١٠٥٥ - . . . ابن وهب: أخبرني عمرو، عن عبيد الله بن أبي جعفر؛ أن محمد بن جعفر حدثه، عن عروة بن الزبير، عن عائشة - زوج النبي - ﷺ -، أنها قالت: كان الناسُ ينتابون الجمعةَ من منازلهم ومن العوالي.
حديث متفق على صحته
سبق تخريجه تحت الحديث رقم (٣٥٢)، وقد أخرجه البخاري (٩٠٢)، ومسلم (٨٤٧/ ٦).
ولفظه بتمامه عند مسلم، وبنحوه للبخاري: كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم من العوالي، فيأتون في العباء، ويصيبهم الغبار، فتخرج منهم الريح، فأتى رسولَ الله - ﷺ - إنسان منهم، وهو عندي، فقال رسول الله - ﷺ -: "لو أنكم تطهَّرتم ليومكم هذا".
وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: "من أين تؤتى الجمعة، وعلى مَن تجب؟ "؛ مشيرًا بذلك إلى أن هذا هو أصح ما في الباب، وما روي في هذا المعنى صريحًا فلا يصح منه شيء، وسيأتي بيان ذلك، والله أعلم.
***
١٠٥٦ - . . . قَبِيصة: حدثنا سفيان، عن محمد بن سعيد - يعني: الطائفي -، عن أبي سلمة بن نُبَيه، عن عبد اللّه بن هارون، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: "الجمعة على مَن سمع النداء".
قال أبو داود: روى هذا الحديث جماعةٌ عن سفيان، مقصورًا على عبد اللّه بن عمرو، ولم يرفعوه، وإنما أسنده قبيصة.
حديث ضعيف، رفعه شاذ، والصحيح: موقوف بإسناد مجهول
أخرجه أبو بكر المروزي في الجمعة (٦٩)، وابن عدي في الكامل (٦/ ١٤١)، والدارقطني (٢/ ٦)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٠٤)، والبيهقي (٣/ ١٧٣)، والخطيب في الموضح (١/ ٢٢)، وابن الجوزي في التحقيق (٧٨٣).
• رواه عن قبيصة بن عقبة: محمد بن يحيى بن فارس الذهلي [ثقة حافظ]، وحفص بن عمر بن الصباح الرقي، المعروف بسنجة ألف [قال عنه أبو أحمد الحاكم: "حدث بغير حديث لم يتابع عليه"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "ربما أخطأ"، وقال الخليلي: "وكان يحفظ، وينفرد برفع حديث"، وقال الدارقطني: "ثقة"، وقال الذهبي: "احتج به أبو عوانة، وهو صدوق في نفسه، وليس بمتقن". الثقات (٨/ ٢٠١)،
[ ١١ / ٣٠٢ ]
الإرشاد (٢/ ٤٧٣)، الإكمال (٤/ ٣٨٥)، علل الدارقطني (١١/ ٩٧)، تاريخ الإسلام (٢٠/ ٣٣٩)، السير (١٣/ ٤٠٥)، اللسان (٣/ ٢٣٦)]، وسفيان بن وكيع [ضعيف]، وحميد بن الربيع، وقال: "التأذين" [حميد بن الربيع بن حميد بن مالك بن سحيم، أبو الحسن اللخمي الخزاز الكوفي: ذاهب الحديث، وقد اختلف فيه، منهم من حسن القول فيه، مثل: أحمد بن حنبل، والدارقطني، ومنهم من وهاه، وهم الأكثر، مثل: ابن معين، قال: "كذاب خبيث، غير ثقة ولا مأمون"، والنسائي، قال: "ليس بشيء"، وابن عدي، قال: "يسرق الحديث ويرفع الموقوف"، والجرح المفسر مقدم على التعديل، لزيادة علم بحال المجروح لم يقف عليه المعدل. انظر: تاريخ بغداد (٨/ ١٦٢)، الميزان (١/ ٦١١)، اللسان (٣/ ٢٩٧)]. قال الدارقطني: "قال لنا ابن أبي داود: محمد بن سعيد هو الطائفي: ثقة، وهذه سُنَّة تفرد بها أهل الطائف".
وقد انفرد قبيصة بن عقبة برفع هذا الحديث عن سفيان الثوري.
ورواه أحمد بن حنبل [ثقة حافظ، إمام حجة]، ومحمد بن المثنى [ثقة ثبت]، وعمرو بن العباس الباهلي [صدوق]:
عن عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثني سفيان، عن محمد بن سعيد - قال: أظنه من أهل الطائف -، عن عبد الله بن هارون: سمعت عبد الله بن عمرو: الجمعة على من سمع النداء. موقوفًا.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٩٣)، وابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٢٨٤)، والخطيب في الموضح (١/ ٢٢).
قلت: هكذا رواه موقوفًا عن الثوري، ولم يذكر في الإسناد: أبا سلمة بن نبيه: عبد الرحمن بن مهدي، وهو: ثقة ثبت، حافظ إمام، من أثبت الناس في الثوري، وأعلمهم بحديثه، بينما قبيصة بن عقبة: ثقة، لكنه كثير الغلط في حديث الثوري؛ لأنه سمع منه وهو صغير، وكان ابن معين يضعف روايته عن الثوري [التهذيب (٣/ ٤٢٦)، الميزان (٣/ ٣٨٣)، شرح علل الترمذي (٢/ ٨١١)، الإرشاد للخليلي (٢/ ٥٧٢)، السُّنن الكبرى للنسائي (٣/ ٣٤٣/ ٣٢١٦)].
بل قال أبو داود: "روى هذا الحديث جماعةٌ عن سفيان، مقصورًا على عبد الله بن عمرو، ولم يرفعوه، وإنما أسنده قبيصة".
وهذا يعني: أن ابن مهدي لم ينفرد بوقفه، بل توبع على ذلك، وهو لو انفرد بذلك لقدِّمت روايته على رواية قبيصة، فهو أثبت بكثير من قبيصة في الثوري، فكيف وقد تابعه على وقفه جماعة، كما قال أبو داود.
ومن ثم فإن المحفوظ في هذا الحديث: رواية ابن مهدي، موقونًا على ابن عمرو، ورواية قبيصة شاذة
[ ١١ / ٣٠٣ ]
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "عبد الرحمن وقفه، وقال قبيصة: عن النبي - ﷺ -".
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (٢/ ١٠٢): "وروي موقوفًا، وهو الصحيح".
وقال ابن رجب في الفتح (٥/ ٤٠٥): "ورُوي موقوفًا، وهو أشبه".
قلت: محمد بن سعيد هو: الطائفي، أبو سعيد المؤذن: صدوق، وثقه ابن أبي داود والبيهقي، لكن ابن عدي أورد حديثه هذا في ترجمة محمد بن سعيد بن حسان بن قيس الأسدي الشامي؛ المصلوب في الزندقة، وهو: كذاب، يضع الحديث عمدًا، وقال بعده: "قال القاسم [يعني: ابن زكريا المطرز]: محمد بن سعيد هذا هو: ابن رمانة الطائفي"، فصار قولًا ثالثًا، والأول هو الصواب، وقد جزم به جماعة، والله أعلم.
وأبو سلمة بن نبيه: قال الذهبي: "نكرة"، وقال مرة: "لا يُعرف"، وقال ابن حجر: "مجهول" [الميزان (٤/ ٥٣٢)، المغني (٣/ ٤٧١)، التقريب (٩١٢)].
وعبد الله بن هارون: مجهول أيضًا، ولا يُعرف بغير هذا الحديث.
ولما حكم الإشبيلي بكون الموقوف هو الصحيح، وسكت عمن في إسناده من المجاهيل؛ تعقبه ابن القطان الفاسي في بيان الوهم (٣/ ٤٠٠/ ١١٤١) فقال بأن عبد الله بن هارون، وأبا سلمة بن نبيه: مجهولان، لا يُعرفان بغير هذا.
وقد ضعفه بذلك أيضًا ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٦٤٣).
° والحاصل: فإن الموقوف لا يصح أيضًا؛ لجهالة تابعيه، والله أعلم.
وروى محمد بن الفضل بن عطية، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ -، قال: "الجمعة على مَن كان بمدى الصوت"، قال داود بن رشيد: يعني: حيث يسمع الصوت.
أخرجه الدارقطني (٢/ ٦)، وابن أخي ميمي الدقاق في فوائده (٣٤٥).
وهذا إسناد ساقط بمرة، لا يحلُّ ذكره في المتابعات؛ فإن حجاج بن أرطاة: ليس بالقوي، ولم يذكر سماعًا، قال أبو نعيم الفضل بن دكين: "لم يسمع حجاج من عمرو بن شعيب إلا أربعة أحاديث، والباقي عن محمد بن عبيد الله العرزمي"، قال ابن رجب: "يعني: أنه يدلس بقية حديثه عن عمرو: عن العرزمي" [شرح العلل (٢/ ٨٥٥)]، قلت: والعرزمي: متروك.
بل هو حديث باطل؛ فإن محمد بن الفضل بن عطية: متروك الحديث، كذاب، روى أحاديث موضوعة [التهذيب (٣/ ٦٧٥)، الميزان (٤/ ٦)].
وروى هشام بن خالد [الأزرق الدمشقي: ثقة، لكن قال الذهبي في الميزان (٤/ ٢٩٨): "من ثقات الدماشقة؛ لكنه يروج عليه"]: نا الوليد، عن زهير بن محمد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله - ﷺ - قال: "إنما الجمعة على من سمع النداء".
[ ١١ / ٣٠٤ ]
أخرجه الدارقطني (٢/ ٦)، ومن طريقه: البيهقي (٣/ ١٧٣)، وابن الجوزي في التحقيق (٧٨٢).
وهذا إنما يُعرف عن عبد الله بن عمرو موقوفًا عليه قوله:
فقد رواه أبو عامر موسى بن عامر: ثنا الوليد بن مسلم: أخبرني زهير بن محمد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، قال: إنما تجب الجمعة على من سمع النداء، فمن سمعه فلم يأته فقد عصى ربه.
علقه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٦/ ١٧٦١)، ووصله البيهقي (٣/ ١٧٣ - ١٧٤).
قلت: وهذا الموقوف أشبه بالصواب؛ فإن موسى بن عامر بن عمارة بن خريم المري الخريمي الدمشقي، ويُعرف بابن أبي الهيذام، صاحب الوليد بن مسلم: صدوق، صحيح الكتب، تكلم فيه بلا حجة، ولا ينكر له تفرده عن الوليد؛ فإنه مكثر عنه [راجع ترجمته تحت الحديث رقم (٦٨٤)].
ثم انه لا يصح إسناد الموقوف أيضًا؛ فإن زهير بن محمد العنبري التميمي، أبو المنذر الخراساني، رواية أهل العراق عنه مستقيمة، ورواية أهل الشام عنه ضعيفة، فيها مناكير، وهذه منها، فإن الراوي عنه: الوليد بن مسلم الدمشقي [انظر: التهذيب (١/ ٦٣٩)، الميزان (٢/ ٨٤)، إكمال مغلطاي (٥/ ٩٠)، ترتيب علل الترمذي ص (٣٩٥)، جامع الترمذي (٣٢٩١)، وغيرها].
• وروى ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو؛ أنه كان يشهد الجمعة في الطائف، وهو في قرية يقال لها: الوهْطُ، على رأس ثلاثة أميال.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٥٠٩٣/٤٤١).
وهذا موقوف بإسناد ضعيف؛ فإن عطاء بن السائب كان قد اختلط، وابن فضيل ممن روى عنه بعد الاختلاط، قال أبو حاتم: "وما روى عنه ابن فضيل ففيه غلط واضطراب، رفع أشياء كان يرويها عن التابعين، ورفعها إلى الصحابة"، وقال يعقوب بن سفيان بأن رواية ابن فضيل عنه ضعيفة [التهذيب (٣/ ١٠٤)، شرح العلل (٢/ ٧٣٦)، الكواكب النيرات (٣٩)].
• وروى وكيع، عن داود بن قيس الفراء، قال: سمعت عمرو بن شعيب، قيل له: يا أبا إبراهيم على من تجب الجمعة؟ قال: على من سمع الصوت.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٤١/ ٥٠٩٤).
وهذا مقطوع على عمرو بن شعيب بإسناد صحيح، وهو أصح ما روي في هذا مما تقدم من أسانيد.
وأما ما روي عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - قال: "من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له؛ إلا من عذر".
فلا يصح رفعه، وإنما يصح موقوفًا عليه، وقد تقدم برقم (٥٥١)، وروي أيضًا من
[ ١١ / ٣٠٥ ]
حديث علي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعري، وإنما يصح عنهما موقوفًا، وروي أيضًا من حديث جماعة آخرين من الصحابة، ولا يصح عنهم، مثل: عائشة، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وبريدة بن الحصيب، وأبي هريرة، وأنس [راجع تخريجها تحت الحديث السابق برقم (٥٥١)].
° وفي الجملة فإن صلاة الجمعة داخلة في عموم حديث أبي هريرة الدال على وجوب إجابة الداعي عند سماعه:
والذي يرويه مروان بن معاوية الفزاري، وعبد الواحد بن زياد: ثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن عمه يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: جاء أعمى إلى رسول الله - ﷺ - فقال: إنه ليس لي قائد يقودني إلى الصلاة [وفي رواية مسلم: إلى المسجد]، فسأله أن يرخص له [فيصلي] في بيته، فأذن له، فلما ولَّى دعاه، فقال له: "هل تسمع النداء بالصلاة؟ " فقال له: نعم، قال: "فأجب".
أخرجه مسلم (٦٥٣)، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٥٥٣).
° وكذلك فإنها داخلة في عموم حديث أبي هريرة الآخر:
الذي يرويه جعفر بن بُرْقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لقد هممتُ أن آمرَ بالصلاة فتقام، ثم أخرجَ بفتيان معهم حُزَم حطب؛ فأحرق على قوم بيوتهم؛ يسمعون النداء ثم لا يأتون الصلاة".
أخرجه مسلم (٦٥١/ ٢٥٣)، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٥٤٩).
وفي الباب أيضًا:
١ - حديث رجل من أصحاب النبي - ﷺ -:
روى أبو نعيم الفضل بن دكين، وعلي بن الجعد:
عن إسرائيل، عن ثوير بن أبي فاختة، عن رجل من أهل قباء، عن أبيه - وكان من أصحاب النبي - ﷺ - -، قال: أمرنا النبي - ﷺ - أن نشهد الجمعة من قباء. زاد في رواية: وسئل عن شرب ألبان الأتُن؟ فقال: "لا بأس به" [والأتن: جمع أتان، وهي الأنثى من الحمير].
أخرجه الترمذي (٥٠١)، وابن عدي في الكامل (٢/ ١٠٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦/ ٣٠٧٨/ ٧١١٤)، والبيهقي (١٠/ ٤)، والجوزقاني في الأباطيل والمناكير (٢/ ٢٩٠/ ٦٣٤).
قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ولا يصح في هذا الباب عن النبي - ﷺ - شيء".
وقال البيهقي: "ليس هذا بالقوي".
وقال الجوزقاني: "هذا حديث باطل؛ والرجل من أهل قباء وأبوه: مجهولان، وثوير هذا كوفي، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: سألت أبي عن ثوير؟ فقال: هو
[ ١١ / ٣٠٦ ]
ضعيف، مقاربًا لهلال بن خباب وحكيم بن جبير، وسألت أبا زرعة عنه؟ فقال: كوفي ليس بذاك القوي".
قلت: صحابيه مجهول، لا تعرف صحبته إلا من طريق ابنه، وهو مبهم، ثم المتفرد به: ثوير بن أبي فاختة: ضعفوه، وتركه بعضهم [التهذيب (١/ ٢٧٨)]، فهو حديث باطل، كما قال الجوزقاني، والله أعلم.
٢ - حديث أبي هريرة:
رواه أحمد بن الحسن: حدثنا حجاج بن نصير، قال: حدثنا معارك بن عباد، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: "الجمعة على من أواه الليل إلى أهله".
أخرجه الترمذي في الجامع (٥٠٢)، وفي العلل الصغير (٤١)، ومن طريقه: ابن الجوزي في التحقيق (٧٨٤)، وفي العلل المتناهية (١/ ٤٥٧ / ٧٨٢).
قال الترمذي في الجامع: "وقد روي عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: "الجمعة على من آواه الليل إلى أهله"، وهذا حديث إسناده ضعيف، إنما يروى من حديث معارك بن عباد، عن عبد الله بن سعيد المقبري، وضعف يحيى بن سعيد القطان عبد الله بن سعيد المقبري في الحديث.
واختلف أهل العلم على من تجب الجمعة، فقال بعضهم: تجب الجمعة على من آواه الليل إلى منزله، وقال بعضهم: لا تجب الجمعة إلا على من سمع النداء، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
سمعت أحمد بن الحسن يقول: كنا عند أحمد بن حنبل فذكروا: على من تجب الجمعة، فلم يذكر أحمد فيه عن النبي - ﷺ - شيئًا.
قال أحمد بن الحسن: فقلت لأحمد بن حنبل فيه: عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، فقال أحمد: عن النبي - ﷺ -؟ قلت: نعم.
قال أحمد بن الحسن: حدثنا حجاج بن نصير، قال: حدثنا معارك بن عباد، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: "الجمعة على من آواه الليل إلى أهله".
قال: فغضب عليَّ أحمد، وقال: استغفر ربك، استغفر ربك، وإنما فعل أحمد بن حنبل هذا لأنه لم يعدَّ هذا الحديث شيئًا، وضعفه لحال إسناده".
وذكر نحو هذا في العلل، وقال في آخره: "وإنما فعل هذا أحمد بن حنبل لأنه لم يصدِّق هذا عن النبي - ﷺ -؛ لضعف إسناده، ولأنه لم يعرفه عن النبي - ﷺ -، والحجاج بن نصير: يضعَّف في الحديث، وعبد الثه بن سعيد المقبري: ضعَّفه يحيى بن سعيد القطان جدًّا في الحديث".
قلت: حجاج بن نصير: ضعيف، وكان يقبل التلقين، لكنه توبع عليه:
[ ١١ / ٣٠٧ ]
فقد رواه مسلم بن إبراهيم [الفراهيدي: ثقة مأمون]، عن المعارك بن عباد، عن عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: "من علم أن الليل يأويه إلى أهله فليشهد الجمعة".
أخرجه البيهقي (٣/ ١٧٦).
قال البيهقي: "تفرد به معارك بن عباد عن عبد الله بن سعيد، وقد قال أحمد بن حنبل - ﵀ -: معارك لا أعرفه، وعبد الله بن سعيد هو أبو عباد: منكر الحديث، متروك"، وقال أيضًا: "ضعيف بمرة، ذكرناه ليُعرف إسناده".
قلت: هو حديث باطل؛ عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري: متروك، منكر الحديث، ومعارك بن عباد: واهي الحديث جدًّا، أحاديثه منكرة [التهذيب (٤/ ١٠٢)، الميزان (٤/ ١٣٣)]، ويكفي قول أحمد لمن حدثه بهذا الحديث: "استغفر ربك، استغفر ربك"، فهو أعظم في الإنكار من أن يقول له: "هذا حديث منكر"، فكأنه رآه كذبًا.
• وقد روي عن أبي هريرة من وجه آخر موقوفًا عليه قوله، ولا يصح أيضًا [أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٤١/ ٥٠٩١)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٧٥٧/٣٥)].
وروي مرسلًا عن أبي قلابة:
رواه لوين محمد بن سليمان المصيصي في جزئه (٧٥)، قال: حدثنا محمد بن جابر، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: قال رسول الله - ﷺ -:"الجمعة على من آواه الليل".
قال لوين: "سمعت رجلًا يذكره لحماد بن زيد، فعجب منه، وسكت، فلم يقل شيئًا".
قلت: هو مع إرساله منكر؛ لتفرد ابن جابر به عن أيوب السختياني، ومحمد بن جابر بن سيار السحيمي اليمامي: ضعيف؛ وكان قد ذهبت كتبه في آخر عمره، وعمي، وساء حفظه، وكان يُلقَّن، ويُلحَق في كتابه [انظر: التهذيب (٣/ ٥٢٧)، الميزان (٣/ ٤٩٦)] [راجع ترجمته تحت الحديث رقم (٧٤٩)].
• وقد صح ذلك من قول ابن عمر:
فقد روى جويرية بن أسماء [ثقة]، وأبو عامر المزني [هو أبو عامر الخزاز، صالح بن رستم، قاله ابن معين في رواية الدوري (٤/ ٨٢/ ٣٢٣٩)، وصالح بن رستم: بصري، ليس بالقوي. تقدم الكلام عليه تحت الحديث رقم (٤٤٩)]:
عن نافع، عن ابن عمر، قال: الجمعة على من آواه الليل إلى أهله.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٤٠ / ٥٠٧٣)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٥/ ١٧٥٦)، والطحاوي في أحكام القرآن (٢١٤).
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح.
٣ - حديث جابر بن عبد الله:
يرويه جندل بن والق [كوفي صدوق]: نا مندل بن علي، عن ابن جريج، عن
[ ١١ / ٣٠٨ ]
عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لعل أحدكم أن يتخذ الضيعة [كذا في المطبوع، ولعلها: الصُّبَّة] على رأس ميل أو ميلين أو ثلاثة، تأتي عليه الجمعة فلا يشهدها، ثم تأتي عليه الجمعة فلا يشهدها، فيطبع على قلبه".
وهو حديث منكر، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٠٥٢)، وقد روي معناه من حديث أبي هريرة وابن عمر وثوبان وحارثة بن النعمان، ولا يصح من ذلك شيء.
وفي حديث حارثة: "إن الرجل تكون له الغنيمة في حاشية القرية يكون فيها، ويشهد الصلاة " الحديث.
٤ - حديث يحيى بن أسعد بن زرارة:
يرويه شعبة: ثنا محمد بن عبد الرحمن [بن أسعد بن زرارة]، قال: سمعت عمي [يحيى]- ولم أر رجلًا منا به شبيهًا - قال، قال رسول الله - ﷺ -: "من سمع النداء يوم الجمعة فلم يأتها، طبع الله على قلبه، وجعل قلبه قلبَ منافق".
وهذا مرسل بإسناد لا بأس به، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٠٥٢).
٥ - مرسل هرمي بن عبد الله الواقفي:
يرويه ابن إسحاق: حدثني ثُمامة بن قيس بن رفاعة الواقفي، عن هرَميِّ بن عبد الله - رجل من قومه، كان ولد على عهد رسول الله - ﷺ -، وأدرك أصحاب رسول الله - ﷺ - متوافرين - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من سمع الأذان بالجمعة ثم لم يأتها، كان في التي بعدها أثقل، فإن سمعه ثانيةً، ثم لم يأتها كان في التي بعدها أثقل، وإن سمعه الثالثة ثم لم يأتها، كان في الرابعة أثقل، فإن سمعه ني الرابعة ثم لم يأتها، طبع الله على قلبه".
وهو مرسل بإسناد فيه جهالة، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٠٥٢).
٦ - حديث كعب بن مالك:
يرويه إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لينتهين أقوام يسمعون النداء يوم الجمعة، ثم لا يأتونها، أو ليطبعَنَّ الله - ﷿ - على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين". وفي رواية: "أو ليكونُنَّ من أهل النار".
وهو حديث منكر، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٠٥٢).
وفي الجملة: فإنه لا يصح في هذا الباب حديث صريح مرفوع في تعيين المسافة التي يؤتى منها إلى الجمعة، قال الترمذي (٥٠١): "ولا يصح في هذا الباب عن النبي - ﷺ - شيء"، وأما أحاديث عائشة وأبي هريرة فليست صريحة في إيجاب الإتيان إلى الجمعة من مسافة محددة، والله أعلم.
° ومن أقوال الأئمة في ذلك:
قال أحمد: "تجب الجمعة على من سمع النداء، والنداء يُسمع من فرسخ، الصوت يذهب بالليل، يقال: فرسخ" [العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٥٢٠/ ٣٤٣١)، مسائل عبد الله
[ ١١ / ٣٠٩ ]
(٤٣٤ و٤٣٥)، مسائل أبي داود (٣٩٣)، مسائل ابن هانئ (٤٤٠ و٤٤٥)، مسائل الكوسج (٥٠٨)].
وقال الشافعي في الأم (٢/ ٣٨١): "وإذا كان قوم ببلد يجمع أهلها، وجبت الجمعة على من يسمع النداء من ساكني المصر، أو قريبًا منه بدلالة الآية"، وقال: "وقولي: سمع النداء؛ إذا كان المنادي صيتًا، وكان هو مستمعًا، والأصوات هادئة، فأما إذا كان المنادي غير صيِّت، والرجل غافل، والأصوات ظاهرة؛ فقلَّ من يسمع النداء" [وانظر: التمهيد (١٠/ ٢٨٠)].
قال ابن بطال في شرح البخاري (٢/ ٤٩٤) فيمن قال بوجوبها على من سمع النداء: "وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق"، وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٢٨٢): "وهو قول أكثر فقهاء الأمصار".
وهذا القول ليس بعيدًا عن قول مالك والليث بن سعد: أن الجمعة إنما تجب على من كان على ثلاثة أميال، وذلك لأن الصوت يبلغ في هدوِّ الليل نحو هذه المسافة، قال ابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٢٨١): "لأن الصوت الندي في الليل عند هدوء الأصوات يمكن أن يسمع من ثلاثة أميال" [الأوسط لابن المنذر (٤/ ٣٥)].
وقال القرافي في الفروق (٢/ ٢٨٧): "إنما اعتبرت البقاع في الجمعات، وهي ثلاثة أميال في الإتيان إليها؛ لأنها مظنة أذانها وسماعه من تلك المسافة إذا هدأت الأصوات وانتفت الموانع، لقوله - ﷺ -: "الجمعة على من سمع النداء"، فجعل مظنة السماع مقام السماع".
وقال ابن رجب في الفتح (٥/ ٤٠٥): "وقالت طائفة: تجب الجمعة على من بينه وبين الجمعة فرسخ، وهو ثلاثة أميال، وهو قول ابن المسيب والليث ومالك ومحمد بن الحسن، وهو رواية عن أحمد، ومن أصحابنا من قال: لا فرق بين هذا القول والذي قبله؛ لأن الفرسخ هو منتهى ما يسمع فيه النداء غالبًا، فإن أحمد قال: الجمعة على من سمع النداء، والنداء يسمع من فرسخ، وكذلك رواه جماعة عن مالك، فيكون هذا القول والذي قبله واحدًا".
وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٣٨٥): "ومحله كما صرح به الشافعي: ما إذا كان المنادي صيتًا، والأصوات هادئة، والرجل سميعًا".
وقال المهلب في الرد على الكوفيين القائلين: لا تجب الجمعة إلا على أهل المصر، ومن كان خارج المصر فلا تجب عليه، وإن سمع النداء، قال: "نص كتاب الله يدل على أن الجمعة تجب على من سمع النداء، وإن كان خارج المصر، وهذا أصح الأقوال" [شرح ابن بطال (٢/ ٤٩٤)].
وقال ابن بطال أيضًا (٢/ ٤٩٥): "وأما حديث عائشة: أن الناس كانوا ينتابون الجمعة من العوالى، ففيه رد لقول الكوفيين؛ أن الجمعة لا تجب على من كان خارج
[ ١١ / ٣١٠ ]
المصر؛ لأنها أخبرت عنهم بفعل دائم: أنهم كانوا ينتابون الجمعة، فدل ذلك على لزومها ووجوبها عليهم".
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٥٦): "وفي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]: كفاية في وجوب الجمعة على من سمع النداء.
وأجمع علماء الأمة أن الجمعة فريضة على كل حر بالغ ذكر، يدركه زوال الشمس في مصر من الأمصار، وهو من أهل المصر غير مسافر".
وانظر: المحلى (٥/ ٥٥)، شرح السُّنَّة للبغوي (٤/ ٢٢١)، البيان شرح المهذب (٢/ ٥٤٧)، المغني (٢/ ٢٦٦).