١٠٤٥ - . . . حماد، عن ثابت وحميد، عن أنس؛ أن النبي - ﷺ - وأصحابَه كانوا يصلُّون نحو بيت المقدس، فلما نزلت هذه الآية: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فمرَّ رجلٌ من بني سَلِمة، فناداهم وهم
[ ١١ / ٢٣٠ ]
ركوعٌ في صلاة الفجر نحو بيت المقدس: ألا إن القبلة قد حُوِّلتْ إلى الكعبة، مرتين، فمالوا كما هم ركوعٌ إلى الكعبة.
* حديث صحيح
أخرجه مسلم (٥٢٧)، وأبو عوانة (١/ ٤١٦/ ١٥٣٩)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ١٣٠/ ١١٦٦)، والنسائي في الكبرى (١٠/ ١٩/ ١٠٩٤١)، وابن خزيمة (١/ ٢٢٣/ ٤٣٠ و٤٣١)، وأحمد (٣/ ٢٨٤)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٢٤٢)، وأبو يعلى (٦/ ٤٤٢/ ٣٨٢٦)، وأبو العباس السراج في مسنده (٥٢١)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٩٦٨)، وأبو طاهر المخلص في الأول من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (١١٩)، والبيهقي (٢/ ١١)، وابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٥١)، والحازمي في الاعتبار (١/ ٢٨٠/ ٥٧).
هكذا رواه عن حماد بن سلمة: موسى بن إسماعيل، وعفان بن مسلم، وبهز بن أسد، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وإبراهيم بن الحجاج السامي، وأسد بن موسى [وهم ثقات مشهورون، أكثرهم حفاظ]، وعبد العزيز بن داود [الحراني: ثقة، الجرح والتعديل (٥/ ٣٨١)، الثقات (٨/ ٣٩٥)، تاريخ الإسلام (١٦/ ٢٦٤)، الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة (٦/ ٣٧١)].
• وقد جمع بين ثابت وحميد في هذا الإسناد: أبو سلمة موسى بن إسماعيل [عند أبي داود]، وأبو أسامة [عند المخلص]، وإبراهيم بن الحجاج [عند أبي يعلى]، وعبد العزيز بن داود [عند أبي نعيم في المستخرج]، فهي زيادة محفوظة في الإسناد.
وأما الباقون فرووه عن حماد عن ثابت عن أنس.
• ولفظ عفان [عند مسلم]: "أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي نحو بيت المقدس، فنزلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، فمرَّ رجل من بني سلِمة وهم ركوعٌ في صلاة الفجر، وقد صلوا ركعةً، فنادى: ألا إن القبلة قد حُوِّلت، فمالوا كما هم نحو القبلة.
• وله طرق أخرى عن أنس، منها ما رواه:
أ - زيد بن الحباب: نا جميل بن عبيد أبو النضر الطائي: نا ثمامة بن عبد الله، عن جده أنس بن مالك، قال: جاء منادي رسول الله - ﷺ - فقال: إن القبلة قد حُوِّلت إلى الكعبة، والإمام في الصلاة قد صلى ركعتين، فقال المنادي: قد حوِّلت القبلة إلى الكعبة، فصلوا الركعتين الباقيتين إلى الكعبة.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢١٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٩٤/ ٣٣٧٢)، والبزار (١٣/ ٥٠٥/ ٧٣٣٥)، والطبراني في الأوسط (٢/ ١٥١/ ١٥٤٥)، والدارقطني في السُّنن (١/ ٢٧٤)، وفي الأفراد (١/ ١٦١/ ٦٧٢ - أطرافه).
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن ثمامة إلا جميل بن عبيد".
[ ١١ / ٢٣١ ]
وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن ثمامة إلا جميل، تفرد به: زيد".
وقال الدارقطني: "تفرد به جميل بن عبيد عن ثمامة".
قلت: هذا إسناد صحيح غريب، ثمامة بن عبد الله بن أنس: روايته عن جده في الصحيحين [انظر: تحفة الأشراف (١/ ٣١٩ - ٣٢٤/ ٤٩٨ - ٥٠٨)]، وجميل بن عبيد الطائي: روى عنه جماعة من الثقات، وقال ابن معين: "ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات [الجرح والتعديل (٢/ ٥١٩)، الثقات (٦/ ١٤٧)، تاريخ الإسلام (١٠/ ١٠٧) و(١١/ ٧١)، الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة (٣/ ٢٠٢)]، وزيد بن الحباب: صدوق حافظ مشهور، وثقه جماعة [التهذيب (١/ ٦٦٢)].
وهو شاذ بجعل الصلاة رباعية، والمحفوظ من حديث أنس: أنها كانت صلاة الفجر.
ب - أبو عاصم الضحاك بن مخلد [ثقة ثبت]: نا عثمان بن سعد: حدثنا أنس بن مالك، قال: "صلى رسول الله - ﷺ - نحو بيت المقدس أشهرًا، فبينما هو ذات يوم يصلي الظهر، صلى ركعتين إذ صُرف إلى الكعبة، فقال السفهاء: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾. وهذا لفظ عبد الله بن إسحاق الجوهري، وهو ثقة حافظ.
وفي رواية عمرو بن علي الفلاس، وخليفة بن خياط: "صلى نبي الله - ﷺ - نحو بيت المقدس تسعة أشهر أو عشرة أشهر، فبينما هو قائم يصلي الظهر بالمدينة، وقد صلى ركعتين نحو بيت المقدس انصرف بوجهه إلى الكعبة، فقال السفهاء: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾.
أخرجه ابن خزيمة (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥/ ٤٣٤)، وخليفة بن خياط في التاريخ (٦٤)، والبزار (١٣/ ١٣٧/ ٦٥٣١)، وابن جرير الطبري في التفسير (٢/ ٣ - ٤).
قال البزار بعد أن ذكر لعثمان عن أنس ثلاثة أحاديث هذا منها: "وأحاديث عثمان بن سعد: إنما ذكرناها؛ لأن ألفاظها تخالف الألفاظ التي تروى عن أنس".
قلت: هذا حديث منكر؛ وعثمان بن سعد البصري الكاتب المعلم: لينه جماعة، وضعفه آخرون، وهو إلى الضعف أقرب، فإنه يروي عن أنس ما لا يتابع عليه [انظر: تاريخ الدوري (٣٥٩٩)، سنن الدارمي (٢/ ٣٧٥/ ٢٦٨١)، جامع الترمذي (١٦٨٣)، ضعفاء النسائي (٤٢١)، الجرح والتعديل (١/ ٣٢٦) و(٦/ ١٥٣)، ضعفاء العقيلي (٣/ ٢٠٤)، المجروحين (٢/ ٩٦)، الكامل (٥/ ١٦٨)، الميزان (٣/ ٣٤)، التهذيب (٣/ ٦١)]، وهو هنا في هذا الحديث خالف أصحاب أنس بن مالك، مثل: ثابت البناني، وحميد الطويل، وثمامة بن عبد الله، فلم يذكروا المدة، ولم يجعلوا التحول في الصلاة من فعل النبي - ﷺ -، ولم يذكروا قول السفهاء من الناس، كما خالف عثمان بن سعد المحفوظ في حديث أنس: أن ذلك التحول كان في صلاة الفجر، لا الظهر، والله أعلم.
* ولحديث أنس في قصة تحويل القبلة شواهد، منها:
[ ١١ / ٢٣٢ ]
١ - حديث البراء بن عازب:
يرويه إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، وسفيان الثوري، وشعبة [وهو غريب من حديثه]، وأبو الأحوص، وزهير بن معاوية، وزكريا بن أبي زائدة، وعمار بن رزيق، وشريك بن عبد الله النخعي، وحديج بن معاوية [وفيهم أثبت أصحاب أبي إسحاق]، وغيرهم:
عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب - ﵄ -، قال: كان رسول الله - ﷺ - صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا [وفي رواية: لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا]، وكان رسول الله - ﷺ - يحب أن يوجَّه إلى الكعبة، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾]، فتوجَّه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس، وهم اليهود: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] [فأنزل الله:] ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [البقرة: ١٤٢]، فصلى مع النبي - ﷺ - رجلٌ [العصر]، ثم خرج بعد ما صلى، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله - ﷺ -، وأنه توجه نحو الكعبة، فتحرَّف القوم [وفي رواية: فانحرفوا وهم ركوع في صلاة العصر]، حتى توجَّهوا نحو الكعبة. وهذا لفظ إسرائيل [عند البخاري (٣٩٩ و٧٢٥٢)].
ولفظ زهير [عند البخاري (٤٠ و٤٤٨٦)]: أن النبي - ﷺ - كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده، أو قال: أخواله من الأنصار، وأنه صلى قِبَل بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قومٌ، فخرج رجل ممن صلى معه، فمرَّ على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله - ﷺ - قِبَل مكة، فداروا كما هم قِبَل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قِبَل بيت المقدس، وأهلُ الكتاب، فلما ولَّى وجهه قِبَل البيت، أنكروا ذلك.
قال زهير: حدثنا أبو إسحاق، عن البراء في حديثه هذا: أنه مات على القبلة قبل أن تحوَّل رجالٌ وقتلوا، فلم ندرِ ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣].
ولفظ الثوري مختصر [عند البخاري (٤٤٩٢)، ومسلم (٥٢٥/ ١٢)]، قال: حدثني أبو إسحاق، قال: سمعت البراء، يقول: صلينا مع رسول الله - ﷺ - نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، ثم صُرِفنا نحو الكعبة.
وفي رواية لشريك وحديج: عن البراء، قال: مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس، فقالوا: كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس، فأنزل الله - ﷿ -: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾؛ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس.
وقال شعبة وأبو الأحوص وابن أبي زائدة وعمار وشريك وحديج: ستة عشر شهرًا، بغير شك.
[ ١١ / ٢٣٣ ]
أخرجه البخاري في الصحيح (٤٠ و٣٩٩ و٤٤٨٦ و٤٤٩٢ و٧٢٥٢)، وفي التاريخ الأوسط (١/ ٢٦/ ٨٢)، ومسلم (٥٢٥)، وأبو عوانة (١/ ٣٢٨ و٣٢٩/ ١١٦٢ - ١١٦٦) و(١/ ٤١٥ و٤١٦/ ١٥٣٧ و١٥٣٨)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٢٩/ ١١٦١ و١١٦٢)، والترمذي (٣٤٠ و٢٩٦٢)، وقال: "حسن صحيح"، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٢/ ٢٤١/ ٣١٨)، والنسائي في المجتبى (١/ ٢٤٢/ ٤٨٨) و(١/ ٢٤٣/ ٤٨٩) و(٢/ ٦٠/ ٧٤٢)، وفي الكبرى (١/ ٤٥٦/ ٩٤٨) و(١٠/ ١٦/ ١٠٩٣٣ و١٠٩٣٤) و(١٠/ ١٧/ ١٠٩٣٦)، وابن خزيمة (١/ ٢٢٢/ ٤٢٨) و(١/ ٢٢٤/ ٤٣٣) (١/ ٢٢٦/ ٤٣٧)، وابن حبان (٤/ ٦١٨/ ١٧١٦) و(١٤/ ١٩٠/ ٦٢٨١) و(١٥/ ٢٩٠/ ٦٨٧٠)، وابن الجارود (١٦٥)، وأحمد (٤/ ٢٨٣ و٢٨٩ و٣٠٤)، والطيالسي (٢/ ٩١/ ٧٥٥) و(٢/ ٩٣/ ٧٥٨)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الناسخ (١٨)، وسعيد بن منصور في سننه (٢/ ٦٢١/ ٢٢٣) و(٢/ ٦٢٥/ ٢٢٤) و(٢/ ٦٢٦/ ٢٢٥)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٢٤٢ و٢٤٣)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٩٤/ ٣٣٧١) و(٧/ ٣٤٤/ ٣٦٦١٠)، وخليفة بن خياط في التاريخ (٦٤)، ولوين محمد بن سليمان المصيصي في جزء من حديثه (٨٣ - ٨٥)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٣/ ٩)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ٣٨٠/ ١٤١٣ و١٤١٤) و(١/ ٣٨٤/ ١٤٢٨)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٣٣٩ و٣٤٠)، والروياني (٢٧٨ و٢٩٧)، وابن جرير الطبري في التفسير (٢/ ٣ و١٧)، وأبو بكر الخلال في السُّنَّة (٤/ ٤٧ - ٤٨/ ١١٤٢)، وأبو العباس السراج في مسنده (٥١٦ - ٥١٨)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٩٦٢ - ٩٦٤)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (٢١١٣ و٢١١٦ و٢١١٧ و٢٥٧٠)، والطحاوي في أحكام القرآن (٢٤٥)، وابن أبي حاتم في التفسير (١/ ٢٤٨/ ١٣٢٨) و(١/ ٢٥١/ ١٣٤٧) و(١/ ٢٥٣/ ١٣٥٤)، وابن أخي ميمي الدقاق في فوائده (٣٢٣)، وابن منده في الإيمان (١/ ٣٢٨ و٣٢٩/ ١٦٧ و١٦٨)، وأبو العباس بن عصم في جزئه (٣١)، واللالكائي في أصول اعتقاد أهل السُّنَة (٤/ ٨١٦ - ٨١٨/ ١٥٠٤ - ١٥٠٦ و١٥٠٨)، والبيهقي في السُّنن (٢/ ٢)، وفي المعرفة (١/ ٤٨٣/ ٦٥٨)، وفي الدلائل (٢/ ٥٧١ و٥٧٣)، وفي الشعب (١/ ٤٤/ ١١)، وابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٥٢) و(٢٣/ ١٣٥ و١٣٦)، والواحدي في أسباب النزول (٤٧)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٣٢٢/ ٤٤٤)، وقال: "هذا حديث صحيح"، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٦/ ٢٠٥)، والحازمي في الاعتبار (١/ ٢٧٩/ ٥٦).
قال ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٥٢)، وفي الاستذكار (٢/ ٤٥٣): "فظاهر هذا الخبر يدل على أنه - ﷺ - لما قدم المدينة صلى إلى بيت المقدس؛ لا قبل ذلك، والله أعلم".
• خالفهم فوهم في إسناده ومتنه:
أبو بكر بن عياش، فرواه عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: صلينا مع رسول الله - ﷺ - نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرًا، وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخوله إلى المدينة
[ ١١ / ٢٣٤ ]
بشهرين، وكان رسول الله - ﷺ - إذا صلى إلى بيت المقدس أكثر تقلب وجهه في السماء، وعلم الله من قلب نبيه - ﷺ - أنه يهوى الكعبة، فصعد جبريل، فجعل رسول الله - ﷺ - يتبعه بصره وهو يصعد بين السماء والأرض، ينظر ما يأتيه به، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية، فأتانا آتٍ، فقال: إن القبلة قد صرفت إلى الكعبة، وقد صلينا ركعتين إلى بيت المقدس ونحن ركوع، فتحولنا، فبنينا على ما مضى من صلاتنا، فقال رسول الله - ﷺ -: "يا جبريل كيف حالنا في صلاتنا إلى بيت المقدس؟ "، فأنزل الله - ﷿ -: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
أخرجه ابن ماجه (١٠١٠)، وابن جرير الطبري في التفسير (٢/ ٣) (٢/ ٦٢٠ - ط. هجر)، وأبو العباس السراج في مسنده (٥١٥)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٩٦١)، والدارقطني (١/ ٢٧٣ - ٢٧٤)، والواحدي في أسباب النزول (٤٨)، وفي تفسيره الوسيط (١/ ٢٢٩).
هكذا رواه عن أبي بكر بن عياش بهذا اللفظ: علقمة بن عمرو الدارمي [روى عن أبي بكر بن عياش، وروى عنه جماعة من المصنفين، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "يغرب"، الثقات (٨/ ٥٢٥)، التهذيب (٣/ ١٤٠)] [وروايته عند ابن ماجه]، ورواه أبو هشام الرفاعي محمد بن يزيد [ضعيف] عن أبي بكر [عند السراج والدارقطني والواحدي] بنحو لفظ الجماعة؛ إلا أنه زاد في آخره: وقد صلينا ركعتين، وقال: ستة عشر شهرًا، ورواه يحيى بن آدم [ثقة حافظ] [وروايته عند ابن جرير]، مختصرًا، وقال فيه: سبعة عشر شهرًا.
• وخالفهم في إسناده: أبو كريب محمد بن العلاء [ثقة حافظ]، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: قال البراء، فذكره، وقال فيه: سبعة عشر شهرًا، وقال: وقد صلينا ركعتين إلى ههنا، وركعتين إلى ههنا، ثم قال في آخره: قال أبو كريب: فقيل له: فيه أبو إسحاق؟ فسكت.
أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير (٢/ ٣) (٢/ ٦١٩ - ط. هجر).
هكذا اضطرب أبو بكر بن عياش في إسناد هذا الحديث ومتنه، ولم يحفظه، وأبو بكر بن عياش: ثقة، صحيح الكتاب، إلا أنه كان يهم إذا حدث من حفظه، فلعله منه، فالله أعلم.
٢ - حديث ابن عمر:
يرويه مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وعبد العزيز بن مسلم القسملي، وسليمان بن بلال، وموسى بن عقبة، وصالح بن قدامة الجمحي، وعبد السلام بن حفص المديني [وهم ثقات، وفيهم كبار الحفاظ المتقنين]:
عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: بينا الناس بقُباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن رسول الله - ﷺ - قد أُنزل عليه الليلةَ قرانٌ، وقد أُمِر أن يستقبل
[ ١١ / ٢٣٥ ]
الكعبة، فاستقبِلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة. لفظ مالك، والباقون بنحوه.
أخرجه البخاري في الصحيح (٤٠٣ و٤٤٨٨ و٤٤٩٠ و٤٤٩١ و٤٤٩٣ و٤٤٩٤ و٧٢٥١)، وفي التاريخ الكبير (٦/ ٦٣)، ومسلم (٥٢٦/ ١٣ و١٤)، وأبو عوانة (١/ ٣٢٩/ ١١٦٧ و١١٦٨)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٢٩ و١٣٠/ ١١٦٣ - ١١٦٥)، والترمذي (٣٤١ و٢٩٦٣)، وقال: "حسن صحيح"، والنسائي في المجتبى (١/ ٢٤٤/ ٤٩٣) و(٢/ ٦١/ ٧٤٥)، وفي الكبرى (١/ ٤٥٧/ ٩٥١) و(١٠/ ١٧/ ١٠٩٣٥)، والدارمي (١/ ٣٠٧/ ١٢٣٤)، وابن خزيمة (١/ ٢٢٥/ ٤٣٥)، وابن حبان (٤/ ٦١٦/ ١٧١٥)، ومالك في الموطأ (١/ ٢٧١/ ٥٢٤)، والشافعي في الرسالة (١٦ - أم)، وفي الأم (٢/ ٢١٣/ ١٨٨)، وفي السُّنن (٣٥)، وفي المسند (٢٣ و٢٣٤)، وأحمد (٢/ ١٦ و٢٦ و١٠٥ و١١٣)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٩٥/ ٣٣٧٦)، وأبو العباس السراج في مسنده (٥١٩ و٥٢٠)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٩٦٥ - ٩٦٧)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٦٨/ ١٢٤٤)، والطحاوي في أحكام القرآن (٢٤٧)، والدارقطني (١/ ٢٧٣)، والجوهري في مسند الموطأ (٤٦٦)، وابن أخي ميمي الدقاق في فوائده (٤٦)، وأبو طاهر المخلص في الثامن من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (١٦٩) (١٧٤٥ - المخلصيات)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١٥٨)، والبيهقي في السُّنن (٢/ ٢ و١١)، وفي المعرفة (١/ ٤٨٢/ ٦٥٥)، وفي الدلائل (٢/ ٥٧٢)، والبغوي في شرح السُّنَة (٢/ ٣٢٣/ ٤٤٥)، وقال: "هذا حديث متفق على صحته"، وفي التفسير (١/ ١٢٥)، وابن بشكوال في الغوامض (٣/ ٢٢٣)، والحازمي في الاعتبار (١/ ٢٨١/ ٥٨).
• ورواه أيضًا: سويد بن سعيد: حدثني حفص بن ميسرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، وعن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر به.
أخرجه مسلم (٥٢٦/ ١٤)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ١٣٠/ ١١٦٥).
٣ - حديث ابن عباس:
يرويه سفيان الثوري، وإسرائيل، وقيس بن الربيع:
عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما وُجِّه النبيُّ - ﷺ - إلى الكعبة؛ قالوا: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الآية.
أخرجه أبو داود (٤٦٨٠)، والترمذي (٢٩٦٤)، والدارمي (١/ ٣٠٨/ ١٢٣٥)، وابن حبان (٤/ ٦٢١/ ١٧١٧)، والحاكم (٢/ ٢٦٩)، وأحمد (١/ ٢٩٥ و٣٠٤ و٣٢٢ و٣٤٧)، والطيالسي (٤/ ٣٩٧/ ٢٧٩٥)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ٣٨٤/ ١٤٢٩)، والبزار (١١/ ٦٩/ ٤٧٧١)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٣٣٨)، وابن جرير الطبري في التفسير (٢/ ١٧)، وأبو بكر الخلال في السُّنَّة (٤/ ٤٨/ ١١٤٣)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٢٢/ ١١٧٢٩)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٧٧٨/ ١٠٧١)، وابن منده في التوحيد
[ ١١ / ٢٣٦ ]
(٢/ ١٢٢/ ٢٦٧)، واللالكائي في أصول اعتقاد أهل السُّنَّة (٤/ ٨١٧/ ١٥٠٧)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٣٣/ ٢٧٩٢)، وفي الاعتقاد (١٧٥)، والواحدي في تفسيره الوسيط (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧)، والضياء في المختارة (١٢/ ٢٧ و٢٨/ ١٩ و٢٠).
قال عبيد الله بن موسى - أحد رواة هذا الحديث عن إسرائيل -: "هذا الحديث يخبرك أن الصلاة من الايمان".
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وهو كما قال؛ فإن هذا الحديث من صحيح حديث سماك حيث رواه عنه سفيان الثوري، وسماك بن حرب: صدوق، تُكُلِّم فيه لأجل اضطرابه في حديث عكرمة خاصة، وكان لما كبر ساء حفظه؛ فربما لُقِّن فتلقن، وأما رواية القدماء عنه فهي مستقيمة، قال يعقوب بن شيبة: "وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين، ومن سمع منه قديمًا - مثل شعبة وسفيان - فحديثهم عنه: صحيح مستقيم" [انظر: الأحاديث المتقدمة برقم (٦٨ و٣٧٥ و٤٤٧ و٦٢٢ و٦٥٦)].
وله شاهد من حديث البراء المتقدم.
• ورواه زائدة بن قدامة، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: صلى رسول الله - ﷺ - وأصحابه إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، ثم صرفت القبلة بعدُ.
أخرجه أحمد (١/ ٢٥٠ و٣٥٠ و٣٥٧)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٩٤/ ٣٣٧٣)، وخليفة بن خياط في التاريخ (٦٤)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ٣٨٠/ ١٤١٥)، والطبراني (١١/ ٢٢٧/ ١١٧٥١)، والضياء في المختارة (١٢/ ٨١ و٨٢/ ٩١ و٩٢).
وهذا حديث صحيح، وزائدة بن قدامة: ثقة ثبت متقن، وهو من طبقة شعبة وسفيان، وله شاهد من حديث البراء المتقدم.
• وانظر فيمن أخطأ بإرساله [عند: ابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٣٤١)] [وفي إسناده: إبراهيم بن الحكم بن أبان العدني، وهو: ليس بثقة، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه. التهذيب (١/ ٦٣)].
• وله إسناد آخر:
يرويه يحيى بن حماد: ثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: "كان رسول الله - ﷺ - يصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه، وبعد ما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهرًا، ثم صُرِف إلى الكعبة".
أخرجه أحمد (١/ ٣٢٥)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٢٤٣)، والبزار (١١/ ١٠٧/ ٤٨٢٥) و(١١/ ١٩٠/ ٤٩٣٥)، وأبو العباس السراج في مسنده (٥٢٢)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٣٠٩)، وأبو جعفر النحاس في الناسخ (١/ ٤٥٧/ ٢٣ و٢٤)، والطبراني في الكبير (١١/ ٦٧/ ١١٠٦٦)، والدارقطني فيما انتقاه من حديث أبي الطاهر الذهلي (١٢٢)، وأبو طاهر المخلص في السادس من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٢٦٣) (١٢٨٢ -
[ ١١ / ٢٣٧ ]
المخلصيات)، والبيهقي (٢/ ٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٥٤) و(١٧/ ٤٩)، وفي الاستذكار (٢/ ٤٥٣)، والضياء في المختارة (١٣/ ٨٢ و٨٣/ ١٣٤ - ١٣٦).
قال البزار: "وهذا الحديث بهذا اللفظ لا نعلم أحدًا رواه إلا الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، ولا نعلم رواه عن الأعمش إلا أبو عوانة".
وقد قال ابن حجر في التلخيص (١/ ٢١٥) بأن هذا الحديث هو أصح ما في الباب فيما يتعلق بالجهة التي كان - ﷺ - يصلي إليها بمكة، ثم تعقبه بقوله: "ويعكِّر عليه حديث إمامة جبرائيل به - ﷺ - عند باب البيت، وقد تقدم في المواقيت".
قلت: لفظة "باب" شاذة في حديث المواقيت، غير محفوظة، وإنما المحفوظ فيه: "أمني جبريل عند البيت مرتين، "، وقد تقدم تخريجه برقم (٣٩٣).
وأما حديث يحيى بن حماد هذا فإنه لا يصح: فإن الأعمش لم يصرح بسماعه من مجاهد، وقد تقدم الكلام على سماع الأعمش من مجاهد عند الحديث رقم (٤٨٩)، والضابط فيه: أن نقبل ما صرح فيه الأعمش بالسماع من مجاهد - من طريق صحيح ثابت عنه -، وطرح ما سوى ذلك؛ فإنه مما دلسه ولم يسمعه من مجاهد؛ فإنه لا يصح للأعمش عن مجاهد إلا أحاديث يسيرة، لا يثبت منها إلا ما قال فيها: "سمعت"، فهو قليل السماع من مجاهد، وعامة ما يرويه عن مجاهد: مدلَّس عن الضعفاء والمتروكين.
وهذا الحديث مما لم يصرح فيه الأعمش بالسماع؛ فهو مدلَّس عن الضعفاء، كما قال الأئمة، ولا يُقبل من حديثه عن مجاهد إلا ما قال فيه: سمعت، وعليه: فلا يثبت هذا من حديث مجاهد؛ لاحتمال أن يكون الأعمش دلسه عن مثل: الحسن بن عمارة وحكيم بن جبير، وقد تفرد به عن الأعمش: أبو عوانة، ولا رواه عن أبي عوانة غير يحيى بن حماد، وهو: ثقة، ختن أبي عوانة، ومن أروى الناس عنه، فهو إسناد غريب أيضًا، والله أعلم.
• وله أسانيد أخرى لا تصح [عند: أبي عبيد القاسم بن سلام في الناسخ (١٧)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٢٤١)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ٣٨١/ ١٤٢١) و(١/ ٣٨٢/ ١٤٢٢) و(١/ ٣٨٣/ ١٤٢٧)، وابن جرير الطبري في التفسير (١/ ٥٠٢) و(٢/ ٢ - ٣ و٥)، وابن أبي حاتم في التفسير (١/ ٢١٢/ ١١٢٣) و(١/ ٢٤٧ - ٢٤٨/ ١٣٢٦ و١٣٢٧) و(١/ ٢٤٨/ ١٣٢٩) و(١/ ١٣٤٨/٢٥٢) و(١/ ٢٥٣/ ١٣٥٥)، وأبي جعفر النحاس في الناسخ (١/ ٤٥٥/ ٢٢)، والطبراني في مسند الشاميين (٣/ ٣٢٦/ ٢٤١٢)، والدارقطني في الأفراد (١/ ٤٦٥/ ٢٥٦١ - أطرافه)، وأبي طاهر المخلص في السادس من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (١٨٨) (١٢٠٧ - المخلصيات)، والمخلص في حديث ابن صاعد (٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨)، والبيهقي في السُّنن (٢/ ١٢)، وفي المعرفة (١/ ٤٨٣/ ٦٥٧)، وفي الدلائل (٢/ ٥٧٥)، وابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٥٣)، وفي الاستذكار (٢/ ٤٥٤)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٢٤٩)، والحازمي في الاعتبار (١/ ٢٨٢/ ٥٩)] [وما جاء في هذه الأسانيد: عن عطاء عن ابن عباس، فهو عطاء بن أبي مسلم
[ ١١ / ٢٣٨ ]
الخراساني، ولم يسمع من ابن عباس، وليس هو عطاء بن أبي رباح، وفي سماع ابن جريج من عطاء الخراساني نظر] [وانظر: الدر المنثور (١/ ٣٤٢ - ٣٤٦)].
٤ - حديث سهل بن سعد:
يرويه عبد السلام بن حفص، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: لما حُوِّلت القبلة إلى الكعبة مر رجل بأهل قباء وهم يصلون، فقال لهم: قد حُوِّلت القبلة إلى الكعبة، فاستداروا أمامهم نحو الكعبة.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٦٣)، والدارقطني (١/ ٢٧٤).
هكذا رواه عن عبد السلام: عبيد الله بن موسى، وهو: ثقة.
• خالفه: خالد بن مخلد: حدثنا عبد السلام بن حفص الليثي، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر - ﵄ -، فذكر الحديث.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٦٣).
قال البخاري عن هذا الوجه بأنه أثبت، وهو كما قال، والرواية الأولى وهم؛ فعاد الحديث بذلك مرة أخرى إلى حديث ابن عمر، وحديث سهل بن سعد خطأ.
وعبد السلام بن حفص: مدني، صدوق، وله غرائب [التهذيب (٢/ ٥٧٥)، الميزان (٢/ ٦١٥)، سؤالات ابن أبي شيبة (٩٢)، الفتح لابن رجب (٥/ ٥١١)]، وخالد بن مخلد القطواني: ليس به بأس، وله مناكير، يؤخذ عنه حديثه عن أهل المدينة [التهذيب (١/ ٥٣١)، الميزان (١/ ٦٤٠)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٧٥)]، وروايته هنا مقبولة، ومقدمة على رواية عبيد الله بن موسى؛ لأنها وافقت رواية الثقات، ورواية عبيد الله غريبة، والحديث المشهور أولى من الحديث الغريب، والله أعلم.
٥ - حديث تويلة بنت أسلم، وقيل: نويلة، وقيل: ثويلة، وقيل: نائلة، وقيل: تولة، وقيل: نويلة بنت مسلم، وقيل: بديلة بنت مسلم:
روى إبراهيم بن حمزة [الزبيري] [ليس به بأس. التهذيب (١/ ٦٣)]: ثنا إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة الحارثي [الأنصاري]، عن أبيه، عن جدته - أم أبيه - تويلة بنت أسلم [وفي رواية: نائلة بنت أسلم]- وهي من المبايعات -؛ أنهن لبمقامهن يصلين في بني حارثة [صلاة الظهر]، فقال عباد بن بشر بن وقش [وفي رواية: بن قيظي]: إن رسول الله - ﷺ - قد استقبل البيت الحرام - أو: الكعبة -، قال: فتحوَّل الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال، فصلوا السجدتين الباقيتين نحو الكعبة.
أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦/ ٢٢٨/ ٣٤٦١)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٢٠٧/ ٥٣٠)، وعنه: أبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ١٩٣٠/ ٤٨٥٧) و(٦/ ٣٢٨٢/ ٧٥٤٨).
• وقال ابن الأثير في أسد الغابة (٣/ ١٤٧): وروى ابن منده بإسناده عن يعقوب بن محمد الزهري [ضعيف، التهذيب (٤/ ٤٤٧)، الميزان (٤/ ٤٥٤)]، عن إبراهيم بن جعفر بن
[ ١١ / ٢٣٩ ]
محمود بن محمد بن مسلمة: حدثنا أبي، عن جدته تويلة بنت أسلم بن عميرة، قالت: صلينا في بني حارثة الظهر أو العصر، فصلينا سجدتين إلى بيت المقدس، فجاء رجل فأخبرهم: "أن القبلة قد صُرفت إلى المسجد الحرام"، قالت: فتحوَّلنا، فتحول الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال.
وهذا إن صح إسناده إلى يعقوب؛ فهو متابع لإبراهيم بن حمزة الزبيري.
• ورواه إسحاق بن إدريس [الأسواري البصري: متروك، منكر الحديث، قال ابن معين: "كذاب، يضع الحديث". انظر: اللسان (٢/ ٤١)]: حدثنا إبراهيم بن جعفر: حدثني أبي، عن جدته - أم أبيه - نويلة بنت مسلم [وفي رواية بإسناد لا يصح: ثويلة بنت أسلم]، قالت: صلينا الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء، فصلينا ركعتين، ثم جاءنا من يحدثنا: "أن رسول الله - ﷺ - قد استقبل البيت الحرام"، فتحوَّل الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال، فصلينا السجدتين الباقيتين، ونحن مستقبلون البيت الحرام، فحدثني رجل من بني حارثة: أن رسول الله - ﷺ - قال: "أولئك رجال آمنوا بالغيب".
أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦/ ٢٠٠/ ٣٤٢٨)، وابن أبي حاتم في التفسير (١/ ٣٧/ ٧٣)، والطبراني في الكبير (٢٥/ ٤٣/ ٨٢)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦/ ٣٤٥٧/ ٧٨٦٤).
فهو حديث باطل بهذه الزيادة التي في آخره.
• وتابعه عليها من هو أسوأ منه حالًا: محمد بن الحسن [ابن زبالة، وهو: متروك، كذبه جماعة، وكان يسرق الحديث، التهذيب (٣/ ٥٤٠)]، عن إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، عن نويلة بنت أسلم، قالت: بينما نحن نصلي نحو بيت المقدس؛ إذ جاء رجل يقال له: عباد، فقال: إن رسول الله - ﷺ - قد صرف القبلة نحو المسجد الحرام، فتحوَّل الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال، فبلغ ذلك النبي - ﷺ -، قال: "أولئك قوم آمنوا بالغيب". أخرجه ابن بشكوال في الغوامض (٣/ ٢٢٥).
° وعلى هذا فإن العمدة في ذلك على ما رواه: إبراهيم بن حمزة الزبيري [ليس به بأس]، ويعقوب بن محمد الزهري [ضعيف]:
كلاهما عن إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة الحارثي الأنصاري، عن أبيه، عن جدته - أم أبيه - تويلة بنت أسلم - وهي من المبايعات -؛ أنهن لبمقامهن يصلين في بني حارثة، فقال عباد بن بشر بن وقش: "إن رسول الله - ﷺ - قد استقبل البيت الحرام" - أو: "الكعبة" -، قال: فتحوَّل الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال، فصلوا السجدتين الباقيتين نحو الكعبة.
وهذا إسناد مدني لا بأس به، جعفر بن محمود بن عبد الله بن محمد بن مسلمة الأنصاري: صدوق [التهذيب (١/ ٣١٢)]، وابنه إبراهيم: قال أبو حاتم: "صالح"، وذكره
[ ١١ / ٢٤٠ ]
ابن حبان في الثقات [التاريخ الكبير (١/ ٢٧٨)، الجرح والتعديل (٢/ ٩١)، الثقات (٦/ ٧)، تاريخ الإسلام (١٢/ ٤٨)، الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة (٢/ ١٦٧)].
• وأما ما رواه القاسم بن أبي شيبة: ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد [الزهري المدني: ثقة]: ثنا شريك [هو: ابن عبد الله النخعي، وهو: صدوق، سيئ الحفظ]، عن أبي بكر بن صخير [هو أبو بكر بن عبد الله بن أبي الجهم، واسم أبي الجهم صخير، وهو: ثقة. التهذيب (٤/ ٤٨٨)]، عن إبراهيم بن عباد الأنصاري [لم أقف له على ترجمة]، عن أبيه - وكان إمام بني حارثة على عهد النبي - ﷺ - - قال: بينما هو يصلي إذ سمع مناديًا ينادي: "ألا إن رسول الله - ﷺ - قد حوَّل الكعبة"، فاستداروا راكعين نحو القبلة. أخرجه ابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ١٨٩)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ١٩٣٠ - ١٩٣١/ ٤٨٥٨).
وهو حديث باطل؛ فقد تفرد به عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد المدني، الثقة المشهور، الذي روى عنه جماعات من الأئمة والثقات، تفرد به عنه دون بقية أصحابه الثقات: القاسم بن محمد بن أبي شيبة، وهو: ضعيف، له مناكير وأباطيل عن الثقات، وقد أنكر عليه ابن عدي حديثًا تفرد به عن يعقوب عن شريك، فقال: "وأبطل القاسم في ذلك، وليس الحديث عند يعقوب بن إبراهيم، والقاسم: ضعيف" [الجرح والتعديل (٢/ ٥٥٠) و(٧/ ١٢٠)، سؤالات البرذعي (٣٧١)، السُّنن الكبرى للنسائي (٢/ ٣٧٩/ ١٩٦٣)، ضعفاء النسائي (٥٢٠)، الكامل (٤/ ٢٠)، ضعفاء الدارقطني (٤٤١)، سنن البيهقي (٦/ ١٤٠)، تاريخ الإسلام (١٧/ ٢٩٨)، اللسان (٦/ ٣٨٢)].
٦ - حديث كعب بن مالك في بيعة العقبة، وفيه قصة البراء بن معرور:
روى ابن إسحاق، قال: فحدثني معبد بن كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين - أخو بني سلمة -؛ أن أخاه عبيد الله بن كعب - وكان من أعلم الأنصار - حدثه؛ أن أباه كعب بن مالك - وكان كعب ممن شهد العقبة، وبايع رسول الله - ﷺ - بها - قال: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين، وقد صلينا وفقهنا، ومعنا البراء بن معرور كبيرنا وسيدنا، فلما توجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة، قال البراء لنا: يا هؤلاء! إني قد رأيت والله رأيًا، وإني والله ما أدري توافقوني عليه أم لا؟ قال: قلنا له: وما ذاك؟ قال: قد رأيت أن لا أدع هذه البنية مني بظَهرٍ - يعني الكعبة - وأن أصلي إليها، قال: فقلنا: والله ما بلغنا أن نبينا - ﷺ - يصلي إلا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه، فقال: إني أصلي إليها، قال: فقلنا له: لكنا لا نفعل، فذكر الحديث، وأراد البراء أن يسأل رسول الله - ﷺ - عما صنع، وكانوا لا يعرفونه؛ إذ لم يروه من قبل، فسألوا عنه حتى عرفوه بعمه العباس، قال: فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس، ورسول الله - ﷺ - معه جالس فسلمنا، ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله - ﷺ - للعباس: "هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ "، قال: نعم؛ هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك، قال: فوالله ما أنسى قول رسول الله - ﷺ -: "الشاعر؟ " قال:
[ ١١ / ٢٤١ ]
نعم، قال: فقال البراء بن معرور: يا نبي الله! إني خرجت في سفري هذا، وهداني الله للإسلام، فرأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر، فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتى وقع في نفسي من ذلك شيء، فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: "لقد كنتَ على قبلةٍ لو صبرتَ عليها"، قال: فرجع البراء إلى قبلة رسول الله - ﷺ - فصلى معنا إلى الشام، قال: وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات، وليس ذلك كما قالوا، نحن أعلم به منهم، ثم اقتص الحديث بطوله في بيعة العقبة التي حضرها سبعون رجلًا وامرأتان.
أخرجه ابن خزيمة (١/ ٢٢٣/ ٤٢٩)، وابن حبان (١٥/ ٤٧١/ ٧٠١١)، والحاكم (٣/ ٤٤١)، وأحمد (٣/ ٤٦٠ - ٤٦٢) (٦/ ٣٣٨٠/ ١٦٠٤٠ - ط. المكنز)، وابنه عبد الله في فضائل الصحابة (٢/ ٩٢٣/ ١٧٦٧)، وابن هشام في السيرة النبوية (٢/ ٢٨٧)، والفاكهي في أخبار مكة (٤/ ٢٣٤/ ٢٥٤٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ٣٩٥/ ١٨٢١)، وابن جرير الطبري في التاريخ (١/ ٥٦١)، وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (١/ ٣٣٣/ ٢٦٤)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٨٧/ ١٧٤)، وابن منده في معرفة الصحابة (١/ ٢٨٧)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١/ ٣٨٣/ ١١٥٩) و(٤/ ٢١٢٤/ ٥٣٣١)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٤٤٤).
رواه عن ابن إسحاق به هكذا: إبراهيم بن سعد [ثقة حجة، وهو أثبت الناس في ابن إسحاق]، وزياد بن عبد الله البكائي [ثقة ثبت في مغازي ابن إسحاق، وفيما عدا المغازي فهو: ليس بالقوي]، ويونس بن بكير [كوفي صدوق]، وهؤلاء الثلاثة رووه عن ابن إسحاق به، فقالوا: عبيد الله بن كعب، المصغر.
بينما خالفهم: جرير بن حازم [بصري ثقة، يهم على ابن إسحاق قليلًا]، ويحيى بن سعيد الأموي [ثقة]، وسلمة بن الفضل الأبرش [ثبت في ابن إسحاق، وفي غيره يخطئ ويخالف، وعنده غرائب ومناكير. التهذيب (٢/ ٧٦)]، فقالوا: عبد الله، هكذا مكبرًا، وكلاهما المصغر والمكبر: ثقة.
وقول من قال: "عبيد الله بن كعب" المصغر: أولى بالصواب، ففيهم أثبت الناس في ابن إسحاق.
تنبيه: وقع في إسناد ابن خزيمة سقط، حيث سقط ذكر عبيد الله بن كعب من الإسناد، ولعل ذلك من شيخ ابن خزيمة محمد بن عيسى الدامغاني [نزيل الري، روى عنه جماعة منهم: النسائي، وأبو حاتم، وابن خزيمة، وابن جرير، وقال عنه أبو حاتم: "يكتب حديثه"، التهذيب (٣/ ٦٦٨)، وقال في التقريب (٥٥٧): "مقبول"]، وقد رواه بإثباته كالجماعة: عمار بن الحسن الهمداني [ثقة] [عند ابن حبان]، ومحمد بن حميد [حافظ ضعيف، كثير المناكير] [عند الطبري]، كلاهما عن سلمة بن الفضل به؛ إلا أنه قال: عبد الله مكبرًا.
والحاصل: فإن هذا إسناد مدني صحيح، رجاله كلهم ثقات، ومعبد بن كعب بن
[ ١١ / ٢٤٢ ]
مالك: قال أحمد: "آل كعب بن مالك كلهم ثقات، كل من روى عنه الحديث"، وقال العجلي: "مدني تابعي ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه جماعة من الثقات، وأخرج له البخاري ومسلم في صحيحيهما، وروى له مالك في الموطأ، فهو: ثقة [مسائل ابن هانئ (٢١٥٢)، معرفة الثقات (١٧٥٣)، شرح علل الترمذي (٢/ ٨٧٦)، التهذيب (٤/ ١١٥)]، وهو حديث صحيح، لا أعلم له علة، صححه ابن خزيمة وابن حبان.
قال أبو القاسم البغوي: "وبلغني أن البراء بن معرور توفي قبل قدوم النبي - ﷺ - بنحو من شهر، فلما قدم النبي - ﷺ - المدينة صلى عليه، وليس للبراء بن معرور مسند"، وقال نحوه ابن حبان، وزاد: "وأوصى أن يُوجَّه في حفرته نحو الكعبة ففُعِل به ذلك".
قلت: وفي هذا الحديث دليل صريح على أن النبي - ﷺ - كان يستقبل بيت المقدس بمكة قبل الهجرة، وبهذا ترجم ابن خزيمة لهذا الحديث في صحيحه، والله أعلم.
* ومما لا يصح في الباب:
٧ - حديث معاذ بن جبل:
قال: أُحِيلَتِ الصلاةُ ثلاثة أحوالٍ، وَأُحِيلَ الصيامُ ثلاثة أحوالٍ.
فأما أحوالُ الصلاة: فإن النبي - ﷺ - قدم المدينةَ وهو يصلي سبعةَ عشرَ شهرًا إلي بيت المقدس، ثم إن الله أنزل عليه ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ قال: فوجَّهه الله إلى مكة.
قال: فهذا حولٌ ، وذكر الحديث بطوله.
تقدم برقم (٥٠٧)، وهو حديث ضعيف، والصحيح: مرسل.
• وقد روي موضع الشاهد منه من وجه آخر:
قال الطبراني: حدثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم: ثنا محمد بن إسماعيل بن عياش: ثنا أبي، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل قال: "صلى رسول الله - ﷺ - بعد أن قدم المدينة إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، ثم أنزل الله آيةً أمره فيها بالتحول إلى الكعبة، فقال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية.
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ١١١/ ٢٢٠)، وفي مسند الشاميين (٢/ ٤٣٧/ ١٦٥٣).
قلت: مالك بن يخامر سمع معاذًا [انظر: صحيح البخاري (٣٦٤١ و٧٤٦٠)]، وشريح بن عبيد: حمصي تابعي ثقة، وضمضم بن زرعة الحمصي: قال ابن معين: "ثقة"، وقال أبو حاتم: "ضعيف"، وقال صاحب تاريخ الحمصيين: "ليس به بأس"، وذكره ابن حبان في الثقات، ونقل ابن خلفون عن ابن نمير توثيقه [تاريخ دمشق (٢٤/ ٤١٥)، إكمال مغلطاي (٧/ ٤٠)، التهذيب (٢/ ٢٣٠)]، ورواية إسماعيل عن أهل الشام مستقيمة، لكن الشأن في ابنه، فإن محمد بن إسماعيل بن عياش: تكلموا فيه وفي روايته عن أبيه، فقال
[ ١١ / ٢٤٣ ]
أبو حاتم: "لم يسمع من أبيه شيئًا، حملوه على أن يحدث عنه فحدث"، وقال أبو زرعة الرازي: "كان لا يدري أمر الحديث"، وقال أبو داود: "لم يكن بذاك، قد رأيته، ودخلت حمص غير مرة وهو حي، وسألت عمرو بن عثمان عنه فدفعه" [الجرح والتعديل (٧/ ١٩٠)، علل الحديث (٢/ ٣٧٤)، سؤالات الآجري (٥/ ق ٢٣)، التهذيب (٣/ ٥١٤)]، وشيخ الطبراني: عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن زبريق الزبيدي الحمصي: لم أر من ترجم له، ولا حتى في تاريخ دمشق، وهو شيخ للطبراني، أكثر عنه في مصنفاته.
وعليه: فهو إسناد شامي لا يثبت مثله.
٨ - حديث أبي سعيد بن المعلى [عند: البخاري في الكنى (٣٣)، والنسائي في المجتبى (٢/ ٥٥/ ٧٣٢)، وفي الكبرى (١/ ٤٠١ - ٤٠٢/ ٨١٣) و(١٠/ ١٧/ ١٠٩٣٧)، وأبي عبيد القاسم بن سلام في الناسخ (١٩)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ٣٨٢/ ١٤٢٣)، والطحاوي في أحكام القرآن (٢٤٨ و٢٤٩)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٠٣/ ٧٧٠)] [وفي إسناده: مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى، وهو: ضعيف].
٩ - حديث عمرو بن عوف المزني [عند: البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٣٠٧)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٢٤٢)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ٣٨٣/ ١٤٢٥)، والبزار (٨/ ٣٢٣ - ٣٢٤/ ٣٣٩٩)، والطبراني في الكبير (١٧/ ١٨/ ١٧)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٥٩)] [وفي إسناده: كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، وهو: متروك].
١٠ - حديث عمارة بن أوس الأنصاري [عند: ابن سعد في الطبقات (١/ ٢٤٣)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٩٥/ ٣٣٧٤)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ٣٩٨/ ١٤٢٤ - السفر الثاني)، وأبي يعلى في المسند (٣/ ٧٩/ ١٥٠٩)، وفي المفاريد (٢١)، والطحاوي في أحكام القرآن (٢٥٠)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٢٤٧)، وأبي نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ٢٠٧٩/ ٥٢٢٩)] [وفي إسناده: قيس بن الربيع، وهو: ليس بالقوي، ضعفه غير واحد، وابتلي بابنٍ له كان يدخل عليه ما ليس من حديثه فيحدث به، وخالفه فيه: أبو مالك النخعي عبد الملك بن حسين، وهو: متروك، منكر الحديث، فجعله من مسند عمارة بن رؤيبة. أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ٢٠٧٨/ ٥٢٢٧)].
١١ - حديث سعد بن أبي وقاص [عند: ابن عدي في الكامل (١/ ١٩١)، وأبي بكر الإسماعيلي في معجم شيوخه (٣/ ٧٩٧)، والبيهقي في السُّنن (٢/ ٣)، وفي الدلائل (٢/ ٥٧٤)] [ضعفه ابن عدي والبيهقي، وهو منكر بوصله، إنما هو من مراسيل سعيد بن المسيب، وقد تفرد بوصله فقال فيه: عن سعد: أحمد بن عبد الجبار العطاردي، وهو: ضعيف، والمعروف: ما رواه الثقات الحفاظ؛ مالك بن أنس، وحماد بن زيد، وسفيان الثوري، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وعبد الوارث بن سعيد، ويزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب مرسلًا، وقال الدارقطني في العلل (٤/ ٣٦٥/ ٦٣١):) والمرسل أصح"، وسيأتي ذكر من أخرجه في المراسيل].
[ ١١ / ٢٤٤ ]
° وانظر في المراسيل: موطأ مالك (١/ ٢٧١/ ٥٢٥)، الرسالة (١٧ - أم)، السُّنن المأثورة (٣٥)، مسند الشافعي (٢٣٤)، طبقات ابن سعد (١/ ٢٤٢)، تاريخ خليفة بن خياط (٦٤)، التاريخ الكبير لابن أبي خيثمة (١/ ٣٨١/ ١٤١٨)، تعظيم قدر الصلاة لابن نصر (٣٤٢)، تفسير ابن جرير الطبري (١/ ٥٠٢) و(٢/ ٣ و٤)، معرفة السُّنن والآثار (١/ ٤٨٢/ ٦٥٦)، دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٥٧٣).
* وأما الأحاديث المتعلقة بترجمة الباب فيمن صلى إلى غير القبلة ثم تبين خطأه:
١ - حديث عامر بن ربيعة:
يرويه أبو الربيع أشعث بن سعيد السمان [وعنه: أبو نعيم الفضل بن دكين، ووكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون، وأبو داود الطيالسي، وأبو أحمد الزبيري، وسعيد بن سليمان الواسطي، وشيبان بن فروخ، وهم ثقات]، وعمر بن قيس [سندل: متروك، ولا يصح من حديثه]:
عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في ليلة سوداء مظلمة، فنزلنا منزلًا، فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدًا يصلي فيه، فلما أصبحنا إذا نحن قد صلينا على غير القبلة، فقلنا: يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة، فأنزل الله - ﷿ -: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾. وفي رواية: فذكرنا ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال: "مضت صلاتكم"، ونزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
أخرجه الترمذي (٣٤٥ و٢٩٥٧)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧/ ٣٢٢)، وابن ماجه (١٠٢٠)، والطيالسي (٢/ ٤٦٢/ ١٢٤١)، وعبد بن حميد (٣١٦)، والبزار (٩/ ٢٦٩/ ٣٨١٢)، وابن جرير الطبري في التفسير (١/ ٥٠٣)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٣١) (١/ ١٤٠/ ٨٩ - ط. السرساوي)، وابن أبي حاتم في التفسير (١/ ٢١١/ ١١٢٠)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٤٥/ ٤٦٠)، والدارقطني (١/ ٢٧٢)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٧٩)، والبيهقي (٢/ ١١)، والواحدي في أسباب النزول (٤٥)، وابن الجوزي في التحقيق (٣٩١).
قال الترمذي في الموضع الأول: "هذا حديث ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث بن سعيد أبو الربيع السمان: يضعَّف في الحديث".
وقال في الموضع الثاني: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان أبي الربيع عن عاصم بن عبيد الله، وأشعث: يضعَّف في الحديث".
وقال الطوسي: "هذا حديث لا نعرفه إلا من طريق أشعث السمان، وهو أشعث بن سعيد أبو الربيع السمان".
وأخرجه العقيلي في ترجمة أبي الربيع السمان مع حديث آخر، ثم قال: "وله غير حديث من هذا النحو، لا يُتابع على شيء منها"، وقال أيضًا: "ليس يُروى متنُه من وجهٍ يثبت".
[ ١١ / ٢٤٥ ]
وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عاصم بن عبيد الله إلا أبو الربيع السمان".
قلت: هكذا جزم الأئمة بتفرد أبي الربيع السمان به، وعلى هذا فإن زيادة عمر بن قيس [سندل] في إسناد مسند الطيالسي قد يكون وهمًا من يونس بن حبيب راوي المسند نفسه [وهو: ثقة، وقد رواه من طريقه هكذا بالزيادة: البيهقي]، وقد رواه عن الطيالسي بدونها: يحيى بن حكيم المقوم [ثقة حافظ] [عند ابن ماجه والبزار]، وأبو يوسف يعقوب بن إسماعيل بن حماد بن زيد [ثقة. التعجيل (١١٩٦)] [عند الدارقطني].
كذلك فقد تحرف اسم أشعث بن سعيد عند عبد بن حميد إلى سعد بن سعيد، فأوهم المتابعة، وليس ذلك إلا تحريفًا، وفي المطبوع من المنتخب: أخبرنا يزيد بن هارون: أنا سعد بن سعيد، والحديث يرويه يزيد بن هارون عن أشعث بن سعيد، وليس عن سعد [كما عند الدارقطني]، والله أعلم.
والحاصل: فإن هذا الحديث قد تفرد به أبو الربيع أشعث بن سعيد السمان، عن عاصم بن عبيد الله به، كما جزم بذلك الأئمة.
وقال ابن حزم في المحلى (٣/ ٢٣١) بأنه حديث لا يصح؛ لأنه لم يروه إلا عاصم بن عبيد الله، وهو ساقط.
وقال ابن القطان في بيان الوهم (٣/ ٣٥٨/ ١١٠٤): "وموضع العلة منه: عاصم بن عبيد الله؛ فإنه مضطرب الحديث، تُنكر عليه أحاديث، وأشعث السمان: سيئ الحفظ، يروي المنكرات عن الثقات، وقال فيه عمرو بن علي: متروك".
وضعفه النووي في المجموع (٣/ ٢١٥).
قلت: هو حديث منكر؛ حيث تفرد به: عاصم بن عبيد الله العمري، وهو: منكر الحديث [التهذيب (٢/ ٢٥٤)، الميزان (٢/ ٣٥٣)، تقدم له حديث منكر برقم (٧٧٤)].
والمتفرد به عنه: أبو الربيع السمان: متروك، قال هشيم: "كان يكذب"، وقال العقيلي بعد أن ساق في ترجمته حديثين هذا أحدهما: "وله غير حديث من هذا النحو، لا يُتابع على شيء منها" [التهذيب (١/ ١٧٨)، الميزان (١/ ٢٦٣)].
° وله وجه آخر من الإعلال:
قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٧٥/ ٢٠٢) (٢/ ٤٣/ ٢٠٢ - ط. سعد الحميد): "سألت أبي عن حديث ابن عمر عن النبي - ﷺ -؛ "أنه كان يصلي على راحلته تطوعًا"، فقال: فيها نزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾؟، وحديث أبي الربيع السمان الذي رواه عن عامر بن ربيعة: كنا مع رسول الله - ﷺ - في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة؟ قال: إن حديث ابن عمر: أصح من حديث أبي الربيع السمان".
قلت: أعله أبو حاتم بما صح في سبب نزول هذه الآية، وصنيع الترمذي يدل على ذلك أيضًا؛ فإنه بعد أن أخرج حديث عامر بن ربيعة وضعفه، أتبعه بحديث ابن عمر وصححه:
[ ١١ / ٢٤٦ ]
• فقد روى يحيى بن سعيد القطان، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وعبد الله بن نمير، ويزيد بن هارون، وعبد الله بن إدريس، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وعبدة بن سليمان، ومحمد بن فضيل، وعيسى بن يونس، ومحمد بن عبيد الطنافسي، وحفص بن غياث، وحكام بن سلم الرازي [وهم: ثلاثة عشر رجلًا من الثقات، بعضهم من كبار الحفاظ]:
عن عبد الملك بن أبي سليمان، قال: حدثنا سعيد بن جبير، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله - ﷺ - يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، وفي رواية: ثم تلا ابن عمر: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، وقال: في هذا نزلت.
أخرجه مسلم (٧٠٠/ ٣٣ و٣٤)، وأبو عوانة (٢/ ٧٣/ ٢٣٦١)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٢٩٠/ ١٥٧٠)، والترمذي (٢٩٥٨)، وقال: "حسن صحيح"، والنسائي في المجتبى (١/ ٢٤٤/ ٤٩١)، وفي الكبرى (١٠/ ١٥/ ١٠٩٣٠)، وابن خزيمة (٢/ ٢٥٢/ ١٢٦٧) و(٢/ ٢٥٣/ ١٢٦٩)، والحاكم (٢/ ٢٦٦) [ووهم في استدراكه]، وأحمد (٢/ ٢٠ و٤١)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٣٧/ ٨٥١٣) (٥/ ٤٩٤/ ٨٦٠٠ - ط. عوامة)، وابن نصر المروزي في السُّنَّة (٣٧٧)، وأبو يعلى (١٠/ ١٧/ ٥٦٤٧)، وابن جرير الطبري في التفسير (١/ ٥٠٣)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٠٣٧ - ٢٠٤٠ و٢٠٨٥)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٤٨/ ٢٨٠٢)، والطحاوي في أحكام القرآن (٢٥٣)، وابن أبي حاتم في التفسير (١/ ٢١٢/ ١١٢١)، وأبو جعفر النحاس في الناسخ (٣١)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٨٦/ ١٣٧٢٥)، والدارقطني (١/ ٢٧١)، والبيهقي في السُّنن (٢/ ٤ و١٢)، وفي المعرفة (١/ ٤٨٥/ ٦٥٩)، والواحدي في أسباب النزول (٤٦).
٢ - حديث جابر بن عبد الله:
يرويه داود بن عمرو الضبي [ثقة]: ثنا محمد بن يزيد الواسطي [الكلاعي: ثقة ثبت]، عن محمد بن سالم، عن عطاء، عن جابر، قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في مسير أو سرية، فأصابنا غيمٌ، فتحرينا واختلفنا في القبلة، فصلى كل رجل منا على حدة، فجعل أحدنا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا، فلما أصبحنا نظرناه فإذا نحن قد صلينا على غير القبلة، فذكرنا ذلك للنبي - ﷺ - فقال: "قد أجزأت صلاتكم".
أخرجه الحارث بن أبي أسامة (١٣٦ - بغية الباحث) (٢/ ٢٥٨/ ١٦٣٩ - إتحاف الخيرة) (٣/ ٣٤٢/ ٣١٧ - مطالب)، والدارقطني (١/ ٢٧١)، والحاكم (١/ ٢٠٦)، والبيهقي (٢/ ١٠).
قال الحاكم: "هذا حديث محتج برواته كلهم؛ غير محمد بن سالم فإني لا أعرفه بعدالة ولا بجرح، وقد تأملت كتاب الشيخين فلم يخرجا في هذا الباب شيئًا".
فتعقبه الذهبي فقال في التلخيص: "هو أبو سهل: واهٍ"، وقال ابن حجر في الإتحاف (٣/ ٢٦٥/ ٢٩٧٤): "هو معروف بالضعف".
[ ١١ / ٢٤٧ ]
وخالف الحاكمَ الدارقطني والبيهقي:
قال الدارقطني في السنن: "كذا قال: عن محمد بن سالم، وقال غيره: عن محمد بن يزيد عن محمد بن عبيد الله العرزمي عن عطاء، وهما ضعيفان".
وقال في العلل (١٣/ ٣٨٤/ ٣٢٧٦): "رواه داود بن عمرو، عن محمد بن يزيد، عن محمد بن سالم، عن عطاء، عن جابر، وغيره يرويه عن محمد بن يزيد، عن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن عطاء، عن جابر، وكلاهما ضعيفان".
وقال البيهقي: "تفرد به: محمد بن سالم ومحمد بن عبيد الله العرزمي عن عطاء، وهما ضعيفان".
وبهما أيضًا أعل ابنُ القطان الحديثَ في بيان الوهم (٣/ ٣٦٠/ ١١٠٥).
قلت: محمد بن سالم الهمداني أبو سهل الكوفي: متروك، منكر الحديث [التهذيب (٣/ ٥٦٨)].
• ورواه موسى بن مروان الرقي: ثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن محمد بن عبيد الله، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، فذكره بمعناه.
أخرجه البيهقي (٢/ ١٠).
وموسى بن مروان البغدادي، سكن الرقة: ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه أبو حاتم وأبو داود وجماعة من الأئمة والثقات [التهذيب (٤/ ١٨٧)، الجرح والتعديل (٨/ ١٦٤ و١٦٥)، تاريخ بغداد (١٣/ ٤١)، تاريخ دمشق (٦١/ ٢٠٩)].
ومحمد بن عبيد الله العرزمي: متروك.
• ورواه الحارث بن نبهان [متروك، منكر الحديث. التهذيب (١/ ٣٣٨)، الميزان (١/ ٤٤٤)]، عن محمد بن عبيد الله، عن عطاء بن أبي رباحٍ، عن جابر بن عبد الله - ﵄ -، قال: صلينا ليلةً في غيم، وخفيت علينا القبلة، وعلمنا علمًا، فلما انصرفنا نظرنا فإذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة، فذكرنا ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال: "قد أحسنتم"، ولم يأمرنا أن نعيد.
أخرجه ابن وهب في الجامع (٤٥٣)، ومن طريقه: البيهقي (٢/ ١١).
وانظر أيضًا: سنن سعيد بن منصور (٢/ ٦٠١/ ٢١٠)، مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٢٩٥/ ٣٣٨٢ و٣٣٨٤)، المعرفة والتاريخ (٣/ ٢٨).
قلت: وهذان الطريقان لا يقوي أحدهما الآخر؛ فإن راوييه عن عطاء كلاهما: متروك.
• ورواه أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري، قال: وجدت في كتاب أبي: ثنا عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله - ﵄ -، قال: بعث رسول الله - ﷺ - سريةً كنت فيها، فأصابتنا ظلمةٌ فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منها: القبلة ها هنا قبَلَ الشمال، فصلوا وخطوا خطًا، وقال بعضهم: القبلة ها هنا قبَلَ الجنوب، وخطوا خطًا، فلما أصبحنا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فقدمنا من سفرنا، فأتينا النبي - ﷺ -، فسألناه عن ذلك، فسكت، وأنزل الله - ﷿ -: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾؛ أي: حيث كنتم.
[ ١١ / ٢٤٨ ]
أخرجه الدارقطني (١/ ٢٧١)، والبيهقي (٢/ ١١)، والواحدي في أسباب النزول (٤٤)، وفي تفسيره الوسيط (١/ ١٩٥).
قال البيهقي في السُّنن (٢/ ١٢): "ولم نعلم لهذا الحديث إسنادًا صحيحًا قويًا؛ وذلك لأن عاصم بن عبيد الله بن عمر العمري، ومحمد بن عبيد الله العرزمي، ومحمد بن سالم الكوفي: كلهم ضعفاء، والطريق إلى عبد الملك العرزمي غير واضح لما فيه من الوجادة وغيرها، وفي حديثه أيضًا نزول الآية في [غير] ذلك، وقد صح عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب؛ أن الآية إنما نزلت في التطوع خاصة، حيث توجه بك بعيرك" [انظر: تهذيب السُّنن للذهبي (١/ ٤٦٤)].
وقال في الخلافيات (٢/ ٢٤ - مختصره): "وهذا ليس بالقوي لما فيه من الوجادة، والصحيح بهذا الإسناد: عن عبد الملك عن سعيد بن جبير عن ابن عمر - ﵄ -؛ أن هذه الآية إنما أنزلت في التطوع خاصة".
وقال في المعرفة (١/ ٤٨٥): "حديث ضعيف، لم يثبت فيه إسناد".
وقال ابن حزم في المحلى (٣/ ٢٣١) بأنه حديث لا يصح؛ لأنه لم يروه إلا عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، وهو ساقط، وأخطأ في تضعيف عبد الملك، بل هو ثقة.
وقال ابن القطان في بيان الوهم (٣/ ٣٥٩/ ١١٠٥): "علته الانقطاع فيما بين أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري وأبيه، والجهل بحال أحمد المذكور، وما مُسَّ به أيضًا عبيد الله بن الحسن العنبري من المذهب، على ما ذكر ابن أبي خيثمة وغيره".
وضعفه النووي في المجموع (٣/ ٢١٥).
قلت: أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري: روى عنه جماعة من الثقات، لكنه مجهول الحال، بل قد وجدت له أوهامًا [علل الدارقطني (١٣/ ٢٨/ ٢٩١٩)، الثقات (٨/ ٣١)، بيان الوهم (٣/ ٣٥٩/ ١١٠٥)، اللسان (١/ ٥٣٣)، التعجيل (١٣٢١)، ذيل الميزان (١١٠)].
ولا تحتمل الوجادة من مثله؛ لأنا لا نعلم هل كان كتاب أبيه مصونًا عن الزيادة والنقصان، أم لا؟ وهل كان كتاب أبيه صحيحًا مقبولًا عند الأئمة؟ ولم أجد شيئًا يدل على ذلك، ولأنه لم يصرح بأنه بخط أبيه، فقد يكون أدخل فيه ما ليس من حديثه، ولأن الوجادة يدخلها من التصحيف والتحريف ما لا يدخل على السماع والعرض.
ثم هو غريب من حديث عبد الملك بن أبي سليمان، والمحفوظ عنه في ذلك:
• ما رواه يحيى بن سعيد القطان، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وعبد الله بن نمير، ويزيد بن هارون، وعبد الله بن إدريس، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وعبدة بن سليمان، ومحمد بن فضيل، وعيسى بن يونس، ومحمد بن عبيد الطنافسي، وحفص بن غياث، وحكام بن سلم الرازي [وهم: ثلاثة عشر رجلًا من الثقات، بعضهم من كبار الحفاظ]:
عن عبد الملك بن أبي سليمان، قال: حدثنا سعيد بن جبير، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله - ﷺ - يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه،
[ ١١ / ٢٤٩ ]
قال: وفيه نزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، وفي رواية: ثم تلا ابن عمر: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، وقال: في هذا نزلت.
أخرجه مسلم (٧٠٠/ ٣٣ و٣٤)، وتقدم ذكره قبل حديث جابر هذا.
قال البيهقي في المعرفة (١/ ٤٨٥): "وهو أصح ما روي في نزول هذه الآية".
٣ - حديث معاذ بن جبل:
روى أحمد بن محمد بن رشدين المصري: ثنا هشام بن سلام البصري: ثنا أبو داود الطيالسي: ثنا إسماعيل بن عبد الله السكوني أبو إبراهيم، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن أبيه، عن معاذ بن جبل، قال: صلينا مع رسول الله - ﷺ - في يوم غيم إلى غير القبلة، فلما قضى الصلاة وسلم، تجلت الشمس، فقلنا: يا رسول الله! صلينا إلى غير القبلة! قال: "قد رفعت صلاتكم بحقها على الله - ﷿ - ".
أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٨٥/ ٢٤٦)، وفي مسند الشاميين (٥١).
وعلقه ابن منده في الكنى (١٣٣)، ثم قال: "قال أبو داود الطيالسي: هذا حديث منكر".
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن إبراهيم بن أبي عبلة إلا إسماعيل بن عبد الله، ولا عن إسماعيل إلا أبو داود، تفرد به هشام بن سلام".
قلت: وهذا حديث باطل؛ أبو عبلة شمر بن يقظان [الجرح والتعديل (٤/ ٣٧٥)، الثقات (٤/ ٣٦٧)]، وإسماعيل بن عبد الله السكوني أبو إبراهيم [فتح الباب (١٣٣)، وليس هو ابن خالد الرقي السكري، ولا ابن زرارة الرقي؛ فإنه أقدم منهما]، وهشام بن سلام البصري: كلهم مجاهيل، وفي تفرد الأخير عن الطيالسي نكارة ظاهرة، وشيخ الطبراني: أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين بن سعد: ضعيف، واتهم [انظر: اللسان (١/ ٥٩٤)].
° وفي عدم إيراد أبي داود لشيء من هذه الأحاديث في هذا الباب دليل على ضعفها عنده، إذ لو صح عنده منها شيء لاحتج به، لكنه أعرض عنها جميعًا، واستعاض عنها بما صح من حديث أنس في تحويل القبلة، إذ هو كافٍ في الاستدلال به على المراد.
وكذلك فعل النسائي؛ فإنه ترجم لذلك بقوله: "باب استبانة الخطأ بعد الاجتهاد"، ثم أخرج تحته حديث ابن عمر في تحويل القبلة المتفق عليه، والذي تقدم معنا في الشواهد، ولم يورد شيئًا من هذه الأحاديث.
° وقبل أن أشرع في ذكر شيء من فقه حديث الباب، أنبه على أن حديث: "ما بين المشرق والمغرب قبلة": لا يصح رفعه، إنما يصح موقوفًا على عمر بن الخطاب.
وقد سبق أن خرجته في مسائل الفقه (٤/ ٢٢٦)، وقد روي مرفوعًا من حديث أبي هريرة، وابن عمر، وعائشة، وابن عباس:
• وأقوى إسناد للمرفوع:
ما رواه عبد الله بن جعفر المخرمي، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
[ ١١ / ٢٥٠ ]
أخرجه الترمذي (٣٤٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٤١/ ٧٤٤٠)، وحرب الكرماني في مسائله (١١٦٠)، والبزار (١٥/ ١٥٣/ ٨٤٨٥)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢٤١/ ٧٩٠) و(٩/ ٦٧/ ٩١٤٠)، وابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٥٩)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٣٢٧/ ٤٤٦).
قال البخاري: "وحديث عبد الله بن جعفر المخرمي، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة: أقوى وأصح من حديث أبي معشر" [جامع الترمذي (٣٤٣)].
وقد احتج بعضهم بتقوية البخاري لحديث الأخنسي هذا، وكلام البخاري هنا لا يعدو عقد مقارنة بين إسنادين أحدهما أقوى من الآخر، ولا يلزم من ذلك صحة واحد منهما عند البخاري نفسه؛ والا فلو كان البخاري مصححًا له لأخرجه في صحيحه لشدة حاجته إليه؛ فقد بوَّب في صحيحه، في كتاب الصلاة، (٢٩) باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق، ثم قال البخاري: "ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة، لقول النبي - ﷺ -: "لا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا"، ثم أسند حديث أبي أيوب (٣٩٤)، ومراد البخاري من قوله: "ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة": يعني: لأهل المدينة والشام [انظر: الفتح لابن رجب (٢/ ٢٨٩)، الفتح لابن حجر (١/ ٥٩٤)].
ومع ذلك فإن الترمذي قد اعتمد كلام البخاري هذا في تصحيح الحديث، فقال: "هذا حديث حسن صحيح"، فأخطأ في ذلك.
وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عثمان بن محمد إلا عبد الله بن جعفر".
قلت: عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن المخرمي: صدوق، وإنما التبعة فيه على الأخنسي.
قال أبو داود في مسائله لأحمد (١٩٠٤): "سمعت أحمد يقول: يروى عن النبي - ﷺ -، قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة"، وليس له إسناد.
يعني: حديث عبد الله بن جعفر المخرمي - من ولد مسور بن مخرمة -، عن عثمان الأخنسي، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -.
يريد بقوله: ليس له إسناد؛ لحال عثمان الأخنسي؛ لأن في حديثه نكارة".
قلت: يعني: ليس له إسناد يحتج به في الأحكام، وأين الأخنسي من أصحاب سعيد المقبري، مثل: الليث بن سعد، وابن أبي ذئب، ومالك بن أنس، وعبيد اللّه بن عمر، وابن عجلان، وإسماعيل بن أمية، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وداود بن قيس الفراء، وعبد الحميد بن جعفر، وغيرهم كثير، كيف يتفرد الأخنسي عن هؤلاء بهذا الحديث الذي هو كالمثل السائر، والعلم الشامخ في مسألة من أهم مسائل شروط الصلاة، وهي استقبال عين القبلة أو جهتها؛ فإن عثمان بن محمد بن المغيرة الأخنسي: وإن وثقه ابن معين، فقد قال ابن المديني: "وروى عثمان هذا أحاديث مناكير عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة"، والبخاري أيضًا وإن وثقه، فقد قال: "وكنت أظن أن عثمان لم يسمع من سعيد المقبري"، ولم يذكر له سماعًا من المقبري في ترجمته من التاريخ الكبير، بل لم أقف له على سماع فيما وقفت عليه من حديثه عن المقبري، مع قلته ونكارة بعضه، وقد قال
[ ١١ / ٢٥١ ]
النسائي بعد أن روى له حديثًا عن المقبري عن أبي هريرة غير هذا، قال: "ليس بذاك القوي"، مستنكرًا بذلك روايته تلك، وقال أبو داود مفسرًا كلام أحمد: "في حديثه نكارة"، وقال ابن حبان في الثقات: "يعتبر حديثه من غير رواية المخرمي عنه؛ لأن المخرمي ليس بشيء في الحديث"، قلت: المخرمي صدوق، وإنما الحمل في هذه الأحاديث التي يرويها على الأخنسي نفسه، وكلام ابن حبان هذا فيه دليل على استنكار أحاديث المخرمي عن الأخنسي، وبهذا يظهر أن الذين جرحوا الأخنسي قد فسروا سبب جرحهم، فيقدم جرحهم المفسر حينئذ على توثيق من وثقه، والله أعلم أعلل ابن المديني (٧٣)، التاريخ الكبير (٦/ ٢٤٩)، الجرح والتعديل (٦/ ١٦٦)، [علل الترمذي الكبير (٢٧٣)، السُّنن الكبرى للنسائي (٥/ ٣٩٨/ ٥٨٩٣)، الثقات (٧/ ٢٠٣). الميزان (٣/ ٥٢)، إكمال مغلطاي (٩/ ١٨٤)].
وعلى هذا فإن في تفرد عثمان الأخنسي عن المقبري بهذا الحديث نكارة ظاهرة، وقد وقفت على نقل آخر للإمام أحمد يؤكد تضعيفه لهذا الحديث، واحتجاجه في الباب بقول عمر بن الخطاب مصححًا إياه:
قال مهنأ: "قلت لأحمد: إنك تقول هذا الحديث عن النبي - ﷺ -: "ما بين المشرق والمغرب قبلة" ليس بالقوي؟ قال: نعم، قال: هو صحيح [عن عمر] " [شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي (٥/ ٤٩٧)، الفتح لابن رجب (٢/ ٢٩٠)]، ثم أسند حديث حماد بن مسعدة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة، إلا عند البيت [أخرجه حرب الكرماني في مسائله (١١٦٢)، هكذا موقوفًا على عمر، وأخرجه الفاكهي في أخبار مكة (١/ ١٨٦/ ٢٩١) موقوفًا على ابن عمر، لم يذكر فيه عمر، والمحفوظ فيه ذكر عمر، وبدون زيادة عند البيت، فقد رواه سفيان الثوري، ويحيى بن سعيد القطان، وزائدة بن قدامة، وأبو أسامة حماد بن أسامة، ووكيع بن الجراح: خمستهم وهم ثقات أثبات، رووه عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٤٥/ ٣٦٣٣ و٣٦٣٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٤٠ و١٤١/ ٧٤٣١ و٧٤٣٩)، والبيهقي (٢/ ٩)، وابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٥٩)].
وقد نقل الأثرم عن أحمد، أنه قيل له: "قبلة أهل بغداد على الجدي؟ فجعل ينكر أمر الجدي، فقال: أيشٍ الجدي؟ ولكن على حديث عمر: ما بين المشرق والمغرب قبلة" [الفتح لابن رجب (٢/ ٢٩٣)]، فلو كان عند أحمد فيه حديث مرفوع، ولو من وجهٍ ضعيفٍ محتمَلٍ غيرَ منكر، لما احتج بقول عمر وحده، والله أعلم.
* قال الترمذي في الجامع (٣٤٤): "وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي - ﷺ -: ما بين المشرق والمغرب قبلة، منهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وقال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك، والمشرق عن يسارك، فما بينهما قبلة، إذا استقبلت القبلة، وقال ابن المبارك: ما بين المشرق والمغرب قبلة، هذا لأهل المشرق، واختار عبد اللّه بن المبارك التياسر لأهل مرو".
[ ١١ / ٢٥٢ ]
قلت: قد صحح ذلك موقوفًا على: عمر بن الخطاب، وروي عن عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر، ولا يصح عنهم، وقال ابن تيمية وابن رجب بأنه لا يعرف عن صحابي خلاف ذلك [مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٠٩)، الفتح لابن رجب (٢/ ٢٩١)، [وقد تكلمت عن هذه الأحاديث والآثار في مسائل الفقه، كما ذكرت آنفًا] [وانظر مثلًا فيمن تكلم في الاستدلال على القبلة بالمشرق والمغرب، أو بالجدي والنجوم: الموافقات (٢/ ٩٠)، الفروق للقرافي (٢/ ٢٦٧) الفرق الخامس والتسعون، مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٠٧ - ٢١٦)، الفتح لابن رجب (٢/ ٢٨٩ - ٢٩٧)].
* ومن فقه حديث الباب:
قال الترمذي (٣٤٥) بعد حديث عامر بن ربيعة: "وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا، قالوا: إذا صلى في الغيم لغير القبلة، ثم استبان له بعد ما صلى أنه صلى لغير القبلة؛ فإن صلاته جائزة، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق" [وانظر مثلًا: مسائل أحمد لابنه عبد الله (٢٤٥ و٢٤٦)، مسائل الكوسج (٢٨٦ و٤٩٢)، مسائل حرب الكرماني (١/ ٥٣٦)، مسائل أبي داود (٣٢٢)].
قلت: يعني في السفر، وأما في الحضر فإنه يستدل على القبلة بسؤال الناس، وبالمحاريب في المساجد.
وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٥٤): "وأجمع العلماء أن القبلة التي أمر اللّه نبيه - ﷺ - وعباده بالتوجه نحوها في صلاتهم هي: الكعبة البيت الحرام بمكة، وأنه فرض على كل من شاهدها وعاينها استقبالها، وأنه إن ترك استقبالها وهو معاين لها أو عالم بجهتها فلا صلاة له، وعليه إعادة كل ما صلى كذلك، وأجمعوا على أنه من صلى إلى غير القبلة من غير اجتهاد حمله على ذلك أن صلاته غير مجزئة عنه، وعليه إعادتها إلى القبلة، كما لو صلى بغير طهارة، وفي هذا المعنى حكم من صلى في مسجد يمكنه طلب القبلة فيه بالمحراب وشبهه فلم يفعل وصلى إلى غيرها، وأجمعوا أن على كل من غاب عنها أن يستقبل ناحيتها وشطرها وتلقاءها، وعلى أن على من خفيت عليه ناحيتها الاستدلال عليها بكل ما يمكنه من النجوم والجبال والرياح وغير ذلك، مما يمكن أن يستدل به على ناحيتها، وفي حديث هذا الباب: دليل على أن من صلى إلى القبلة عند نفسه باجتهاده ثم بان له وهو في الصلاة أنه استدبر القبلة أو شرق أو غرب أنه ينحرف ويبني" [وأعاده في الاستذكار (٢/ ٤٥٥)].
ثم قال (١٧/ ٥٧): "النظر في هذا الباب يشهد: أن لا إعادة على من صلى إلى القبلة عند نفسه مجتهدًا؛ لخفاء ناحيتها عليه؛ لأنه قد عمل ما أمر به، وأدى ما افترض عليه، من اجتهاده بطلب الدليل على القبلة، حتى حسب أنه مستقبلها، ثم لما صلى بان له خطؤه، وقد كان العلماء مجمعين على أنه قد فعل ما أبيح له فعله، بل ما لزمه، ثم اختلفوا في إيجاب القضاء عليه إذا بان له أنه أخطأ القبلة، وايجاب الإعادة إيجاب فرض، والفرائض لا تثبت إلا بيقين لا مدفع له".
[ ١١ / ٢٥٣ ]