١٠٩١ - . . . حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي: حدثنا مخلد بن يزيد: حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، قال: لما استوى رسول الله - ﷺ - يوم الجمعة، قال: "اجلِسوا"، فسمع ذلك ابنُ مسعود، فجلس على باب المسجد، فرآه رسول الله - ﷺ -، فقال: "تعالَ يا عبدَ الله بن مسعود".
قال أبو داود: هذا يُعرف مرسلًا، إنما رواه الناس عن عطاء، عن النبي - ﷺ -، ومخلد هو شيخ.
* حديث شاذ، صوابه مرسل
أخرجه الحاكم (١/ ٢٨٦)، والبيهقي (٣/ ٢٠٦)، وابن الجوزي في التحقيق (٨٠٦).
رواه عن يعقوب بن كعب الأنطاكي [وهو: ثقة]: أبو داود السجستاني [ثقة حافظ إمام]، ومحمد بن إبراهيم بن سعيد العبدي البوشنجي [ثقة حافظ فقيه].
* تابع يعقوب الأنطاكي عليه:
إسحاق بن زريق الرسعني [ذكره ابن حبان في الثقات، وكان راويًا لإبراهيم بن خالد الصنعاني، روى عنه عن سفيان الثوري: الجامع الكبير. الثقات (٨/ ١٢١)، المؤتلف للدارقطني (٢/ ١٠٢٠)، الإكمال (٤/ ٥٧)، الأنساب (٣/ ٦٤)، التوضيح (٤/ ١٨٠)، وقد
[ ١١ / ٥٠٤ ]
سبق ذكره قبل ذلك في إسناد يرويه عن مجاهيل تحت الحديث المتقدم برقم (٢٢٧)، وفيه ما ينكر]، قال: حدثني مخلد به.
أخرجه أبو طاهر المخلص في الرابع من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٦٥) (٦٨٠ - المخلصيات)، وفي سبعة مجالس من أماليه (٢٧) (٣١٢١ - المخلصيات)، ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٣/ ١٢٨).
قال أبو داود: "هذا يُعرف مرسلًا، إنما رواه الناس عن عطاء، عن النبي - ﷺ -، ومخلد هو شيخ".
ووقع في رواية الرملي عن أبي داود: "قال أبو داود: مشهور مرسل، جاء به ابن جريج عن عطاء مطلقًا" [بيان الوهم (٥/ ٤١٩/ ٢٥٨٨)].
وجرى فيه الحاكم على ظاهر السند، فقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
وقال البيهقي: "وكذلك روي عن معاذ بن معاذ عن ابن جريج، وقيل: عن عطاء قال: أبصر النبي - ﷺ - ابن مسعود خارجًا من المسجد، والنبي - ﷺ - يخطب، فقال: "تعال يا عبد الله بن مسعود"".
* قلت: اختلف في هذا الحديث على ابن جريج:
١ - فرواه مخلد بن يزيد الحراني [لا بأس به، وكان يهم]: حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، قال: لما استوى رسول الله - ﷺ - يوم الجمعة، فذكره هكذا متصلًا من حديث جابر.
• وتابعه على هذا الوجه:
معاذ بن معاذ [العنبري: ثقة متقن، قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة]: أنبأ ابن جريج، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله؛ أن النبي - ﷺ - لما استوى على المنبر يوم الجمعة، قال: "اجلسوا"، فسمع ذلك ابن مسعود فجلس، فرآه، فقال: "تعال يا عبد الله بن مسعود".
أخرجه البيهقي (٣/ ٢١٨)، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقرئ [الإسفراييني المهرجاني: قال عبد الغافر الفارسي: "كبير فاضل، صاحب قراءات"، وقال الذهبي: "المقرئ المجود"، المنتخب من السياق (١٢٧١)، تاريخ الإسلام (٢٨/ ٤٨٧)]: أنبأ الحسن بن محمد بن إسحاق [الإسفراييني المهرجاني، ابن أخت أبي عوانة: ثقة. السير (١٦/ ٥٠)، تاريخ الإسلام (٢٥/ ٣٤٨)]: ثنا يوسف بن يعقوب [هو: ابن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم الأزدي القاضي: ثقة حافظ، وهو راوية المقدمي. تاريخ بغداد (١٤/ ٣١٠)، الإرشاد (٢/ ٦٠٨)، السير (١٤/ ٨٥)، التذكرة (٢/ ٦٦٠)]: ثنا محمد بن أبي بكر [هو: ابن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي: ثقة]: ثنا معاذ به.
قلت: معاذ بن معاذ غير معروف بالرواية عن ابن جريج، والإسناد إليه فرد غريب، ولم يعرفه أبو داود على سعة حفظه وروايته؛ فهو حديث غريب جدًّا.
[ ١١ / ٥٠٥ ]
قال البيهقي: "ورواه عمرو بن دينار عن عطاء فأرسله".
٢ - ورواه الوليد بن مسلم [ثقة ثبت، وعنه: هشام بن عمار، وهو: صدوق، إلا أنه لما كبر صار يتلقن]: نا ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: لما استوى النبي - ﷺ - على المنبر، قال للناس: "اجلِسوا"، فسمعه ابن مسعود وهو على باب المسجد، فجلس، فقال له النبي - ﷺ -: "تعال يا ابن مسعود".
أخرجه ابن خزيمة (٣/ ١٤١/ ١٧٨٠)، والحاكم (١/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، وعنه: البيهقي (٣/ ٢٠٥).
قال ابن خزيمة: "إن كان الوليد بن مسلم ومن دونه حفظ ابن عباس في هذا الإسناد؛ فإن أصحاب ابن جريج أرسلوا هذا الخبر عن عطاء عن النبي - ﷺ - ".
وجرى الحاكم فيه - على عادته - على ظاهر السند، فقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
٣ - وخالفهم أصحاب ابن جريج فأرسلوه:
رواه عبد الرزاق بن همام [ثقة حافظ مصنف، وهو راوية ابن جريج]، وحفص بن غياث [كوفي، ثقة فقيه]، وروح بن عبادة [بصري، ثقة، كان ابن جريج يخصه بالحديث. التهذيب (١/ ٦١٤)]:
فرووه عن ابن جريج، عن عطاء، قال: بينا النبي - ﷺ - يخطب إذ قال: "اجلِسوا"، فسمعه ابن مسعود، فجلس بباب المسجد في جوف المسجد، فقال له النبي - ﷺ -: "تعالَ يا عبد الله". لفظ عبد الرزاق.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢١١/ ٥٣٦٨)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٥١/ ٥٢١٣) و(٧/ ٣١٤/ ٣٦٤٢٣)، والحارث بن أبي أسامة (١٠١٥ - بغية الباحث).
وهذا الوجه هو الصواب عن ابن جريج مرسلًا، وقد توبع عليه:
* تابع ابن جريج على إرساله: عمرو بن دينار:
فقد روى الحميدي، وعبد الجبار بن العلاء:
عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، قال: أبصر النبي - ﷺ - عبد الله بن مسعود خارجًا من المسجد، والنبي - ﷺ - يخطب، فقال: "تعال يا عبد الله بن مسعود".
هذا لفظ الحميدي، ولفظ عبد الجبار: أن النبي - ﷺ - كان على المنبر، فلما صعد قال للناس: "اجلِسوا"، وابن مسعود خارج، فسمعه فجلس، فقال رسول الله - ﷺ -: "تعالَ يا عبد الله".
أخرجه البيهقي (٣/ ٢١٨)، وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام (٢٧٩).
وهذا هو الصواب: مرسلًا؛ وعمرو بن دينار المكي: ثقة ثبت، قال أحمد: "عمرو بن دينار: أثبت الناس في عطاء"، وقال مرارًا: "أثبت الناس في عطاء: عمرو بن دينار، وابن
[ ١١ / ٥٠٦ ]
جريج" [العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٤٩٦/ ٣٢٧٢) و(٣/ ٢١٩/ ٤٩٥٠) و(٣/ ٢٥٤/ ٥١٢٣)، سؤالات الميموني (٥٠٥)، سؤالات أبي داود (٢١٤)، الجرح والتعديل (٦/ ٢٣١)، تاريخ أبي زرعة الدمشقي (٣٢١ و١١٢٧)، المعرفة والتاريخ (٢/ ٢١ و٢٢)، التهذيب (٣/ ٢٦٨)].
فهو مرسل بإسناد صحيح.
* وممن أعل الحديث بالإرسال: أبو داود، والبيهقي، وتردد فيه ابن خزيمة.
وقال الدارقطني في العلل (١٣/ ٣٨٣/ ٣٢٧٤): "يرويه ابن جريج، وقد اختلف عنه: فرواه معاذ بن معاذ، ومخلد بن يزيد، وأبو زيد النحوي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر.
وخالفهم إسماعيل بن عياش، فرواه عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن مسعود.
وخالفهم الوليد بن مسلم، رواه عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس.
ورواه عمرو بن دينار، عن عطاء، مرسلًا، والمرسل أشبه".
وأخشى أن يكون سقط من كلام الدارقطني ذكر من رواه عن ابن جريج مرسلًا.
* وقد روى فيه ابن جريج قصة أخرى:
رواها عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن؛ أن النبي - ﷺ - لما علا المنبر يوم الجمعة، قال: "اجلِسوا"، فسمع رجل من الأنصار قول النبي - ﷺ - ذلك، وهو بالطريق لم يدخل المسجد، فجلس في بني غنم، قال: فلما أقيمت الصلاة دخل الرجل، فقال له النبي - ﷺ -: "ألا رحت"، فأخبره الخبر، فقال له النبي - ﷺ - خيرًا، زعموا أن ذلك الرجل عبد الله بن رواحة.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢١١/ ٥٣٦٦).
وهذا أيضًا مرسل بإسناد صحيح؛ ربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني، المعروف بربيعة الرأي: تابعي، ثقة فقيه.
• وانظر أيضًا في المراسيل: ما أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢١١/ ٥٣٦٧)، والبيهقي في الدلائل (٦/ ٢٥٧).
* وروي أيضًا من حديث عائشة:
رواه فضالة بن يعقوب، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن هشام بن عروة؛ أن عروة حدثه، عن عائشة؛ أن رسول الله - ﷺ - جلس على المنبر يوم الجمعة، فلما جلس، قال: "اجلِسوا"، فسمع عبد الله بن رواحة قول النبي - ﷺ -: "اجلِسوا"، فجلس في بني غنم، فقيل: يا رسول الله! ذاك ابن رواحة جالس في بني غنم، سمعك وأنت تقول للناس: "اجلِسوا"، فجلس في مكانه.
أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ٦٢/ ٩١٢٨)، وأبو نعيم في الدلائل (٣٥٨)، والبيهقي في الدلائل (٦/ ٢٥٦) [وانقلب عنده اسم ابن مجمع]. ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٨/ ٨٧).
[ ١١ / ٥٠٧ ]
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة إلا إبراهيم بن إسماعيل، ولا عن إبراهيم إلا فضالة بن يعقوب، تفرد به: إبراهيم بن المنذر".
قلت: لم ينفرد به إبراهيم بن المنذر فقد تابعه عليه جماعة، لكن: إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع الأنصاري المدني: ضعيف، وفضالة بن يعقوب بن معن الأنصاري: لم أقف له على ترجمة، وقد روى عنه جماعة، وذكره المزي فيمن روى عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع [تهذيب الكمال (٢/ ٤٦)].
فهو حديث منكر؛ لتفرد إبراهيم بن إسماعيل به عن هشام بن عروة دون بقية أصحابه الثقات على كثرتهم.
* ومما جاء في باب: كلام الإمام أثناء الخطبة بعض المأمومين:
١ - قصة سليك الغطفاني:
في الداخل والإمام يخطب، قال جابر بن عبد الله: دخل رجل المسجد، ورسول الله - ﷺ - يخطب يوم الجمعة، فقال: "أصليت؟ " قال: لا، قال: "قم فصل الركعتين" وفي رواية: "صل ركعتين".
وفي رواية لمسلم: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة، ورسول الله - ﷺ - يخطب، فجلس، فقال له: "يا سليك قم فاركع ركعتين، وتجوَّز فيهما".
وهو حديث متفق عليه، أخرجه البخاري (٩٣٠ و٩٣١ و١١٦٦)، ومسلم (٨٧٥)، وله طرق وألفاظ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في السُّنن برقم (١١١٥ - ١١١٧).
٢ - حديث أبي رفاعة العدوي:
رواه سليمان بن المغيرة: حدثنا حميد بن هلال، قال: قال أبو رفاعة: انتهيت إلى النبي - ﷺ - وهو يخطب، قال: فقلت: يا رسول الله رجل غريب، جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه! قال: فأقبل عليَّ رسولُ الله - ﷺ -، وترك خطبته حتى انتهى إليَّ، فأُتيَ بكُرسي، حسبت قوائمَه حديدًا، قال: فقعد عليه رسولُ الله - ﷺ -، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته، فأتم آخرَها.
أخرجه مسلم (٨٧٦)، والبخاري في الأدب المفرد (١١٦٤)، وفي التاريخ الكبير (٢/ ١٥١)، وأبو عوانة (١٤/ ٢٥٧/ ١٧٧٢٦ - إتحاف)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٤٦٢/ ١٩٧٠)، والنسائي في المجتبى (٨/ ٢٢٠/ ٥٣٧٧)، وفي الكبرى (٨/ ٤٧٢/ ٩٧٤٠)، وابن خزيمة (٢/ ٣٥٥/ ١٤٥٧) و(٣/ ١٥١/ ١٨٠٠)، والحاكم (١/ ٢٨٦)، وأحمد (٥/ ٨٠) (٩/ ٤٨١٣/ ٢١٠٨٤ - ط. المكنز) و(١١/ ٥٧٤٤/ ٢٤٤٦٨ و٢٤٤٦٩ - ط. المكنز) (١٤/ ٢٥٨/ ١٧٧٢٦ - إتحاف)، وابن المبارك في الجهاد (١٥٩)، وابن أبي شيبة في المسند (٦٢٠)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ١٠٩/ ٢٩٥ - السفر الثاني)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢/ ٤٢٥/ ١٢١٧)، والدولابي في الكنى (١/ ٨٥/ ٨٢ ١)، وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (١/ ٤١٣/ ٣٧٧)، وابن قانع في المعجم
[ ١١ / ٥٠٨ ]
(١/ ١١٣)، والطبراني في الكبير (٢/ ٥٩/ ١٢٨٤)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي - ﷺ - (٢/ ٤٣٣/ ٤٣٦)، وابن المقرئ في المعجم (١٢٦٩)، وابن منده في معرفة الصحابة (١/ ٣٢٤)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١/ ٤٥٥/ ١٣٠٨ و١٣٠٩) و(٣/ ١٦٢٠/ ٤٠٨٩) و(٥/ ٦٧٨٧/٢٨٨٩)، وابن حزم في المحلى (٥/ ٦٦)، والبيهقي (٨/ ٢١٣)، والبغوي في الشمائل (٣٧٨).
* ورواه أبو صالح سعيد بن عبد الله السواق: نا داود بن إبراهيم العقيلي: نا أبو جزي نصر بن طريف: نا أيوب السختياني، ويونس بن عبيد، عن حميد بن هلال، عن أبي رفاعة، قال: أتيت رسول الله - ﷺ -، وهو يخطب على كرسي، خُيِّلَ إليَّ أن قوائمه حديد.
أخرجه أبو الشيخ في أخلاق النبي - ﷺ - (٢/ ٤٣٧/٤٣٥).
وهذا حديث باطل؛ نصر بن طريف: متروك، معروف بالوضع [اللسان (٨/ ٢٦١)]، وداود بن إبراهيم العقيلي: قال الأزدي: "مجهول كذاب، لا يحتج به" [اللسان (٣/ ٣٩٣)]، وأما سعيد بن عبد الله، أبو صالح الهمداني السواق: فقد نعته الذهبي في تاريخ الإسلام (١٩/ ١٦٣) بقوله: "الرجل الصالح، أحد حفاظ الحديث".
* ورواه من وجه آخر: القضاعي في مسند الشهاب (١١٣٧)، فقال: وأنا أبو محمد التجيبي: نا إسماعيل بن يعقوب البزاز: نا إسماعيل بن إسحاق القاضي: نا علي بن المديني: نا سفيان: نا أيوب، عن حميد بن هلال، عن رجل، قال: أتيت رسول الله - ﷺ - وقد ألقي له منبرٌ، خِلْتُ قوائمَه من حديد، فحفظت مما علمني، أنه قال: "إنك لا تدع شيئًا ابتغاء وجه الله إلا أثابك الله ما هو خير منه".
قلت: هذا الإسناد من لدن الإمام الكبير، شيخ الإسلام، الحافظ المتقن، الفقيه المتفنن، إسماعيل بن إسحاق القاضي [انظر ترجمته: تاريخ بغداد (٦/ ٢٨٤)، السير (١٣/ ٣٣٩)] فمن فوقه: كلهم ثقات أئمة، وإسماعيل بن يعقوب بن إبراهيم بن أحمد بن عيسى أبو القاسم البغدادي المعروف بابن الجراب، قال ابن يونس: "كان ثقة"، ونعته الذهبي بقوله: "الشيخ المحدث الأمين" أتاريخ بغداد (٦/ ٣٥٤)، الأنساب (٢/ ٣٦)، السير (١٥/ ٤٩٧)]، وعبد الرحمن بن عمر بن محمد بن سعيد بن إسحاق بن إبراهيم بن النحاس أبو محمد المصري التجيبي، قال ابن يونس: "كان ثقة"، ونعته الذهبي بقوله: "الشيخ الإمام الفقيه، المحدث الصدوق، مسند الديار المصرية" [الإكمال لابن ماكولا (٧/ ٢٨٦)، الأنساب (٥/ ٤٦٥)، التقييد (٤٠٩)، السير (١٧/ ٣١٣)، تاريخ الإسلام (٢٨/ ٤٠٢)].
فهو حديث غريب جدًّا؛ فأين أصحاب أيوب السختياني، وأين أصحاب ابن عيينة فهم أمم، وأين أصحاب ابن المديني على كثرتهم، وأين أصحاب إسماعيل بن إسحاق القاضي، فلا نجده إلا بهذا الإسناد الفرد عند القضاعي على تأخره!!!.
* ثم أعقبه القضاعي في مسنده (١١٣٨)، بقوله: نا إسماعيل بن يعقوب [يعني: أن أبا محمد التجيبي حدثه عن إسماعيل بن يعقوب]: نا إسماعيل بن إسحاق: نا مسدد: نا
[ ١١ / ٥٠٩ ]
يزيد بن زريع: نا خالد الحذاء، عن حميد بن هلال، عن الذي سأل النبي - ﷺ -، أو عمن سمعه منه، قال: أتيت نبي الله - ﷺ - وهو يخطب، فقلت: علمني مما علمك الله، فنزل وألقي له كرسي قوائمه حديد، فقال: "إنك لا تدع شيئًا اتقاء الله إلا بدَّلك الله مكانه خيرًا منه".
قال رفاعة العدوي: انتهيت إلى رسول الله - ﷺ - وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله! رجل غريب، جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه، قال: فجاء رسول الله - ﷺ - وترك خطبته، فأُتي بكرسي خِلْتُ قوائمَه حديدًا، قال: فقعد رسول الله - ﷺ - فجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى على خطبته، فأتى عليها.
قلت: وهذا أيضًا حديث غريب جدًّا، يقال فيه ما قيل في سابقه.
وإنما يُعرف هذا الحديث من حديث سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، وقد اشتهر عن سليمان، ورواه عنه جماعة كثيرة من الثقات، وبلغ الآفاق، فما بال رواية من هو أكثر حديثًا وأصحابًا من سليمان، مثل: أيوب السختياني، وخالد الحذاء؛ لا تصلنا روايته إلا من طريق فرد غريب، ولا يخرجه أحد من المصنفين من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد والمصنفات والمعاجم والأجزاء والمشيخات وغيرها، سوى رجل من أهل القرن الخامس، فلا تثبت الرواية بمثل هذا، والله أعلم.
زد على ذلك: قول الإمام أحمد: "سليمان بن المغيرة: أثبت في حميد بن هلال من أيوبإ، وقال إسماعيل بن علية وسفيان بن عيينة: "كان سليمان بن المغيرة أحفظ لحديث حميد بن هلال من أيوب"، بل قدمه أيوب السختياني نفسه، فقال: "ليس أحد أحفظ لحديث حميد بن هلال من سليمان بن المغيرة" [العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٥٣٧/ ٣٥٤٦)، طبقات ابن سعد (٧/ ٢٨٠)، الجعديات (١١٦٧ و١١٦٩ و٣٠٨٠)].
* وقد روي بعضه من وجه آخر من غير طريق حميد بن هلال:
رواه أبو حفص السلمي [هو: عمر بن عبد الرحمن البصري: روى عنه جماعة من المصنفين، مثل: العقيلي والطبراني والرامهرمزي وابن عدي وأبي الشيخ، وذكر له ابن عدي حديثًا قلب إسناده في ترجمة مبارك بن فضالة. الكامل (٦/ ٣٢٠)]: نا حوثرة بن أشرس [صدوق. تقدمت ترجمته تحت الحديثين رقم (٤٤ و٧٧)]: نا إبراهيم بن يزيد [العدوي البصري]، عن إسحاق بن سويد العدوي [بصري، ثقة]؛ أن أبا رفاعة رضي الله تعالى عنه، قال: أتيت النبي - ﷺ - وهو جالس على كلرسي، خِلْتُ قوائمَه حديدًا.
أخرجه أبو الشيخ في أخلاق النبي - ﷺ - (٢/ ٤٣٦/ ٤٣٨)، والخطيب في المتفق والمفترق (١/ ٢٠٤/ ٦٦) [وفي سنده سقط]. والبغوي في الشمائل (٨٥٢).
وهذا إسناد ضعيف؛ إبراهيم بن يزيد العدوي البصري: مجهول، روى عن إسحاق بن سويد العدوي، وروى عنه: حوثرة بن أشرس [المتفق والمفترق (١/ ٢٠٤)].
* نرجع بعد ذلك إلى حديث سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي رفاعة، وقد صححه مسلم وأبو عوانة وابن خزيمة:
[ ١١ / ٥١٠ ]
لكن قال ابن المديني: "حديث أبي رفاعة: أتيت النبي - ﷺ - وهو على كرسي من حديد؛ رواه سليمان بن المغيرة عن أبي هلال [لعلها تحرفت عن ابن هلال] عن أبي رفاعة، ولم يلق عندي أبا رفاعة" [العلل (١٣٨)، التهذيب (١/ ٥٠٠)، تحفة التحصيل (٨٥)].
وهذا الحديث رواه عن سليمان بن المغيرة، فقال في صيغة الأداء: قال، ولم يذكر عنعنةً ولا سماعًا: عبد الرحمن بن مهدي، وابن المبارك، وشيبان بن فروخ، وعفان بن مسلم، وبهز بن أسد، وعاصم بن علي.
ورواه بالعنعنة: أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وشبابة بن سوار.
وهذا مما يجعل النفس لا تطمئن لثبوت سماع هلال بن حميد من أبي رفاعة، كما أني لم أقف على ما يدل على ثبوت اللقاء أو السماع بوجه من الوجوه، وعلى هذا فإن ظاهر هذه الرواية الإرسال، والحكاية لا الرواية، ومن رواه بالعنعنة تسهل وتخفف من ألفاظ التحمل، وأن الصيغة التي جاء بها الحديث هي التي رواه بها جماعة الثقات، وهي قول حميد بن هلال: قال أبو رفاعة، وهذا ظاهره الإرسال والحكاية، وأنه يحكي واقعة لم يدركها.
ويزيد ذلك تأكيدًا أن أبا رفاعة العدوي قتل بكابل سنة أربع وأربعين [قاله ابن عبد البر. تاريخ خليفة بن خياط (٢٠٦)، الاستيعاب (٤/ ١٦٥٨)، التهذيب (٤/ ٥٢٢)]، وأما حميد بن هلال فإنه مات في آخر ولاية خالد بن عبد الله القسري على العراق، قال ابن حبان: "وولي خالد على العراق سنة ست ومائة، وعزل سنة عشرين ومائة" [طبقات ابن سعد (٧/ ٢٣١)، طبقات خليفة بن خياط (١٧٥٠)، أنساب الأشراف (١١/ ٢٩٦)، الجعديات (١١٧٠)، الثقات (٤/ ٤٩) و(٤/ ١٤٧) و(٥/ ٤٣٤) و(٧/ ٤٩٤)].
وعلى هذا يكون بين وفاتيهما قرابة (٧٦) سنة، وهذا يؤيد ما ذهب إليه ابن المديني من أن حميد بن هلال لم يلق أبا رفاعة، فتكون روايته عنه مرسلة، والله أعلم.
كذلك فقد أثبت يحيى بن معين والبخاري وأبو داود سماع حميد بن هلال من أنس بن مالك، وأثبت له ابن معين وأبو داود السماع من عبد الله بن مغفل [تاريخ ابن معين للدوري (٤/ ١١٧/ ٣٤٤٨)، التاريخ الكبير (٢/ ٣٤٦)، سؤالات الآجري (٤/ ق ١٠)]، وروايته عن أنس وابن مغفل في صحيح البخاري (١٢٤٦ و٣٢١٤ و٣١٥٣)، وأنس توفي بعد سنة (٩٠)، وابن مغفل توفي سنة (٥٧) وقيل بعدها، وهذا أيضًا مما يؤكد استبعاد سماع حميد من أبي رفاعة، لتقدم وفاته.
وحميد بن هلال: ممن لا يوثق بمراسيله، قال ابن سيرين: "كان أربعة يصدِّقون من حدثهم: أبو العالية، والحسن، وحميد بن هلال، ورجل آخر سماه"، وفي رواية أخرى: "كان الحسن وأبو العالية وحميد بن هلال: يصدِّقون من حدثهم، ولا يبالون ممن سمعوا"
[ ١١ / ٥١١ ]
[العلل ومعرفة الرجال (٩٨٩)، الجعديات (١١٦٨)، سنن الدارقطني (١/ ١٧١)، تاريخ دمشق (١٨/ ١٨٨)، شرح علل الترمذي (١/ ٥٣٩)، التهذيب (١/ ٥٠٠)].
٣ - حديث أبي حازم:
يرويه شعبة، وعيسى بن يونس، وعبد الله بن نمير، ويعلى بن عبيد:
عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: جاء أبي والنبي - ﷺ - يخطب فقام بين يديه في الشمس، فأمر به فحُوِّل إلى الظِّلِّ. كذا في رواية عيسى، وابن نمير، وبنحوه لفظ يعلى.
وفي رواية شعبة [في المحفوظ عنه، من رواية: غندر، وآدم بن أبي إياس، وأبي داود الطيالسي، وأبي الوليد الطيالسي، وسليمان بن حرب، وعلي بن الجعد]، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم؛ أن أباه جاء ورسول الله - ﷺ - يخطب فقعد في الشمس، قال: فأومأ إليه - أو قال: أمر به - أن يتحوَّل إلى الظل، وفي رواية: كان رسول الله - ﷺ - يخطب، فرأى أي في الشمس
أخرجه أحمد (٣/ ٤٢٦)، والطيالسي (٢/ ٦٣٠/ ١٣٩٤)، وابن سعد في الطبقات (٦/ ٣٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٥١/ ٥٢١٤) و(٥/ ٦٣/ ٢٣٧١٩) و(٧/ ٣١٤/ ٣٦٤٢٤)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٣/ ٥٢/ ٣٧٨٦ - السفر الثالث)، وابن قانع في المعجم (٢/ ٣٠٤) [وروايته موصولة، وهي منكرة من حديث شعبة]. والطبراني في الكبير (٨/ ٢٦/ ٧٢٨١)، والحاكم (٤/ ٢٧٢) [ولفظه: "تحوَّلْ إلى الظل؛ فإنه مبارك"، وهي رواية منكرة من حديث الطيالسي عن شعبة،. وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٥١٨/ ٣٥٨٢) [وروايته موصولة، وهي منكرة من حديث شعبة] و(٤/ ١٨٩٢/ ٤٧٦٥) و(٤/ ٢٢٠٥/ ٥٥٢٢)، والبيهقي (٣/ ٢١٨)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٥٦٢).
هكذا رواه أربعتهم عن إسماعيل به مرسلًا.
* خالفهم فرواه موصولًا:
يحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وهريم بن سفيان، وعلي بن مسهر، وحفص بن غياث:
قال يحيى: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا قيس، عن أبيه، قال: جاء ورسول الله - ﷺ - يخطب، فقام في الشمس، فأَمر به فحوِّل إلى الظل.
وقال وكيع: حدثنا ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبيه، قال: رآني النبي - ﷺ - وهو يخطب، فأمرني، فحولت إلى الظل.
أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١١٧٤)، وأبو داود (٤٨٢٢)، وابن خزيمة (٢/ ٣٥٣/ ١٤٥٣)، وابن حبان (٧/ ٣٩/ ٢٨٠٠)، والحاكم (٤/ ٢٧١)، وأحمد (٣/ ٤٢٦ و٤٢٧) و(٤/ ٢٦٢)، وابن أبي شيبة (٥/ ٦٣/ ٢٣٧١٩)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ٤١٩/ ١٥١٣ - السفر الثاني) و(٢/ ٢٩٢/ ٢٩٨٨ - السفر الثالث) و(٣/ ٣٧/ ٣٧٢٥ -
[ ١١ / ٥١٢ ]
السفر الثالث)، وأبو أحمد العسكري في تصحيفات المحدثين (٢/ ٥٤٢)، والبيهقي (٣/ ٢١٨).
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد؛ وإن أرسله شعبة، فإن منجاب بن الحارث وعلي بن مسهر: ثقتان".
* تنبيه: وقع في رواية حفص بن غياث، وعلي بن مسهر: فقال لي: "تحول إلى الظل"، زاد ابن مسهر: "فإنه مبارك"، وهي زيادة شاذة لو كانت محفوظة من حديث علي بن مسهر عند الحاكم، لكن شيخ الحاكم في حديث ابن مسهر هو: أبو بكر بن أبي دارم، هو: أحمد بن محمد بن السري الحافظ، وهو: رافضي كذاب، متهم بالوضع [السير (١٥/ ٥٧٦)، اللسان (١/ ٦٠٩)]، فسقطت بذلك رواية ابن مسهر، كما أن الراوي عن حفص بن غياث: يحيى بن عبد الحميد الحماني، وهو: حافظ، لكنه اتهم بسرقة الحديث، فلم أجد لهذه اللفظة إسنادًا ثابتًا.
* والوصل هنا زيادة تتابع عليها جماعة من الثقات الحفاظ، فوجب قبولها، لا سيما وفيهم: يحيى بن سعيد القطان ووكيع بن الجراح.
فهو حديث صحيح، محفوظ، متصل الإسناد، وإن أرسله شعبة.
وهذا الحديث مما ألزم الدارقطني الشيخين بإخراجه، حيث قال بأنه يلزم على مذهبهما جميعًا إخراج حديث أبي حازم والد قيس [مع جماعة آخرين، ممن تفرد قيس بالرواية عنهم]، ثم قال: "إذ كانت أحاديثهم محفوظة، رواها جماعة من الثقات، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن الصنابح، وعن دكين، وعن أبيه، كل واحد منهم" [الإلزامات (١٠٠)].
٤ - حديث عبد الله بن بسر:
يرويه عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن وهب، وزيد بن الحباب، وبشر بن السري، وأسد بن موسى [وهم ثقات حفاظ]:
عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، قال: كنا مع عبد الله بن بسر صاحب النبي - ﷺ - يوم الجمعة، فجاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال عبد الله بن بسر: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي - ﷺ - يخطب، فقال له النبي - ﷺ -:"اجلس؛ فقد آذيت، وآنيت".
قال أبو الزاهرية: وكنا نتحدَّث معه حتى يخرجَ الإمام.
أخرجه أبو داود (١١١٨)، والنسائي في المجتبى (٣/ ١٠٣/ ١٣٩٩)، وفي الكبرى (٢/ ٢٧٧/ ١٧١٨)، وابن خزيمة (٣/ ١٥٦/ ١٨١١)، وابن حبان (٧/ ٢٩/ ٢٧٩٠)، وابن الجارود (٢٩٤)، والحاكم (١/ ٢٨٨)، والضياء في المختارة (٩/ ٤٧ - ٤٩/ ٢٢ - ٢٦) [ووقع في الطريق الأول وهم على الطبراني في إسناده، وهو على الصواب عند الطبراني والخطيب]. وأحمد (٤/ ١٨٨ و١٩٠)، والبزار (٨/ ٤٣٢/ ٣٥٠٦)، وابن المنذر في الأوسط
[ ١١ / ٥١٣ ]
(٤/ ٨٤/ ١٨٢٥)، والطحاوي (١/ ٣٦٦)، والطبراني في مسند الشاميين (٣/ ١٤٠/ ١٩٥٣)، والبيهقي في السُّنن (٣/ ١ ٢٣)، وفي المعرفة (٢/ ٥١٧/ ١٧٨٦)، وابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٢٥)، والخطيب في الموضح (١/ ٥١٢) و(٢/ ٤٨٨)، وإسماعيل الأصبهاني في الترغيب والترهيب (٩٢٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ٢٤٣).
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه".
وضعفه ابن حزم في المحلى (٥/ ٧٠) بمعاوية بن صالح، ورآه قوم معارضًا لحديث سليك الغطفاني، ولا معارضة لاحتمال الجمع بينهما، كما فعل ابن حزم على فرضه صحته، وانظر أيضًا الجمع بينهما لابن حجر في الفتح (٢/ ٤٠٩).
قال ابن حجر في التلخيص (٢/ ٧١): "ضعفه ابن حزم بما لا يقدح".
وقال النووي في الخلاصة (٢٧٥٤ و٢٧٥٥): "رواه أبو داود والنسائي بإسنادين صحيحين، إسناد أبي داود على شرط مسلم، وفي رواية الحاكم والبيهقي بإسناد صحيح: "فقد آذيت، وآنيت" هو بهمزة ممدودة؛ أي: تأخرت وأبطأت".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٦٨٠): "رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم، كل رجاله احتج بهم في صحيحه".
قلت: معاوية بن صالح، هو الحضرمي الحمصي: صدوق، له إفرادات وغرائب وأوهام، ولأجل ذلك تكلم فيه من تكلم، وأكثر الأئمة على توثيقه، وقد أكثر عنه مسلم، لكن أكثره في المتابعات والشواهد [تقدمت ترجمته موسعة عند الحديث رقم (٦٦٦)].
وأغلب أوهامه إما فيما تفرد به عن غير أهل الشام فأغرب به، أو فيما اختلف الثقات عليه فيه، وهذا الحديث إسناده فيه شامي؛ فإن أبا الزاهرية حدير بن كريب: تابعي حمصي ثقة، بلدي لمعاوية بن صالح، ولم يختلف الثقات عليه فيه، مما يجعل النفس تطمئن لكونه ضبطه وحفظه.
وقد احتج به: أبو داود والنسائي وابن المنذر والطحاوي والبيهقي، وصححه: ابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والحاكم والضياء.
فهو حديث جيد؛ ويأتي ذكر شواهده في موضعه من السُّنن إن شاء الله تعالى.
* وقد صح ذلك من فعل أحد الخلفاء الراشدين:
فقد روى ابن شهاب الزهري، قال: حدثني سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب، بينا هو يخطب الناس يوم الجمعة، دخل رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فناداه عمر: أية ساعة هذه؟! فقال: إني شغلت اليوم، فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت النداء، فلم أزد على أن توضأت، قال عمر: والوضوء أيضًا! وقد علمت أن رسول الله - ﷺ - كان يأمر بالغسل.
وهو حديث متفق عليه [البخاري (٨٧٨)، ومسلم (٨٤٥)]، وقد تقدم برقم (٣٤٠).
***
[ ١١ / ٥١٤ ]