة (٣/ ١٠٠/ ٩٠١ و٩٠٢).
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن عبد الرحمن بن عوف؛ إلا إسماعيل بن مسلم، وإسماعيل بن مسلم هذا: ليس بالقوي في الحديث، وقد روى عنه الأعمش وغيره".
[ ١١ / ١٣١ ]
قلت: وهذا حديث منكر؛ يرويه إسماعيل بن مسلم المكي عن الزهري، وإسماعيل: ضعيف، قال أحمد: "منكر الحديث"، وعنده عجائب، يروي عن الثقات المناكير، وقد تركه ابن مهدي والقطان والنسائي وغيرهم؛ وأين إسماعيل هذا من أصحاب الزهري على كثرتهم وجمعهم لحديثه [العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٣٥٢/ ٢٥٥٦)، ضعفاء العقيلي (١/ ٩٢)، الكامل (١/ ٢٨٣)، التهذيب (١/ ١٦٧)].
فإن قيل: ذكر البيهقي أنه لم يتفرد به، بل تابعه: بحر بن كنيز السقاء، وسفيان بن حسين، فيقال: هذه المتابعة لا تغني شيئًا؛ فإن السقاء: متروك، وسفيان بن حسين وإن كان ثقة؛ إلا أنه ضعيف في الزهري خاصة، ثم هو لا يثبت عنه، فقد وهَّم الدارقطني في العلل (٤/ ٢٥٩/ ٥٤٧) من قال في روايته: عن سفيان بن حسين، وإنما هو عن إسماعيل بن مسلم، فرجع الحديث إليه، كما رواه أحمد.
ورواية سفيان بن حسين: أخرجها الدارقطني في السنن (١/ ٣٧٧).
قال ابن رجب في الفتح (٦/ ٥٠٧): وإسماعيل، هو: المكي، ضعيف جدًّا، وقد قيل: إنه توبع عليه، ولا يصح، وإنما مرجعه إلى إسماعيل، ذكره الدارقطني".
والحاصل: فإن حديث عبد الرحمن بن عوف لا يثبت، والله أعلم.
٢ - حديث ابن عمر:
يروبه أيوب بن سليمان بن بلال [ثقة]، وإسماعيل بن أبي أويس [ليس به بأس، له غرائب لا يتابع عليها]:
عن أبي بكر بن أبي أويس [ثقة]، عن سليمان بن بلال، عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا صلى أحدكم فلا يدري كم صلى، ثلاثًا أم أربعًا، فليركع ركعة يحسن سجودها وركوعها، ثم يسجد سجدتين".
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ١١٢/ ١٠٢٦)، والحاكم (١/ ٢٦٠ - ٢٦١ و٣٢٢)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢٧ - الجزء المفقود)، والبيهقي في السنن (٢/ ٣٣٣)، وفي المعرفة (٢/ ١٦٧/ ١١٣٤)، وابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٣٩).
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
وخالفه في ذلك فأصاب؛ ابن عبد البر حيث قال في التمهيد (٥/ ٣٩): "لا يصح رفع هذا الحديث، والله أعلم؛ لأن مالكًا رواه عن عمر بن محمد عن سالم عن أبيه، فوقفه على ابن عمر، جعله من قوله، وخالف أيضًا لفظه، والمعنى واحد، ولكنه لم يرفعه إلا من لا يوثق به، وإسماعيل بن أبي أويس، وأخوه، وأبوه: ضعاف، لا يحتج بهم، وإنما ذكرناه ليعرف".
قلت: هذا الإسناد من لدن أيوب بن سليمان فمن فوقه: إسناد مدني صحيح، وقد روى البخاري بهذا الإسناد إلى صالح بن كيسان أربعة أحاديث متابعة (٥٣٣ و٥٣٤ و٥٦٩ و٧٣٢٩) [انظر: ما تقدم تحت الحديث رقم (٣٩٤)]؛ لكن رفع هذا الحديث معلول من جهتين:
[ ١١ / ١٣٢ ]
• الأولى: أنه وجد في موضع آخر من كتاب أيوب بن سليمان موقوفًا، قال محمد بن يحيى الذهلي: "وجدت هذا الخبر في موضع آخر في كتاب أيوب موقوفًا" [صحيح ابن خزيمة]، فيدل ذلك على أن رفعه في الموضع الأول كان وهمًا، كما وهم في رفعه أيضًا: إسماعيل بن أبي أويس، وهو متكلم فيه.
• الثانية: أن إمام أهل المدينة، مالك بن أنس قد رواه عن عمر به موقوفًا، وتابعه على ذلك عبد الله بن وهب:
° فرواه مالك، وابن وهب:
عن عمر بن محمد بن زيد، عن سالم بن عبد الله؛ أن عبد الله بن عمر كان يقول: إذا شك أحدكم في صلاته فليتوخَّ الذي يظن أنه نسي من صلاته، فليُصلِّه، ثم ليسجد سجدتي السهو وهو جالس. موقوفًا.
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢٥٣/١٥١)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٨١/ ١٦٥٤)، والطحاوي (١/ ٤٣٥)، والبيهقي (٢/ ٣٣٣).
وهذا موقوف بإسناد صحيح.
قال ابن رجب في الفتح (٦/ ٥٠٧): "قال الدارقطني: رفعه غير ثابت، وقال ابن عبد البر: لا يصح رفعه".
• وقد صح ذلك عن ابن عمر قوله موقوفًا عليه، من وجوه متعددة:
• منها: ما رواه معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: إذا شك الرجل في صلاته؛ فلم يدر أثلاثًا أم أربعًا، فليبنِ على أتمِّ ذلك في نفسه، وليس عليه سجود. قال: وكان الزهري يقول: يسجد سجدتي السهو وهو جالس.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٠٦/ ٣٤٦٩).
وهذا موقوف بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
• ومنها: ما رواه نافع، وعبد الله بن دينار، عن ابن عمر نحوه:
قال عبد الله بن دينار: سمعت ابن عمر، يقول: إذا شك أحدكم في صلاته؛ فليتوخَّ حتى يعلم أنه قد أتم، ثم يسجد سجدتين وهو جالس.
وقال نافع: كان ابن عمر إذا سئل عن النسيان في الصلاة؟ قال: ليتوخَّ أحدكم الذي يظنُ أنه نسي من صلاته، فليصلِّه.
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٥١/ ٢٥٥)، وعبد الرزاق (٢/ ٣٠٦/ ٣٤٧٠ و٣٤٧١)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٨٤/ ٤٤٠٩)، والطحاوي (١/ ٤٣٥)، والبيهقي (٢/ ٣٣٣).
وهذا موقوف صحيح.
• وانظر أيضًا فيمن رواه عن ابن عمر بمعناه: ما أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٠٩ / ٣٤٨١)، وابن أبي شيبة (١/ ١٨/ ٤٤٣٨٥)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٣٩ و٥٥ - الجزء المفقود).
[ ١١ / ١٣٣ ]
٣ - حديث أنس:
يرويه أحمد بن حازم بن أبي غرزة: أنبأ جعفر [يعني: ابن عون، وهو: كوفي ثقة]: أنبأ سعيد - يعني: ابن أبي عروبة -، عن قتادة، عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر اثنتين صلى أو ثلاثًا؛ فليلقِ الشكَّ، وليبنِ على اليقين".
أخرجه البيهقي (٢/ ٣٣٣)، بإسناد صحيح إلى ابن أبي غرزة.
قال الذهبي في تهذيب السنن (٢/ ٧٦٩): "هذا غريب".
* خالفه فأوقفه: يزيد بن زريع [وهو: ثقة ثبت متقن، إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وهو أثبت من روى هذا الحديث عن ابن أبي عروبة، وهو المقدِّم فيه على غيره، قديم السماع منه، روى عنه قبل الاختلاط. الكواكب النيرات (٢٥)، سؤالات ابن بكير (٥٥)، شرح العلل (٢/ ٧٤٣)]، وعبد الله بن نمير [كوفي ثقة]، وابن أبي عدي [بصري ثقة، ممن سمع من ابن أبي عروبة بعد الاختلاط، واستشهد الشيخان بروايته عن ابن أبي عروبة]:
عن سعيد، عن قتادة، عن أنس [زاد يزيد وابن نمير: والحسن]؛ في الذي لا يدري ثلاثًا صلى أو أربعًا؟ قال: ينتهي إلى [آخر] وهمه، ويسجد سجدتين.
ولفظ يزيد: عن أنس، والحسن، أنهما قالا في الرجل يشك في صلاته فلم يدر أزاد أو نقص: فليسجد سجدتين بعدما يسلم.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٤١٧/٣٨٥)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٢ - الجزء المفقود)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٣٠٩/ ١٧٠٠).
• تابع ابن أبي عروبة على هذا الوجه موقوفًا:
حماد بن سلمة [بصري ثقة]، ويزيد بن إبراهيم التستري [بصري، ثقة ثبت، وله أوهام عن قتادة]:
فروياه عن قتادة، عن أنس [زاد حماد: والحسن]، أنه قال في الرجل يهم في صلاته، لا يدري أزاد أم نقص؟ قال: يسجد سجدتين بعدما يسلم.
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٥٤ - الجزء المفقود)، والطحاوي (١/ ٤٤٢).
وعليه: فإن الموقوف هو الصواب، وإسناده صحيح.
والوهم فيه عندي من ابن أبي غرزة، وهو: أحمد بن حازم بن محمد بن يونس بن قيس بن أبي غرزة أبو عمرو الغفاري الكوفي صاحب المسند، وهو وإن قال فيه ابن حبان: "كان متقنًا"، وقال الذهبي: "حافظ صدوق" [الجرح والتعديل (٢/ ٤٨)، الثقات (٨/ ٤٤)، المؤتلف للدارقطني (٣/ ١٦٨٨)، السير (١٣/ ٢٣٩)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٥٩٤)، تاريخ الإسلام (٢٠/ ٢٤٩)]؛ إلا أن الدارقطني قال عنه في الأفراد (٢/ ٤٨٠٨/٢٢٤ - أطرافه): "يقال: إن أبا عمرو ابن أبي غرزة: اختلط عليه حديث سهل بن عامر بحديث جعفر بن عون"، والله أعلم.
[ ١١ / ١٣٤ ]
* وحاصل ما تقدم: أنه لا يصح في هذا الباب سوى حديث أبي سعيد الخدري، وحديث أبى هريرة، والله أعلم.
وعليه: فقد صح في التحري: حديث ابن مسعود، وصح في البناء على اليقين: حديث أبي سعيد؛ فأما حديث ابن مسعود فقد دل على أن من كان عنده ظن غالب بنى عليه، وهو معنى قوله: "فليتحرَّ الصواب، فليتمَّ عليه"، وعليه أن يسجد حينئذ بعد السلام، فأما إذا شك واستوى عنده الطرفان، هل صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ ولم يكن عنده ظن غالب يبني عليه؛ بنى على اليقين الذي هو الأقل، ويسجد حينئذٍ قبل السلام، لحديث أبي سعيد.
وأما حديث أبي هريرة: ففيه أنه لم يدر كم صلى، لكنه لم يأمره بالبناء على اليقين، ولا بالتحري، وإنما أمره بالسجود فقط، ويمكن الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد بما ذكره ابن حجر في الفتح (٣/ ١٠٤)، حيث قال: (يجمع بينهما بحمل حديث أبي هريرة على من طرأ عليه الشك وقد فرغ قبل أن يسلم، فإنه لا يلتفت إلى ذلك الشك، ويسجد للسهو كمن طرأ عليه بعد أن سلم، فلو طرأ عليه قبل ذلك بنى على اليقين كما في حديث أبي سعيد، وعلى هذا فقوله فيه: "وهو جالسًا، يتعلق بقوله: "إذا شك"، لا بقوله: "سجد"، وهذا أولى من قول من سلك طريق الترجيح، ، وقيل: يجمع بينهما بحمل حديث أبي هريرة على حكم ما يجبر به الساهي صلاته، وحديث أبي سعيد على ما يصنعه من الإتمام وعدمه"، والله أعلم.
• قال الإمام أحمد: "والشك على وجهين: يقين وتحرٍّ؛ فاليقين: كأنه شك في واحدة وثنتين، فواحدة لا يشك فيها، فيرجع إلى واحدة، وهو اليقين، وإذا شك في ثنتين أو ثلاث، رجع إلى ثنتين، وهو اليقين، فإذا رجع إلى اليقين سجدهما قبلُ، فإن كانت خامسة شفعتا صلاته، وإذا كانت رابعة كانتا ترغيمًا للشيطان.
والتحري: أن يكون يبني على أكثر وهمه، وأكثر ما يظن، فإذا ذهب إلى التحري سلم ثم سجد سجدتين بعد التسليم، ويتشهد فيهما" [مسائل ابن هانئ (٣٧١)] [وانظر أيضًا: مسائل صالح (١٣٣٨)، مسائل عبد الله (٣٠٨)، مسائل الكوسج (٣٠٧)، مسائل أبي داود (٣٦٨)، الأوسط لابن المنذر (٣/ ٢٨٦)،، قلت: ولم يثبت التشهد بعد سجدتي السهو من وجه يصح.
وقال ابن خزيمة (٢/ ١١٤) بعد حديث ابن مسعود في التحري: "في هذا الخبر: إذا بنى على التحري سجد سجدتي السهو بعد السلام، وهكذا أقول، وإذا بنى على الأقل سجد سجدتي السهو قبل السلام، على خبر أبي سعيد الخدري، ولا يجوز على أَصلي دفع أحد الخبرين بالآخر، بل يجب استعمال كل خبر في موضعه، والتحري: هو أن يكون قلب المصلي إلى أحد العددين أميل، والبناء على الأقل مسألة غير مسألة التحري، فيجب استعمال كلا الخبرين فيما روي فيه".
وقال ابن حبان في صحيحه (٦/ ٣٨٧): "قد يتوهم من لم يحكم صناعة الأخبار،
[ ١١ / ١٣٥ ]
ولا تفقه من صحيح الآثار، أن التحري في الصلاة والبناء على اليقين واحد، وليس كذلك؛ لأن التحري هو أن يشك المرء في صلاته، فلا يدري ما صلى، فإذا كان كذلك عليه أن يتحرى الصواب، وليبن على الأغلب عنده، ويسجد سجدتي السهو بعد السلام على خبر ابن مسعود، والبناء على اليقين: هو أن يشك المرء في الثنتين والثلاث، أو الثلاث والأربع، فإذا كان كذلك عليه أن يبني على اليقين وهو الأقل، وليتمَّ صلاته، ثم يسجد سجدتي السهو قبل السلام على خبر عبد الرحمن بن عوف، وأبي سعيد الخدري، سنتان غير متضادتين"، وقال نحوه في موضع آخر (٦/ ٣٩١).
وقال ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٣١٣) (٣/ ٥٠٧ - ط. الفلاح): "وأصح هذه المذاهب: مذهب أحمد بن حنبل؛ لأنه قال بالأخبار كلها في مواضعها، وقد كان اللازم لمن مذهبه استعمال الأخبار كلها إذا وجد إلى استعمالها سبيلًا أن يقول بمثل ما قال أحمد، وذلك كقول من قال: إن خبر أيوب في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها في الصحاري، والقول بإباحة ذلك في المنازل استدلالًا بخبر ابن عمر، وإمضاء الأخبار التي رويت في صلاة الخوف على وجهها، والقول بها في مواضعها، وغير ذلك مما يطول الكتاب بذكره".
وقال أيضًا (٣/ ٢٨٥): "إسناد خبر عبد الله بن مسعود هذا إسناد ثابت، لا أعلم أحدًا من أصحابنا دفعه.
وقد اختلفوا في تأويله، فقالت طائفة من أصحاب الحديث: خبر ابن مسعود هذا، وخبر ابن عباس، وأبي سعيد الخدري: ثابتة كلها، يجب القبول بها في مواضعها، فإذا شك المصلي في صلاته، وله تحري، والتحري: أن يميل قلبه إلى أحد العددين، وجب عليه استعمال حديث عبد الله، ويبني على العدد الذي مال إليه قلبه، ويسجد سجدتي السهو بعد السلام على ما في حديث عبد الله بن مسعود، وإذا لم يكن له تحري، ولا يميل قلبه إلى أحد العددين بنى على اليقين، على ما في حديث ابن عباس، وأبي سعيد، ويسجد سجدتي السهو قبل السلام"، إلى أن قال: "ومن قال بخبر أبي سعيد وابن عباس في موضعهما، وبخبر ابن مسعود في موضعه، قال: علينا إذا ثبتت الأخبار أن نمضيها كلها، ونستعمل كل خبر في موضعه، وإذا ثبت الخبر ارتفع النظر، ومعنى خبر ابن مسعود غير معنى خبر أبي سعيد، وإذا كان كذلك لم يجز أن يترك أحدهما؛ لأن الآخر أشبه بالنظر".
لكن قال ابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٢٥) عن حديث أبي سعيد الخدري: "وفي هذا الحديث من الفقه أصل عظيم جسيم مطرد في أكثر الأحكام، وهو أن اليقين لا يزيله الشك، وأن الشيء مبني على أصله المعروف حتى يزيله يقين لا شك معه، وذلك أن الأصل في الظهر أنها فرض بيقين أربع ركعات، فإذا أحرم بها ولزمه إتمامها وشك في ذلك، فالواجب الذي قد ثبت عليه بيقين لا يخرجه منه إلا يقين، فإنه قد أدى ما وجب عليه من ذلك".
[ ١١ / ١٣٦ ]
ويوضح حجة القائلين بأن التحري في حديث ابن مسعود محمول على البناء على اليقين في حديث أبي سعيد، ما قاله ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٨٧): "وقالت طائفة: معنى التحري الرجوع إلى اليقين؛ لأنه أمر أن يتحرى الصواب، والصواب الرجوع إلى اليقين، وإنما أمر أن يرجع من شك إلى اليقين، ولم يؤمر أن يرجع من شك إلى شك، ومن حجة من قال بهذا أن يقول: لما كان عليَّ إذا شككتُ؛ أصليتُ الظهر أم لا؟ أن أصليها بتمامها حتى أكون على يقين من أدائها، فكذلك إذا شككت في ركعة منها، أن عليَّ أن آتي بها حتى أكون على يقين من أدائها".
وقد قال بهذا جمع من العلماء، والصحيح قول أحمد ومن تبعه، والله أعلم أوانظر أيضًا: معالم السنن للخطابي (١/ ٢٣٨)، معرفة السنن والآثار (٢/ ١٦٦)، نصب الراية (٢/ ١٧٣)].
• ويزيل هذا الإشكال الذي أورده القائلون بحمل حديث ابن مسعود في التحري على حديث أبي سعيد في البناء على اليقين: ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة التي أطال في تحريرها، فنسوق بعض كلامه فيها مما يشفي الغليل، فيقول: "وقوله: "إذا شك أحدكم" إنما هو حال مَن ليس له اعتقاد راجح وظن غالب، فهذا إذا تحرى وارتأى وتامل؛ فقد يظهر له رجحان أحد الأمرين، فلا يبقى شاكًّا، وهو المذكور في حديث ابن مسعود، فإنه كان شاكًّا قبل التحري، وبعد التحري ما بقي شاكًّا، مثل سائر مواضع التحري، كما إذا شك في القبلة فتحرى حتى ترجح عنده أحد الجهات، فإنه لم يبق شاكا، وكذلك العالم المجتهد، والناسي إذا ذكر، وغير ذلك، وقوله في حديث أبى سعيد: "إذا شك أحدكم" خطاب لمن استمر الشك في حقه، بأن لا يكون قادرًا على التحري، إذ ليس عنده أمارة ودلالة ترجح أحد الأمرين، أو تحرَّى وارتأى فلم يترجح عنده شيء، ومَن قال: ليس هنا دلالة تبين أحد الأمرين؟ غلِطَ، فقد يَستدِل على ذلك: بموافقة المأمومين إذا كان إمامًا، وقد يستدل بمخبر يخبره، وإن لم يكن معه في الصلاة، فيحصل له بذلك اعتقاد راجح، وقد يتذكر ما قرأ به في الصلاة فيذكر أنه قرأ بسورتين في ركعتين، فيعلم أنه صلى ركعتين لا ركعة، وقد يذكر أنه تشهد التشهد الأول فيعلم أنه صلى ثنتين لا واحدة، وأنه صلى ثلاثًا لا اثنتين، وقد يذكر أنه قرأ الفاتحة وحدها في ركعة ثم في ركعة فيعلم أنه صلى أربعًا لا ثلاثًا، وقد يذكر أنه صلى بعد التشهد الأول ركعتين فيعلم أنه صلى أربعًا لا ثلاثًا، واثنتين لا واحدة، وقد يذكر أنه تشهد التشهد الأول والشك بعده في ركعة فيعلم أنه صلى ثلاثًا لا اثنتين، ومنها أنه قد يعرض له في بعض الركعات إما من دعاء وخشوع، وإما من سعال ونحوه، وإما من غير ذلك ما يعرف به تلك الركعة، ويعلم أنه قد صلى قبلها واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا، فيزول الشك، وهذا باب لا ينضبط، فإن الناس دائمًا يشكون في أمور هل كانت أم لم تكن، ثم يتذكرون، ويستدلون بأمور على أنها كانت، فيزول الشك، فإذا تحرى الذي هو أقرب للصواب أزال الشك، ولا فرق في هذا بين أن يكون إمامًا أو منفردًا.
[ ١١ / ١٣٧ ]
ثم إذا تحرى الصواب ورأى أنه صلى أربعًا؛ كان إذا صلى خامسة قد صلى في اعتقاده خمس ركعات، وهو لم يؤمر بذلك، بخلاف الشك المتساوي فإنه لا بد معه من الشك في الزيادة والنقص، والشك في الزيادة أولى، فإن ما زاده مع الشك مثل ما زاده سهوًا، وذلك لا يبطل صلاته، وأما إذا شك في النقص فهو شاك في فعل ما أُمر به فلم تبرأ ذمته منه.
وأيضًا فالأقوال الممكنة في هذا الباب: إما أن يقال: يطرح الشك مطلقًا، ولا يتحرى، أو يحمل التحري على طرح الشك، فهذا مخالفة صريحة لحديث ابن مسعود.
وإما أن يستعمل هذا في حق الإمام، وهذا في حق المنفرد، ومعلوم أن كلا الحديثين خطاب للمصلين، لم يخاطب بأحدهما الأئمة وبالآخر المنفردين، ولا في لفظ واحد من الحديثين ما يدل على ذلك، فجعْلُ هذا هو مراد الرسول - ﷺ - من غير أن يكون في كلامه ما يدل عليه، نسبةٌ له إلى التدليس والتلبيس، وهو منزه عن ذلك، وأيضًا فإن حديث أبي سعيد مع تساوي الشك متناول للجميع بالاتفاق، فإخراج الأئمة منه غير جائز، وحديث ابن مسعود متناول لما تناوله حديث أبي سعيد فلم يبق إلا القسم الثالث، وهو أن كلاهما خطاب للشاك، فذاك أَمرٌ له بالتحري إذا أمكنه فيزول الشك، والثاني أمرٌ له إذا لم يزل الشك ماذا يصنع؟ " [مجموع الفتاوى (٢٣/ ١٢ - ١٥)].
وانظر أيضًا: تهذيب الآثار لابن جرير الطبري (٦١ - ٦٨ - الجزء المفقود).
* * *