١٠٧٠ - . . . إسرائيل: حدثنا عثمان بن المغيرة، عن إياس بن أبي رَمْلة الشامي، قال: شهدتُّ معاويةَ بن أبي سفيان، وهو يَسأل زيدَ بن أرقم، قال: شهدتَّ مع رسول الله - ﷺ - عيدينِ اجتمعا في يومٍ؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد، ثم رخَّص في الجمعة، فقال: "من شاء أن يصلِّيَ، فليُصلِّ".
* حديث صحيح
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٤٣٨)، والنسائي في المجتبى (٣/ ١٩٤/ ١٥٩١)، وفي الكبرى (٢/ ٣١٠/ ١٨٠٦)، وابن ماجه (١٣١٠)، والدارمي (١/ ٤٥٩/ ١٦١٢)،
[ ١١ / ٣٧٧ ]
وابن خزيمة (٢/ ٣٥٩/ ١٤٦٤)، والحاكم (١/ ٢٨٨)، وأحمد (٤/ ٣٧٢)، والطيالسي (٧٢٠)، وابن أبي شيبة (٢/ ٨/ ٥٨٤٦) (٤/ ٢٤٥/ ٥٨٩٦ - ط. عوامة)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (١/ ١٣٥ - ١٣٦)، والبزار (١٠/ ٢٤١/ ٤٣٣٧)، والطحاوي في المشكل (٣/ ١٨٦/ ١١٥٣) و(٣/ ١٨٧/ ١١٥٤)، والطبراني في الكبير (٥/ ٢٠٩/ ٥١٢٠)، والبيهقي في السُّنن (٣/ ٣١٧)، وفي المعرفة (٣/ ٦٥/ ١٩٥٦)، وابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٣٨٦)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٨٠٧/٤٧٠).
رواه عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق: محمد بن كثير [وهذا لفظه]، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو أحمد الزبيري، وعبيد الله بن موسى، وأبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، وأبو داود الطيالسي، وعبد الله بن نمير، ويحيى بن أبي بكير الكرماني [وهم ثقات].
ولفظ الجماعة بمثل لفظ ابن كثير، ولفظ ابن مهدي [عند أحمد وابن خزيمة]: "من شاء أن يجمِّع، فليُجمِّع" وفي روايةٍ عن الطيالسي [عند الطحاوي]: "من شاء أن يجلس فليجلس" [ورواية الطيالسي في المسند، ومن طريقه: البيهقي بمثل لفظ الجماعة]، وهذه الأخيرة رواية بالمعنى، وأُراها شاذة، والله أعلم.
• قال الأثرم: سئل أبو عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل - عن العيدين يجتمعان في يوم واحد؟ فذكر هذا الحديث [البدر المنير (٥/ ٩٩)].
يعني: أنه احتج به على الترخيص لمن شهد العيد ألا يشهد الجمعة، وإنما يصليها ظهرًا، كما صح عن ابن الزبير، وسيأتي.
وقال علي بن المديني: "في هذا الباب غير ما حديث عن النبي - ﷺ - بإسناد جيد" [الاستذكار (٢/ ٣٨٦)، الأحكام الكبرى (٢/ ٤٧٥)، الأحكام الوسطى (٢/ ١١١)].
واحتج به أبو داود، والنسائي، وترجم له بقوله: "الرخصة في التخلف عن الجمعة لمن شهد العيد".
وقال ابن خزيمة: "إن صح الخبر؛ فإني لا أعرف إياس بن أبي رملة بعدالة ولا جرح".
وقال ابن القطان في بيان الوهم (٤/ ٢٠٤/ ١٦٩٧): "وهو من رواية إياس بن أبي رملة، قال ابن المنذر: لا يثبت هذا، فإن إياسًا مجهول، وهو كما قال".
قلت: لم أقف على قول ابن المنذر هذا، لا في الأوسط، ولا في الإشراف، ولا في الإقناع؛ فمن أين أتى به؟!.
وقال ابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ٧٤): "وليس لإياس في المسند غير هذا الحديث".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وله شاهد على شرط مسلم"، ثم استشهد بحديث أبي هريرة الآتي.
[ ١١ / ٣٧٨ ]
وقال ابن الجوزي: "وأصلح ما روي في هذا: حديث زيد بن أرقم".
وجود إسناده النووي في المجموع (٤/ ٤١٢)، وقال في الخلاصة (٢/ ٨١٦/ ٢٨٨٠): "رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن".
وأما ابن حزم فقد شذ إذ ضعفه بإسرائيل، وزعم بأنه ليس بالقوي، فلم يصب [المحلى (٥/ ٨٩)]، وإسرائيل: ثقة، متفق على الاحتجاج به، وهو أحد الأثبات.
قلت: نعم، إياس بن أبي رملة الشامي: مجهول، لم يرو عنه غير عثمان بن المغيرة، ولا له غير هذا الحديث؛ فكان ماذا؟
سبق أن قررت أن حديث المجهول إذا كان مستقيمًا فإنه يكون مقبولًا صحيحًا؛ وذلك تحت الحديث رقم (٧٥٩)، عند حديث هُلْب الطائي [وانظر أيضًا فيما قبلته أو رددته من حديث المجهول: ما تحت الحديث رقم (٧٨٨)، الشاهد الرابع، حديث أم سلمة، وما تحت الحديث رقم (٧٩٥)، وما تحت الحديث رقم (٨٢٥)، والحديث رقم (٩٩١)]، ومما قلت هناك:
الحكم على الراوي بالجهالة لا يمنع من تصحيح حديثه، فكم من راوٍ حكم أبو حاتم عليه بالجهالة ونحوها ثم صحح حديثه، ثم نقلت بعض النقول في ذلك، ثم قلت: فدل ذلك على أن استقامة حديث الراوي تكفي في قبول حديثه، حتى لو لم يكن مشهورًا بالطلب، لا سيما من كان في طبقة التابعين، والمقصود من هذه النقول بيانُ أن المجهولَ لا يُردُّ حديثه لمجرد جهالته؛ إذ الجهالة وصف لا يلزم منه الجرح، بل يقترن كثيرا في كلام الأئمة الوصفُ بالجهالة مع التوثيق أو التجريح، ولكن ينظر في حديث المجهول؛ فإن كان حديثه مستقيمًا موافقًا لرواية الثقات صُحِّح حديثه واغتُفرت جهالته، حيث لم يرو منكرًا، ولم ينفرد عن الثقات بما ليس من حديثهم، لا سيما لو كان من التابعين.
وهذا مثل حالتنا هذه، فإن حديث إياس هذا: قد صح من حديث ابن عباس في قوله لابن الزبير: أصاب السُّنَّة، وصح من مرسل أبي صالح السمان، وصح من فعل: عمر، وابن الزبير، في الإذن العام من غير قيد، وصح عن عثمان أنه أذن لأهل العالية خاصة، وهم من كانوا خارج المدينة، لكن ممن تلزمهم الجمعة، وكذلك صح من مرسل عمر بن عبد العزيز في الإذن لأهل العالية.
وقد صحح حديث إياس هذا: الحاكم، واحتج به أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم، وشهد ابن المديني بأن في هذا الباب غير ما حديث عن النبي - ﷺ - بإسناد جيد، فيدخل هذا فيها ضمنًا، فهو حديث صحيح، والله أعلم.
فإن قيل: إنه معارَض بحديث النعمان بن بشير الآتي ذكره في آخر الشواهد، وفيه: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يومٍ واحدٍ، يقرأ بهما أيضًا في الصلاتين.
[ ١١ / ٣٧٩ ]
فيقال: لا تعارض بينهما؛ فإن حديث النعمان إنما سيق أصالة لبيان القراءة في صلاتي العيد والجمعة، وأنهما إذا اجتمعا فلم يكن يغاير في القراءة فيهما، وإنما يقرأ فيهما بنفس السورتين، فهو لا يعدو الإخبار عن حال النبي - ﷺ - في مثل ذلك، لكن يؤخذ من الحديث بدلالة الاقتضاء أنه - ﷺ - كان يقيم الصلاتين جميعًا إذا اجتمعا في يوم واحد، وأما أحاديث الباب فقد سيقت أصالة لبيان حكم اجتماع الصلاتين في حق المأمومين، ولبيان الرخصة للمامومين الذين حضروا صلاة العيد؛ أن لا حرج عليهم ألا يحضروا الجمعة مع الإمام، فإن قول النبي - ﷺ - للمأمومين: "من شاء أن يصلِّيَ، فليُصل"، وفي رواية: "من شاء أن يجمِّع، فليُجمِّع"، فإن هذا الخطاب موجة لمن حضر معه صلاة العيد، أن من شاء منهم أن يصلي الجمعة فليأت إليها، وهل كانت تقام الجمعة إلا في مسجده - ﷺ -؟ وهل كان لهم إمام سواه - ﷺ -؟ فدل الحديث بمنطوقه على الرخصة للمأموم في عدم شهود الجمعة لمن شهد العيد، ودل بمفهومه على إقامة النبي - ﷺ - للصلاتين جميعًا، وقد جاء ذلك صريحًا في مرسل ذكوان أبي صالح، حيث قال: اجتمع عيدان على عهد النبي - ﷺ - فقال: "إنكم قد أصبتم خيرًا وذكرًا، وإنا مجمِّعون، فمن شاء أن يجمِّع فليجمِّع، ومن شاء أن يرجع فليرجع"، وفي رواية: "إنه قد اجتمع لكم عيدانِ، وقد أصبتم ذكرًا وخيرًا، وإنا مجمِّعون، فمن شاء أن يأتينا فليأتنا، ومن شاء أن يجلس فليجلس".
وبذا يتبين أن حديث النعمان لم يتعرض لحكم المأمومين عند اجتماع العيدين، وإنما تعرض لحكم الإمام، بخلاف أحاديث الباب.
وأما أهل العالية الذين وقع لهم الإذن في موقوف عثمان بن عفان، ومرسل عمر بن عبد العزيز؛ فإنهم ممن تلزمهم الجمعة لما سبق تقريره تحت الحديث رقم (١٠٥٦)، من أن الجمعة تجب على من سمع النداء لعموم الآية، وأن الصوت الندي في الليل عند هدوء الأصوات يمكن أن يسمع من ثلاثة أميال، ومن ثم فإن أهل العالية ممن تجب عليهم الجمعة، وفي حديث عائشة [المتقدم برقم (١٠٥٥)] دلالة على ذلك، وذلك خلافًا لما ذهب إليه: الثوري وأبو حنيفة والشافعي: أن إذن عثمان كان لمن لا تلزمه الجمعة من أهل العوالي [الاستذكار (٢/ ٣٨٤)]؛ فكيف يؤذن لهم في عدم شهود الجمعة دون غيرهم مع دخول الجميع في عموم الخطاب، فيقال: خصوا بذلك لشدة المشقة عليهم في الحضور وانتظار الجمعة، بخلاف من كان قريبا من المسجد النبوي، وإن كانوا أيضًا داخلين في عموم الإذن بعدم الحضور، لكن لما كانت شدة المشقة ظاهرة فيمن كان خارج المدينة خصوا بالإذن تخفيفًا عليهم، حتى يرجعوا إلى أهليهم وذراريهم فيدخلون السرور عليهم في العيد، وقول عثمان لهم: فمن أحبَّ أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع فقد أذنتُ له، يظهر منه أن من جلس منهم لشهود الجمعة فاته تحصيل مقصود العيد من التوسعة عليهم وإدخال الفرح والسرور، وفيه تكدير لمقصود عيدهم، وما سن لهم من السرور فيه والانبساط، فإذا حبسوا عن ذلك عاد العيد على مقصوده بالإبطال أقاله أبو
[ ١١ / ٣٨٠ ]
العباس بن تيمية، ونقلته بتمامه في آخر البحث]، وقد دل حديث عثمان ومرسل عمر بن عبد العزيز على صحة أصل الإذن في عدم شهود الجمعة لمن شهد العيد.
وعلى هذا فإن قول القائل بأن حديث إياس بن أبي رملة يعارض أصلًا في الشريعة، وهو وجوب الجمعة على عموم المكلفين سوى ما استثناه الشرع [كما في حديث طارق بن شهاب وغيره، المتقدم برقم (١٠٦٧)]، وهم: المرأة والصبي والعبد والمريض والمسافر وأصحاب الأعذار، هذا القول بالمعارضة قول غير صحيح، مجانب للصواب؛ لأنا لم نستثن الإذن بعدم شهود الجمعة لمن شهد العيد بهذا الحديث وحده، بل بما ثبت في الباب من حديث ابن عباس في تصويب فعل ابن الزبير، وأنه قد أصاب السُّنَّة، وقول ابن الزبير بأن عمر بن الخطاب قد فعل ذلك، وكذلك ما صح عن عثمان فيما أخرجه الشيخان من الإذن لأهل العالية، فكل ذلك أدلة ثابتة تشهد لصحة حديث إياس، والله أعلم.
وقد اضطررت لذكر ذلك قبل محله لإثبات كون حديث إياس موافق للأصول، لا مخالف لها، وله ما يشهد لصحته، مما ثبت بنفسه، وهو ما سيأتي بيانه.
***
١٠٧١ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن طَريف البجلي: حدثنا أسباط، عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، قال: صلى بنا ابن الزبير في يوم عيدٍ في يوم جمعةٍ أوَّل النهار، ثم رُحنا إلى الجمعة، فلم يخرج إلينا، فصلينا وُحدانًا، وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك له، فقال: أصاب السُّنَة.
• حديث شاذ
أخرجه من طريق أبي داود: الضياء في المختارة (١١/ ١٧٨/١٩١).
قال الدارقطني في الأفراد (١/ ٦٠٥/ ٣٥٤١ - أطرا فه) و(١/ ٦٠٦/ ٣٥٤٤ - أطرافه): "تفرد به أسباط بن محمد، عن الأعمش، عن عطاء".
وقال النووي في المجموع (٤/ ٤١٣): "رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح على شرط مسلم".
قلت: رجاله ثقات رجال مسلم؛ وقد تفرد به عن الأعمش: أسباط بن محمد، وهو: كوفي ثقة، روى له الجماعة، وهو مكثر عن الأعمش، إلا أنه قد يخالف أصحابه، أو ينفرد عنهم بما لا يتابع عليه، وكلام الدارقطني يدل على أن محمد بن طريف البجلي قد توبع عليه، ولم ينفرد به، وهو: ثقة، من رجال مسلم.
وعليه: فهو غريب من حديث الأعمش؛ والذي يغلب على ظني أنه مدلَّس، وأن الأعمش لم يسمعه من عطاء بن أبي رباح؛ فإني لم أقف له على سماع صحيح من عطاء، وهو لم يصرح هنا بسماعه من عطاء، والأعمش كثيرًا ما يدخل بينه وبين عطاء رجلًا، فمرة
[ ١١ / ٣٨١ ]
يدخل حبيب بن أبي ثابت، ومرة يدخل سلمة بن كهيل، ومرة يدخل عمرو بن مرة، ومرة يدخل بكير بن الأخنس [انظر: سنن أبي داود (١٤٩٧)، سنن النسائي الصغرى (٨/ ٢٤٦/ ٥٤١٨)، السُّنن الكبرى (٥/ ٤٤/ ٤٩٨٥)، مسند أحمد (٦/ ٤٥)، مسند إسحاق بن راهويه (٣/ ٦٣٩/ ١٢٢٢)، مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ٧٤/ ٢٩٥٧٧)، مسند الحارث (٢/ ٨٣١/ ٨٧٢ - بغية الباحث)، السُّنَّة لعبد الله بن أحمد (٤٩٨ و١٠٧٦)، كتاب التوحيد لابن خزيمة (١/ ٨٥)، صحيح أبي عوانة (٣/ ٥٨٠٩/٤٩١)، العلل لابن أبي حاتم (٢٢٠١)، المعجم الكبير للطبراني (١٣/ ٤٣٠/ ١٣٥٨٠)، المعجم الصغير (٤٣)، والراوي عن الأعمش ضعيف، المعجم الأوسط (١١٤)، والراوي عن الأعمش ضعيف. الشريعة للآجري (٣/ ١١٥٢/ ٧٢٥)، الصفات للدارقطني (٤٥ و٤٨)، علل الدارقطني (٨/ ٢٨٧/ ١٥٧٣) و(١٣/ ١٨٨/ ٣٠٧٧)، غريب الحديث للخطابي (٢/ ٤٩٥)، مستدرك الحاكم (٢/ ٩ ٣١)، وغيرها كثير].
وما زال الأئمة النقاد يستدلون على عدم السماع بإدخال رجل في الإسناد بين الراوي وشيخه، مع عدم وجود سماع ولا رؤية ولا سؤال - من وجه يصح - يُستدل به على السماع [انظر مثلًا: المراسيل (٤٧٨ و٧٠١ و٧٠٢ و٧٧٤ و٨٢٣ و٨٢٤ و٩٠٤)].
وكان الأعمش أحيانًا يروي عن عطاء بدون واسطة من غير أن يذكر سماعًا [انظر: السُّنن الكبرى للنسائي (٤/ ٤٢٧/ ٤٦٧٧)، مسند أحمد (٢/ ٢٨)، مسند عبد بن حميد (١٠١٠)، العلل لابن أبي حاتم (١٩٠٠)، مسند عبد الله بن عمر للطرسوسي (٢٢)، المعجم الكبير للطبراني (١١/ ١٤٣/ ١١٣٠٠)، والراوي عن الأعمش ضعيف. و(١٢/ ٤٣٢/ ١٣٥٨٣)، حديث أبي الفضل الزهري (٦١١)، وغيرها].
ولقد وقفت له على موضع واحد صريح في إثبات اللقاء والسماع، لكن في الطريق إليه: نعيم بن حماد، وهو: ضعيف [أخرجه ابن البختري في الحادي عشر من حديثه (١٠٤) (٦٠٠ - مجموع مصنفاته)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل (٤٨٣)]، فلا تقوم به الحجة على ثبوت السماع.
وعلى هذا فإن الأعمش لا يُعرف له سماع من عطاء، إنما يروي عنه بواسطة، وما رواه عنه بدون واسطة فهو مدلَّس، هذا مع اختلاف البلدان، فالأعمش كوفي، وعطاء مكي، والله أعلم.
والأعمش هنا قد خالف ابن جريج ومنصور بن زاذان في روايتهما عن عطاء، كما سيأتي بيانه، فهو حديث شاذ.
***
١٠٧٢ - أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: قال عطاء: اجتمع يومُ جمعةٍ، ويومُ فطرٍ على عهد ابن الزبير، فقال: عيدانِ اجتمعا في يومٍ واحدٍ،
[ ١١ / ٣٨٢ ]
فجمعهما جميعًا فصلاهما ركعتين بُكرةً، لم يزد عليهما حتى صلى العصر.
• حديث شاذ، والمحفوظ رواية منصور عن عطاء
أخرجه أبو بكر الفريابي في أحكام العيدين (١٥٣).
رواه عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد [وهو: ثقة ثبت]: يحيى بن خلف [وهو: ثقة، واللفظ له]، وعمرو بن علي الفلاس [ثقة حافظ، إمام].
ولفظ الفلاس [عند الفريابي]: عن عطاء، قال: اجتمع يوم فطر ويوم جمعة زمن ابن الزبير فصلى ركعتين، فذُكر ذلك لابن عباس، فقال: أصاب.
وصحح إسناده النووي في المجموع (٤/ ٤١٣)، وقال: "على شرط مسلم".
• ورواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: قال عطاء: إن اجتمع يوم الجمعة ويوم الفطر في يوم واحد فليجمعهما فليصل ركعتين قط حيث يصلي صلاة الفطر، ثم هي هي حتى العصر.
ثم أخبرني عند ذلك قال: اجتمع يوم فطر ويوم جمعة في يوم واحد، في زمان ابن الزبير، فقال ابن الزبير: عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما جميعًا، بجعلهما واحدًا، وصلى يوم الجمعة ركعتين بكرةً صلاة الفطر، ثم لم يزد عليها حتى صلى العصر.
قال: فأما الفقهاء فلم يقولوا في ذلك، وأما من لم يفقه فأنكر ذلك عليه، قال: ولقد أنكرتُ أنا ذلك عليه، وصليتُ الظهر يومئذ.
قال: حتى بلغنا بعدُ أن العيدين كانا إذا اجتمعا كذلك صُلِّيا واحدةً، وذُكر ذلك عن محمد بن علي بن حسين، أخبر أنهما كانا يُجمَعان إذا اجتمعا، قال: إنه وجده في كتاب لعليٍّ، زعم.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٣٠٣/ ٥٧٢٥)، ومن طريقه: ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٢٨٩/ ٢١٨٢).
وهذا إسناد مكي صحيح، رجاله رجال الشيخين. وابن جريج أثبت الناس في عطاء، وأما قوله: قال عطاء، فليس دليلًا على أنه دلسه، بل هي عادة ابن جريج فيما يرويه سماعًا من عطاء، روى يحيى بن سعيد القطان، عن ابن جريج، قال: "إذا قلت: قال عطاء، فأنا سمعته منه، وإن لم أقل: سمعت" [التاريخ الكبير لابن أبي خيثمة (١/ ٨٥٨/٢٥٠) و(١/ ٢٦١/ ٨٩٧)، التهذيب (٢/ ٦١٧)].
• واختلف فيه على عطاء بن أبي رباح:
أ - فرواه الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، قال: صلى بنا ابن الزبير في يوم عيدٍ في يوم جمعةٍ أوَّل النهار، ثم رُحنا إلى الجمعة، فلم يخرج إلينا، فصلينا وُحدانًا، وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك له، فقال: أصاب السُّنَّة.
ب - ورواه ابن جريج، عن عطاء، قال: اجتمع يوم فطر ويوم جمعة في يوم واحد،
[ ١١ / ٣٨٣ ]
في زمان ابن الزبير، فقال ابن الزبير: عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما جميعًا، بجعلهما واحدًا، وصلى يوم الجمعة ركعتين بكرةً صلاة الفطر، ثم لم يزد عليها حتى صلى العصر.
وفي رواية: اجتمع يوم فطر ويوم جمعة زمن ابن الزبير فصلى ركعتين، فذُكر ذلك لابن عباس، فقال: أصاب.
وفي ثالثة: اجتمع يومُ جمعةٍ، ويومُ فطرٍ على عهد ابن الزبير، فقال: عيدانِ اجتمعا في يومٍ واحدٍ، فجمعهما جميعًا فصلاهما ركعتين بُكرةً، لم يزد عليهما حتى صلى العصر.
ج - ورواه هشيم [بن بشير الواسطي: ثقة ثبت]، عن منصور [بن زاذان الواسطي: ثقة ثبت، وروايته عن عطاء عند البخاري]، عن عطاء، قال: اجتمع عيدان في عهد ابن الزبير، فصلى بهم العيد، ثم صلى بهم الجمعة صلاة الظهر أربعًا.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٧/ ٥٨٤٢).
وسماع عطاء بن أبي رباح من عبد الله بن الزبير: ثابت صحيح، وقد لازمه مدة في مكة حتى أخذ عنه صفة الصلاة، وقد أثبت له السماع من ابن الزبير: علي بن المديني [انظر ما تقدم تحت الأحاديث (٩٣٤ و٩٧٤ و١٠١٧)، مسند أبي بكر الصديق لأبي بكر المروزي (١٣٧)، علل ابن المديني (١٣٩)].
• فإن قيل: إنه يحكي واقعة لم يشهدها، فيقال: جاء في رواية الأعمش ما يرد هذا التوهم، حيث قال عطاء: صلى بنا ابن الزبير، فإن قيل: رواية الأعمش لا تثبت! فيقال: قد وقع في أثناء رواية ابن جريج عن عطاء ما يقطع الشك باليقين، حيث قال عطاء: ولقد أنكرتُ أنا ذلك عليه، وصليتُ الظهر يومئذ؛ يعني: أنه ممن صلى خلف ابن الزبير العيد في ذلك اليوم، وشهد معه الصلاة والخطبة.
• فإن قيل: وقع في رواية الأعمش: أن ابن الزبير لم يخرج لصلاة الجمعة، فصلى الناس صلاة الظهر وحدانًا.
ووقع في رواية ابن جريج: أن ابن الزبير صلى العيد، ثم لم يزد عليها حتى صلى العصر، ومن الناس من صلى الظهر، مثل عطاء.
ووقع في رواية منصور: أن ابن الزبير صلى بهم العيد، ثم صلى بهم الجمعة صلاة الظهر أربعًا.
وفي هذا اضطراب واضح بيِّن، وتعارض ظاهر؛ حيث جزم بأن ابن الزبير لم يصلِّ شيئًا فيما بين صلاة العيد وصلاة العصر، وأنه لم يخرج للناس لما اجتمعوا له لصلاة الجمعة، ثم هو ينقل عنه أنه خرج فصلى بالناس الظهر أربعًا.
فيقال: رواية الأعمش عن عطاء مدلسة، لم يسمعها منه، وهي غريبة من حديث الأعمش، فيبقى الترجيح بين روايتي ابن جريج ومنصور:
والأشبه عندي - والله أعلم بالصواب - أن تكون رواية الأقدم سماعًا من عطاء هي
[ ١١ / ٣٨٤ ]
الأقرب للصواب، ثم إن عطاء نسي بعد ذلك فحدث به على التوهم، كما أنه فهم منه خلاف ما عليه الناس في هذه المسألة، وعطاء قد حكي عنه أنه تغير في آخر عمره، ومنصور بن زاذان أقدم وفاة من الأعمش وابن جريج بقرابة عشرين سنة، فروايته عندي هي الأقرب للصواب، والله أعلم.
وقد أشكلت رواية ابن جريج هذه على أهل العلم، فقال ابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٢٦٨): "فذهب عطاء بن أبي رباح إلى أن شهود العيد يوم الجمعة يجزئ عن الجمعة إذا صلى بعدها ركعتين على طريق الجمع، وروي عنه أيضًا أنه يجزيه وإن لم يصل غير صلاة العيد، ولا صلاة بعد صلاة العيد حتى العصر، وحكى ذلك عن ابن الزبير، وهذا القول مهجور"، ثم قال بعد كلام طويل: "ليس في حديث ابن الزبير بيان أنه صلى مع صلاة العيد ركعتين للجمعة، وأي الأمرين كان؛ فإن ذلك أمر متروك مهجور، وإن كان لم يصلِّ مع صلاة العيد غيرها حتى العصر فإن الأصول كلها تشهد بفساد هذا القول؛ لأن الفرضين إذا اجتمعا في فرض واحد لم يَسقط أحدُهما بالآخر، فكيف أن يَسقط فرضٌ لسنةٍ حضرت في يومه، هذا ما لا يشك في فساده ذو فهم، وإن كان صلى مع صلاة الفطر ركعتين للجمعة فقد صلى الجمعة في غير وقتها عند أكثر الناس" [وانظر: الاستذكار (٢/ ٣٨٥)].
قلت: رواية منصور تزيل الإشكال وترفع اللبس، فإن رواية الإثبات مقدمة على رواية النفي، والنفي قد يكون سببه الوهم والنسيان من قِبَل عطاء نفسه، بخلاف الإثبات، لا سيما مع تقدم سن منصور راويه عن عطاء.
وعليه: فإن المحفوظ عندي عن عطاء: أن ابن الزبير صلى بهم العيد، ثم صلى بهم الظهر أربعًا، فلم يسقط الفريضة، وإنما صلاها ظهرًا.
• ولحديث ابن الزبير هذا طريق آخر بإسناد صحيح ليس فيه نفي صلاة ابن الزبير فيما بين العيد والعصر، وإنما غاية ما فيه أن ابن الزبير لم يصلِّ بالناس الجمعة، ويمكن الجمع بينهما بأنه امتنع أولًا من الخروج للجمعة، فلما علم الناس أنه لا جمعة في هذا اليوم خرج فصلى بهم الظهر أربعًا، والله أعلم.
* فقد روى يحيى بن سعيد القطان، وسُلَيم بن أخضر، وأبو خالد الأحمر سليمان بن حيان [وهم ثقات]:
قال القطان: حدثنا عبد الحميد بن جعفر [مدني، صدوق]، قال: حدثني وهب بن كيسان [مولى الزبير بن العوام: مدني، ثقة، سمع ابن الزبير]، قال: اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير فأخَّر الخروج حتى تعالى النهار، ثم خرج فخطب فأطال الخطبة، ثم نزل فصلى ركعتين، ولم يصلِّ للناس يومئذ الجمعة، فعاب ذلك عليه ناسٌ من بني أمية بن عبد شمس، فذُكر ذلك لابن عباس - ﵄ -، فقال: أصاب السُّنَّة، فذُكر ذلك لابن الزبير - ﵄ -، فقال: رأيت عمر بن الخطاب - ﵁ -، واجتمع على عهده عيدان، فصنع هكذا.
[ ١١ / ٣٨٥ ]
ولفظ سليم بن أخضر [عند ابن خزيمة]، وبنحوه رواه أبو خالد الأحمر [عند ابن أبي شيبة]: شهدت ابن الزبير بمكة وهو أمير، فوافق يومُ فطر، أو أضحى، يومَ الجمعة، فأخَّر الخروج حتى ارتفع النهار، فخرج وصعد المنبر، فخطب وأطال، ثم صلى ركعتين، ولم يصل الجمعة، فعاب عليه ناس من بني أمية ابن عبد شمس، فبلغ ذلك ابنَ عباس، فقال: أصاب ابنُ الزبير السُّنَّة، وبلغ ابنَ الزبير، فقال: رأيتُ عمر بن الخطاب - ﵁ - إذا اجتمع عيدان صنع مثل هذا.
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ١٩٤/ ١٥٩٢)، وفي الكبرى (٢/ ٣١١/ ١٨٠٧)، وابن خزيمة (٢/ ٣٥٩/ ١٤٦٥)، والحاكم (١/ ٢٩٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٧/ ٥٨٣٦)، والفاكهي في أخبار مكة (٣/ ٩٢/ ١٨٤٥)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٢٨٨/ ٢١٨١)، وابن حزم في الأحكام (٢/ ٢٠٣).
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
قلت: إسناده صحيح، رجاله رجال مسلم.
• خالفهم: عبد الله بن حمران [بصري، صدوق]، قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، قال: أخبرني أبي، عن وهب بن كيسان، قال: اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير فصلى العيد، ولم يخرج إلى الجمعة، قال: فذكرت ذلك لابن عباس، فقال: ما أماط عن سُنَّة نبيه، فذكرت ذلك لابن الزبير، فقال: هكذا صنع بنا عمر.
أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٢٧٤).
قال ابن عبد البر: "هذا حديث اضطرب في إسناده".
قلت: الصواب رواية جماعة الثقات، وفيهم اثنان من الثقات الحفاظ الضابطين: يحيى بن سعيد القطان، وسليم بن أخضر، ورواية ابن حمران هذه وهمٌ بزيادة رجل في الإسناد، وقد سمعه عبد الحميد بن جعفر من وهب بن كيسان بلا واسطة، والله أعلم.
وقد صحح رواية الجماعة: ابن خزيمة والحاكم، واحتج بها النسائي، وترجم لها بقوله: "الرخصة في التخلف عن الجمعة لمن شهد العيد".
وأما ابن حزم فقد شذَّ فضعفه بعبد الحميد بن جعفر، وزعم بأنه ليس بالقوي، فلم يصب [المحلى (٥/ ٨٩)]؛ إنما هو صدوق، وثقه جماعة من الأئمة مثل: أحمد وابن معين وغيرهما [انظر: التهذيب (٢/ ٤٧٣) وغيره].
• قال ابن خزيمة: "قول ابن عباس: أصاب ابن الزبير السُّنَّة، يحتمل أن يكون أراد سُنَّة النبي - ﷺ -، وجائز أن يكون أراد سُنة أبي بكر، أو عمر، أو عثمان، أو علي، ولا إخال أنه أراد به: أصاب السُّنَّة في تقديمه الخطبة قبل صلاة العيد؛ لأن هذا الفعل خلاف سُنة النبي - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر، وإنما أراد تركه أن يجمِّع بهم بعدما قد صلى بهم صلاة العيد فقط، دون تقديم الخطبة قبل صلاة العيد".
قلت: الثابت عن النبي - ﷺ -، وعن عمر بن الخطاب تقديم الصلاة على الخطبة في
[ ١١ / ٣٨٦ ]
العيد، كما سيأتي بيانه في الشواهد بعد حديث أبي هريرة الآتي برقم (١٠٧٣)، والسُّنَّة عند الإطلاق يراد بها سُنَّة النبي - ﷺ -، لا سُنَّة الخلفاء الراشدين، وعليه: فإن مراد ابن عباس إنما ينحصر في الرخصة لمن شهد العيد ألا يشهد الجمعة حسب، لا أن الإمام يترك إقامة الجمعة، كما فعل ابن الزبير، إذ هو خلاف السُّنَّة، كما سبق تقريره في حديث زيد بن أرقم، وسيأتي بيانه في حديث النعمان بن بشير، والقول بتعدد الوقائع هنا بعيد لندرة وقوع ذلك.
وعلى هذا فقد صح الحديث مرفوعًا من حديث ابن عباس، وموقوفًا على عمر بن الخطاب أنه صنع ذلك، لكنه محمول على الترخيص في ترك شهود الجمعة لمن شهد صلاة العيد، لا في ترك التجميع بالناس، وأما فعل ابن الزبير في ترك التجميع بالناس، فهو خلاف السُّنَّة التي ثبتت بحديث النعمان بن بشير، في كون النبي - ﷺ - كان يجِّمع بالناس في يوم العيد، ولفعل الخليفة الراشد عثمان بن عفان، وقد أولته بهذا التأويل؛ لأن هذا هو الظن بعمر، ألا يفارق سُنَّة نبيه - ﷺ -، والدليل على أن ابن الزبير أراد بقوله: رأيتُ عمر بن الخطاب - ﵁ - إذا اجتمع عيدان صنع مثل هذا؛ يعني في الترخيص في ترك شهود الجمعة لمن شهد صلاة العيد؛ أن ابن الزبير نسب له خلاف الثابت من فعله بتقديم الخطبة على الصلاة، وإنما الثابت عن عمر عكسه، فكذلك نسب له القول بترك التجميع للإمام، ويمكن أن يقال بأن ابن الزبير فهم من عموم الرخصة للمأموم في ترك شهود الجمعة، ترك التجميع للإمام كذلك، حتى يكون أبلغ لهم في بيان الرخصة، فأنزل الإمام منزلة المأموم، فيكون هذا فهمًا خاصًا به، خالف فيه السُّنَّة الثابتة في حديث النعمان، وفعل الخليفة الراشد عثمان بن عفان، الآتي ذكره في الشواهد، والله أعلم.
• خالف عبد الحميد بن جعفر:
هشام بن عروة، فرواه عن وهب بن كيسان، قال: اجتمع عيدان في يومٍ، فخرج عبد الله بن الزبير فصلى العيد بعدما ارتفع النهار، ثم دخل فلم يخرج حتى صلى العصر، قال هشام: فذكرت ذلك لنافع، أو ذُكر له، فقال: ذُكر ذلك لابن عمر، فلم ينكره.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٧/ ٥٨٤١)، عن أبي أسامة [حماد بن أسامة: كوفي، ثقة ثبت]، عن هشام به.
قلت: هذه الرواية وهمٌ؛ وقد شك فيه هشام مما يدل على أنه لم يضبطه، لا سيما وهو مما حدث به بالعراق، والمعروف في ذلك أن الذي سئل عن فعل ابن الزبير هو ابن عباس، كما في رواية عطاء بن أبي رباح، وعبد الحميد عن وهب بن كيسان، ورواية أبي الزبير الآتية، والله أعلم.
• فقد وجدت له طريقًا ثالثة: فقد رواه ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير في جمع ابن الزبير بينهما يوم جمع بينهما، قال: سمعنا ذلك أن ابن عباس قال: أصاب؛ عيدان اجتمعا في يوم واحد.
[ ١١ / ٣٨٧ ]
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٣٠٤/ ٥٧٢٦)، ومن طريقه: ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٢٩٠/ ٢١٨٣).
وهذا السياق يدل على أن أبا الزبير لم يسمعه من ابن عباس، فهو مرسل [انظر: تحفة التحصيل (٢٨٧)، تحفة الأشراف (٦٤٥٢)]، والله أعلم.
***
١٠٧٣ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن المصفى، وعمر بن حفص الوُصَابي، المعنى، قالا: حدثنا بقية: حدثنا شعبة، عن المغيرة الضبي، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: "قد اجتمع في يومكم هذا عيدانٍ، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمِّعون"، قال عمر: عن شعبة.
الصواب: ما رواه جماعة الثقات عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن الني - ﷺ - مرسلًا، فهو مرسل بإسناد صحيح.
أخرجه من طريق أبي داود: ابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٢٧١ - ٢٧٢).
وأخرجه من طريق ابن المصفى:
الحاكم (١/ ٢٨٨) (١/ ١٣٩/ أ - مخطوط رواق المغاربة) (١٤/ ٥٠٧/ ١٨١٠٥ - إتحاف المهرة)، وأبو بكر الفريابي في أحكام العيدين (١٥٠)، وابن ماسي في فوائده (٣١)، والبيهقي (٣/ ٣١٨)، وابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٢٧٢)، وأبو طاهر السلفي في السادس والعشرين من المشيخة البغدادية (٣٢) (٢/ ٢٤٩/ ٢٢٥٣).
• هكذا رواه عن ابن المصفى: أبو داود سليمان بن الأشعث، وأبو بكر جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي، ومحمد بن وضاح، وعبد الله بن أحمد بن موسى الأهوازي الجواليقي [وهم ثقات حفاظ، وفيهم أئمة مصنفون]، ومحمد بن يحيى بن كثير الحمصي [لم أعرفه؛ إلا أن يكون هو الحراني المترجم في التهذيب (٣/ ٧٣٢)؛ فإنه يروي عن أبي اليمان الحكم بن نافع الحمصي، وهو من نفس طبقة ابن المصفى، والحراني: ثقة حافظ]، وجعفر بن أحمد بن عاصم الأنصاري الدمشقي الأنطاكي [ثقة. سؤالات السهمي (٢٤٠)، تاريخ بغداد (٨/ ١٠٨)، تاريخ الإسلام (٢٣/ ٢٠٥)].
• خالفهم عن ابن المصفى، فوهم وجعله من مسند ابن عباس:
ابن ماجه [محمد بن يزيد الربعي القزويني: ثقة حافظ، إمام]، قال: حدثنا محمد بن المصفى الحمصي، قال: حدثنا بقية، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثني مغيرة الضبي، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "اجتمع عيدان في يومكم هذا، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمِّعون إن شاء الله".
[ ١١ / ٣٨٨ ]
أخرجه ابن ماجه في السُّنن (١٣١١).
قال ابن حجر في النكت الظراف (٤/ ٣٨٣/ ٥٤١٩): "قد قال ابن ماجه في آخر الحديث: ما أظن إلا أنني وهمت في ابن عباس، والصواب: عن أبي هريرة".
• هكذا روى هذا الحديث عن بقية: محمد بن المصفى [حمصي، صدوق، كان يسوي حديث بقية]، وعمر بن حفص الوُصَابي [صدوق]، وتابعهما، فرواه عن بقية بهذا الإسناد والمتن:
يزيد بن عبد ربه الجرجسي [ثقة، من أثبت الناس في بقية]، ومحمد بن عمرو بن حنان الحمصي [صدوق].
ولفظ الجرجسي [عند الطحاوي]: اجتمع عيدانِ على عهد النبي - ﷺ - في يوم، فقال النبي - ﷺ -:" أيما شئتم أجزأكم"، ولفظه عند ابن الجارود؛ كالجماعة وهو الصواب، وهذا اللفظ المختصر وهمٌ؛ قد يكون من شيخ الطحاوي، محمد بن علي بن داود البغدادي، المعروف بابن أخت غزال، وهو: ثقة [تاريخ بغداد (٤/ ٩٨ - ط. الغرب)، تاريخ دمشق (٥٤/ ٣١٤)، السير (١٣/ ٣٣٨)، تاريخ الإسلام (٢٠/ ١٧٤)، المقفى الكبير (٦/ ٢٩٦)].
أخرجه ابن ماجه (١٣١١ م)، وابن الجارود (٣٠٢)، والبزار (١٥/ ٣٨٦/ ٨٩٩٥)، والطحاوي في المشكل (٣/ ١٩٠/ ١١٥٥) [باللفظ المختصر]. وابن شاهين في جزء من حديثه (٣٨)، وأبو طاهر المخلص في السابع من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٧٠) (١٤٠١ - المخلصيات)، والخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ٢١٨ - ط. الغرب)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٤٦٩/ ٨٠٥)، وفي التحقيق (٧٩٦).
وقد أنكر الأئمة هذا الحديث على بقية بن الوليد، وسيأتي نقل كلامهم.
• تابع بقية على هذا الوجه، فرواه عن عبد العزيز بن رفيع به متصلًا:
١ - زياد بن عبد الله، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: اجتمع عيدان على عهد النبي - ﷺ - فقال: "إنه قد اجتمع عيدكم هذا والجمعة، وإنا مجمِّعون، فمن شاء أن يجمِّع فليجمِّع"، فلما صلى العيد جمَّع.
أخرجه البزار (١٥/ ٣٨٦/ ٨٩٩٦)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١٩٢)، ومن طريقه: البيهقي (٣/ ٣١٨)، وابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٢٧٣)، وفي الاستذكار (٢/ ٣٨٦).
قلت: وزياد بن عبد الله البكائي: ثقة ثبت في مغازي ابن إسحاق، وفيما عدا المغازي فهو: ليس بالقوي، قال صالح بن محمد: "ليس كتاب المغازي عند أحد أصح منه عند زياد، وزياد في نفسه ضعيف" [انظر: الميزان (٢/ ٩١)، إكمال مغلطاي (٥/ ١١٤)، التهذيب (١/ ٦٥٠)].
قال ابن عدي: "وهذا يرويه عن عبد العزيز بن رفيع مع زياد البكائي: صالح بن موسى الطلحي، وروي عن شعبة عن عبد العزيز بن رفيع، ولا أعلم يرويه عن شعبة غير بقية".
[ ١١ / ٣٨٩ ]
قلت: صالح بن موسى الطلحي: متروك، منكر الحديث، ورواية زياد البكائي متابعة لرواية بقية، بنفس معناها، فقوله في رواية بقية: "فمن شاء أجزأه من الجمعة"؛ يعني: أن شهوده العيد يجزئه من شهود الجمعة، ويسقط عنه فرض شهودها حسب، لا أنه يسقط عنه فرض الظهر، كما أنه خيره وجعل شهود الجمعة بعد ذلك إلى مشيئته، فإن شاء جمَّع مع الإمام، وإن شاء لم يجمِّع، وهو معنى حديث زياد، فلا مخالفة بينهما، كما ظن بعضهم.
٢ - قال البيهقي: "رواه أيضًا عبد العزيز بن منيب المروزي، عن علي بن الحسن بن شقيق: ثنا أبو حمزة، عن عبد العزيز موصولا، وهو في التاريخ، ورواه سفيان الثوري عن عبد العزيز فأرسله".
قلت: هو إسناد مروزي جيد إلى عبد العزيز بن رفيع، لكن كلام الدارقطني في العلل (١٠/ ٢١٧/ ١٩٨٤) يدل على أن: المحفوظ عن أبي حمزة السكري هو المرسل.
٣ - ورواه أبو بلال الأشعري [ضعيف. اللسان (٨/ ٢٦) و(٩/ ٣٢)]، عن أبي بكر بن عياش، عن عبد العزيز بن رفيع به متصلًا.
أخرجه الدارقطني في الأفراد (٢/ ٣٨٢/ ٥٨٢٠ - أطرافه).
وقال: "تفرد به أبو بلال الأشعري، عن أبي بكر بن عياش، عن عبد العزيز بن رفيع عنه متصلًا".
• خالفهم فأرسله:
١ - رواه يحيى بن سعيد القطان، وأبو داود الطيالسي، وأبو عامر العقدي، والحسين بن حفص، وعبد الرزاق بن همام [وهم ثقات]:
قالوا: حدثنا سفيان [الثوري]، عن عبد العزيز بن رفيعٍ، عن ذكوان، قال: اجتمع عيدان على عهد النبي - ﷺ - فقال: "إنكم قد أصبتم خيرًا وذكرًا، وإنا مجمِّعون، فمن شاء أن يجمِّع فليجمِّع، ومن شاء أن يرجع فليرجع".
وفي رواية: اجتمع عيدان على عهد رسول الله - ﷺ -، يومُ جمعة ويومُ عيد، فصلى، ثم قام فخطب الناس، فقال: فذكر نحوه.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٣٠٤/ ٥٧٢٨)، والطحاوي في المشكل (٣/ ١٩١/ ١١٥٦)، والبيهقي (٣/ ٣١٨)، وعلقه ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٣٨٥).
٢ - ورواه أبو عوانة [ثقة ثبت، متقن لكتابه]، عن عبد العزيز بن رفيع، قال: سألت أهل المدينة، فقلت: كان رسول الله - ﷺ - عشر سنين بالمدينة فما اجتمع عيدان في يوم؟ قالوا: بلى، قام فحمد الله وأثنى عليه، وقال: "إنه قد اجتمع لكم عيدانِ، وقد أصبتم ذكرًا وخبرًا، وإنا مجمِّعون، فمن شاء أن يأتينا فليأتنا، ومن شاء أن يجلس فليجلس"، فلقيت ذكوان أبا صالح، فقال لي مثل ما قال أهل المدينة.
أخرجه أبو بكر الفريابي في أحكام العيدين (١٥١).
• وقد تابعهما على إرساله عن عبد العزيز بن رفيع جماعة من الثقات: سفيان بن
[ ١١ / ٣٩٠ ]
عيينة، وزائدة بن قدامة، وجرير بن عبد الحميد، وأبو حمزة السكري، وغيرهم [ذكرهم الدارقطني في العلل (١٠/ ٢١٧/ ١٩٨٤)].
قلت: رواية الثوري، وأبي عوانة، وسفيان بن عيينة، وزائدة بن قدامة، وجرير بن عبد الحميد، وأبي حمزة السكري: هي الصواب، وأخطأ من وصل هذا الحديث؛ إنما هو: عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح السمان، عن النبي - ﷺ - مرسلًا.
فهو مرسل بإسناد صحيح.
• قال أبو بكر الأثرم أحمد بن محمد بن هانئ: "قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: بلغني أن بقية روى عن شعبة عن مغيرة عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة في العيدين يجتمعان في يوم، من أين جاء بقية بهذا؟ كأنه يعجب منه، ثم قال أبو عبد الله: قد كتبت عن يزيد بن عبد ربه عن بقية عن شعبة حديثين، ليس هذا فيهما، وإنما رواه الناس عن عبد العزيز عن أبي صالح مرسلًا" [تاريخ بغداد (٤/ ٢١٨)، العلل المتناهية (١/ ٤٦٩)].
وقال أبو حاتم لما سئل عن حديث بقية: "رواه أبو عوانة عن عبد العزيز بن رفيع، قال: شهدت الحجاج بن يوسف، واجتمع عيدان في يوم، فجمعوا، فسألت أهل المدينة، قلت: كان فيكم رسول الله - ﷺ - عشر سنين، فهل اجتمع عيدان؟ قالوا: نعم"، قال أبو حاتم: "هذا أشبه" [العلل (١/ ٢٠٨/ ٦٠٢)].
وقال البزار:" وحديث المغيرة عن عبد العزيز: لا نعلم رواه عن شعبة وأسنده إلا بقية، وحديث عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة: فقد رواه غير واحد عن أبي صالح مرسلًا".
وقال الدارقطني: "هذا حديث غريب من حديث مغيرة، ولم يروه [وفي العلل والتنقيح والبدر: ولم يرفعه] عنه غير شعبة، وهو أيضًا غريب عن شعبة، لم يروه عنه غير بقية، وقد رواه زياد البكائي وصالح بن موسى الطلحي عن عبد العزيز بن رفيع متصلًا، وروي عن الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، وهو غريب عنه، ورواه جماعة عن عبد العزيز عن أبي صالح عن النبي - ﷺ - مرسلًا، لم يذكروا أبا هريرة" [تاريخ بغداد (٤/ ٢١٨)، العلل المتناهية (١/ ٤٦٩)، التنقيح (٢/ ٧٥)، البدر المنير (٥/ ١٠٢)].
وقال في العلل (١٠/ ٢١٧/ ١٩٨٤) بعد أن ذكر من رواه متصلًا: "وخالفه الحميدي عن ابن عيينة فأرسله، ولم يذكر أبا هريرة، وكذلك رواه الثوري، واختلف عنه، وكذلك رواه أبو عوانة، وزائدة، وشريك، وجرير بن عبد الحميد، وأبو حمزة السكري، كلهم: عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح مرسلًا، وهو الصحيح".
وأخطأ الحاكم فقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فإن بقية بن الوليد لم يختلف في صدقه إذا روى عن المشهورين، وهذا حديث غريب من حديث شعبة والمغيرة
[ ١١ / ٣٩١ ]
وعبد العزيز، وكلهم ممن يجمع حديثه"، والصواب مع ما قاله الأئمة.
وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٢٧٢): "وهذا الحديث لم يروه فيما علمت عن شعبة أحد من ثقات أصحابه الحفاظ، وإنما رواه عنه بقية بن الوليد، وليس بشيء في شعبة أصلًا، وروايته عن أهل بلده أهل الشام فيها كلام، وأكثر أهل العلم يضعفون بقية عن الشاميين وغيرهم، وله مناكير، وهو ضعيف، ليس ممن يحتج به"، قلت: بقية: صدوق، إلا أنه أخطأ في هذا الحديث، والله أعلم.
• وفي الباب أيضًا:
١ - حديث ابن عمر:
يرويه جبارة بن المغلس، قال: حدثنا مندل بن علي، عن عبد العزيز بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: اجتمع عيدان على عهد رسول الله - ﷺ - فصلى بالناس، ثم قال: "من شاء أن يأتي الجمعة فليأتها، ومن شاء أن يتخلف فليتخلف".
أخرجه ابن ماجه (١٣١٢)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٤٥٥)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٤٧٠/ ٨٠٦)، وفي التحقيق (٧٩٧).
قال ابن عدي بعد أن أخرجه في ترجمة مندل: "ولمندل غير ما ذكرت، وله أحاديث أفراد وغرائب، وهو ممن يكتب حديثه".
قلت: هو حديث باطل؛ عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز الأموي: صدوق، روى له الشيخان، ومندل بن علي: ضعيف، له غرائب وأفراد، وهذا منها، وجبارة بن المغلس: واهٍ، يروي أحاديث كذب، لا يتعمدها [التهذيب (١/ ٢٨٨)].
* وله إسناد آخر:
يرويه سعيد بن راشد السماك: ثنا عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر، قال: اجتمع عيدان على عهد رسول الله - ﷺ -، يوم فطر وجمعة، فصلى بهم رسول الله - ﷺ - صلاة العيد، ثم أقبل عليهم بوجهه فقال: "يا أيها الناس إنكم قد أصبتم خيرًا وأجرًا، وإنا مجمِّعون، فمن أراد أن يجمِّع معنا فليجمِّع، ومن أراد أن يرجع إلى أهله فليرجع".
أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٤٣٥/ ١٣٥٩١)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٣٨٢).
قال ابن عدي: "ولسعيد بن راشد غير ما ذكرت من الحديث شيء يسير، وراوياته عن عطاء وابن سيرين وغيرهما لا يتابعه أحد عليها".
قلت: هو حديث منكر، لتفرد سعيد بن راشد به عن عطاء، وسعيد بن راشد المازني السماك: منكر الحديث، متروك، يروي عن عطاء وغيره ما لا يتابع عليه [الكامل (٣/ ٣٨١)، اللسان (٤/ ٤٨)]، والمعروف عن عطاء في هذا: قصة عبد الله بن الزبير [وقد تقدمت برقمي (١٠٧١ و١٠٧٢)].
٢ - أثر عثمان بن عفان موقوفًا عليه:
يرويه مالك بن أنس، ومعمر بن راشد، وعقيل بن خالد، وسفيان بن عيينة،
[ ١١ / ٣٩٢ ]
ويونس بن يزيد، وصالح بن كيسان، وشعيب بن أبي حمزة، ومحمد بن الوليد الزبيدي، وابن أخي الزهري محمد بن عبد الله بن مسلم، وابن جريج، ومحمد بن إسحاق [وهم ثقات، مع اختلاف طبقاتهم في الزهري]، وسفيان بن حسين [ضعيف في الزهري]، والنعمان بن راشد [ليس بالقوي]، وإبراهيم بن إسماعيل بن مجمع [ضعيف]:
عن الزهري، قال: حدثني أبو عبيد مولى ابن أزهر؛ أنه شهد العيد يوم الأضحى مع عمر بن الخطاب - ﵁ -، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب الناس، فقال: يا أيها الناس! إن رسول الله - ﷺ - قد نهاكم عن صيام هذين العيدين، أما أحدهما: فيوم فطركم من صيامكم، وأما الآخر: فيوم تأكلون من نسككم.
قال أبو عبيد: ثم شهدت العيد مع عثمان بن عفان، فكان ذلك يوم الجمعة، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب فقال: يا أيها الناس! إن هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدانِ، فمن أحبَّ أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع فقد أذنتُ له.
قال أبو عبيد: ثم شهدته مع علي بن أبي طالب [وعثمان يومئذ محصور]، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب الناس، فقال: إن رسول الله - ﷺ - نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث.
وفي رواية: قال رسول الله - ﷺ -:" لا يحل لامرئ مسلم أن يصبح في بيته بعد ثلاث من لحم نسكه شيء".
وزاد معمر: بلا أذان ولا إقامة، في المواضع الثلاث.
أخرجه مطولًا بتمامه، أو مفرقًا على الأبواب والمسانيد: البخاري (١٩٩٠ و٥٥٧١ و٥٥٧٢ و٥٥٧٣)، ومسلم (١١٣٧ و١٩٦٩)، وأبو عوانة (٢/ ٢١٨/ ٢٩٢ - ٢٩٠٩) و(٥/ ٧٧ و٧٨/ ٧٨٥٤ - ٧٨٥٨)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٦/ ٢١٣/ ٢٥٨٤)، ومالك في الموطأ (١/ ٢٥١/ ٤٩١)، وأبو داود (٢٤١٦)، والترمذي (٧٧١)، وقال: "صحيح"، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٣/ ٤٣٠/ ٧١٥)، والنسائي في المجتبى (٧/ ٢٣٢ - ٢٣٣/ ٤٤٢٤) و(٧/ ٢٣٣/ ٤٤٢٥)، وفي الكبرى (٣/ ٢١٨/ ٢٨٠٢) و(٤/ ٣٥٩/ ٤٤٩٨ و٤٤٩٩)، وابن ماجه (١٧٢٢)، وابن خزيمة (٤/ ٣١٢/ ٢٩٥٩)، وابن الجارود (٤٠١)، وابن حبان (٨/ ٣٦٥/ ٣٦٠٠)، والشافعي في الأم (١/ ٢٣٩)، وفي السُّنن (١٧٧ و١٨٠)، وفي المسند (٧٧)، وأحمد (٤/ ٢١ و٣٤ و٤٠ و٧٨ و١٠٣ و١٤٠ و١٤١ و١٤٩) [وانظر: طبعة المكنز (١/ ٨٣/ ٢٣٠)، إتحاف المهرة (١٢/ ٤٠٩/ ١٥٨٥٧)]، وعبد الرزاق (٣/ ٢٨١/ ٥٦٣٦) و(٣/ ٣٠٥/ ٥٧٣٢) و(٤/ ٣٠٢/ ٧٨٧٩)، والحميدي (٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٧/ ٥٨٣٧) و(٢/ ٣٤٦/ ٩٧٦٧)، وأبو بكر الفريابي في أحكام العيدين (٧ و٨ و٧٤ - ٧٨ و٨٠ - ٨٤)، وأبو يعلى (١/ ٢٠١/ ٢٣٢)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٢٩١/ ٢١٨٥)، والطحاوي في شرح المعاني (٢/ ٢٤٧) و(٤/ ١٨٤)، وفي المشكل (٣/ ١٩٢)، وفي أحكام القرآن (٨٤٩ - ٨٥١)، والمحاملي في الأمالي (١٨٤ و٢٠٥)، وأبو
[ ١١ / ٣٩٣ ]
أحمد الحاكم في عوالي مالك (٤٤)، والجوهري في مسند الموطأ (٢٠٤)، والبيهقي في السُّنن (٣/ ٣١٨) و(٤/ ٢٦٠ و٢٩٧) و(٩/ ٢٩٥)، وفي المعرفة (٣/ ٤٧/ ١٩١٥) و(٣/ ٦٦/ ١٩٥٧) و(٣/ ٤٣٨/ ٢٥٩٧)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٦/ ٣٤٨/ ١٧٩٥).
• تنبيهات:
الأول: وقع عند النسائي في الصغرى (٤٤٢٤)، قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، عن غندر، قال: حدثنا معمر، بينما قال في الكبرى (٤٤٩٨): أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن غندر، قال: حدثنا سعيد، قال: أخبرنا معمر، فزاد في الإسناد سعيد بن أبي عروبة [وقد نبه عليه الحافظ في النكت (١٠٣٣٢)].
وقد رواه أحمد (١/ ٧٨ و١٤٠) عن غندر، مثل رواية النسائي في الصغرى، فقال: حدثنا محمد بن جعفر: حدثنا معمر به بحديث علي وحده، بدون ذكر سعيد في الإسناد، وهو المحفوظ.
الثاني: قال ابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٢٤٢): "أظن مالكًا ﵀ إنما قصر في موطئه عن ذكر النهي عن الأكل من النسك بعد ثلاث في حديث علي هذا، من رواية معمر هذه والله أعلم؛ لأن ذلك عنده منسوخ، وحديث علي به في ذلك الوقت حين سمعه أبو عبيد عمل، والعمل بالمنسوخ لا يجوز، فلذلك أنكره، وترك ذكره من هذا الوجه".
الثالث: وقع في رواية عبد الجبار بن العلاء عن ابن عيينة [عند مسلم]، حديث علي في النهي عن الأكل من لحوم الأضاحي فوق ثلاث مرفوعًا، وأوقفه: الحميدي، ولم يذكره قتيبة بن سعيد، قال أبو مسعود: "ولم يسنده عن ابن عيينة غير عبد الجبار" [التحفة (٧/ ٣٠٦/ ١٠٦٦٣)].
قال أبو بكر الحميدي: "قلت لسفيان: إنهم يرفعون هذه الكلمة عن علي بن أبي طالب؛ قال سفيان: لا أحفظها مرفوعة، وهى منسوخة".
قلت: قصر في رفعها سفيان، ومالك كأنه تركها عمدًا، وأثبتها مرفوعة: معمر بن راشد، وصالح بن كيسان، وعقيل بن خالد، وشعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد، والنعمان بن راشد، وهو المحفوظ.
• وقد رواه ابن أبي ذئب [مدني، ثقة]، عن سعيد بن خالد بن عبد الله بن قارظ [مدني، ثقة]، عن أبي عبيد، قال: شهدت عليًّا وعثمان في يوم النحر والفطر يصليان، ثم ينصرفان، فيذَكِّران الناس، وسمعتهما يقولان: نهى رسول الله - ﷺ - عن صوم هذين اليومين. قال: وسمعت عليًّا يقول: نهى رسول الله - ﷺ - أن يبقى من نسككم عندكم شيء بعد ثلاث.
أخرجه النسائي في الكبرى (٣/ ٢١٧/ ٢٨٠١)، وأحمد (١/ ٦١ و٧٠)، وابنه عبد الله في زيادات المسند (١/ ٦٠)، والشافعي في السُّنن (١٧٨)، والطحاوي في شرح المعاني (٢/ ٢٤٧)، وفي أحكام القرآن (٨٥٢).
وإسناده مدني صحيح.
[ ١١ / ٣٩٤ ]
٣ - أثر علي بن أبي طالب موقوفًا عليه:
يرويه أبو الأحوص سلام بن سليم [ثقة متقن]، وسفيان الثوري [ثقة ثبت، إمام حجة]:
عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: اجتمع عيدانِ على عهد علي، فصلى بالناص، ثم خطب على راحلته، فقال: يا أيها الناس من شهد منكم العيد فقد قضى جمعتَه إن شاء الله. لفظ أبي الأحوص.
ولفظ الثوري: اجتمع عيدان في يوم، فقال: من أراد أن يجمِّع فليجمِّع، ومن أراد أن يجلس فليجلس. قال سفيان: يعني: يجلس في بيته.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٣٠٥/ ٥٧٣١) [تحرف في المطبوع من المصنف: عبد الأعلى إلى عبد الله، والتصحيح من الاستذكار (٢/ ٣٨٤)]، وابن أبي شيبة (٢/ ٧/ ٥٨٣٨)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٢٩٠/ ٢١٨٤).
ولا يصح هذا؛ فإن عبد الأعلى بن عامر الثعلبي: ليس بذاك القوي، قال ابن عدي: "يحدث عن سعيد بن جبير وابن الحنفية وأبي عبد الرحمن السلمي بأشياء لا يتابع عليها" [وانظر ترجمته تحت الحديث رقم (٦٢١ و٦٩٤)].
• ورواه حاتم بن إسماعيل [مدني، صدوق، قال ابن المديني: "روى عن جعفر عن أبيه أحاديث مراسيل أسندها"، التهذيب (١/ ٣٢٣)]، وحفص بن غياث [كوفي، ثقة]:
عن جعفر بن محمد [جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين: صدوق، فقيه إمام]، عن أبيه [ثقة، لم يدرك عليًّا]، قال: اجتمع عيدان على عهد علي، فقال: إن هذا يوم اجتمع فيه عيدان، فمن أحب أن يجمع معنا فليفعل، ومن كان متنحيًا فإن له رخصة.
وفي رواية حفص: اجتمع عيدان على عهد علي، فشهد بهم العيد، ثم قال: إنا مجمعون، فمن أراد أن يشهد فليشهد.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٧/ ٥٨٣٩)، وأبو بكر الفريابي في أحكام العيدين (١٥٢)، وانظر: مصنف عبد الرزاق (٣/ ٣٠٥/ ٥٧٣٠).
وهذا منقطع، بل معضل.
• وروى أبو عوانة، عن قتادة، عن الحسن، قال: اجتمع عيدان على عهد علي، فصلى أحدهما، ولم يصل الآخر.
أخرجه أبو بكر الفريابي في أحكام العيدين (٩).
وهذا مرسل؛ الحسن البصري رأى عليًّا وهو صغير بالمدينة، ولم يسمع منه شيئًا [المراسيل (٩٣ و٩٤)، تحفة التحصيل (٦٧)]، وهو هنا يحكي واقعة لم يشهدها، ومراسيل الحسن من أضعف المراسيل؛ لأنه كان يأخذ عن كل أحد.
وعليه؛ فلا يصح نسبة هذا القول إلى علي بن أبي طالب.
[ ١١ / ٣٩٥ ]
٤ - مرسل عمر بن عبد العزيز:
يرويه وهيب بن خالد [ثقة ثبت]، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي [متروك، كذبه جماعة]:
عن إبراهيم بن عقبة [مدني، ثقة]، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب في عيدين اجتمعا، فقال: قد وافق هذا على عهد رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: "من كان من أهل العالية، فمن أحب أن يشهد الجمعة فليشهد، ومن قعد قعد من غير حرج).
أخرجه الشافعي في الأم (١/ ٢٣٩)، وفي المسند (٧٧)، وأبو بكر الفريابي في أحكام العيدين (١٥٤)، والبيهقي في المعرفة (٣/ ٦٥/ ١٩٥٥).
وهذا مرسل بإسناد صحيح.
• قال علي بن المديني: "في هذا الباب غير ما حديث عن النبي - ﷺ - بإسناد جيد" [الاستذكار (٢/ ٣٨٦)، الأحكام الكبرى (٢/ ٤٧٥)، الأحكام الوسطى (٢/ ١١١)].
* فإن قيل: يعارض ما تقدم:
ما رواه أبو عوانة، وسفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وجرير بن عبد الحميد، ومسعر بن كدام، والقاسم بن معن، وغيلان بن جامع، وسفيان بن عيينة [وعنه: عبد الجبار بن العلاء]:
عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يومٍ واحدٍ، يقرأ بهما أيضًا في الصلاتين.
وفي رواية: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في العيدين والجمعة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأ بهما.
وفي رواية: فإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد قرأ بهما جميعًا في الجمعة والعيد.
ومنهم من اختصر الحديث فجعله في الجمعة وحدها.
أخرجه مسلم (٨٧٨/ ٦٢)، وأبو عوانة (١٣/ ٥٢١/ ١٧٠٨٨ - إتحاف المهرة)، وأبو نعيم في المستخرج (٢/ ٤٦٣/ ١٩٧٣)، وأبو داود (١١٢٢)، والترمذي في الجامع (٥٣٣)، وفي العلل (١٥٢)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه على الجامع "مختصر الأحكام" (٣/ ٦٠/ ٥٠٢)، والنسائي في المجتبى (٣/ ١١٢/ ١٤٢٤) و(٣/ ١٥٦٨/١٨٤) و(٣/ ١٩٤/ ١٥٩٠)، وفي الكبرى (٢/ ٢٨٨/ ١٧٥٠ و١٧٥٢) و(٣/ ٣٠٣/ ١٧٨٨) و(١٠/ ٣٣٢/ ١١٦٠١)، وابن ماجه (١٢٨١)، والدارمي (١/ ٤٤٣/ ١٥٦٨) و(١/ ٤٥٧/ ١٦٠٧)، وابن خزيمة (٢/ ٣٥٨/ ١٤٦٣)، وابن حبان (٧/ ٦١/ ٢٨٢١) و(٧/ ٦٢/ ٢٨٢٢)، وابن الجارود (٣٠٠)، وأحمد (٤/ ٢٧٣ و٢٧٦ و٢٧٧)، والطيالسي (٢/ ١٤٣/ ٨٣٢)، وعبد الرزاق (٣/
[ ١١ / ٣٩٦ ]
١٨٠/ ٥٢٣٥) و(٣/ ٢٩٨/ ٥٧٠٦)، والحميدي (٩٢١)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٧١/ ٥٤٥٢) و(١/ ٤٩٦/ ٥٧٢٧) و(٢/ ٧/ ٥٨٤٠) و(٧/ ٣١٩/ ٣٦٤٧٣ و٣٦٤٧٤)، والبزار (٨/ ١٩٣/ ٣٢٢٩)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٨٤٤)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٢٨٣/ ٢١٧٤) و(٤/ ٢٨٧/ ٢١٨٠)، والطحاوي (١/ ٤١٣)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٢٦٣)، والطبراني في الكبير (٢١/ ١٣٢ - ١٣٦/ ١٦٢ - ١٧٠ - مسند النعمان)، وفي الصغير (١٠٤٢)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٤٠٥)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٨٤) و(١٠/ ٢٩)، وأبو العباس المستغفري في فضائل القرآن (٩٩٣ و٩٩٤)، والبيهقي في السُّنن (٣/ ٢٠١ و٢٩٤)، وفي الشعب (٢/ ٤٨٨/ ٢٤٨٩)، وابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٣٢٥)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ٢٧٢/ ١٠٩٠)، وقال: "هذا حديث صحيح"، وفي الشمائل (٦٤١)، وفي التفسير (٤/ ٣٤٦).
• وقد اختلف فيه على ابن عيينة:
أ - فرواه عنه به هكذا كالجماعة: عبد الجبار بن العلاء [ثقة] [عند ابن خزيمة]، ومحمد بن الصباح الجرجرائي [ثقة] [عند ابن ماجه].
ب - وخالفهما: الحميدي، وأحمد بن حنبل، وحامد بن يحيى البلخي، وهارون بن معروف [وهم ثقات حفاظ، وفيهم اثنان من أثبت أصحاب ابن عيينة: الحميدي وأحمد]:
فرووه عن ابن عيينة: ثنا إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير؛ أن النبي - ﷺ - قرأ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعًا.
أخرجه أحمد (٤/ ٢٧١)، والحميدي (٩٢٠)، والطبراني في الكبير (٢١/ ١٣٣/ ١٦٤ - مسند النعمان)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٤٠٥).
قال الحميدي: "كان سفيان يغلط فيه".
وقال أبو حاتم: "الصحيح: ما رواه جرير، ووهم في هذا الحديث: ابن عيينة" [العلل (١/ ١٢٧/ ٣٥١)].
وقال عبد الله بن أحمد في المسند: "حبيب بن سالم سمعه من النعمان، وكان كاتبه، وسفيان يخطئ فيه، يقول: حبيب بن سالم عن أبيه، وهو سمعه من النعمان".
وقال الترمذي في الجامع: "حديث النعمان بن بشير حديث حسن صحيح.
وهكذا روى سفيان الثوري، ومسعر، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، مثل حديث أبي عوانة، وأما ابن عيينة فيختلف عليه في الرواية، يُروى عنه عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير، ولا يعرف لحبيب بن سالم رواية عن أبيه، وحبيب بن سالم هو مولى النعمان بن بشير، وروى عن النعمان بن بشير أحاديث، وقد روي عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر نحو رواية هؤلاء".
[ ١١ / ٣٩٧ ]
وقال في العلل: "سألت محمدًا [يعني: البخاري] عن هذا الحديث؟ فقال: هو حديث صحيح، وكان ابن عيينة يروي هذا الحديث عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر فيضطرب في روايته، قال مرة: حبيب بن سالم عن أبيه عن النعمان بن بشير، وهو وهمٌ، والصحيح: حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير".
• وقد تُكُلِّم في حبيب بن سالم بما لا يقدح، والعمل على توثيقه، وأعل بعضهم حديثه هذا [أعني: العقيلي، وأخطأ في ذلك]، والعمل على تصحيحه، فهو حديث صحيح محفوظ، صححه: البخاري، ومسلم، وأبو عوانة، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجارود، والبغوي، والقول قولهم، وسيأتي لذلك مزيد بيان عند ذكر طرق حديث النعمان، في موضعه من السُّنن برقم (١١٢٢)، إن شاء الله تعالى.
• ترجم له ابن خزيمة بقوله: "باب اجتماع العيد والجمعة في يوم واحد، وصلاة الإمام بالناس العيد ثم الجمعة، وإباحة القراءة فيهما جميعًا بسورتين بأعيانهما".
وبوب له النسائي: "اجتماع العيدين وشهودهما".
فيقال: لا تعارض بين حديث النعمان هذا وأحاديث الباب القاضية بجواز التخلف عن شهود الجمعة لمن شهد العيد، وذلك لأن حديث النعمان دل على فعل النبي - ﷺ - بإقامة الصلاتين للناس، وأما حديث زيد بن أرقم، وحديث ابن عباس، ومرسل أبي صالح، ومرسل عمر بن عبد العزيز، وفعل عمر وعثمان، فقد دلت على إباحة التخلف للمأموم عن صلاة الجمعة إذا شهد العيد، فيصليها ظهرًا، كما فعل ابن الزبير، وقد ذهب ابن الزبير وهو إمام إلى الاكتفاء بصلاة العيد، ولم يصلِّ الجمعة، بل صلاها ظهرًا، وفعل النبي - ﷺ - هو الحجة في هذا الباب، فقد صلى الصلاتين جميعًا، وتبعه على ذلك الخليفة الراشد عثمان، والله أعلم.
• ومن فقه هذا الباب:
قال عبد الله بن أحمد: "سألت أبي عن عيدين اجتمعا في يوم؛ يترك أحدهما؟ قال: لا بأس به، أرجو أن يجزئه لما [مسائل عبد الله (٤٨٢)].
وفي طبقات الحنابلة (١/ ٢١٥) نقلًا عن الميموني: "قلت لأحمد: اجتمع عيدان في يوم، أيكفي أحدهما من الآخر؟ قال: أما الإمام فيجمعهما جميعًا، ومن شاء ذهب في الآخر، ومن شاء قعد".
وقال ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٢٩١) (٤/ ٣٣٤ - ط. دار الفلاح): "أجمع أهل العلم على وجوب صلاة الجمعة، ودلت الأخبار الثابتة عن رسول الله - ﷺ - على أن فرائض الصلوات خمس، وصلاة العيدين ليس من الخمس، وإذا دل الكتاب والسُّنَّة والاتفاق على وجوب صلاة الجمعة، ودلت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - على أن صلاة العيد تطوع، لم يجز ترك فرض بتطوع".
قلت: من صلى الظهر بدل الجمعة لم يترك فرضًا بتطوع.
[ ١١ / ٣٩٨ ]
وقال الطحاوي في المشكل (٣/ ١٨٧): " أن المرادِين بالرخصة في ترك الجمعة في هذين الحديثين هم أهل العوالي الذين منازلهم خارجة عن المدينة، ممن ليست الجمعة عليهم واجبة؛ لأنهم في غير مصر من الأمصار، والجمعة فإنما تجب على أهل الأمصار، ".
سبق بيان وجه الخطأ في هذا القول في أثناء البحث، وأن أهل العوالي ممن تجب عليهم الجمعة على الصحيح، كما أن الرخصة لا تخصهم وحدهم.
وقال ابن حزم في المحلى (٥/ ٨٩): "الجمعة فرض، والعيد تطوع، والتطوع لا يسقط الفرض".
وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٢٧١):" وأما القول الأول: إن الجمعة تسقط بالعيد، ولا تصلى ظهرًا ولا جمعة؛ فقولٌ بيِّنُ الفساد، وظاهرُ الخطأ، متروك مهجور، لا يعرَّج عليه؛ لأن الله - ﷺ - يقول: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾، ولم يخص يوم عيد من غيره، وأما الآثار المرفوعة في ذلك فليس فيها بيان سقوط الجمعة والظهر، ولكن فيها الرخصة في التخلف عن شهود الجمعة، وهذا محمول عند أهل العلم على وجهين:
أحدهما: أن تسقط الجمعة عن أهل المصر وغيرهم، ويصلون ظهرًا، والآخر: أن الرخصة إنما وردت في ذلك لأهل البادية ومن لا تجب عليه الجمعة".
قلت: نعم؛ من قال بسقوط الجمعة والظهر معًا عمن شهد العيد فقوله بين الفساد، والصحيح هو الوجه الأول.
وقال أيضًا (١٠/ ٢٧٤): "وفي ذلك دليل على أن فرض الجمعة والظهر لازم، وأنها غير ساقطة، وأن الرخصة إنما أريد بها من لم تجب عليه الجمعة ممن شهد العيد من أهل البوادي، والله أعلم، وهذا تأويل تعضده الأصول، وتقوم عليه الدلائل، ومن خالفه فلا دليل معه، ولا حجة له".
قد بينت الحجة والدليل على ذلك.
وقال أيضًا (١٠/ ٢٧٧): "وإذا احتملت هذه الآثار من التأويل ما ذكرنا؛ لم يجز لمسلم أن يذهب إلى سقوط فرض الجمعة عمن وجبت عليه؛ لأن الله - ﷺ - يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، ولم يخص الله ورسوله يومَ عيدٍ من غيره من وجه تجب حجته، فكيف بمن ذهب إلى سقوط الجمعة والظهر المجتمع عليهما في الكتاب والسُّنَّة والإجماع؛ بأحاديث ليس منها حديث إلا وفيه مطعن لأهل العلم بالحديث، ولم يخرج البخاري ولا مسلم بن الحجاج منها حديثًا واحدًا، وحسبك بذلك ضعفًا لها".
قلت: عدم تخريج البخاري ومسلم للحديث ليس دليلًا على ضعفه بإطلاق.
[ ١١ / ٣٩٩ ]
وقال في الاستذكار (٢/ ٣٨٦): "ليس في شيء من آثار هذا الباب ما ذكرناه منها وما سكتنا عنه أن صلاة الجمعة لم يقمها الأئمة في ذلك اليوم، وإنما فيها أنهم أقاموها بعد إذنهم المذكور عنهم، وذلك عندنا لمن قصد العيدين غير أهل المصر، والله أعلم".
• وأختم هذا الباب بكلام مفيد لشيخ الإسلام أبي العباس بن تيمية يبين فيه الحكمة من هذا الترخيص، حيث يقول: "وأيضًا: فإنه إذا شهد العيد حصل مقصود الاجتماع، ثم إنه يصلي الظهر إذا لم يشهد الجمعة، فتكون الظهر في وقتها، والعيد يحصِّل مقصودَ الجمعة، وفي إيجابها على الناس تضييق عليهم، وتكدير لمقصود عيدهم، وما سن لهم من السرور فيه والانبساط، فإذا حبسوا عن ذلك عاد العيد على مقصوده بالإبطال، ولأن يوم الجمعة عيد ويوم الفطر والنحر عيد، ومن شأن الشارع إذا اجتمع عبادتان من جنس واحد أدخل إحداهما في الأخرى، كما يدخل الوضوء في الغسل، وأحد الغسلين في الآخر، والله أعلم" [مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢١١)].
***