١٠٨٧ - . . . يونس، عن ابن شهاب: أخبرني السائب بن يزيد؛ أن الأذان كان أوَّلُه حين يجلسُ الإمامُ على المنبر يومَ الجمعة في عهد النبي - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر، فلما كان خلافةُ عثمان وكثُرَ الناسُ؛ أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث، فأُذِّن به على الزَّوْراء، فثبت الأمر على ذلك.
* حديث صحيح
أخرجه البخاري (٩١٦)، والنسائي في المجتبى (٣/ ١٠٠/ ١٣٩٢)، وفي الكبرى (٢/ ٢٧٤/ ١٧١٢)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٤٧ / ٦٦٤٨ و٦٦٤٩ و٦٦٥١)، والبيهقي (٣/ ٢٠٥)، وابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٢٤٧ - ٢٤٨).
رواه عن يونس: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعنبسة بن خالد.
• تابع يونس بن يزيد عليه:
١ - ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: كان النداء يوم الجمعة أوَّلُه إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر - ﵄ -، فلما كان عثمان - ﵁ - وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء [لفظ آدم عند البخاري].
وفي رواية [عند ابن المنذر، وبنحوه مختصرًا عند الترمذي]: أن النداء يوم الجمعة كان أوله إذا خرج الإمام في زمان رسول الله - ﷺ -، وفي زمان أبي بكر، وفي زمان عمر؛ إذا خرج الإمام، وإذا قامت الصلاة، حتى كان زمن عثمان فكثر الناس؛ فزاد النداء الثالث على الزوراء، فثبت حتى الساعة.
وفي أخرى [عند ابن خزيمة]: كان الأذان على عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر: أذانين يوم الجمعة، حتى كان زمن عثمان، فكثر الناس، فأمر بالأذان الأول بالزوراء.
أخرجه البخاري (٩١٢)، والترمذي (٥١٦)، وقال: "حسن صحيح"، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٣/ ٣٦ / ٤٨٥)، وابن خزيمة (٣/ ١٣٦/ ١٧٧٣) و(٣/ ١٣٧/ ١٧٧٤)، وابن حبان (٤/ ٥٦٣/ ١٦٧٣)، وابن الجارود (٢٩٠)، وأحمد (٣/ ٤٥٠)، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٩٧/ ١٦٤٤)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٥٥/ ١٧٩٠)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٤٧/ ٦٦٤٧)، والبيهقي (٣/ ١٩٢)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ٢٤٤/ ١٠٧١)، وفي التفسير (٤/ ٣٤١).
رواه عن ابن أبي ذئب: آدم بن أبي إياس، وحماد بن خالد الخياط، وابن أبي
[ ١١ / ٤٩٧ ]
فديك، ووكيع بن الجراح، ومعن بن عيسى، وأبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، ويحيى بن سعيد القطان، وعاصم بن علي.
قال البخاري: "الزوراء: موضع بالسوق بالمدينة".
٢ - عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن الزهري، عن السائب بن يزيد؛ أن الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان - ﵁ -، حين كثُرَ أهلُ المدينة، ولم يكن للنبي - ﷺ - مؤذنٌ غيرُ واحد، وكان التاذبن بوم الجمعة حبن يجلس الإمام؛ يعني: على المنبر.
أخرجه البخاري (٩١٣)، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٩٧/ ١٦٤٥)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (٢٨٨٩)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٤٧/ ٦٦٤٩)، والبيهقي (٣/ ١٩٢).
٣ - عقيل بن خالد، عن ابن شهاب؛ أن السائب بن يزيد أخبره؛ أن التأذين الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان بن عفان - ﵁ -، حين كثر أهل المسجد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام. لفظه عند البخاري، ووقع عند البيهقي بإسناد صحيح إلى عقيل: التأذين الثالث، بدل: الثاني.
أخرجه البخاري (٩١٥)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٤٧/ ٦٦٥٠ و٦٦٥١)، والبيهقي (١/ ٤٢٩).
٤ - المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: كان بلال يؤذِّن إذا جلس رسول الله - ﷺ - على المنبر يوم الجمعة، فإذا نزل أقام، ثم كان كذلك في زمن أبي بكر وعمر - ﵄ -[زاد عند الطبراني: وأول من أحدث النداء الأخير عثمان - ﵁ -].
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ١٠١/ ١٣٩٤)، وفي الكبرى (٢/ ١٧١٣/٢٧٥)، وابن قانع في المعجم (١/ ٣٠٠)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٤٦ / ٦٦٤٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٣٧٨/ ٣٤٨٢).
وهذا إسناد صحيح.
٥ - وروى عبد الرحمن بن مهدي [ثقة ثبت، إمام حجة]، ومحمد بن الحسن الشيباني [ضعيف]:
عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن السائب بن يزيد؛ أن عثمان بن عفان - ﵁ - زاد النداء الثالث [يوم الجمعة]. قال مالك: وهو النداء الأول.
أخرجه محمد بن الحسن الشيباني في موطأ مالك (٢٢٥)، وأبو عروبة الحراني في الأوائل (١٣٦)، وانظر: التمهيد (١٠/ ٢٤٨).
وهذه الرواية لمالك لم أجدها في الموطأ إلا عند الشيباني تفرد بها دون أصحاب الموطآت [المطبوعة بين أيدينا]، وقد تابعه عليها ابن مهدي، وكلام ابن عبد البر - حيث
[ ١١ / ٤٩٨ ]
علقها عن مالك - يشعر بثبوتها عنه، ومالك في هذه الرواية لم يذكر الطرف المرفوع، واقتصر فيه على فعل عثمان - ﵁ -، والله أعلم.
٦ - صالح بن كيسان، عن ابن شهاب؛ أن السائب بن يزيد - ابنَ أختِ نمِر - أخبره، قال: إنما أمر بالتأذين الثالث عثمانُ حين كثُرَ أهلُ المدينة، ولم يكن لرسول الله - ﷺ - غيرُ مؤذنٍ واحدٍ، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام.
أخرجه أبو داود (١٠٩٥)، وسيأتي.
وهو حديث صحيح.
٧ - محمد بن إسحاق، عن الزهري، وهو الحديث الآتي:
* * *
١٠٨٨ - قال أبو داود: حدثنا النفيلي: حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: كان يؤذن بين يدي رسول الله - ﷺ - إذا جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد، وأبي بكر، وعمر، ثم ساق نحو حديث يونس.
* حديث شاذ بهذه الزيادة: على باب المسجد
أخرجه من طريق أبي داود: ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٢٧).
هكذا رواه محمد بن سلمة الباهلي الحراني [وهو: ثقة]، عن ابن إسحاق بزيادة: على باب المسجد، ومحمد بن سلمة له أوهام على ابن إسحاق، منها على سبيل المثال: ما تقدم معنا قريبًا في السُّنن برقمي (١٠٣٢ و١٠٦٤).
• وقد تابعه على هذه الزيادة:
أحمد بن خالد الوهبي [حمصي، صدوق]: ثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: ما كان لرسول الله - ﷺ - إلا مؤذن واحد، لم يكن يؤذن له غيره، فكان إذا جلس رسول الله - ﷺ - على المنبر يوم الجمعة أذن على باب المسجد، فإذا نزل أقام الصلاة، ثم كان أبو بكر - ﵁ - كذلك، ثم كان عمر - ﵁ - كذلك، حتى إذا كان عثمان كثر الناس، فأمر بالنداء الأول بالسوق على دار له يقال لها الزوراء، فكان يؤذَّن له عليها، فإذا جلس عثمان - ﵁ - على المنبر أذن مؤذنه الأول، فإذا نزل أقام الصلاة.
أخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ١٤٦/ ٦٦٤٢)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (٩/ ٣٠٨)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٣٧٧ / ٣٤٨١).
• وقد خالفهما جماعة من ثقات أصحاب ابن إسحاق؛ فلم يأتوا بهذه الزيادة:
* * *
[ ١١ / ٤٩٩ ]
١٠٨٩ - قال أبو داود: حدثنا هناد بن السري: حدثنا عبدة، عن محمد - يعني: ابن إسحاق -، عن الزهري، عن السائب، قال: لم يكن لرسول الله - ﷺ - إلا مؤذنٌ واحدٌ: بلالٌ، ثم ذكر معناه.
* حديث صحيح
لم أقف على من أخرجه من هذا الوجه، ومحمد بن عبدة الكلابي: ثقة ثبت، ولا أظنه ذكر باب المسجد، وقد صححته بناء على أن الأصل عدم الإتيان بهذه الزيادة، حيث قال أبو داود: "ثم ذكر معناه"، ولم يقل: مثله، كما أن بقية أصحاب ابن إسحاق الثقات لم يأتوا بها، وكذلك كل من رواه عن الزهري من الثقات.
* فقد روى هذا الحديث عن ابن إسحاق بدون هذه الزيادة: إبراهيم بن سعد [مدني، ثقة حجة، وهو أثبت الناس في ابن إسحاق]، وجرير بن عبد الحميد، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن إدريس، وأبو خالد الأحمر سليمان بن حيان، وأبو شهاب عبد ربه بن نافع الحناط [وهم ثقات]، وسفيان الثوري [ولا يصح من حديثه؛ تفرد به: إبراهيم بن أبي الليث، صاحب الأشجعي، وهو: متروك الحديث، كان يكذب. اللسان (١/ ٣٣٧)]:
عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: ما كان لرسول الله - ﷺ - إلا مؤذن واحد، إذا خرج أذن، وإذا نزل أقام، وأبو بكر وعمر كذلك، فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على دار في السوق، يقال لها: الزوراء، فإذا خرج أذن، وإذا نزل أقام.
ولفظ إبراهيم بن سعد [عند أحمد، وقد صرح فيه بسماع ابن إسحاق]: لم يكن لرسول الله - ﷺ - إلا مؤذن واحد في الصلوات كلها في الجمعة وغيرها، يؤذن ويقيم، قال: كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله - ﷺ - على المنبر يوم الجمعة، ويقيم إذا نزل، ولأبي بكر وعمر، حتى كان عثمان.
وزاد حماد في آخره: يعلم الناس أن الجمعة قد حضرت.
أخرجه ابن ماجه (١١٣٥)، وابن خزيمة (٣/ ١٦٨/ ١٨٣٧) (٣/ ٣٠١/ ١٨٣٧ - ط. الميمان) (٥/ ٥٣/ ٤٩٣٩ - إتحاف)، وأحمد (٣/ ٤٤٩)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٠١/ ٢٣١١)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٤٦/ ٦٦٤٣ - ٦٦٤٥).
• ورواه أبو يوسف، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن السائب بن يزيد - ﵁ -، قال: كان للنبي - ﷺ - مؤذن يوم الجمعة، فإذا قعد الإمام على المنبر أذن، ويقيم إذا نزل، فكان كذلك زمن أبي بكر وعمر - ﵄ -، وصدرًا من ولاية عثمان - ﵁ -، فلما كثر الناس أمر عثمان - ﵁ - المؤذن أن يقدِّم أذانًا قبل ذلك بالزوراء.
[ ١١ / ٥٠٠ ]
أخرجه ابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٩٨/ ١٦٤٧)، قال: حدثنا بشر بن الوليد، قال: حدثنا أبو يوسف به.
وهذه الزيادة في آخره لا تثبت، أبو يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم: صدوق، كثير الخطأ [اللسان (٦/ ٣٦٨)، تاريخ بغداد (١٤/ ٢٤٢ - ٢٦٢)، صحيح ابن خزيمة (١/ ٢٦٥)، الإرشاد (٢/ ٥٦٩)، طبقات ابن سعد (٧/ ٣٣٠)، [وانظر في أوهامه مما تقدم معنا: الأحاديث (٣٠٠ و٤٤٠)، وما قبل (٥٣٤)، وما قبل (١٠٢١)].
وبشر بن الوليد الكندي الفقيه: صدوق، لكنه خرف، وصار لا يعقل ما يحدث به [تاريخ بغداد (٧/ ٨٠)، اللسان (٢/ ٣١٦)].
***
١٠٩٠ - . . . يعقوب بن إبراهيم بن سعد: حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب؛ أن السائب بن يزيد - ابنَ أختِ نمِر - أخبره، قال: ولم يكن لرسول الله - ﷺ - غيرُ مؤذِّنٍ واحدٍ، وساق هذا الحديث، وليس بتمامه.
* حديث صحيح
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ١٠١/ ١٣٩٣)، وفي الكبرى (٢/ ٢٧٥/ ١٧١٤)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٤٨/ ٦٦٥٢).
• رواه عن يعقوب بن إبراهيم: محمد بن يحيى بن فارس الذهلي [وعنه أبو داود]، وعبيد الله بن سعد بن إبراهيم الزهري.
ولفظه عند النسائي [عن الذهلي] [ومثله لفظ عبيد الله بن سعد عند الطبراني]: إنما أمر بالتأذين الثالث عثمان حين كثر أهل المدينة، ولم يكن لرسول الله - ﷺ - غير مؤذن واحد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الامام.
وهذا حديث صحيح، وقد أخرجه البخاري من حديث ابن أبي ذئب وعقيل ويونس والماجشون عن الزهري به، كما تقدم.
* ورواه أيضًا عن الزهري بعض الضعفاء والمبهمين:
أخرجه الشافعي في الأم (١/ ١٩٥)، وفي المسند (٦١)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٤٧/ ٦٦٥١)، والبيهقي في المعرفة (٢/ ٤٧٥/ ١٦٨٩).
* وللزهري فيه إسناد آخر:
فقد رواه مالك بن أنس، ومعمر بن راشد [وهما أثبت الناس في الزهري]:
عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: كان الأذان يوم الجمعة على عهد النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر أذانًا واحدًا حين يخرج الإمام، فلما كان عثمان كثر الناس فزاد الأذان الأول، وأراد أن يتهيأ الناس للجمعة.
[ ١١ / ٥٠١ ]
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢٠٦/ ٥٣٤٢)، وأبو عروبة الحراني في الأوائل (١٣٧). وهذا مرسل بإسناد صحيح.
* قال ابن خزيمة (٣/ ١٣٧): [في قوله: وإذا قامت الصلاة: يريد النداء الثاني الإقامة، والأذان والإقامة يقال لهما: أذانان، ألم تسمع النبي - ﷺ - قال: "بين كل أذانين صلاة"؟ وإنما أراد: بين كل أذان وإقامة، والعرب قد تسمي الشيئين باسم الواحد إذا قرنت بينهما"، ثم أطال في ضرب الأمثلة على ذلك.
ونقل ابن المنذر (٤/ ٥٥) (٤/ ٦٣ - ط. الفلاح) بعض كلام ابن خزيمة، ثم قال: "أمر عثمان لما كثر الناس بالنداء الثالث في العدد، وهو الأول الذي بدأ به بعد زوال الشمس بين المهاجرين والأنصار، فلم يكره أحد منهم علمناه، ثم مضت الأمة عليه إلى زماننا هذا".
وقال ابن بطال في شرح البخاري (٢/ ٥٥٤) معلقًا على رواية يونس وابن أبي ذئب: "وهذا يدل أن ثم أذانًا ثانيًا، وآخر الحديث مخالف لأوله، قيل: لا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما كان يؤذن المؤذن ثم يقيم، والإقامة تسمى أذانًا، "، ثم استدل برواية ابن أبي ذئب، ثم قال: "فبان بهذا الحديث أن الأذان الثاني المتوهم في حديث السائب إنما يعني به: الإقامة، ويشهد لصحة ذلك قوله ﵇: "بين كل أذانين صلاة لمن شاء"؛ يعني: بين كل أذان وإقامة صلاة، ".
وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٣٩٤): "قوله: زاد النداء الثالث، في رواية وكيع عن ابن أبي ذئب: فأمر عثمان بالأذان الأول، ونحوه للشافعي من هذا الوجه، ولا منافاة بينهما؛ لأنه باعتبار كونه مزيدًا يسمى ثالثًا، وباعتبار كونه جعل مقدمًا على الأذان والإقامة يسمى أولًا، ولفظ رواية عقيل الآتية بعد بابين: أن التأذين بالثاني أمر به عثمان، وتسميته ثانيًا أيضًا متوجه بالنظر إلى الأذان الحقيقي لا الإقامة".
وقال ابن رجب في الفتح (٥/ ٤٦٠): "إنما سماه الثاني باعتبار الأذان عند الجلوس على المنبر، فهما أذانان بهذا الاعتبار، والإقامة لا تسمى أذانًا عند الإطلاق".
وانظر في هذا المعنى أيضًا: الخلاصة للنووي (٢٧٨١)، الفتح لابن رجب (٥/ ٤٥٠)، الفتح لابن حجر (٢/ ٣٩٥)، وغيرها.
* وممن روي عنه أن هذا الأذان بدعة:
روى مصعب بن سلام، عن هشام بن الغاز، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبي - ﷺ - إذا خرج يوم الجمعة فقعد على المنبر أذن بلال.
زاد عند الطبراني والمخلص: فإذا فرغ النبي - ﷺ - من خطبته أقام الصلاة، والأذان الأول بدعة.
أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٢/ ٣٧٧/ ١٥٣٢)، والدارقطني في الأفراد (١/ ٥٩٣/ ٣٤٧٢ - أطرافه)، وأبو طاهر المخلص في الحادي عشر من فوائده بانتقاء ابن أبي
[ ١١ / ٥٠٢ ]
الفوارس (٥٥) (٢٥٦٠ - المخلصيات)، والحاكم (١/ ٢٨٣)، وعنه: البيهقي (٣/ ٢٠٥).
قال الدارقطني: "تفرد به مصعب بن سلام عن هشام".
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد؛ فإن هشام بن الغاز ممن يجمع حديثه، ولم يخرجاه".
فتعقبه الذهبي فقال في التلخيص: "مصعب: ليس بحجة".
قلت: الأكثر على تضعيفه، وهو: ضعيف، يقلب الأسانيد [انظر: التهذيب (٤/ ٨٤)]، وقد روي من وجه آخر ضعيف أيضًا:
* فقد رواه هشيم بن بشير [ثقة ثبت]، قال: أخبرنا شيخ من قريش، عن نافع، قال: سمعته يحدث عن ابن عمر؛ أنه قال: الأذان يوم الجمعة الذي يكون عند خروج الإمام، والذي قبل ذلك محدث.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٥٤٣٦/٤٧٠).
وإسناده ضعيف؛ لإبهام الراوي عن نافع.
* وروى شبابة بن سوار، قال: حدثنا هشام بن الغاز، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٥٤٣٧/٤٧٠).
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح، لكن يمكن حمله على البدعة اللغوية، كما قال أبوه عمر: نعم البدعة هذه [البخاري (٢٠١٠)]، على اجتماع الناس في صلاة التراويح على إمام واحد، والمراد: أن ذلك لم يكن على عهد النبي - ﷺ -، وإنما أحدثه عثمان لما رأى حاجة الناس إليه بعد اتساع المدينة، فهو داخل في سُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين التي أمرنا باتباعها، والله أعلم.
* وأما ما روي أن الناس عابوا ذلك؛ فلا يصح من ذلك شيء:
رواه الواقدي، عن عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمد، عن السائب بن يزيد، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا خرج للصلاة أذن المؤذن ثم يقيم، وكذلك كان الأمر على عهد أبي بكر وعمر، وفي صدرٍ من أيام عثمان، ثم إن عثمان نادى النداء الثالث في السنة السابعة، فعاب الناس ذلك، وقالوا: بدعة.
أخرجه البلاذري في أنساب الأشراف (٦/ ١٥٠).
وهذا إسناد واهٍ؛ محمد بن عمر الواقدي: متروك، واتهم، وشيخه هو الزهري المخرمي، وإسماعيل هو: ابن محمد بن سعد بن أبي وقاص الزهري، وهما: ثقتان.
* قال ابن المنذر (٤/ ٥٥) (٤/ ٦٣ - ط. الفلاح): "أمر عثمان لما كثر الناس بالنداء الثالث في العدد، وهو الأول الذي بدأ به بعد زوال الشمس بين المهاجرين والأنصار، فلم يكره أحد منهم علمناه، ثم مضت الأمة عليه إلى زماننا هذا".
[ ١١ / ٥٠٣ ]
وقال ابن رجب في الفتح (٥/ ٤٦٢): "وقوله في هذه الرواية التي خرجها البخاري هنا: فثبت الأمر على ذلك، يدل على أن هذا من حين حدده عثمان استمر، ولم يترك بعده، وهذا يدل على أن عليًّا أقرَّ عليه، ولم يبطله، فقد اجتمع على فعله خليفتان من الخلفاء الراشدين - ﵃ - أجمعين".
* فائدة:
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الصلاة بعد الأذان الأول يوم الجمعة، فأجاب بجواب مفصل أطال فيه، ومما قال: "والصواب أن يقال: ليس قبل الجمعة سُنَّة راتبة مقدرة"، وقال أيضًا: "وقد احتج بعض الناس على الصلاة قبل الجمعة بقوله: "بين كل أذانين صلاة"، وعارضه غيره فقال: الأذان الذي على المنابر لم يكن على عهد رسول الله - ﷺ -، ولكن عثمان أمر به لما كثر الناس على عهده، ولم يكن يبلغهم الأذان حين خروجه وقعوده على المنبر، ويتوجه أن يقال: هذا الأذان لما سَنَّه عثمان واتفق المسلمون عليه صار أذانًا شرعيًا، وحينئذ فتكون الصلاة بينه وبين الأذان الثاني جائزة حسنة، وليست سُنَّة راتبة كالصلاة قبل صلاة المغرب، وحينئذ فمن فعل ذلك لم ينكَر عليه، ومن ترك ذلك لم ينكَر عليه، وهذا أعدل الأقوال" [مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٩٣)].
***