١٠٣٦ - سفيان، عن جابر - يعني: الجعفي -، قال: حدثنا المغيرة بن شبيل الأحمسي، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا قام الإمامُ في الركعتين: فإن ذكر قبل أن يستويَ قائمًا فليجلسْ، فإن استوى قائمًا فلا يجلسْ، ويسجد سجدتي السهو".
[ ١١ / ١٥٤ ]
قال أبو داود: وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث.
* حديث واهٍ.
أخرجه الترمذي معلقًا بعد الحديث رقم (٣٦٤)، وابن ماجه (١٢٠٨)، وأحمد (٤/ ٢٥٣ - ٢٥٤)، وعبد الرزاق (٢/ ٣١٠/ ٣٤٨٣)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٢/ ٢٧٧/ ٣٣٩)، وابن المنذر (٣/ ٢٩١/ ١٦٧٦) معلقًا، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٩٩/ ٩٤٧)، والدارقطني (١/ ٣٧٨)، والبيهقي في السنن (٢/ ٣٤٣)، وفي المعرفة (٢/ ١٧٦/ ١١٤١)، وابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ١٨٧).
قال الترمذي: "وروى سفيان، عن جابر، عن المغيرة بن شبيل، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة، وجابر الجعفي: قد ضعفه بعض أهل العلم، تركه يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهما".
• رواه عن سفيان الثوري: محمد بن يوسف الفريابي، وعبد الله بن الوليد العدني، والحسين بن حفص الأصبهاني، وحجاج بن محمد المصيصي، ويزيد بن أبي حكيم، ومصعب بن ماهان [وهم ثقات؛ عدا الأخير، فهو متكلم فيه وفي روايته عن الثوري].
وفي رواية الحسين بن حفص [عند البيهقي]: "إذا قام الإمام في الركعتين؛ فإن ذكر قبل أن يستتم قائمًا فليجلس، وإن استتم قائمًا فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو".
وفي رواية الفريابي [عند الطبراني]: "إذا سها الإمام؛ فاستتم قائمًا فعليه سجدتا السهو، وإذا لم يستتم قائمًا فلا سهو عليه" [لكن شيخ الطبراني: عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم: ضعيف، حدث عن الفريابي بالبواطيل. اللسان (٤/ ٥٦٢)].
• قال أبو داود: "وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث".
وقال الترمذي: "وجابر الجعفي: قد ضعفه بعض أهل العلم، تركه يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهما".
وقال ابن المنذر: "وهذا غير ثابت، وقد خالف شعبةُ الثوريَّ في إسناده".
وقال البيهقي في المعرفة: "وجابر هذا: لا يحتج به".
• تابع الثوري عليه:
١ - شعبة [وعنه: حجاج بن محمد المصيصي، وأبو عامر العقدي، ولم يذكر أبو عامر: المغيرة بن شبيل في إسناده]، عن جابر الجعفي، عن المغيرة بن شبيل، قال: سمعته يحدث عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة؛ أنه قام في الركعتين، فسبح القوم، قال: فأراه فسبح ومضى، ثم سجد سجدتين بعدما سلم، فقال: هكذا فعلنا مع النبي - ﷺ -. لفظ حجاج [عند أحمد].
أخرجه أحمد (٤/ ٢٥٤) (٨/ ٤١٤٢/ ١٨٥١٩ - ط. المكنز)، والطحاوي (١/ ٤٤٠) [نخب الأفكار (٦/ ٤٨٩)].
[ ١١ / ١٥٥ ]
هكذا اختلف على شعبة في إسناده، واقتصر على فعله - ﷺ -، دون قوله.
٢ - ورواه إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق [ثقة]، عن جابر، عن المغيرة بن شبيل، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة، قال: أمَّنا رسول الله - ﷺ - في الظهر أو العصر، فقام فقلنا: سبحان الله، فقال: "سبحان الله"، وأشار بيده، يعني: قوموا، فقمنا فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين، ثم قال: "إذا ذكر أحدكم قبل أن يستتم قائمًا فليجلس، وإذا استتم قائمًا فلا يجلس".
أخرجه أحمد (٤/ ٢٥٣)، قال: حدثنا أسود بن عامر [يلقب شاذان: ثقة]: حدثنا إسرائيل به.
° وخالفه: خالد بن عمرو القرشي [الأموي السعيدي: كذاب، رمي بالوضع]، فرواه عن إسرائيل، عن جابر، عن المغيرة بن شبل، عن المغيرة بن شعبة، قال النبي - ﷺ -: "إذا قام أحدكم عن التشهد الأول فاستوى قائمًا؛ فليمض في صلاته، ويسجد سجدتي السهو".
أخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٣٢) (٤/ ٣٠٤/ ٦١٦٨ - ط. الرشد).
قال ابن عدي: "وهذا الحديث منكر المتن، يرويه خالد بن عمرو عن إسرائيل".
٣ - ورواه زيد بن أبي أنيسة [ثقة]، عن جابر، عن المغيرة بن شبيل، عن قيس بن أبي حازم، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة فنهض في الركعتين الأوليين، فسبحنا به، فأوما بيده أن: قوموا، فقمنا، فلما قضى صلاته سجد سجدتين وهو جالس بعدما سلم، ثم قال: إن رسول الله - ﷺ - صنع هكذا، وقال: "إن ذكر قبل أن يستتم قائمًا فليجلس، وإن لم يذكر حتى يستتم قائمًا فليمض في صلاته، ثم يسجد سجدتين بعد التسليم".
أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٣٧/ ١١٦٠)، وشيخ الطبراني فيه جهالة.
تابع جابرًا الجعفي عليه: قيس بن الربيع:
فقد رواه شبابة بن سوار [ثقة]، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن المغيرة بن شبيل، عن قيس بن أبي حازم، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، فقام في الركعتين، فسبح النايس خلفه، فأشار إليهم أن قوموا، فلما قضى صلاته سجد سجدتي السهو، ثم قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا استتم أحدكم قائمًا فليصلِّ، وليسجد سجدتي السهو، وإن لم يستتم قائمًا فليجلس، ولا سهو عليه".
أخرجه الطحاوي (١/ ٤٤٠).
• لكن هذه المتابعة لا تثبت؛ إنما هو حديث الجعفي؛ تفرد به، وبه يُعرف: فقد خالفه: يحيى بن آدم: ثنا قيس بن الربيع، عن جابر، عن المغيرة بن شبيل، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا شك أحدكم فقام في الركعتين، فاستتم قائمًا فليمض، وليسجد سجدتين، وإن لم يستتم قائمًا فليجلس ولا سهو عليه".
أخرجه الدارقطني (١/ ٣٧٨).
[ ١١ / ١٥٦ ]
هكذا رجع الحديث إلى جابر الجعفي، ولم يعد قيس بن الربيع متابعًا له، إنما أخذ الحديث منه، إذ مداره عليه، ويحيى بن آدم: ثقة ثبت، حافظ، وهو أثبت من شبابة بن سوار، والله أعلم.
فهذا الحديث إنما مداره على جابر بن يزيد الجعفي، وهو: متروك، يكذب، ورواية الثوري وشعبة لا تشفعان له، فإنه لا متابع له.
وأما ما رواه الطحاوي (١/ ٤٤٠) [إتحاف المهرة (١٣/ ٤٣٥/ ١٦٩٦٧)، نخب الأفكار (٦/ ٤٨٩)]، قال: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، عن إبراهيم بن طهمان، عن المغيرة بن شبيل، عن قيس بن أبي حازم، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، فقام من الركعتين قائمًا، فقلنا: سبحان الله! فأومى وقال: سبحان الله! فمضى في صلاته، فلما قضى صلاته وسلم، سجد سجدتين وهو جالس، ثم قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ -، فاستوى قائمًا من جلوسه، فمضى في صلاته، فلما قضى صلاته، سجد سجدتين وهو جالس، ثم قال: "إذا صلى أحدكم فقام من الجلوس، فإن لم يستتم قائمًا فليجلس، وليس عليه سجدتان، فإن استوى قائمًا فليمض في صلاته، وليسجد سجدتين وهو جالس".
فهو حديث غريب جدًّا؛ ولا أراه يثبت؛ لأمور كثيرة، أهمها وأبيَنها:
• أولًا: أن الحديث لو كان محفوظًا من رواية ابن طهمان عن ابن شبيل؛ لما قال أبو داود: "وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث"، فإنه لما كان محتاجًا لإخراج هذا الحديث في كتابه فلو وجد طريقًا آخر أصلح منه، لما أخرجه من طريق جابر، ولأخرج حديث ابن طهمان، وشتان ما بينهما، وهذا الذي ذكرت لا يقتصر على تصرف أبي داود في سننه، بل إن الترمذي وابن ماجه لم يخرجاه إلا من طريق الجعفي أيضًا، وأعقبه الترمذي بتضعيف الجعفي، فلو لم يكن الجعفي هو المتفرد به فما الذي ألجأ الأئمة إلى إخراج حديثه، وترك حديث ابن طهمان لو كان معروفًا عندهم؟.
° ثانيًا: ومما يؤكد أن هذا الحديث إنما هو حديث جابر الجعفي، ولا يُعرف له متابع، وأنه لا يُعرف من حديث ابن طهمان عن ابن شبيل:
أن الدارقطني سئل في العلل (٧/ ١٤١/ ١٢٦٣) (٣/ ٣٢٣/ ١٢٦٣ - ط. الريان) عن حديث قيس بن أبي حازم عن المغيرة قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - فقام في ركعتين، فسبحنا، فسبح فقمنا، فلما قضى صلاته، قال: "إذا قام أحدكم في جلوس" الحديث؟
فقال: "يرويه المغيرة بن شبيل، واختلف عنه:
فروي عن منصور، عن المغيرة بن شبيل - وقيل: ابن شبل -، عن المغيرة بن شعبة؛ فيكون ذلك مرسلًا.
واختلف عن منصور، فروي عن روح بن القاسم، عن منصور، عن المغيرة بن شبل، عن قيس، عن المغيرة، وكذلك رواه جابر الجعفي، عن المغيرة بن شبيل، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة؛ وهو الصحيح"؛ يعني: إثبات قيس في إسناده.
[ ١١ / ١٥٧ ]
قلت: فلو كان لجابر الجعفي متابع غير منصور بن المعتمر لذكره الدارقطني، فلما لم يذكر قيسًا ولا ابن طهمان فيمن تابع الجعفي عليه، علمنا عدم ثبوت ذلك عنهما، وإنما هي مجرد أوهام، كما تقدم التدليل على ذلك، ويأتي أيضًا، والله أعلم.
وإن قيل: فهذا منصور بن المعتمر قد تابع جابرًا عليه، ومنصور: ثقة ثبت؟ فيقال: ثبِّت العرش ثم انقش، فهل هو ثابت حقًا من حديث منصور؟، فإن الدارقطني أحيانًا يسقط ممن دون المذكورين في الإسناد رجلًا ضعيفًا، أو يكون الإسناد غريبًا لا تثبت به المتابعة [انظر مثلًا: التتبع (٢٠٣)، وقابله بتخريج السنن للحديث رقم (٦٢١)] [علل الدارقطني (٩/ ٣٤/ ١٦٢٨)، وقابله بتخريج السنن للحديث رقم (٦٢٣)، [وراجع تخريج السنن للحديث رقم (٦٥٣)] [وانظر: العلل (٨/ ٥٩/ ١٤١٥)، [العلل (١٣/ ٣٤٢/ ٣٢٢٢)، وقابله بتخريج السنن للحديث رقم (٩٧٥)]، فكيف يكون ثابتًا عن منصور، ويعرض عنه الأئمة أصحاب السنن وغيرهم، ويذهبون لحديث جابر الجعفي؟!!.
• ثالثًا: شيخ الطحاوي: إبراهيم بن مرزوق بن دينار البصري، نزيل مصر: صدوق، قال الدارقطني: "ثقة؛ إلا أنه كان يخطيء، فيقال له، فلا يرجع"، وكان قد عمي قبل موته [التهذيب (١/ ٨٦)، الميزان (١/ ٢١٤)] [وانظر في أوهامه: ما تقدم معنا في تخريج السنن تحت الحديث رقم (٧٢٣)]، وهو هنا قد تفرد بهذا الحديث عن أبي عامر العقدي عبد الملك بن عمرو، وهو: بصري ثقة مأمون، كثير الأصحاب، وابن مرزوق وإن كان الطحاوي اعتمده في أبي عامر العقدي؛ إلا أنه لا يُعدُّ في المكثرين من أصحابه، فلعل الآفة منه في هذا الحديث، ولعله حدث به في آخر عمره بعد ما عمي، فوهم، والله أعلم.
• رابعًا: خالفه محمد بن سابق في إسناده عن ابن طهمان، فرواه كما رواه الناس: فقد تقدم في بيان طرق حديث الزهري عن الأعرج عن ابن بحينة، الطريق الثانية عشرة: أن أحمد بن عثمان بن حكيم، وأحمد بن علي بن الحسن أبو العباس البربهاري، وأبو جعفر أحمد بن زياد بن مهران السمسار [وهم ثقات]:
رووا عن محمد بن سابق [وهو: صدوق]، قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أيوب بن موسى، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن عبد الله بن مالك بن بحينة؛ أنه قال: "صلى [بنا] رسول الله - ﷺ - ذات يوم العصر، فقام من ركعتين، ثم لم يجلس حتى قضى صلاته - ﷺ -، ثم سجد سجدتين وهو جالس.
أخرجه المحاملي في أماليه (٨٣ - رواية ابن البيع)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢٢٠/ ١٧٩٣)، وابن البخاري في مشيخته (٧٦٦).
• خامسًا: فإن يكن هذا أصل حديث ابن طهمان، حيث دخل لابن مرزوق حديث في حديث؛ أو ليكن قد سقط له من إسناده: جابر الجعفي، وهو شيخ لابن طهمان، فيعود الحديث إلى الجعفي، والله أعلم.
• سادسًا: ومما يؤكد أيضًا كون هذه الرواية وهمًا محضًا: أن أحدًا ممن عاصر
[ ١١ / ١٥٨ ]
الطحاوي، أو ممن جاء بعده؛ لم يقف على متابعة ابن طهمان هذه، فيعتمدها ويذكرها إلى جنب رواية الجعفي، فلم يفعل ذلك أحد، وها هم الأئمة يتتابعون على إخراج حديث الجعفي دون الإشارة إلى وجود متابعة له، مثل: أبي علي الطوسي، وابن المنذر، والطبراني، والدارقطني، والبيهقي، وابن عبد البر.
***
١٠٣٧ - . . . يزيد بن هارون: أخبرنا المسعودي، عن زياد بن عِلاقة، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة فنهض في الركعتين، قلنا: سبحان اللّه، قال: سبحان اللّه، ومضى، فلما أتم صلاته وسلم، سجد سجدتي السهو، فلما انصرف قال: "رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يصنع كما صنعت".
قال أبو داود: وكذلك رواه ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن المغيرة بن شعبة، ورفعه.
ورواه أبو عميس، عن ثابت بن عبيد، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، مثل حديث زياد بن علاقة.
قال أبو داود: أبو عميس أخو المسعودي، وفعلَ سعدُ بن أبي وقاص مثل ما فعلَ المغيرةُ، وعمران بن حصين، والضحاك بن قيس، ومعاوية بن أبي سفيان، وابن عباس أفتى بذلك، وعمر بن عبد العزيز.
قال أبو داود: وهذا فيمن قام من ثنتين، ثم سجدوا بعد ما سلموا.
حديث ضعيف
أخرجه الترمذي (٣٦٥)، والدارمي (١/ ٤٢١/ ١٥٠١)، وأحمد (٤/ ٢٤٧ و٢٥٣)، والطحاوي (١/ ٤٣٩)، وابن حزم في المحلى (٤/ ١٧٢)، والبيهقي (٢/ ٣٣٨)، وابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ١٩٧).
رواه عن يزيد بن هارون [وهو: ثقة متقن]: أحمد بن حنبل، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وزهير بن حرب، وعبيد الله بن عمر الجشمي القواريري، وحسين بن نصر بن المعارك، وعلي بن شيبة بن الصلت [وهم ثقات حفاظ؛ عدا الأخيرين ففي جملة الثقات].
تابعه: أبو داود الطيالسي [ثقة حافظ]، قال: حدثنا المسعودي، عن زياد بن علاقة، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، فقام في الركعتين الأوليين، فسبحوا به، فمضى في صلاته، فلما فرغ سجد سجدتين، ثم سلم، وقال: هكذا فعل رسول الله - ﷺ -.
أخرجه الطيالسي (٢/ ٧٢/ ٧٣٠)، ومن طريقه: الطحاوي (١/ ٤٣٩)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٤٢٢/ ١٠١٩).
[ ١١ / ١٥٩ ]
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن المغيرة بن شعبة عن النبي - ﷺ - ".
وانظر: بيان الوهم (٤/ ١٧٦/ ١٦٤٥).
قلت: هو حديث ضعيف؛ لأجل اختلاط المسعودي، ويزيد بن هارون وأبو داود الطيالسي: ممن روى عنه بعد الاختلاط [الكواكب النيرات (٣٥)، التقييد والإيضاح (٤٣٠)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٤٧)].
• وللحديث طرق أخرى:
١ - فقد رواه علي بن هاشم بن البريد، وهشيم بن بشير، وسفيان الثوري، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وعبيد الله بن موسى [وهم ثقات]:
عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي، قال: صلَّيتُ خلف المغيرة بن شعبة، فقام في الثانية، فسبَّح الناس به فلم يجلس، فلما سلَّم وانفتل، سجد سجدتين وهو جالس، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - صنع. لفظ علي بن هاشم، وبنحوه لفظ الثوري وأبى أسامة.
ولفظ هشيم [عند الترمذي]: صلى بنا المغيرة بن شعبة فنهض في الركعتين، فسبح به القوم وسبح بهم، فلما قضى صلاته سلم، ثم سجد سجدتي السهو وهو جالس، ثم حدثهم أن رسول الله - ﷺ - فعل بهم مثل الذي فعل.
أخرجه الترمذي (٣٦٤)، وأحمد (٤/ ٢٤٨)، وعبد الرزاق (٢/ ٣٠١/ ٣٤٥٢)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٩٠/ ٤٤٩٢) (٣/ ٤٥٠/ ٤٥٢٦ - ط. عوامة)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٤١١/ ٩٨٧)، وهلال الحفار في جزئه عن الحسين بن يحيى القطان (٧٧)، والبيهقي (٢/ ٣٤٤)، وابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ١٩٨).
خالفهم في متنه؛ عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى:
فقد رواه محمد بن عمران بن أبي ليلى [ثقة]: حدثني أبي، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن المغيرة بن شعبة؛ "أن النبي - ﷺ - تشهد بعد أن رفع رأسه من سجدتي السهو".
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٤١٢/ ٩٨٨)، وفي الأوسط (٨/ ١١١/ ٨١٢٤)، والبيهقي (٢/ ٣٥٥).
وهذه رواية منكرة.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن الشعبي إلا ابن أبي ليلى، تفرد به: ولده عنه".
وقال البيهقي في السنن: "وهذا يتفرد به محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الشعبي، ولا يفرح بما يتفرد به، والله أعلم".
وقال في المعرفة (٢/ ١٧٤): "وهذا يتفرد به ابن أبي ليلى هذا، ولا حجة فيما يتفرد به لسوء حفظه، وكثرة خطئه في الروايات".
[ ١١ / ١٦٠ ]
قلت: إما أن يحمل هذا الاختلاف على اضطراب ابن أبي ليلى وسوء حفظه، وإما أن ولده هو الذي وهم فيه، فإن ابنه عمران: روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات [التهذيب (٣/ ٣٢١)، تاريخ الإسلام (١٢/ ٣١٩)]، لكن إذا قلنا بأن أهل بيت الرجل أعلم بحديثه من الغرباء، عندئذ يترجح كون الوهم فيه من ابن أبي ليلى نفسه، واضطرابه فيه؛ فإن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: ليس بالقوي، كان سيئ الحفظ جدًّا، كثير الوهم، غلب عليه الاشتغال بالفقه والقضاء؛ فلم يكن يحفظ الأسانيد والمتون [انظر: التهذيب (٣/ ٦٢٧)، الميزان (٣/ ٦١٣)].
° قال الترمذي: "حديث المغيرة بن شعبة: قد روي من غير وجه عن المغيرة بن شعبة، وقد تكلم بعض أهل العلم في ابن أبي ليلى من قبل حفظه، قال أحمد: لا يحتج بحديث ابن أبي ليلى، وقال محمد بن إسماعيل: ابن أبي ليلى هو صدوق، ولا أروي عنه لأنه لا يُدرى صحيحُ حديثه من سقيمه، وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئًا، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن المغيرة بن شعبة، وروى سفيان عن جابر عن المغيرة بن شبيل عن قيس بن أبي حازم عن المغيرة بن شعبة، وجابر الجعفي قد ضعفه بعض أهل العلم؛ تركه يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهما، والعمل على هذا عند أهل العلم: على أن الرجل إذا قام في الركعتين مضى في صلاته وسجد سجدتين، منهم من رأى قبل التسليم، ومنهم من رأى بعد التسليم، ومن رأى قبل التسليم فحديثه أصح؛ لما روى الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن بحينة".
٢ - ورواه بكر بن بكار، قال: ثنا علي بن مالك الرؤاسي - من أنفسهم -، قال: سمعت عامرًا يحدث: أن المغيرة بن شعبة سها في السجدتين الأوليين فسُبِّح به، فاستتم قائمًا حتى صلى أربعًا، ثم سجد سجدتي السهو، [وفي رواية: فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين بعد ما سلم]، وقال: هكذا فعل رسول الله - ﷺ -.
أخرجه الطحاوي (١/ ٤٤٠)، وابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ١٩٩).
وهذا إسناد واهٍ؛ علي بن مالك الرؤاسي، ويقال: العنزي، أو: العبدي، قال ابن معين: "ليس حديثه بشيء"، وقال مرة: "ضعيف"، وقال أبو حاتم: "هو شيخ ليس بالقوي، هو مثل عبد الأعلى بن أبي المساور"، قلت: وابن أبي المساور: متروك، منكر الحديث، كذبه ابن معين، والرؤاسي: ذكره ابن حبان في الثقات، فلم يصب، وقال ابن عدي: "ليس هو بالمعروف" [تاريخ ابن معين للدوري (٤/ ٢٨/ ٢٩٧٤) و(٤/ ٣١/ ٢٩٩١)، ضعفاء العقيلي (٣/ ٢٥١)، الجرح والتعديل (٦/ ٢٠٣)، الثقات (٨/ ٣٥٦)، الكامل (٥/ ١٩٥)، اللسان (٦/ ١١)، التهذيب (٢/ ٤٦٦)]، وبكر بن بكار القيسي: ضعيف.
٣ - ورواه محمد بن بشر العبدي، وأبو نعيم الفضل بن دكين:
قال العبدي: حدثنا مسعر، عن ثابت بن عبيد، قال: صليت خلف المغيرة بن شعبة، فقام في الركعتين فلم يجلس، فلما فرغ سجد سجدتين.
[ ١١ / ١٦١ ]
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٩١/ ٤٥٠١)، وأبو زرعة الدمشقي في التاريخ (١/ ٦٣٣ ١٨٣٤)، وابن المنذر (٣/ ٢٨٨/ ١٦٧١).
وهذا موقوف على المغيرة بإسناد كوفي صحيح، رجاله ثقات حفاظ، وهو أثبت إسناد لحديث المغيرة هذا، وعليه: فإن المحفوظ عن المغيرة في هذا: موقوف عليه فعله، ولم يصرح فيه بأنه سجد للسهو بعد السلام، والله أعلم.
• فإن قيل: كلام أبي داود يشعر بأنه قد صح عنه مرفوعًا من هذا الوجه، حيث علقه بقوله: "ورواه أبو عميس، عن ثابت بن عبيد، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، مثل حديث زياد بن علاقة"؛ يعني: مرفوعًا، وبذكر السجود بعد السلام.
قال ابن حجر في النكت الظراف (٨/ ٤٧١/ ١١٤٨٩ أ - تحفة الأشراف): "وقد وصله أبو علي بن السكن في كتاب السنن له، عن أبي محمد بن أبي حاتم، عن أبيه، عن عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، عن أبي العميس به. وأخرجه ابن أبي عمر في مسنده من وجه آخر عن ثابت بن عبيد".
قلت: فصح بذلك الإسناد إلى أبي العميس، وأبو العميس عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود: كوفي، ثقة، قال ابن المديني: "له نحو أربعين حديثًا"، ووثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم وابن سعد، وذكره ابن حبان في الثقات [التهذيب (٣/ ٥١)]؛ لكن رواية مسعر بن كدام عندي هي المحفوظة، ورواية أبي العميس شاذة، ذلك لأن مسعرًا كان من أثبت الناس، حتى قرنه أحمد بشعبة في الثقة، بل إنهم كانوا يلقبونه بالمصحف لحفظه وقلة خطئه، وممن لقبه بذلك شعبة وعبد الله بن داود الخريبي وأبو حاتم وغيرهم، وقد قدمه على الثوري وشعبة: أبو نعيم، وأبو حاتم، وقال أبو حاتم: "مسعر: أتقن من حماد بن زيد"، وسئل عن مسعر بن كدام إذ اختلف الثوري ومسعر؟ فقال: "يحكم لمسعر، فإنه قيل: مسعر مصحف"، ورفعه يحيى بن سعيد القطان على تشدده في الرجال، فقال: "ما رأيت مثل مسعر، كان من أثبت الناس"، وقال الثوري: "كنا إذا اختلفنا في شيء سألنا مسعرًا عنه"، فقد كان ثقة ثبتًا حجةً، واسع الرواية عن أهل بلده [التاريخ الكبير (٨/ ١٣)، الجرح والتعديل (١/ ١٥٤) و(٨/ ٣٦٨)، الثقات (٧/ ٥٠٧)، السير (٧/ ١٦٣)، التهذيب (٤/ ٦٠)]، كما أن حديث مسعر عن ثابت بن عبيد: حديث مشهور، ويغلب على ظني أن حديث أبي العميس عن ثابت: حديث غريب، لا يُعرف إلا من هذا الوجه، ولا شك أن المشهور مقدم على الغريب، كما أن حديث أبي العميس: لم يخرجه موصولًا أحد من أصحاب الصحاح والسنن والمصنفات والمسانيد والمعاجم ودواوين الإسلام، إلا ابن السكن، وهو معروف بتساهله، قال ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٥٢٢): "وهو متساهل في هذا التأليف"، كما أن ابن السكن يصحح أحاديث اتفق الأئمة على إنكارها [انظر: تخريج السنن (٥٥١)]، والله أعلم.
• ورواه محمد بن الحسن المزني، ومروان بن معاوية [وهما ثقتان]:
[ ١١ / ١٦٢ ]
ثنا أبو سعد البقال [وقال مروان: عن أبي سعيد الأعور]، عن ثابت بن عبيد، قال: صليت خلف المغيرة بن شعبة فلم يجلس في الثانية، فسبح به القوم فمضى في صلاته، فلما قضى صلاته سجد سجدتين ثم سلم، ثم التفت إلى القوم، فقال: لو سبحتم قبل أن أستوي قائمًا جلست، ولكن هكذا صلى بنا رسول الله - ﷺ -.
أخرجه ابن أبي عمر العدني في مسنده (٢/ ٤٥٩/ ٢١٠٧ - إتحاف الخيرة)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٤١٥/ ٩٩٨).
قلت: وهو منكر بهذا السياق، وأبو سعد البقال الأعور، سعيد بن المرزبان: ضعيف، مدلس، تركه جماعة من الأئمة، وقال البخاري: "منكر الحديث" [التهذيب (٢/ ٤١)، الميزان (٢/ ١٥٨)].
وانظر في الأوهام: ما أخرجه أبو جعفر بن البختري في المنتقى من السادس عشر من حديثه (٤٦) (٧١٥ - مجموع مصنفاته).
° وبعد عرض طرق حديث المغيرة بن شعبة، فإنه لا يتقوى بعضها ببعض، فهذا جابر الجعفي الكذاب قد تفرد به عن المغيرة بن شبيل عن قيس بن أبي حازم، وهذا المسعودي قد تفرد به عن زياد بن علاقة، وهذا ابن أبي ليلى وعلي بن مالك الرؤاسي روياه عن الشعبي، فلا يسلم إسناد منها من مقال، وأصح إسناد للحديث:
هو ما رواه محمد بن بشر العبدي، وأبو نعيم الفضل بن دكين، عن مسعر بن كدام، عن ثابت بن عبيد، قال: صليت خلف المغيرة بن شعبة، فقام في الركعتين فلم يجلس، فلما فرغ سجد سجدتين.
هكذا موقوفًا على المغيرة فعله، ولم يصرح فيه بأنه سجد للسهو بعد السلام، وروايته هذه أرجح من رواية أبي العميس المرفوعة، والله أعلم.
قلت: ولكون أسانيد حديث المغيرة لا تخلو من مقال، وأنها ليست نقية، وقد جاءت بما يخالف حديث ابن بحينة المتفق على صحته، مع كثرة طرقه، وشهرته، واشتهار رجاله بالحفظ والإتقان والإمامة، وفيه: أن النبي - ﷺ - سجد للسهو من ترك التشهد الأوسط قبل السلام، وليس بعده، لذلك فقد قدم الأئمة حديث ابن بحينة على حديث المغيرة بن شعبة:
• فهاهما الشيخان يخرجان حديث ابن بحينة، ويصححانه، ويحتجان به؛ دون حديث المغيرة بن شعبة، وقد أعرض عنه أيضًا عامة من صنف في الصحيح؛ كابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والحاكم.
• واحتجاج الإمام أحمد في هذا الموضع بحديث ابن بحينة [كما سيأتي نقل كلامه تحت الحديث الآتي (١٠٣٨)]، فيه دليل إلى أنه أصح عنده من حديث المغيرة، قال ابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٢٠٥): "هذا يدلك على أن حديث ابن بحينة أصح عند أحمد بن حنبل - وهو إمام أهل الحديث - من حديث المغيرة بن شعبة"، وقال في
[ ١١ / ١٦٣ ]
الاستذكار (١/ ٥٢٦): "وحديث ابن بحينة عند ابن حنبل: أصح من حديث المغيرة".
وقال ابن رجب في الفتح (٦/ ٤٩٥): "غير أن ترك التشهد الأول قد روي عن المغيرة عن النبي - ﷺ - أنه سجد له بعد السلام، ولكن حديث ابن بحينة أصح منه، فأخذ أحمد بأصح الحديثين فيما اختلفت الرواية فيه بعينه".
وقال الترمذي: "حديث المغيرة بن شعبة: قد روي من غير وجه عن المغيرة بن شعبة، ، والعمل على هذا عند أهل العلم: على أن الرجل إذا قام في الركعتين مضى في صلاته وسجد سجدتين، منهم من رأى قبل التسليم، ومنهم من رأى بعد التسليم، ومن رأى قبل التسليم فحديثه أصح؛ لما روى الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن بحينة".
وقال البيهقي: "وحديث ابن بحينة: أصح من هذا، ومعه رواية معاوية، وفي حديثهما: أن النبي - ﷺ - سجدهما قبل السلام، والله أعلم".
وقال نحوه في المعرفة (٢/ ١٧١)، وزاد: "والعدد أولى بالحفظ من الواحد"، قلت: ويأتي ذكر حديث معاوية قريبًا في الشواهد.
وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٢٠٢): "حديث عبد الله بن بحينة هذا من رواية ابن شهاب ويحيى بن سعيد عن الأعرج عن ابن بحينة، وهو أقوى اسنادًا من حديث المغبرة وأثبت".
وقال في الاستذكار (١/ ٥١٧): "وعارضوا حديث ابن بحينة بحديث المغيرة بن شعبة، وزعموا أنه أولى؛ لأن فيه زيادة التسليم والسجود بعده، وهذا ليس بشيء؛ لأن حديث ابن بحينة: ثابت بنقل الأئمة، وحديث المنيرة: ضعيف الإسناد، ليس مثله بحجة".
وفي الباب:
١ - حديث سعد بن أبى وقاص:
يرويه أبو معاوية [محمد بن خازم: ثقة، في حديثه عن غير الأعمش وهم]: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن سعد بن أبي وقاص، أنه نهض في الركعتين، فسبحوا به، فاستتم [قائمًا]، ثم سجد سجدتي السهو حين انصرف، ثم قال: أكنتم تروني أجلس، "إنما صنعت كما رأيت رسول الله - ﷺ - يصنع".
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ١١٦/ ١٠٣٢)، والحاكم (١/ ٣٢٣)، والضياء في المختارة (٣/ ٢٢٩/ ١٠٣٥) و(٣/ ٢٣٠/ ١٠٣٧) و(٣/ ٢٣١/ ١٠٣٨)، وأحمد بن منيع في مسنده (٢/ ٤٥٩/ ٢١٠٨ - إتحاف الخيرة) (٤/ ٦٠٤/ ٦٦٨ - مطالب)، والبزار (١/ ٢٧٧/ ٥٧٥ - كشف)، وأبو يعلى (٢/ ١٠٣/ ٧٥٩) و(٢/ ١١٩/ ٧٨٥) و(٢/ ١٢٤/ ٧٩٤)، وابن حزم في المحلى (٤/ ١٧٥)، والبيهقي (٢/ ٣٤٤)، وابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ١٩٩).
مشى الحاكم على ظاهر الإسناد؛ فقال: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
[ ١١ / ١٦٤ ]
وله علة أبان عنها الأئمة:
فقال أبو عثمان عمرو بن محمد الناقد: "لم نسمع أحدًا يرفع هذا غير أبي معاوية".
وقال البزار: "قد رواه غير واحد عن إسماعيل عن قيس عن سعد موقوفًا، ورواه المغيرة بن شبل عن قيس عن المغيرة بن شعبة".
وقال ابن خزيمة: "لا أظن أبا معاوية إلا وهم في لفظ هذا الإسناد".
قلت: خالفه فأوقفه:
يعلى بن عبيد، وزهير بن معاوية، ووكيع بن الجراح، وزائدة بن قدامة، وسفيان الثوري، وهشيم بن بشير، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، وسفيان بن عيينة، وخالد بن عبد الله الواسطي، ويحيى بن سعيد القطان، ومروان بن معاوية، وأبو حمزة السكري محمد بن ميمون [وهم ثقات حفاظ]:
قال زهير: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: صلى سعد بن أبي وقاص فسها في ركعتين، فقام في الثانية، فسبح به القوم من خلفه، فمضى حتى فرغ، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعدما سلم، ولم يرفعوه.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣١٠/ ٣٤٨٦) [فيه سقط وتحريف، وتصحيحه من كنز العمال (٨/ ٦٧/ ٢٢٢٨٢)]، وأبو يعلى (٢/ ١٠٤/ ٧٦٠)، وابن المنذر (٣/ ٢٨٨/ ١٦٧٠) و(٣/ ٣٠٩/ ١٦٨٩)، والدارقطني في العلل (٤/ ٣٨٠/ ٦٤٢)، وابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٢٠٠)، والضياء في المختارة (٣/ ٢٣٠/ ١٠٣٦).
وهذا هو الصواب؛ موقوف على سعد بإسناد صحيح.
وقد سئل يحيى بن معين عن حديث أبي معاوية الضرير عن إسماعيل عن قيس عن سعد في القيام من الركعتين؟ قال يحيى: "خطأ، ليس يُرفع" [التمهيد (١٠/ ٢٠٠)].
وقال الدارقطني في العلل (٤/ ٣٨٠/ ٦٤٢): "والموقوف: هو المحفوظ".
ورواه أبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي، وشعبة [في المحفوظ عنه]، وسفيان الثوري، ومحمد بن فضيل [وهم ثقات]:
عن بيان بن بشر الأحمسي أبي بشر [ثقة ثبت]، عن قيس بن أبي حازم، قال: أَمَّنا سعد بن مالك، فقام عن الركعتين الأوليين، فسبَّح له القوم من خلفه، فسبَّح بهم أن: قوموا، قال: فلم يجلس، فلما قضى صلاته سلم، وسجد بهم سجدتين. لفظ سلام، وبنحوه لفظ شعبة، وقال ابن فضيل في آخره: فصلى وسجد سجدتين. هكذا موقوفًا.
أخرجه محمد بن الحسن الشيباني في الحجة (١/ ٢٢٧)، وعبد الرزاق (٢/ ٣١٠ ٣٤٨٦) [فيه سقط وتحريف، وتصحيحه من كنز العمال (٨/ ٦٧/ ٢٢٢٨٢)]، وابن أبي شيبة (١/ ٣٩١/ ٤٤٩٣)، والطحاوي (١/ ٤٤١)، وابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٢٠٠).
وهذا موقوف على سعد بإسناد صحيح.
وانظر فيمن وهم فيه على شعبة فرفعه: ما أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ١١٠/ ١٤١٣).
[ ١١ / ١٦٥ ]
وانظر في أوهام النساخ: مصنف عبد الرزاق (٢/ ٣١٠/ ٣٤٨٦)، كنز العمال (٨/ ٦٧/ ٢٢٢٨٢).
٢ - حديث معاوية بن أبي سفيان:
رواه الليث بن سعد [ثقة ثبت، إمام فقيه، من أثبت الناس في ابن عجلان]، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن يوسف مولى عثمان، عن أبيه يوسف؛ أن معاوية صلى أمامَهم، فقام في الصلاة وعليه جلوس، فسبَّح الناس، فتم على قيامه، ثم سجد بنا سجدتين وهو جالس، بعد أن أتم الصلاة، ثم قعد على المنبر، فقال: إني سمعت رسول اللّه - ﷺ - يقول: "من نسي شيئًا من صلاته فليسجد مثل هاتين السجدتين".
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ٣٣/ ١٢٦٠)، وفي الكبرى (١/ ٣١١/ ٥٩٨) و(٢/ ٥٨/ ١١٨٤)، وابن حبان (٥/ ٢٦٥/ ١١٨٣)، وأحمد (٤/ ١٠٠).
قال المزي في التحفة (٨/ ١٥٠/ ١١٤٥٢): "قرأت بخط النسائي: يوسف ليس بالمشهور".
قلت: فهذه الرواية تحتمل التأويل على الوجهين في جعل السلام قبل السجود أو بعده.
• ورواه سليمان بن بلال [مدني ثقة]، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن يوسف، عن أبيه، عن معاوية؛ أن النبي - ﷺ -، قال: "من نسي شيئًا من صلاته فليسجد سجدتين".
أخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٣٣٧/ ٧٧٨)، بإسناد لا بأس به إلى سليمان به.
• ورواه بكير بن عبد الله بن الأشج [مدني، نزيل مصر: ثقة]، ويحيى بن أيوب [الغافقي المصري: لا بأس به]، وابن لهيعة [ضعيف]:
عن محمد بن عجلان، عن محمد بن يوسف مولى عثمان حدثه، عن أبيه؛ أن معاوية بن أبي سفيان صلى بهم، فقام وعليه جلوس، فلم يجلس، فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين قبل أن يسلم، وقال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يصنع.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٦٣)، والطحاوي (١/ ٤٣٩)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٣٣٦/ ٧٧٣ و٧٧٤) و(١٩/ ٣٣٧/ ٧٧٦)، والبيهقي في السنن (٢/ ٣٣٤) [ووقع عنده: عن العجلان، وهو خطأ]، وفي المعرفة (٢/ ١٧٠/ ١١٣٧) [وقال: "كذا وقع في كتابي"؛ يعني: عن العجلان، مشيرًا إلى الوهم الواقع فيه]، والحازمي في الاعتبار (١/ ٤٢٥/ ١٤٨).
• هكذا رواه عن بكير بن الأشج: عمرو بن الحارث.
وخالفه: مخرمة بن بكير، فرواه عن أبيه، عن محمد بن يوسف به نحوه.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٦٣)، والدارقطني (١/ ٣٧٥).
ومخرمة: لم يسمع من أبيه شيئًا، وروايته عنه إنما هي من كتاب أبيه وجادة [تقدم الكلام عليه تحت الحديث المتقدم برقم (٢٠٧)] [وانظر: تخريج أحاديث الذكر والدعاء
[ ١١ / ١٦٦ ]
برقم (٤٥٩) (٣/ ٩٩٩) و(٥٢٩) (٣/ ١٠٨١ - ١٠٨٢)]، وكثيرًا ما يدخل الخلل والوهم والخطأ على المحدث إذا روى من صحيفة وجدها ولم يسمعها، ولذا فإن رواية عمرو بن الحارث الحافظ الثبت أصح من رواية مخرمة، والله أعلم.
قلت: وهذه الرواية صريحة في كون سجود السهو قبل السلام، وتحمل عليها رواية الليث بن سعد.
• ورواه روح بن عبادة [ثقة، أخرج له الشيخان من حديثه عن ابن جريج]، قال: حدثنا ابن جريج، قال: أخبرني محمد بن يوسف مولى عمرو بن عثمان، عن أبيه، عن معاوية بن أبي سفيان؛ أنه سمع رسول الله - ﷺ - قال: "من نسي شيئًا من صلاته؛ فليسجد سجدتين وهو جالس".
أخرجه أحمد (٤/ ١٠٠)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٧٧ - الجزء المفقود)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٣٣٥/ ٧٧٢)، وعلقه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٦٣).
• خالفه: عبد المجيد، فرواه عن ابن جريج: حدثني أبو بكر، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن يوسف مولى عمرو بن عثمان، عن أبيه يوسف؛ أنه رأى معاوية صلى بالناس، فقام في الثنتين فسبح الناس، فأشار إليهم أن: قوموا، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين قبل السلام، وسجدهما الناس معه، ثم قال: يا أيها الناس إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من داخله شك في صلاته فليسجد سجدتين وهو جالس".
أخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٣٣٧/ ٧٧٧)، قال: حدثنا محمد بن علي الصائغ المكي [ثقة. سؤالات حمزة السهمي (٥)، الثقات (٩/ ١٥٢)، السير (١٣/ ٤٢٨)]: ثنا أحمد بن محمد القواس، ثنا عبد المجيد به.
قلت: وهذه رواية منكرة سندًا ومتنًا، فلا معنى لذكر أبي بكر عن محمد بن عجلان في هذا الإسناد، إنما يرويه ابن جريج عن محمد بن يوسف بلا واسطة، فقد صرح بسماعه منه كما في رواية روح بن عبادة، وابن جريج من طبقة ابن عجلان، وماتا في سنة واحدة، أو بينهما سنة أو سنتين على اختلاف المؤرخين في وفاتيهما، كما أن قوله في هذه الرواية: "من داخله شك" غير محفوظ، والمحفوظ رواية الجماعة: "من نسي شيئًا من صلاته".
وقد يكون الوهم فيه من عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد: فإنه صدوق يخطئ، كان عالمًا بحديث ابن جريج؛ لكن يهم عليه فيه، قال ابن معين: "كان أعلم الناس بحديث ابن جريج"، وأنكر عليه ابن عدي أحاديث تفرد بها عن ابن جريج وغيره، ثم قال: "وكل هذه الأحاديث: غير محفوظة؛ على أنه ثبت في حديث ابن جريج، وله عن غير ابن جريج أحاديث غير محفوظة"، فدل ذلك على أنه ليس بالثبت في ابن جريج، يخطئ في حديثه، وقد تقدم معنا أحاديث خالف فيها ابنُ أبي رواد بعضَ أصحاب ابن جريج، وكانت هذه الأحاديث من أوهام ابن أبي رواد على ابن جريج، أصاب فيها غيره
[ ١١ / ١٦٧ ]
[انظر الأحاديث المتقدمة برقم (٤٦١) و(٦٤٦) و(٧٨٨)، الشاهد الثالث].
أو يكون الوهم من الراوي عنه: أحمد بن محمد بن علقمة بن رافع بن عمر بن صبح بن عون، أبو الحسن المكي المقريء النبال القواس: ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ١٠)، وقال: "ربما خالف"، وروى عنه جماعة من الثقات [تاريخ الإسلام (١٨/ ١٤٦)، التهذيب (١/ ٤٦)]، فالله أعلم.
والحاصل: فإنه باستثناء الرواية الأخيرة؛ فإن حديث معاوية بن أبي سفيان: حديث جيد، إسناده لا بأس به، رجاله ثقات؛ غير يوسف مولى عثمان بن عفان، لم يرو عنه غير ابنه محمد، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال البرقاني: قلت للدارقطني: "محمد بن يوسف مولى عمرو بن عثمان، عن أبيه، عن معاوية؟ قال: محمد ثقة من أهل المدينة، وأبوه لا بأس به، سمع من معاوية"، ولا يضره قول النسائي فيه: "ليس بالمشهور" [سؤالات البرقاني (٤٦٦)، التهذيب (٣/ ٧٤٠) و(٤/ ٤٦٥)]، فإنه كذلك؛ لكن لا يمنع ذلك من تصحيح حديثه فإنه لم يرو منكرًا، فإن حديث معاوية هذا متابع لحديث ابن بحينة، كما قال البيهقي.
وأما قول النبي - ﷺ - فيه: "من نسي شيئًا من صلاته؛ فليسجد سجدتين وهو جالس"، فهو ليس بحجة على جعل كل سجود للسهو قبل السلام مطلقًا، وإنما هو وارد على محله، كما في رواية الليث: "من نسي شيئًا من صلاته فليسجد مثل هاتين السجدتين"، وكذلك كل ما كان في معناه فيمن نسي شيئًا من صلاته فلم يعد إليه، مما يجبر بسجود السهو، فسجوده حينئذ يكون قبل السلام؛ لأنه سجود لجبر نقص وقع في الصلاة فكان داخلًا في الصلاة، والله أعلم.
ولحديث معاوية إسناد آخر، لكنه واهٍ جدًّا [أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٣٨٩)، وأبو يعلى (١٣/ ٣٧٨/ ٧٣٨٥)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٣٦٢/ ٨٥١)] [وفي إسناده: مجهولان، معن بن علي، وعياض بن مرة، والمتفرد به: العلاء بن هلال الرقي، وهو: منكر الحديث].
٣ - حديث عقبة بن عامر:
رواه الليث بن سعد، وبكر بن مضر [وهما ثقتان ثبتان]:
عن يزيد بن أبي حبيب؛ أن عبد الرحمن بن شماسة حدثه؛ أن عقبة بن عامر قام في صلاة وعليه جلوس، فقال الناس: سبحان الله، فعرف الذي يريدون، فلما أن صلى سجد سجدتين وهو جالس، ثم قال: إني قد سمعت قولكم، وهذه سنة.
وفي رواية: صلى بنا عقبة بن عامر فقام وعليه جلوس، فقال الناس وراءه: سبحان الله، [سبحان الله]، فلم يجلس، فلما فرغ من صلاته، سجد سجدتين وهو جالس، [ثم قام] فقال: إني سمعتكم تقولون: سبحان اللّه، كيما أجلس، وليس تلك سنة، وإنما السُّنَّة التي صنعته.
[ ١١ / ١٦٨ ]
وفي رواية أخرى [عند البيهقي]، قال في آخرها: فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتي السهو وهو جالس، فلما سلم، قال: إني سمعتكم آنفًا تقولون: سبحان الله، لكيما أجلس، لكن السُّنَّة الذي صنعت. فصرح بكون السجود قبل السلام، وهو مفسر لقوله في الرواية الأخرى: سجد سجدتين وهو جالس، يعني: قبل السلام.
أخرجه ابن حبان (٥/ ٢٦٧/ ١٩٤٠)، والحاكم (١/ ٣٢٥)، وابن أبى شيبة (١/ ٣٩١ ٤٤٩٨)، والحارث بن أبي أسامة (٢/ ٤٥٩ - ٤٦٠/ ٢١١١ - إتحاف الخيرة) (١٨٧ - بغية الباحث) (٤/ ٦٠١/ ٦٦٧ - مطالب)، وابن المنذر (٣/ ٢٨٨/ ١٦٦٨)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٣١٣/ ٨٦٧) و(١٧/ ٣١٤/ ٨٦٨)، والبيهقي (٢/ ٣٤٤)، وابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٢٠١).
• خالفهما: حيوة بن شريح [التجيبي: ثقة ثبت]، قال: أخبرني يزيد بن أبي حبيب: حدثني عبد الرحمن بن شماسة، وقال: صلى عمرو بن العاص بالناس فقام عن تشهده، فصاح به الناس، فقالوا: سبحان الله، فصلى كما هو، فلما تم صلاته سجد سجدتين، ثم قال: يا أيها الناس، إنه لم يخف عليَّ الذي أردتم، ولم يمنعني من الجلوس إلا الذي صنعت من السُّنَّة.
أخرجه ابن أبي عمر العدني في مسنده (٢/ ٤٥٨/ ٢١٠٦ - إتحاف الخيرة) (٤/ ٦٠١ ٦٦٧ - مطالب).
قلت: قول اثنين من الحفاظ أولى من قول الواحد، وأبعد عن الوهم؛ فهو عن عقبة بن عامر، لا عن عمرو بن العاص.
وقد سئل أبو زرعة عن حديث حيوة، فقال: "هذا خطأ، إنما هو عن عقبة بن عامر" [العلل (١/ ١٧٩/ ٥١١)].
وعليه: فإن هذا إسناد مصري صحيح، وهو حديث صحيح، وهو شاهد لحديث ابن بحينة، في السجود قبل السلام لمن نسي الجلوس بعد الركعتين.
٤ - عن عمران بن حصين:
رواه يزيد بن هارون، عن هشام، عن محمد، قال: صلى بنا عمران بن حصين في المسجد فنهض في الركعتين، أو قعد في ثلاث، وأكثر ظن هشام أنه قعد في الركعتين، فلما أتم الصلاة سجد سجدتي السهو.
أخرجه ابن أبى شيبة (١/ ٣٩١/ ٤٥٠٢) (٣/ ٤٥٢/ ٤٥٣٦ - ط. عوامة).
وقوله: قعد في الركعتين؛ وهمٌ، لا يُدرى ممن هو، ولعله: نهض أو قام.
وهذا موقوف على عمران فعله بإسناد صحيح، ومحمد هو: ابن سيرين، وهشام هو: ابن حسان، وليس فيه تصريح بموضع السجود قبل السلام أم بعده.
٥ - عن الضحاك بن قيس:
رواه أسباط بن محمد، عن مطرف، عن الشعبي، قال: صلى الضحاك بن قيس
[ ١١ / ١٦٩ ]
بالناس الظهر، فلم يجلس في الركعتين الأوليين، فلما سلم سجد سجدتين وهو جالس.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٩١/ ٤٥٠٣)، ومن طريقه: ابن المنذر (٣/ ٢٨٩/ ١٦٧٢).
وهذا موقوف على الضحاك فعله بإسناد كوفي صحيح.
٦ - عن النعمان بن بشير:
رواه أبو خالد الأحمر [سليمان بن حيان: صدوق]، عن ابن عون، عن الشعبي؛ أن النعمان بن بشير صلى، فنهض في الركعتين، فسبحوا به، فمضى فيها، فلما فرغ سجد سجدتي الوهم وهو جالس.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٩١/ ٤٤٩٦)، ومن طريقه: ابن المنذر (٣/ ٢٨٩/ ١٦٧٤).
خالفه: حماد بن زيد [ثقة ثبت]، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف [صدوق]:
فروياه عن ابن عون، عن الشعبي، قال: صلى بنا النعمان بن بشير، فنهض في الركعتين، فسبَّح القوم فجلس، فلما كان في آخر الصلاة سجد سجدتين، وسجد من معه.
أخرجه ابن المنذر (٣/ ٢٩١/ ١٦٧٧)، والبيهقي (٢/ ٣٤٣).
وهذا هو الصواب، أن النعمان لم يترك الجلوس بل عاد إليه، وسجد للسهو لكونه نهض ثم جلس، مع كونه لم يترك واجبًا.
وهذا موقوف على النعمان بن بشير فعله بإسناد صحيح، لكنه ليس فيما نحن فيه من ترك الجلوس، كما أنه ليس فيه بيان موضع السجود، قبل السلام أم بعده، والأقرب للسياق أنه سجد قبل السلام، والله أعلم.
٧ - عن ابن مسعود:
ومن حديث محمد بن يحيى [هو: الذهلي الإمام الحافظ]، قال: ثنا الهيثم بن جميل [ثقة]، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن حماد بن لقيط [وفي طبعة الفلاح: ذر بن لقيط]، عن قيس بن سليم، قال: أمنا عبد اللّه - يعني: ابن مسعود -، فنهض في الركعتين على قدميه، ثم مضى ولم يجلس، فلما قضى الصلاة سجد سجدتين بعدما سلم وهو جالس.
أخرجه ابن المنذر (٣/ ٢٨٩/ ١٦٧٥) (٣/ ٤٧٩ - ٤٨٠/ ١٦٦٧ - ط. الفلاح) معلقًا هكذا.
والأقرب عندي أنه وقع تحريف في هذا الإسناد، وأن حماد بن لقيط، أو: ذر بن لقيط هو: إياد بن لقيط، وإلا فلم أعرف حماد بن لقيط، ولا ذر بن لقيط، ولا قيس بن سليم الذي يروي عن ابن مسعود [إلا ما ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٣١٧)، ولا أظنه صوابًا]، وقيس بن سليم هذا ليس هو العنبري، فإنه متأخر الطبقة عن صاحب الترجمة، إلا أن يكون تحرف عن قيس بن السكن الذي يروي عن ابن مسعود، وإياد بن لقيط وقيس بن السكن: ثقتان، لكن لم أجد لهما رواية عن بعضهما، فالله أعلم.
ومنصور هو: ابن المعتمر، وهو: ثقة ثبت، وشريك هو: ابن عبد الله النخعي، وهو: صدوق، سيئ الحفظ.
[ ١١ / ١٧٠ ]
وقد رواه ابن جريج، قال: حُدِّثت عن ابن مسعود؛ أنه صلى بالناس فسها، فقام في مثنى الأولى فلم يتشهد، فسبح الناس، فأشار إليهم أن: قوموا، فقاموا.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣١١/ ٣٤٨٧).
وبين ابن جريج وابن مسعود مفاوز.
ورواه سفيان الثوري، عن خصيف، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: إذا قمتَ أو جلستَ أو سلمتَ فاسجُد سجدتي السهو، ثم تشهَّد ثم سلِّم.
وقال مرة: السهو إذا قام فيما يجلس فيه، أو قعد فيما يقام فيه، أو سلم في ركعتين، فإنه يفرغ من صلاته ويسجد سجدتين وهو جالس يتشهد فيهما. وفي رواية أخرى بنحو هذا، وقال في آخره: فإن يسلم، ثم يسجد سجدتي السهو، ويتشهد، ويسلم.
وهو حديث اضطرب خصيف بن عبد الرحمن الجزري في إسناده ومتنه، وتقدم تخريجه برقم (١٠٢٨).
٨ - عن أنس بن مالك:
رواه عبد الوارث بن سعيد [ثقة ثبت]، قال: ثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس - ﵁ - أنه قام في الركعة الثانية فسبح به القوم، فاستتم أربعًا، ثم سجد سجدتين بعدما سلم، ثم قال إذا وهمتم فافعلوا هكذا.
أخرجه الطحاوي (١/ ٤٤٢)، بإسناد صحيح إلى عبد الوارث.
خالفه: إسماعيل ابن علية [ثقة ثبت]، فرواه عن عبد العزيز بن صهيب؛ أن أنس بن مالك قعد في الركعة الثالثة فسبحوا به، فقام فأتمهن أربعًا، فلما سلم سجد سجدتين، ثم أقبل على القوم بوجهه، فقال: إذا وهمتم فاصنعوا هكذا.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٨٥/ ٤٤١٩) و(١/ ٣٩٠/ ٤٤٨٦).
وهذا إسناد بصري صحيح، لكن اختلفا، ففي رواية عبد الوارث وقع السهو في ترك الجلوس للتشهد، وفي رواية ابن علية وقع السهو في جلوسه بعد الركعة الثالثة فلما سبحوا قام فأتى بالرابعة، ففي الأولى نقص، وفي الثانية زيادة، مع اختلاف الموضع، ورواية ابن علية هي الأشبه بالصواب؛ حيث رواها عنه أحد كبار الحفاظ، وهو ابن أبي شيبة، وأما رواية عبد الوارث: فإنه وإن رواها عنه أبو معمر المقعد عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج، وهو: ثقة ثبت، لكن شيخ الطحاوي: أحمد بن داود المكي، وهو: ابن موسى السدوسي البصري، قال ابن يونس: ثقة، ولم أجد أحدًا وثقه غير ابن يونس [تاريخ الإسلام (٢١/ ٥٧)، مغاني الأخيار (٢/ ٢٦)]، فيحتمل أن يكون منه الوهم، والله أعلم.
٩ - عن ابن عباس:
روى روح بن الفرج [أبو الزنباع القطان المصري: ثقة، وقد يتفرد بما لا يتابع عليه. راجع ترجمته تحت الحديث رقم (٤٣٦)]، وعلان [علان بن المغيرة، وهو: علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة المخزومي مولاهم المصري: ثقة]:
[ ١١ / ١٧١ ]
عن سعيد بن كثير بن عفير [مصري، صدوق]، فقال: ثنا يحيى بن أيوب [الغافقي المصري: لا بأس به]، عن قرة بن عبد الرحمن [كذا وقع في رواية أبي الزنباع، وقال علان: موسى بن عبد الرحمن]، حدثه عن عمرو بن دينار [المكي: ثقة ثبت]، حدثه عن عبد الله بن عباس - ﵄ -، قال: سجدتا السهو بعد السلام.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٣١٠/ ١٧٠٤)، والطحاوي (١/ ٤٤١) (٧/ ٦٥٤ / ٨٦٩١ - إتحاف المهرة).
قلت: وهذا الأثر لا يثبت عن ابن عباس، فإن راويه عن عمرو بن دينار الثقة الثبت كثير الأصحاب: قرة بن عبد الرحمن، أو: موسى بن عبد الرحمن، وليس هو: ابن حيويل الراوي عن الزهري، ولا هو بالأنطاكي ولا المسروقي فهما من شيوخ أصحاب السُّنن، فلا أدري من هو؟ ثم هو إسناد مكي، تفرد به المصريون.
وقد صح هذا النقل عن عدد من الصحابة موقوفًا ومرفوعًا، لكنه اختصار من أحاديث الباب السابق ذكرها في قصة ذي اليدين، أو في قصة زيادة الخامسة في الظهر في حديث ابن مسعود، أو غير ذلك من الموقوفات على الصحابة مما لم يبين سببه بسبب اختصار الراوي، وقد سبق إيراد بعض ذلك في مواضعه من حديث أبي هريرة وحديث ابن مسعود.
١٠ - عن عمر بن عبد العزيز:
روى حيوة بن شريح، قال: ثنا بقية بن الوليد، عن سعيد بن عبد العزيز، قال: حدثني الزهري، قال: قلت لعمر بن عبد العزيز: السجود قبل السلام؟ فلم يأخذ به.
أخرجه الطحاوي (١/ ٤٤٢).
وهذا مقطوع على عمر بن عبد العزيز بإسناد شامي صحيح.
• وروى أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر [ثقة ثبت]، عن محمد بن مهاجر، عن أخيه عمرو بن مهاجر؛ أن الزهري قال لعمر بن عبد العزيز: السجدتان قبل السلام؟ قال: أبى ذلك عليك أبو سلمة بن عبد الرحمن، يا زهري.
أخرجه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه (١/ ٥١٩/ ١٣٨٨)، والبيهقي (٢/ ٣٤١)، وابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٢٠٢).
وهذا مقطوع على عمر بن عبد العزيز بإسناد شامي صحيح، وعمرو بن المهاجر بن أبي مسلم الدمشقي: ثقة، كان على شرطة عمر، وأخوه: ثقة أيضًا.
• وروى أبو زرعة، قال: أخبرنا سعيد بن أبي مريم، قال: أخبرني يحيى بن أيوب، قال: أخبرني محمد بن عجلان؛ أن ابن شهاب أخبره؛ أن عمر بن عبد العزيز صلى بالناس المغرب، فسها فنهض في الركعتين، فقال الناس: سبحان الله، فلم يجلس، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين ثم انصرف، فسأل ابن شهاب، فقال: أصبتَ إن شاء الله، والسُّنَّة على غير الذي صنعت، فقال له عمر: فكيف؟ قال: تجعلهما قبل السلام، قال عمر: إني قلت: إنه دخل عليَّ ولم يدخل عليهم، قال ابن شهاب: ما دخل عليك دخل عليهم.
[ ١١ / ١٧٢ ]
أخرجه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه (١/ ٥١٩/ ١٣٨٩)، ومن طريقه: ابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٢٠٣)، وفي الاستذكار (١/ ٥٢٥).
وهذا مقطوع على عمر بن عبد العزيز بإسناد جيد.
• والحاصل:
"فإنه لا حجة في قول أحد بعد رسول الله - ﷺ -، فلم يثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه سجد للسهو بعد السلام في نسيانه الجلوس للتشهد؛ بل ثبت عنه خلاف ذلك: من حديث ابن بحينة، وحديث معاوية بن أبي سفيان، وحديث عقبة بن عامر.
ففي حديث ابن بحينة: "أن النبي - ﷺ - صلى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس، فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة، وانتظر الناس تسليمه، كبر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم". وثبت ذلك أيضًا من حديث معاوية بن أبي سفيان، وعقبة بن عامر، والله أعلم.
***
١٠٣٨ - قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عثمان، والربيع بن نافع، وعثمان بن أبي شيبة، وشجاع بن مخلد، بمعنى الإسناد؛ أن ابن عياش حدثهم، عن عبيد اللّه بن عبيد الكلاعي، عن زهير - يعني: ابن سالم العنْسي -، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، - قال عمرو وحده: عن أبيه -، عن ثوبان، عن النبي - ﷺ - قال: "لكلِّ سهوٍ سجدتانِ بعد ما يسلِّم".
ولم يذكر عن أبيه، غير عمرو.
حديث منكر
• أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي (٢/ ٣٣٧).
• وأخرجه من طريق عثمان بن أبي شيبة: ابن ماجه (١٢١٩).
تابع هؤلاء الثلاثة بدون ذكر أبيه في الإسناد:
هشام بن عمار، وعبد الله بن يوسف التنيسي الكلاعي، وعبد الرزاق بن همام، وأبو داود الطيالسي، وسعيد بن سليمان الضبي الواسطي [وهم ثقات حفاظ]:
فرووه عن إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله بن عبيد الكلاعي، عن زهير بن سالم، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن ثوبان مرفوعًا.
أخرجه ابن ماجه (١٢١٩)، والطيالسي (٢/ ٣٣٧/ ١٠٩٠)، وعبد الرزاق (٢/ ٣٢٢/ ٣٥٣٣)، وحنبل بن إسحاق في جزئه (٥١)، وأبو العباس الأصم في الثالث من حديثه (٢٩٧)، والطبراني في الكبير (٢/ ٩٢/ ١٤١٢) [وفي سنده تحريف وسقط وزيادة].
[ ١١ / ١٧٣ ]
هكذا رواه عن إسماعيل بن عياش بدون زيادة: "عن أبيه" سبعة من الثقات، أكثرهم حفاظ متقنون.
وأخرجه من طريق عمرو بن عثمان بزيادة جبير بن نفير في الإسناد: البيهقي (٢/ ٣٣٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٨/ ٤٠)، وقال: "حديث حسن".
وتابع عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير الحمصي [وهو: ثقة] على زيادة: "عن أبيه" في الإسناد:
أبو اليمان الحكم بن نافع [البهراني الحمصي: ثقة]، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله بن عبيد الكلاعي، عن زهير، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه جبير بن نفير، عن ثوبان، عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لكلِّ سهوٍ سجدتانِ بعد ما يسلِّم".
أخرجه أحمد (٥/ ٢٨٠).
قلت: رواية جماعة الثقات الحفاظ هي المحفوظة، بدون ذكر جبير بن نفير في الإسناد، فيكون منقطعًا بين عبد الرحمن بن جبير وثوبان، فإن بين وفاتيهما أربعة وستون عامًا، وزهير بن سالم العنسي أبو المخارق: ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: "هو حمصي منكر [الحديث]، لم يسمع من ثوبان"، وهو قليل الرواية [انظر: سؤالات البرقاني (١٧٣)، تاريخ الإسلام (٧/ ٨٢)، التهذيب (١/ ٦٣٧)]، فكيف ينفرد بهذا الحكم العام المخالف للأحاديث الثابتة الصحيحة في السجود قبل السلام، وكذلك فإن عدم تكرار السجود للسهو إذا تكرر السهو وتعددت أسبابه، هو الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة، كما في حديث أبي هريرة وحديث عمران بن حصين.
فهو حديث منكر؛ لهذا المعنى، وقد ردَّه جماعة من الأئمة.
وأما إسماعيل بن عياش فإن روايته عن أهل الشام مستقيمة، وهذه منها، فإن عبيد الله بن عبيد الكلاعي: دمشقي ثقة.
° قال الأثرم: "لا يثبت" [المغني (١/ ٣٧٨)].
وقال البيهقي في السنن: "وهذا إسناد فيه ضعف، وحديث أبي هريرة وعمران وغيرهما في اجتماع عدد من السهو على النبي - ﷺ - ثم اقتصاره على السجدتين يخالف هذا، والله أعلم".
وقال في المعرفة (٢/ ١٧١): "وهذا حديث ينفرد به إسماعيل بن عياش، وليس بالقوي، وقد روينا في قصة ذي اليدين ما دل على كفاية سجدتين لجميع ما يقع في صلاة واحدة من السهو وإن كثر".
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (٢/ ٢٩): "وليس إسناده مما تقوم به حجة".
وقال ابن الصلاح في شرح مشكل الوسيط (٢/ ٢٠٦): "هذا خبر لا يثبت".
وقال النووي في شرح مسلم (٥/ ٥٧)، وفي المجموع (٤/ ١٣٩ و١٤٦): "حديث
[ ١١ / ١٧٤ ]
ضعيف"، وزاد في المجموع: "ظاهر الضعف"، وقال في الخلاصة (٢/ ٦٤٢/ ٢٢١٨): "في إسناده ضعيفان".
وضعفه أيضًا ابن حجر في البلوغ (٣٣٩) وغيره.
خالف إسماعيلَ بن عياش:
الهيثمُ بن حميد [لا بأس به، ضعفه أبو مسهر لقلة ضبطه. التهذيب (٤/ ٢٩٥)]، فرواه عن عبيد الله بن عبيد، عن زهير الحمصي، عن ثوبان، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لكلِّ سهوٍ سجدتان".
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٩٠/ ٤٤٨٣) (٣/ ٤٤٧/ ٤٥١٧ - ط. عوامة)، والروياني (٦٥٨).
من طريق المعلى بن منصور [ثقة فقيه]، قال: أخبرنا الهيثم به.
قلت: قول إسماعيل بن عياش أشبه بالصواب، فإنه أثبت في الشاميين من الهيثم بن حميد، وأوسع منه رواية، وقد زاد في الإسناد رجلًا.
لكن يبقى الحديث على ضعفه؛ لما ذكرته آنفًا، والله أعلم.
° وقد عمل بظاهره بعض الفقهاء، مثل: عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وابن أبي ليلى، والأوزاعي [انظر: الأوسط لابن المنذر (٣/ ٣١٨)، الحاوي (٢/ ٢٢٥)، شرح السُّنَّة للبغوي (٣/ ٢٩٦)].
قال البيهقي في السُّنن: "وحديث أبي هريرة وعمران وغيرهما في اجتماع عدد من السهو على النبي - ﷺ - ثم اقتصاره على السجدتين يخالف هذا، والله أعلم".
وقال في المعرفة: "وقد روينا في قصة ذي اليدين ما دل على كفاية سجدتين لجميع ما يقع في صلاة واحدة من السهو وإن كثر".
وقال الماوردي في الحاوي (٢/ ٢٢٥) ردًّا على من احتج بظاهر حديث ثوبان: "وهذا خطأ؛ والدلالة عليه قصة ذي اليدين: أن رسول الله - ﷺ - من اثنتين ناسيًا، وتكلم ناسيًا، ومشى ناسيًا، ثم سجد لكل ذلك سجدتين"، قلت: وكذلك في قصة الخرباق.
وفي سجود السهو أيضًا أحاديث أخرى لم يسبق الكلام عليها؛ فمن ذلك:
١ - حديث عائشة:
يرويه أبو جعفر حكيم بن نافع الجزري الرقي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "سجدتا السهو تجزئ في الصلاة من كل زيادة ونقصان". وفي رواية: "سجدتا السهو لكل زيادة ونقصان".
أخرجه البزار (١٨/ ١٢٧/ ٨٦)، وأبو يعلى (٨/ ٦٨/ ٤٥٩٢) و(٨/ ١٤٠/ ٤٦٨٤)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٧٩ - الجزء المفقود)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢١٨/ ٥١٣٣) و(٧/ ١٥٩/ ٧١٥٤)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٢٢٢)، والدارقطني في
[ ١١ / ١٧٥ ]
المؤتلف (٤/ ٢١٥٨)، والبيهقي (٢/ ٣٤٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ٢٦٢) و(١٠/ ٨٠)، وبيبي في جزئها (٩٧)، والرافعي في التدوين (٢/ ٣٤٩).
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم يروى عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد".
وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة إلا حكيم بن نافع".
وقال ابن عدي: "وهذا الحديث لا أعلم رواه عن هشام بن عروة غير حكيم بن نافع، وروي عن أبي جعفر الرازي عن هشام بن عروة، ويقال: إن أبا جعفر هو كنية حكيم بن نافع، فكأن الحديث رجع إلى أنه لم يروه عن هشام غير حكيم".
قلت: تفرد بتكنيته ونسبته معًا؛ أبا جعفر الرازي: عليُّ بن محمد بن عبد الله المنجوري البلخي، وهو: ضعيف، وثقه الحاكم والخليلي، وزاد: "يخالف في بعض أحاديثه"، وضعفه الدارقطني، وينفرد عن الأكابر بالمناكير [سؤالات السجزي للحاكم (١٧١)، الإرشاد (٣/ ٩٥١)، اللسان (٦/ ١٩)]، قلت: وقد وجدت المعافى بن سليمان الجزري أيضًا [وهو: ثقة] قد كنى حكيم بن نافع بأبي جعفر [تاريخ أصبهان (٢/ ٣٨)]، فدل على أنها كنيته، فلم تعد مجرد احتمال، وقد كناه بها الخطيب لما ترجم له في التاريخ، وكذلك الذهبي في تاريخ الإسلام، غير أن المنجوري وهم في جعله رازيًا، وإنما هو جزري رقي، وبذلك يسقط الكلام رأسًا عن كون أبي جعفر الرازي المذكور هنا هو ابن ماهان الرازي المشهور، فضلًا عن الكلام عن كونها متابعة موهومة لحكيم بن نافع.
قال الدارقطني في العلل (١٤/ ١٥٨/ ٣٤٩٦) عن رواية المنجوري، والذي قال في إسناده: عن أبي جعفر الرازي، قال الدارقطني: "ووهم في قوله: أبي جعفر الرازي، وهو حكيم بن نافع".
وقال أبو الحسن بن الحمامي: "وهذا لا أصل له عن هشام" [تعليقات الدارقطني على المجروحين ص (٧٥)].
وقال البيهقي: "وهذا الحديث يُعدُّ من أفراد حكيم بن نافع الرقي، وكان يحيى بن معين يوثقه، والله أعلم".
وعده النووي في قسم الضعيف من الخلاصة (٢٢٢٥).
قلت: حكيم بن نافع أبو جعفر الرقي: حسن فيه الرأي يحيى بن معين فوثقه؛ كأنه لم يخبر حاله، حين اطلع على كتاب له، وتبعه على ذلك يعقوب بن سفيان، ويبدو أن ابن معين اطلع على حاله بعد ذلك فضعفه، كما في رواية ابن طهمان الدقاق، وهذا الحكم الأخير موضع اتفاق بقية النقاد، فقد جرحوه جرحًا مفسرًا، يُرَدُّ به أي تعديل مجمل، فقال فيه أبو حاتم: "هو ضعيف الحديث، منكر الحديث عن الثقات"، وقال أبو زرعة الرازي: "واهي الحديث"، وقال مرة: "ليس بشيء"، وقال الساجي: "عنده مناكير"، وقال الحافظ أبو علي محمد بن سعيد القشيري في كتابه تاريخ الرقة: "وفي حديثه بعض النكرة"، وذكر
[ ١١ / ١٧٦ ]
له ابن حبان في المجروحين ترجمة مختصرة، فقال: "كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، لا يحتج به فيما يرويه منفردًا، ضعفه يحيى بن معين"، ولم يذكر له حديثًا واحدًا أنكره عليه كعادته، إلا أني وجدت في كتاب تعليقات الدارقطني على المجروحين [النسخة المطبوعة ص (٧٥)]، ما نصه: "حاشية بخط ابن شاقلا: حدثنا أبو الحسن بن المعلم، قال: روى حكيم بن نافع، " فذكر الحديث، ثم قال: "وهذا لا أصل له عن هشام"، وابن شاقلا هو: إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان بن شاقلا البغدادي الحنبلي الأصولي، وهو راوي كتاب الضعفاء للساجي عن الإيادي عنه، وأبو الحسن هذا هو علي بن أحمد بن عمر الشهير بابن الحمامي؛ كذلك مما وقفت عليه من أقوال الأئمة في حكيم: قول ابن القطان الفاسي بأنه منكر الحديث [تاريخ ابن معين للدوري (٤/ ٤٦٤/ ٥٣١٢)، سؤالات ابن الجنيد (٢٠٥)، من كلام ابن معين في الرجال (٣٠١)، التاريخ الكبير (٣/ ١٨)، الجرح والتعديل (٣/ ٢٠٧)، سؤالات البرذعي (٢/ ٣٣٤)، المعرفة والتاريخ (٢/ ٤٦٢)، تاريخ الرقة (٣٠٤)، المجروحين (١/ ٢٤٨) (١/ ٣٠١ - ط. الصميعي)، تاريخ بغداد (٨/ ٢٦٢)، بيان الوهم (٥/ ٢٦٩/ ٢٤٦٦)، تاريخ الإسلام (١١/ ٩٤)، اللسان (٣/ ٢٦٢)].
فهو حديث منكر؛ حيث تفرد به حكيم بن نافع، وهو منكر الحديث، عن هشام بن عروة دون بقية أصحابه الثقات على كثرتهم.
٢ - حديث عبد الله بن عمر:
يرويه يحيى بن صالح الوحاظي [حمصي، ثقة]: ثنا أبو بكر العنسي، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -، قال: "لا سهو في وثبة الصلاة؛ إلا قيام عن جلوس، أو جلوس عن قيام".
أخرجه الدارقطني (١/ ٣٧٧)، والحاكم (١/ ٣٢٤)، والبيهقي (٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥).
وانظر: إتحاف المهرة (٨/ ٤٢٩/ ٩٧٠٦) و(١٨/ ٥٩٢/ ٢٤٢١٧).
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، فلم يصب في ذلك، وأصاب تلميذه البيهقي.
قال البيهقي: "وهذا حديث ينفرد به أبو بكر العنسي، وهو: مجهول".
وقال الذهبي في تهذيبه لسنن البيهقي (٢/ ٧٧٨): "هذا خبر منكر، وقد روى عن العنسي أيضًا: بقية".
وتعقب النوويُّ الحاكمَ في حكمه، فقال في المجموع (٤/ ١٣٦): "وادعى أن إسناده صحيح؛ وليس كما ادعى، بل هو ضعيف، تفرد به: أبو بكر العنسي بالنون، وهو مجهول، كذا قاله البيهقي والمحققون، والله أعلم"، وقال في الخلاصة (٢٢٢٤): "وغلَّطوا الحاكم في دعواه أنه صحيح الإسناد".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٢١٨): "فينكر إذن على الحاكم تصحيحه".
[ ١١ / ١٧٧ ]
وقال ابن حجر في التلخيص (٢/ ٣/ ٤٧١): "وفيه أبو بكر العنسي، وهو: ضعيف، وقال البيهقي: مجهول، ومقتضاه أنه غير أبي بكر بن أبي مريم، والظاهر أنه هو، وهو: ضعيف".
قلت: هو حديث منكر؛ أبو بكر العنسي، هو شيخ لبقية والوحاظي، وليس هو بابن أبي مريم، وهو: مجهول، منكر الحديث، قال أبو زرعة الرازي: "أبو بكر العنسي، روى عنه بقية ويحيى بن صالح: منكر الحديث"، وقال ابن عدي: "مجهول، له أحاديث مناكير عن الثقات، روى عنه بقية ويحيى الوحاظي"، وقال عنه البيهقي في السنن: "مجهول"، وقال عنه في الشعب في حديث آخر من رواية بقية عنه: "مجهول، يأتي بما لا يتابع عليه" [سؤالات البرذعي (٢/ ٣٧٥)، الكامل (٧/ ٢٩٨) (٨/ ٤٦٩ - ط. الرسالة). الشعب (٣/ ٣٩٧/ ٣٨٧٣)، تهذيب الكمال (٣٣/ ١٥٥)، الميزان (٤/ ٤٩٨)، التهذيب (٤/ ٤٩٧)].
٣ - حديث عائشة:
يرويه حاتم بن عبيد الله النمَري، عن عيسى بن ميمون، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؛ أن النبي - ﷺ - سها قبل التمام، فسجد سجدتي السهو قبل أن يسلم، وقال: "من سها قبل التمام سجد سجدتي السهو قبل أن يسلم، وإذا سها بعد التمام سجد سجدتي السهو بعد أن يسلم".
أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٣١٢/ ٧٥٩٣)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٣٤٩).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة بهذا اللفظ إلا عيسى بن ميمون، تفرد به: حاتم".
قلت: حاتم النمري هذا أمره محتمل، وهو صاحب غرائب، فقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "يخطئ"، وقال أبو حاتم: "نظرت في حديثه فلم أر في حديثه مناكير"، وقال أبو الشيخ: "وكان من الثقات، وعنده أحاديث غرائب"، وقال أبو نعيم: "وكان من الثقات" [الجرح والتعديل (٣/ ٢٦٠)، الثقات (٨/ ٢١١)، طبقات المحدثين (٢/ ١٨١)، تاريخ أصبهان (١/ ٣٤٩)، اللسان (٢/ ٥٠٦)].
لكن البلية فيه من ابن تليدان، عيسى بن ميمون المدني، مولى القاسم، المعروف بالواسطي، وهو: متروك، منكر الحديث، لا يُتابع على حديثه، واتهمه ابن حبان [انظر: التهذيب (٣/ ٣٧٠)، الميزان (٣/ ٣٢٥)، المغني (٢/ ١٧٣)، وغيرها].
فهو حديث باطل.
° ونسوق بعض كلام الأئمة المختار في مسألة موضع سجود السهو من السلام، هل يكون قبله أم بعده:
قال أبو بكر الأثرم: "سمعت أحمد بن حنبل يُسأل عن السجود للسهو؛ قبل السلام أو بعده؟ فقال: في مواضع قبل السلام، وفي مواضع بعد السلام، كما صنع النبي - ﷺ -، إذا سلم من اثنتين: سجد بعد السلام، على حديث ذي اليدين، وإذا سلم من ثلاث: سجد
[ ١١ / ١٧٨ ]
بعد السلام، على حديث عمران بن حصين، وفي التحري: بعد السلام، على حديث منصور حديث عبد الله، وفي القيام من اثنتين: يسجد قبل السلام، على حديث ابن بحينة، وفي الشك: يبني على اليقين ويسجد قبل السلام، على حديث أبي سعيد وعبد الرحمن بن عوف، قلت له: فما كان سواها من السهو؟ قال: يسجد فيه كله قبل السلام؛ لأنه يتم ما نقص من صلاته، قال: ولولا ما روي عن النبي - ﷺ - لرأيت السجود كله في السهو قبل السلام؛ لأنه من شأن الصلاة، فيقضيه قبل أن يسلم، ولكني أقول: كل ما روي عن النبي - ﷺ - أنه سجد فيه بعد السلام فإنه يسجد فيه بعد السلام، وسائر السهو يسجد فيه قبل السلام" [التمهيد (٥/ ٣٤). الاستذكار (١/ ٥١٨)] [وانظر أيضًا: مسائل صالح (٩٨٩ و١٣٣٨)، مسائل عبد الله (٣٠٨ و٣١٠)، مسائل ابن هانئ (٣٧١)، مسائل الكوسج (٢٠١ و٢٠٢ و٣٠٧)، مسائل أبي داود (٣٦٨ - ٣٧٠)].
وقال الترمذي بعد حديث ابن بحينة (٣٩١): "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول الشافعي، يرى سجدتي السهو كله قبل السلام، ويقول: هذا الناسخ لغيره من الأحاديث، ويذكر أن آخر فعل النبي - ﷺ - كان على هذا.
وقال أحمد وإسحاق: إذا قام الرجل في الركعتين فإنه يسجد سجدتي السهو قبل السلام، على حديث ابن بحينة، وعبد الله بن بحينة هو عبد الله بن مالك بن بحينة مالك أبوه، وبحينة أمه، هكذا أخبرني إسحاق بن منصور، عن علي بن المديني.
واختلف أهل العلم في سجدتي السهو متى يسجدهما الرجل قبل السلام أو بعده؟ فرأى بعضهم: أن يسجدهما بعد السلام، وهو قول سفيان الثوري، وأهل الكوفة.
وقال بعضهم: يسجدهما قبل السلام، وهو قول أكثر الفقهاء من أهل المدينة، مثل يحيى بن سعيد، وربيعة، وغيرهما، وبه يقول الشافعي.
وقال بعضهم: إذا كانت زيادة في الصلاة فبعد السلام، وإذا كان نقصانًا فقبل السلام، وهو قول مالك بن أنس.
وقال أحمد: ما روي عن النبي - ﷺ - في سجدتي السهو فيستعمل كل على جهته، يرى إذا قام في الركعتين على حديث ابن بحينة فإنه يسجدهما قبل السلام، وإذا صلى الظهر خمسًا فإنه يسجدهما بعد السلام، وإذا سلم في الركعتين من الظهر والعصر فإنه يسجدهما بعد السلام، وكل يستعمل على جهته، وكل سهو ليس فيه عن النبي - ﷺ - ذكر فإن سجدتي السهو فيه قبل السلام.
وقال إسحاق نحو قول أحمد في هذا كله، إلا أنه قال: كل سهو ليس فيه عن النبي - ﷺ - ذكر؛ فإن كانت زيادة في الصلاة يسجدهما بعد السلام، وإن كان نقصانًا يسجدهما قبل السلام".
وقال ابن حبان في صحيحه (١/ ١٩٥) بعد حديث أبي هريرة الذي في الباب: "أمره - ﷺ - لمن شك في صلاته فلم يدر كم صلى "فليسجد سجدتين وهو جالس": أمر
[ ١١ / ١٧٩ ]
مجمل، تفسيره أفعاله التي ذكرناها، لا يجوز لأحد أن يأخذ الأخبار التي فيها ذكر سجدتي السهو قبل السلام، فيستعمله في كل الأحوال، ويترك سائر الأخبار التي فيها ذكره بعد السلام، وكذلك لا يجوز لأحد أن يأخذ الأخبار التي فيها ذكر سجدتي السهو بعد السلام، فيستعمله في كل الأحوال، ويترك الأخبار الأخر التي فيها ذكره قبل السلام، ونحن نقول: إن هذه أخبار أربع يجب أن تستعمل، ولا يترك شيء منها، فيفعل في كل حالة مثل ما وردت السُّنَّة فيها سواء: فإن سلم من الاثنتين أو الثلاث من صلاته ساهيًا، أتم صلاته وسجد سجدتي السهو بعد السلام، على خبر أبي هريرة، وعمران بن حصين، اللذين ذكرناهما، وإن قام من اثنتين ولم يجلس أتم صلاته وسجد سجدتي السهو قبل السلام، على خبر ابن بحينة، وإن شك في الثلاث أو الأربع يبني على اليقين على ما وصفنا، وسجد سجدتي السهو قبل السلام، على خبر أبي سعيد الخدري، وعبد الرحمن بن عوف، وإن شك ولم يدر كم صلى أصلًا تحرى على الأغلب عنده وأتم صلاته، وسجد سجدتي السهو بعد السلام، على خبر ابن مسعود الذي ذكرناه، حتى يكون مستعملًا للأخبار التي وصفناها كلها، فإن وردت عليه حالة غير هذه الأربع في صلاته، ردَّها إلى ما يشبهها من الأحوال الأربع التي ذكرناها"، قلت: وهذا أقرب الأقوال، واللّه أعلم.
وقال ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٣٠٧ - ٣١٣) (٣/ ٥٠٠ - ٥٠٧ - ط. الفلاح) [بتصرف، واختصار]: "افترق أهل العلم في سجود السهو قبل التسليم أو بعده أربع فرق:
فقالت فرقة: سجود السهو كله قبل التسليم، روي هذا القول عن أبي هريرة، وبه قال: مكحول، والزهري، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب، ويحيى الأنصاري، وربيعة، والأوزاعي، والليث بن سعد، وبه قال الشافعي، ومن حجة من قال: السهو قبل السلام: خبر عبد الرحمن، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس، وابن بحينة.
وقالت فرقة: سجود السهو كله بعد السلام، وممن روينا ذلك عنه: سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وأنس بن مالك، وابن الزبير، وابن عباس، وروي ذلك عن علي، وعمار، وبه قال: الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وابن أبي ليلى، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح، وأصحاب الرأي، وقال أصحاب الرأي: يجزيه أن يسجدهما قبل السلام ولا إعادة عليه، ومن حجة هذا القائل: حديث ابن مسعود، وعمران بن حصين، وأبي هريرة، أن النبي سجد بعدما سلم.
وقالت فرقة ثالثة: كل سهو كان نقصانًا من الصلاة فإن سجوده قبل السلام، وكل سهو هو زيادة في الصلاة فإن سجوده بعد السلام، وهذا قول مالك بن أنس، وبه قال أبو ثور، قال مالك: وتفسير ذلك من السهو - يعني: في الزيادة -: أن ينسى الرجل فلا يدري كم صلى فيبني على يقينه، أو يسهو فيزيد على صلاة بعد أن يتمها، ونحو ذلك، ويجلس موضع القيام، وتفسير النقصان من السهو: أن يقوم الرجل في موضع الجلوس، نحو ما جاء من حديث ابن بحينة، فإنه يسجد فيه قبل السلام، وبه قال إسحاق.
[ ١١ / ١٨٠ ]
وقالت فرقة رابعة: سجود السهو على ما جاءت به الأخبار إذا نهض من ثنتين سجدهما قبل التسليم ولا تشهد فيها على حديث ابن بحينة، وإذا شك فرجع إلى اليقين سجدهما قبل التسليم على حديث أبي سعيد الخدري، وإذا سلم من ثنتين أو من ثلاث سجدهما بعد التسليم على حديث أبي هريرة، وعمران بن حصين، وإذا شك فكان ممن يرجع إلى التحري سجدهما بعد التسليم على حديث ابن مسعود، وكل سهو يدخل عليه يسجدهما قبل التسليم، سوى ما روي عن النبي - ﷺ - مما ذكرناه، هذا قول أحمد بن حنبل، وهكذا مذهب أبي أيوب سليمان بن داود، وزهير أبي خيثمة.
وأصح هذه المذاهب: مذهب أحمد بن حنبل؛ لأنه قال بالأخبار كلها في مواضعها، وقد كان اللازم لمن مذهبه استعمال الأخبار كلها إذا وجد إلى استعمالها سبيلًا أن يقول بمثل ما قال أحمد".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أظهر الأقوال: الفرق بين الزيادة والنقص، وبين الشك مع التحري والشك مع البناء على اليقين، وهذا إحدى الروايات عن أحمد، وقول مالك قريب منه، وليس مثله، فإن هذا مع ما فيه من استعمال النصوص كلها؛ فيه الفرق المعقول، وذلك أنه إذا كان في نقص كترك التشهد الأول؛ احتاجت الصلاة إلى جبر، وجابرها يكون قبل السلام، لتتم به الصلاة، فإن السلام هو تحليل من الصلاة، وإذا كان من زيادة كركعة، لم يجمع في الصلاة بين زيادتين، بل يكون السجود بعد السلام؛ لأنه إرغام للشيطان، بمنزلة صلاة مستقلة جبر بها نقص صلاته، فإن النبي - ﷺ - جعل السجدتين كركعة، وكذلك إذا شك وتحرى فإنه أتم صلاته، وإنما السجدتان لترغيم الشيطان، فيكون بعد السلام، ، وكذلك إذا سلم وقد بقي عليه بعض صلاته ثم أكملها فقد أتمها، والسلام منها زيادة، والسجود في ذلك بعد السلام؛ لأنه إرغام للشيطان، وأما إذا شك ولم يتبين له الراجح، فهنا إما أن يكون صلى أربعًا أو خمسًا، فإن كان صلى خمسًا فالسجدتان يشفعان له صلاته ليكون كأنه قد صلى ستًا لا خمسًا، وهذا إنما يكون قبل السلام، ، فهذا القول الذي نصرناه هو الذي يستعمل فيه جميع الأحاديث، لا يترك منها حديث، مع استعمال القياس الصحيح فيما لم يرد فيه نص، وإلحاق ما ليس بمنصوص بما يشبهه من المنصوص" [مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢٤)].
° مسألة: إذا سها المأموم خلف إمامه، ولم يسْهُ الإمام، فهل عليه سجود أم لا؟
روي في ذلك حديث باطل، لا أصل له:
يرويه خارجة بن مصعب، عن أبي الحسين المديني، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: "ليس على من خلف الإمام سهو؛ فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه السهو، وإن سها من خلف الإمام فليس عليه سهو، والإمام كافيه".
أخرجه الدارقطني (١/ ٣٧٧)، وعلقه البيهقي (٢/ ٣٥٢).
قال البيهقي: "وأبو الحسين هذا مجهول".
[ ١١ / ١٨١ ]
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (٢/ ٢٨): "إسناده ضعيف".
وقال النووي في الخلاصة (٢٢١٩): "رواه الدارقطني بإسناد ضعيف، وضعفه البيهقي وغيره" [وانظر أيضًا: البدر المنير (٤/ ٢٢٨)].
وقال ابن كثير في مسند الفاروق (١/ ٢٦١/ ١٣٠): "هذا الحديث لا يثبت إسناده؛ لأن خارجة بن مصعب الضبعي، أبا الحجاج الخراساني السرخسي: تركه الأئمة؛ كأحمد وابن معين ويحيى وغيرهم، وكذبه ابن معين في روايه عنه، وأما شيخه أبو الحسن المديني: فلا أعرفه، قلت: وأقرب ما يحمل هذا على أنه من فتاوى سالم، أو أبيه، والله أعلم".
وقال ابن حجر في البلوغ (٣٣٨): "رواه البزار والبيهقي بسند ضعيف" [ولم أجده في مسند البزار].
قلت: هو حديث باطل؛ خارجة بن مصعب: متروك، يدلس عن الكذابين، كذبه ابن معين، وقد تفرد به عن أبي الحسين هذا بهذا الإسناد، وأبو الحسين المديني: مجهول [اللسان (٩/ ٥٠)].
وقد خالفه فيه:
سليمان بن بلال [مدني، ثقة]، فرواه عن أبي الحسين، عن الحكم بن عبد الله، عن سالم بن عبد الله، قال: جاء جبير بن مطعم إلى ابن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن! كيف قال أمير المؤمنين عمر في الإمام يؤم القوم؟ فقال ابن عمر: قال عمر: قال رسول اللّه - ﷺ -: "إن الإمام يكفي من وراءه، فإن سها الإمام فعليه سجدتا السهو، وعلى من وراءه أن يسجدوا معه، وإن سها أحد ممن خلفه فليس عليه أن يسجد، والإمام يكفيه".
أخرجه البيهقي (٢/ ٣٥٢)، من طريق: ابن كاسب: ثنا إسماعيل بن داود، عن سليمان بن بلال به.
قال البيهقي: "حديث ضعيف"، وقال أيضًا: "والحكم بن عبد الله: ضعيف".
قلت: هو حديث باطل من حديث سليمان بن بلال، فإن راويه عنه: إسماعيل بن داود بن مخراق: منكر الحديث، يروي عن مالك بن أنس وسليمان بن بلال وأهل المدينة ما لا أصل له، قال ابن حبان: "يسرق الحديث ويسويه" [اللسان (٢/ ١١٩)، المجروحين (١/ ١٢٩)]، ويعقوب بن حميد بن كاسب المدني، نزيل مكة: حافظ له مناكير وغرائب، وأسند مراسيل [انظر: التهذيب (٤/ ٤٤٠)، الميزان (٤/ ٤٥٠)، وانظر الأحاديث المتقدمة برقم (٢ و٣٩ و١٩٣ و٤٩٧ و٥٠٢ و٥٠٤ و٥١٨ و٥٢٠ و٥٣١ و٥٣٨ و٥٥٨ و٥٦٨)].
ثم لو فرضنا ثبوته عن سليمان بن بلال، لكان حديثًا موضوعًا؛ فإن الحكم بن عبد الله بن سعد الأيلي: متروك، منكر الحديث، كذبه جماعة، وقال فيه أحمد: "الحكم بن عبد الله الأيلي: أحاديثه موضوعة" [اللسان (٣/ ٢٤٤)، تاريخ أبي زرعة الدمشقي (١/ ٤٥٣/ ١١٤)، المجروحين (١/ ٢٤٨)].
[ ١١ / ١٨٢ ]
وروي أيضًا من حديث ابن عباس، وهو موضوع:
رواه ابن عدي في الكامل (٥/ ٦٧)، قال: ثنا محمد بن إسماعيل بن أسد النيسابوري بمصر [لم أعرفه]: ثنا إبراهيم بن أبي سفيان [لم أعرفه]: ثنا أبو حفص عمر بن عمرو: ثنا صدقة، عن مكحول، عن ابن عباس، قلت للنبي - ﷺ -: يا رسول الله على الرجل سهو خلف الإمام؟ قال: "لا، إنما السهو على الإمام".
قال ابن عدي: "ولعمر بن عمرو هذا غير ما ذكرت من الأحاديث، وهو في عداد من يضع الحديث"، وقال قبل ذلك: "عامة ما يرويه موضوع"، وقال أيضًا: "حدث بالبواطيل عن الثقات".
وقال عبد الحق في الأحكام الوسطى (٢/ ٢٨): "هذا يرويه عمر بن عمرو أبو حفص العسقلاني الطحان، وهو: متروك، في عداد من يكذب، والإسناد منقطع أيضًا؛ لأنه عن مكحول عن ابن عباس".
قلت: هو حديث موضوع.
° وأما حكم المسألة: فقد روى البيهقي في السنن (٢/ ٣٥٣) بإسناده إلى الفقهاء من أهل المدينة: "كانوا يقولون: سترة الإمام سترة لمن خلفه، قلوا أو كثروا، وهو يحمل أوهامهم".
وقال أبو بكر بن المنذر في الأوسط (٣/ ٣٢١): "اختلف أهل العلم في المأموم يسهو خلف الإمام:
فقال كثير منهم: ليس على من سها خلف الإمام سهو، روي هذا القول عن ابن عباس، وبه قال النخعي، والشعبي، ومكحول، والزهري، وربيعة، ويحيى الأنصاري، ومالك، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وذكر إسحاق أن هذا إجماع من أهل العلم، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب، والحسن البصري.
وروينا عن مكحول أنه قام عن قعود الإمام فسجد سجدتي السهو، وقد روينا عن ابن عمر وجماعة أنهم قالوا فيمن أدرك وترًا من صلاة الإمام، فقضى ما عليه: أنه يسجد سجدتي السهو.
وقول النبي - ﷺ -: "ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا"، يدل على خلاف هذا القول، إذ لم يذكر سجود السهو".
° مسألة: إذا جهر الإمام في موضع الإسرار، أو أسر في موضع الجهر، فهل يسجد للسهو؟
° قلت: أما مسألة الجهر فيما حقه الإسرار، فهو ثابت في السُّنَّة، ومن فعل الخليفة الراشد أبي بكر الصديق، وغيره من الصحابة، ولم ينقل فيه سجود:
١ - حديث أبي قتادة:
[ ١١ / ١٨٣ ]
يرويه يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبي قتادة، قال: "كان رسول الله - ﷺ - يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأولَيَين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويُسْمِعُنا الآيةَ أحيانًا، وكان يُطوِّلُ الركعةَ الأولى من الظهر، ويُقَصِّرُ الثانيةَ، وكذلك في الصبح".
أخرجه البخاري (٧٦٢ و٧٧٩)، ومسلم (٤٥١/ ١٥٤)، وتقدم برقم (٧٩٨).
٢ - حديث البراء بن عازب:
يرويه سلم بن قتيبة، قال: حدثنا هاشم بن البريد، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: "كنا نصلي خلف النبي - ﷺ - الظهر، فنسمع منه الآية بعد الآيات، من سورة لقمان، والذاريات".
وهو حديث حسن، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٨٠٠).
٣ - حديث أبي مالك الأشعري:
يرويه قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري أنه قال لقومه: اجتمعوا أصلي بكم صلاة رسول الله - ﷺ -، فاجتمعوا، فقال: هل فيكم أحد؟ فقالوا: لا؛ إلا ابن أختٍ لنا، قال: فذلك من القوم، فدعا بجفنة فيها ماء، فتوضأ وهم شهود، "فمضمض واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه وظهر قدميه، ثم صلى بهم الظهر، فكبر فيها ثنتين وعشرين تكبيرة، يكبر إذا سجد وإذا رفع رأسه، وقرأ بهم في الركعتين الأوليين، وأسمع من يليه".
وهو حديث حسن، والمحفوظ فيه: غسل القدمين، لا مسحهما، كما أن الجملة موضع الشاهد خولف فيها قتادة:
خالفه: من هو أثبت منه في شهر: عبد الحميد بن بهرام، فقال في روايته: "فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة يُسِرُّهما".
وقد تقدم برقم (٦٧٧).
٤ - حديث أنس بن مالك:
يرويه محمد بن معمر بن ربعي القيسي: حدثنا روح بن عبادة: حدثنا حماد بن سلمة: ثنا قتادة، وثابت، وحميد، عن أنس بن مالك، عن النبي - ﷺ - أنهم كانوا يسمعون منه النغمة في الظهر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾.
وهذا الحديث لا يصح رفعه، إنما هو موقوف على أنس من وجوه متعددة، منها:
ما رواه حماد بن مسعدة، عن حميد، قال: صليت خلف أنس الظهر، فقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، وجعل يُسمِعنا الآية.
وما رواه أبو شهاب الحناط، عن حميد وعثمان البتي، قالا: صلينا خلف أنس بن مالك الظهر والعصر، فسمعناه يقرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾.
فهو صحيح من فعل أنس، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٨٠٠).
[ ١١ / ١٨٤ ]
٥ - أثر أبى بكر الصديق:
روى مالك، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك؛ أن عبادة بن نسي أخبره؛ أنه سمع قيس بن الحارث، يقول: أخبرني أبو عبد الله الصنابحي؛ أنه قدم المدينة في خلافة أبي بكر الصديق - ﵁ -، فصلى وراء أبي بكر المغرب، فقرأ أبو بكر في الركعتين الأوليين بأم القرآن، وسورةٍ سورةٍ من قصار المفصل، ثم قام في الركعة الثالثة، فدنوتُ منه حتى إن ثيابي لتكادُ تمسُّ ثيابه، فسمعته قرأ بأم القرآن وهذه الآية: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٢٩/ ٢٠٩).
وهذا موقوف على أبي بكر الصديق بإسناد صحيح، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٨١٥).
٦ - أثر ابن مسعود:
يرويه شعبة، وسفيان الثوري، وشريك:
عن أشعث بن أبي الشعثاء، قال: سمعت أبا مريم الأسدي يقول: سمعت ابن مسعود - ﵁ - يقرأ في الظهر. لفظ شعبة [عند الطحاوي].
أخرجه الشافعي في الأم (٧/ ١٨٧)، وابن سعد في الطبقات (٦/ ١٩٧)، والطحاوي (١/ ٢١٠)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٦٩ و٣٤٨)، وفي القراءة خلف الإمام (٢٠٦ و٢٠٧).
وهذا موقوف على ابن مسعود بإسناد صحيح، وأبو مريم الأسدي هو: عبد الله بن زياد، وهو: كوفي ثقة.
٧ - أثر ابن عمر:
يرويه عبد الله بن إدريس [كوفي، ثقة ثبت]، عن هشام بن حسان، عن جميل بن مرة، عن مُورِّق العجلي، قال: صلَّيت خلف ابن عمر الظهر، فقرأ بسورة مريم.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣١٣/ ٣٥٧٦).
• ورواه وهب بن جرير [بصري، ثقة]، قال: ثنا هشام بن حسان، عن جميل بن مرة وحكيم؛ أنهما دخلا على مورق العجلي، فصلى بهم الظهر، فقرأ بقاف والذاريات أسمعهم بعض قراءته، فلما انصرف قال: صليت خلف ابن عمر فقرأ بقاف والذاريات، وأسمعنا نحو ما أسمعناكم.
أخرجه الطحاوي (١/ ٢١٠).
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح.
° ورواه وكيع، عن سيف [هو: ابن سليمان المكي]، عن مجاهد، قال: سمعت عبد الله بن عمر يقرأ في الظهر بـ" ﴿كهيعص (١)﴾.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣١٣/ ٣٥٧٧).
[ ١١ / ١٨٥ ]
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح.
وروي أيضًا عن ابن عمر وأنس موقوفًا عليهما من طرق أخرى لا تخلو من مقال، وروي نحو ذلك أيضًا: عن عمر بن الخطاب، وخباب بن الأرت، وسعيد بن العاص [عند: عبد الرزاق (٢/ ١٠٥ - ١٠٧/ ٢٦٧٩ - ٢٦٨٢ و٢٦٨٧ و٢٦٨٩)، وابن أبي شيبة (١/ ٣١٣/ ٣٥٧٣ و٣٥٧٤) و(١/ ٣١٨/ ٣٦٣٩ - ٣٦٤١) و(١/ ٣١٩/ ٣٦٤٤ و٣٦٤٧)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٣٠٠ و٣٠١/ ١٦٨٤ - ١٦٧٨)، والطحاوي (١/ ٢٠٩ و٢١٠)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٦٣/ ٩٣٠٦)، وابن حزم في المحلى (٤/ ١٠٩)، والبيهقي (٢/ ٣٤٨)].
° وهذه الأدلة وإن كانت في العمد، إلا أن بعضها يحتمل أن يكون وقع سهوًا، فقد دلت على عدم وجوب السجود على من سها في شيء من ذلك.
وقد حكى ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٩٩) خلاف أهل العلم في ذلك، وممن قال: ليس على من فعل ذلك سجود السهو: الأوزاعي والشافعي، واختلف قول مالك وأحمد في ذلك، وقال أحمد في رواية الكوسج (٢٠٠): "إن سجد لا يضره ذلك، وإن لم يسجد فلا بأس"، يعني: فيما إذا جهر فيما يُخافَت فيه، أو خافت فيما يُجهَر فيه، وقال إسحاق: "بل يسجد في ذلك، وفي كل سهو سجدتان" [وانظر مثلًا: مسائل أبي داود لأحمد (٣٨٢)].
وقال الماوردي في الحاوي (٢/ ١٥٠) محتجًا بفعل عمر الآتي ذكره: "ولأن الجهر والإسرار هيئة، ومخالفة الهيئات لا تبطل الصلاة، ولا توجب السهو قياسًا على هيئات الأفعال".
• قلت: وأما مسألة الإسرار فيما حقه الجهر، فقد روي من فعل عمر:
يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري [وعنه: مالك بن أنس]، وعبيد الله بن عمر العمري: عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف؛ أن عمر بن الخطاب - ﵁ - صلى بالناس المغرب فلم يقرأ فيها، فلما انصرف قيل له: ما قرأت! قال: فكيف كان الركوع والسجود؟ فقالوا: حسنًا، قال: فلا بأس إذًا. لفظ يحيى بن سعيد، وفي رواية عبيد الله بن عمر: لا بأس، إني حدَّثت نفسي بعِيرٍ جهزتها بأقتابها وحقائبها.
أخرجه مالك في الموطأ (٤٩٠ - رواية أبي مصعب الزهري) (٢٦٨ - رواية القعنبي)، والشافعي في الأم (٧/ ٢٣٧)، وأحمد في مسائل ابنه صالح (٦٠٩ م) [وقع عنده: عبد الله مكبرًا؛ إنما هو أخوه عبيد الله العمري]، ومحمد بن الحسن في الحجة (١/ ٢٣٤)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٤٨/ ٤٠٠٦)، والبيهقي في السنن (٢/ ٣٤٧ و٣٨١)، وفي المعرفة (٢/ ١٧٧/ ١١٤٣) و(٢/ ٢٠٧/ ١١٨٧).
قال أحمد: "أبو سلمة: لم يدرك عمر، وتلك أثبت، قالوا: صلى بنا عمر"؛ يعني: أنه أعاد الصلاة والقراءة، كما في مسائل صالح (٢٧٩).
[ ١١ / ١٨٦ ]
وقال ابن القاسم في المدونة (١/ ٦٥): "وقال مالك: ليس العمل على قول عمر حين ترك القراءة، ".
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ١٩٣): "حديث منكر اللفظ، منقطع الإسناد، لا حجة فيه عند أحد من أهل العلم بالنقل، وقد روي عن عمر من وجوه متصلة أنه أعاد تلك الصلاة".
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤٢٧): "وهذا حديث منكر، وقد ذكره مالك في الموطأ، وهو عند بعض رواته ليس عند يحيى وطائفة معه؛ لأنه رماه مالك من كتابه بأخرة، وقال: ليس عليه العمل؛ لأن النبي - ﷺ - قال: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج"".
ثم قال: "وقد روي عن عمر أنه أعاد تلك الصلاة، وهو الصحيح عنه، وروى يحيى بن يحيى النيسابوري قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن همام بن الحارث؛ أن عمر نسي القراءة في المغرب فأعاد الصلاة.
وهو حديث متصل، وحديث مالك: مرسل عن عمر، لا يصح، والإعادة عنه صحيحة، رواها عن عمر جماعة، منهم: همام، وعبد اللّه بن حنظلة، وزياد بن عياض، وكلهم لقي عمر، وسمع منه، وشهد القصة، وروى الإعادة عن عمر أيضًا غيرهم".
ثم قال: "وروى أشهب عن مالك، قال: سئل مالك عن الذي ينسى القراءة، أيعجبك ما قال عمر؟ قال: أنا أنكر أن يكون عمر فعله، وأنكر الحديث، وقال: يرى الناسُ عمرَ يصنع هذا في المغرب فلا يسبحون به ولا يخبرونه! أرى أن يعيد الصلاة من فعل هذا، ويعيد القوم الذين صلوا معه".
وقال البيهقي: "والإعادة أشبه بالسُّنَة في وجوب القراءة، وأتها لا تسقط بالنسيان كسائر الأركان".
وقال النووي في المجموع (٣/ ٢٧٦): "أما الأثر عن عمر - ﵁ -، فجوابه من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ضعيف؛ لأن أبا سلمة ومحمد بن علي لم يدركا عمر، والثاني: أنه محمول على أنه أسر بالقراءة، والثالث: أن البيهقي رواه من طريقين موصولين عن عمر - ﵁ - أنه صلى المغرب ولم يقرأ فأعاد، قال البيهقي: وهذه الرواية موصولة موافقة للسُّنَّة في وجوب القراءة، وللقياس في أن الأركان لا تسقط بالنسيان"، وضعفه أيضًا في الخلاصة (١١١٨).
• وقد رواه الجوزقاني في الأباطيل والمناكير (٢/ ٣٨/ ٤٠٦)،من طريق محمد بن مهاجر البغدادي، قال: حدثنا معن، قال: حدثنا مالك به.
قال الجوزقاني: "هذا حديث باطل، ومحمد بن مهاجر: ليس بثقة ولا مأمون"، ثم عارضه بحديث عبادة بن الصامت مرفوعًا: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" [وهو حديث متفق عليه، تقدم برقم (٨٢٢)].
[ ١١ / ١٨٧ ]
وعلقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٩٤٤/ ١٥٧٢) ثم قال: "هذا حديث لا يصح؛ بل باطل، قال ابن حبان: محمد بن مهاجر كان يضع الحديث".
قلت: هو موضوع على معن بن عيسى [انظر اللسان (٧/ ٥٣١)]، لكنه معروف من حديث مالك، رواه عنه جماعة من أصحابه، مثل: الشافعي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وأبي مصعب الزهري، ويحيى بن عبد الله بن بكير.
وروى الشعبي [وعنه: يونس بن أبي إسحاق، وعبد الله بن عون]، وإبراهيم النخعي [وعنه: حماد بن أبي سليمان، وبعض الضعفاء]؛ أن عمر بن الخطاب صلى المغرب فلم يقرأ فيها [وفي رواية: فنسي أن يقرأ]، فأعاد الصلاة، وقال: لا صلاة إلا بقراءة.
وفي رواية إبراهيم النخعي: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - عنه صلى بالناس صلاة المغرب، فلم يقرأ شيئًا حتى سلم، فلما فرغ قيل له: إنك لم تقرأ شيئًا! فقال: إني جهزت عيرًا إلى الشام، فجعلت أنزلها منقلة منقلة حتى قدمت الشام، فبعتها وأقتابها وأحلاسها وأحمالها، قال: فأعاد عمر وأعادوا.
أخرجه أحمد في مسائل ابنه صالح (٦٠٠ م)، ومحمد بن الحسن في الحجة (١/ ٢٣٧)، وعبد الرزاق (٢/ ١٢٥/ ٢٧٥٤)، والبيهقي (٢/ ٣٨٢).
وهذا أيضًا مرسل.
ورواه الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن همام بن الحارث، قال: صلى عمر المغرب، فلم يقرأ فيها، فلما انصرف، قالوا له: يا أمير المؤمنين! إنك لم تقرأ! فقال: إني حدثت نفسي وأنا في الصلاة بِعيرٍ وجَّهتها من المدينة، فلم أزل أجهزها حتى دخلت الشام، قال: ثم أعاد الصلاة والقراءة.
أخرجه أحمد في مسائل ابنه صالح (٦٠٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٤٩/ ٤٠١٢)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (١٠٣٣)، والطحاوي (١/ ٤١١).
قال ابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ١٩٣): "وهذا حديث متصل، شهده همام من عمر".
قلت: هو إسناد كوفي صحيح، وهمام بن الحارث النخعي: تابعي كبير، سمع ابن مسعود، ومات قبل ابن عباس.
• ورواه بنحوه بأطول من هذا: أحمد في مسائل ابنه صالح (٦٠٠ م).
من طريق: الحجاج بن أرطاة [ليس بالقوي]، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن همام بن الحارث، وعن عطاء، عن عبيد بن عمير؛ أن عمر بن الخطاب فذكره بنحوه.
ورواه يونس بن أبي إسحاق [ثقة]، وجابر بن يزيد الجعفي [متروك، يكذب، وعنه: سفيان الثوري]:
[ ١١ / ١٨٨ ]
كلاهما عن عامر الشعبي، عن زياد بن عياض - ختن أبي موسى -، قال: صلى عمر فلم يقرأ فأعاد.
ولفظ سلم بن قتيبة [في مسائل صالح]، قال: حدثنا يونس، عن الشعبي، عن زياد بن عياض الأشعري؛ أن عمر صلى بهم المغرب، فلم يقرأ شيئًا، فقال له أبو موسى: يا أمير المؤمنين ما قرأت شيئًا! فأقبل على عبد الرحمن بن عوف فقال: ما يقول؟ قال: صدق، فأمر مؤذنه فأقام، ولم يؤذن، فلما فرغ من صلاته، قال: لا صلاة ليست فيها قراءة، إنما شغلني عن الصلاة عير جهزتها إلى الشام، فجعلت أفكر في أحلاسها وأقتابها.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٣٦٥)، وأحمد في مسائل ابنه صالح (٦٠٠ م)، وعبد الرزاق (٢/ ٢٧٥٣/١٢٤) [وفي سنده سقط]، وابن سعد في الطبقات (٦/ ١٥١)، والبيهقي (٢/ ٣٨٢)، والخطيب في تالي التلخيص (١/ ٥٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٩/ ٢١٤).
وهذا موقوف على عمر بإسناد لا بأس به، وزياد بن عياض الأشعري: تابعي، ليس له صحبة، وذكره بعضهم في الصحابة فأخطأ، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، ورواية الشعبي عنه ترفع من حاله؛ فإنه لا يروي إلا عن ثقة [التاريخ الكبير (٣/ ٣٦٥)، الجرح والتعديل (٣/ ٥٤٠)، الثقات (٤/ ٢٥٨)، تاريخ دمشق (١٩/ ٢١١)، الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة (٤/ ٣٥٩)].
وله طرق أخرى، عند: عبد الرزاق (٢/ ١٢٤/ ٢٧٥٢) و(٢/ ١٢٥/ ٢٧٥٥).
° والحاصل: فإنه بمجموع هذه الطرق المتصلة: يصح هذا الأثر موقوفًا على عمر؛ أنه ترك القراءة في الصلاة، فأعاد الصلاة والقراءة.
وروى معاذ بن معاذ العنبري، وعاصم بن علي، وشعبة، ووكيع بن الجراح، وعبد الرزاق:
عن عكرمة بن عمار، عن ضمضم بن جوس، عن عبد اللّه بن حنظلة بن الراهب، قال: صلى بنا عمر بن الخطاب - ﵁ - المغرب، فلم يقرأ في الركعة الأولى شيئًا، فلما قام في الركعة الثانية قرأ بفاتحة الكتاب وسورة، ثم عاد فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين بعد ما سلم. لفظ حديث شعبة، ورواية معاذ بنحوه، إلا أنه قال: ثم سلم، وفي رواية عاصم بن علي: ثم مضى فصلى صلاته ثم سجد سجدتي السهو ثم سلم. وزاد عند قوله: شيئًا، نسيه، ولم يذكر وكيع موضع السجود، وقال: فنسي أن يقرأ في الركعة الأولى، وقال عبد الرزاق: قبل التسليم.
أخرجه أحمد في مسائل ابنه صالح (٦٠٩)، وعبد الرزاق (٢/ ١٢٣/ ٢٧٥١)، وابن سعد في الطبقات (٥/ ٦٦)، والحارث بن أبي أسامة في مسنده (١٨٨ - بغية الباحث) (٤/ ٦٠٩/ ٦٦٩ - مطالب)، والطحاوي (١/ ٤٤١)، والبيهقي (٢/ ٣٨٢).
وقد سأل صالح بن أحمد أباه، فقال: "قلت: حديث عمر أنه لم يقرأ في الركعة
[ ١١ / ١٨٩ ]
الأولى من المغرب، فقرأ في الثانية الحمد وسورة، ثم أعادها، أليس هو هكذا؟ قال أبي: هكذا يروي عكرمة بن عمار، ولا أذهب إليه، قال: وأذهب إلى أن عمر صلى فلم يقرأ فأعاد الصلاة" [مسائل صالح (٢٧٩)] [وانظر أيضًا: مسائل حرب الكرماني ص (٤٠٩)].
وقد أعله أيضًا: مالك بن أنس، قال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤٢٨): "وروى أشهب عن مالك، قال: سئل مالك عن الذي ينسى القراءة، أيعجبك ما قال عمر؟ قال: أنا أنكر أن يكون عمر فعله، وأنكر الحديث، وقال: يرى الناسُ عمرَ يصنع هذا في المغرب فلا يسبحون به، ولا يخبرونه، أرى أن يعيد الصلاة من فعل هذا، ويعيد القوم الذين صلوا معه".
وقال البخاري في القراءة خلف الإمام (٢٣٦ و٢٣٧): "ويروى عن عبد الله بن حنظلة، عن عمر؛ أنه نسي القراءة في ركعة من المغرب فقرأ في الثانية مرتين، وحديث أبي قتادة، عن النبي - ﷺ - أشبه: أنه قرأ في الأربع كلها، ولم يدع فاتحة الكتاب".
وقال البيهقي: "وهذه الرواية على هذا الوجه تفرد بها عكرمة بن عمار عن ضمضم بن جوس، وسائر الروايات أكثر وأشهر، وإن كان بعضها مرسلًا، والله أعلم".
قلت: رواية همام بن الحارث وزياد بن عياض عن عمر، أنه لم يقرأ فاعاد الصلاة: أولى بالصواب، من رواية عكرمة بن عمار، فإنه: صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب كثير، وقد قال عنه الإمام أحمد مرة: "مضطرب الحديث عن غير إياس بن سلمة" [التهذيب (٣/ ١٣٣)] [وتقدمت له أحاديث وقع منه الاضطراب أو الوهم فيها، انظر مثلًا ما تقدم برقم: (١٥ و٩٧)، وتحت الحديث رقم (٨٢١)].
وانظر أيضًا: الحاوي (٢/ ١٠٣)، نصب الراية (١/ ٣٦٧)، البدر المنير (٤/ ٨٨)، التلخيص الحبير (١/ ٢٧٣).
***