١١٢٦ - . . . هشيم: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة -﵂-، قالت: صلى رسول اللَّه -ﷺ- في حجرته، والناس يأتمون به من وراء الحجرة.
* حديث صحيح
أخرجه أحمد (٦/ ٣٠)، وابن شبة في أخبار المدينة (١/ ١٨٢/ ٦٥٨)، والحاكم (١/ ٢٩٠)، والبيهقي (٣/ ١١٠).
رواه عن هشيم بن بشير: أحمد بن حنبل، وخلف بن سالم، وعلي بن أبي هاشم، وزهير بن حرب، وهذا لفظه.
[ ١٢ / ٩٩ ]
ولفظ أحمد: صلى النبي -ﷺ- في حجرتي، والناس يأتمون به من وراء الحجرة، يصلون بصلاته.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
قلت: قد أخرجه البخاري من طريق عبدة عن يحيى بن سعيد به مطولًا مفسرًا، وإنما اختصره هشيم، فأوهم معنى جديدًا، وهو حديث صحيح.
* رواه عبدة بن سليمان، وعيسى بن يونس:
عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة، قالت: كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي من الليل في حجرته، وجدار الحجرة قصير، فرأى الناسُ شخصَ النبي -ﷺ-، فقام أناس يصلون بصلاته، فأصبحوا فتحدثوا بذلك، فقام الليلة الثانية، فقام معه أناس يصلون بصلاته، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثًا، حتى إذا كان بعد ذلك، جلس رسول اللَّه -ﷺ- فلم يخرج، فلما أصبح ذكر ذلك الناسُ، فقال: "إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل".
أخرجه البخاري (٧٢٩)، وابن حزم في المحلى (٥/ ٧٦)، والبيهقي (٣/ ١١٠).
وانظر في الغرائب: ما أخرجه البزار (١٨/ ٢٥٥/ ٢٩٦).
* ولحديث عائشة طرق أخرى، منها:
١ - ما رواه ابن شهاب، قال: أخبرني عروة؛ أن عائثة أخبرته؛ أن رسول اللَّه -ﷺ- خرج ذات ليلة من جوف الليل، فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم، فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول اللَّه -ﷺ- فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد، ثم قال: "أما بعد، فإنه لم يخف عليَّ مكانكم، لكني خشيت أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها".
وهو حديث متفق عليه، أخرجه البخاري (٩٢٤ و١١٢٩ و٢٠١١ و٢٠١٢)، ومسلم (٧٦١)، وسيأتي تخريجه في السنن برقم (١٣٧٣) إن شاء اللَّه تعالى.
٢ - وما رواه سعيد بن أبي سعيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة -﵂-؛ أن النبي -ﷺ- كان يحتجر حصيرًا بالليل فيصلي، ويبسطه بالنهار فيجلس عليه، فجعل الناس يثوبون إلى النبي -ﷺ- فيصلون بصلاته حتى كثروا، فأقبل فقال: "يا أيها الناس! خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن اللَّه لا يملُّ حتى تملوا، وإن أحبَّ الأعمال إلى اللَّه ما دام وإن قلَّ".
وهو حديث متفق عليه، أخرجه البخاري (٧٣٠ و٥٨٦١) (٧٣٩ و٥٨٦٣ - ط. التأصيل)، ومسلم (٧٨٢)، وسيأتي تخريجه في السنن برقم (١٣٦٨ و١٣٧٤) إن شاء اللَّه تعالى [وراجع أيضا ما تقدم تحت الحديث رقم (٦٥٦ و٦٥٩)].
٣ - وروى ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة زوج النبي -ﷺ-، قالت: كان الناس يصلون في مسجد رسول اللَّه -ﷺ- في رمضان بالليل أوزاعًا، يكون مع الرجل الشيء من القرآن، فيكون
[ ١٢ / ١٠٠ ]
معه النفر الخمسة أو الستة أو أقل من ذلك أو أكثر، يصلون بصلاته، قالت: فأمرني رسول اللَّه -ﷺ- ليلةً من ذلك أن أنصب له حصيرًا على باب حجرتي، ففعلت، فخرج إليه رسول اللَّه -ﷺ- بعد أن صلى العشاء الآخرة، قالت: فاجتمع إليه مَن في المسجد، فصلى بهم رسول اللَّه -ﷺ- ليلًا طويلًا، ثم انصرف رسول اللَّه -ﷺ -، فدخل وترك الحصير على حاله، فلما أصبح الناس تحدثوا بصلاة رسول اللَّه -ﷺ- بمن كان معه في المسجد تلك الليلة، قالت: وأمسى المسجد راجًّا بالناس، فصلى بهم رسول اللَّه -ﷺ- العشاء الآخرة، ثم دخل بيته وثبت الناس، قالت: فقال لي رسول اللَّه -ﷺ-: "ما شأن الناس يا عائشة؟ "، قالت: فقلت له: يا رسول اللَّه! سمع الناس بصلاتك البارحة بمن كان في المسجد، فحشدوا لذلك لتصلي بهم، قالت: فقال: "اطوِ عنا حصيرَك يا عائشة"، قالت: ففعلت، وبات رسول اللَّه -ﷺغير غافلٍ، وثبت الناس مكانهم حتى خرج رسول اللَّه -ﷺ- إلى الصبح، فقالت: فقال: "أيها الناس! أما واللَّه ما بتُّ -والحمد للَّه- ليلتي هذه غافلًا، وما خفي علي مكانكم، ولكني تخوَّفتُ أن يفترضَ عليكم، فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون، فإن اللَّه لا يملُّ حتى تملُّوا"، قال: وكانت عائشة تقول: إن أحبَّ الأعمال إلى اللَّه أدومُها وإن قلَّ. لفظ إبراهيم بن سعد [عند أحمد].
أخرجه أحمد (٦/ ٢٦٧)، وابن نصر في قيام رمضان (١١ - مختصره)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٦٨/ ٥٢٨١).
وإسناده حسن، وقد تقدم ذكره تحت الحديث رقم (٦٥٩).
٤ - ورواه عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة، قالت: كان الناس يصلون في المسجد في رمضان أوزاعًا، فأمرني رسول اللَّه -ﷺ- فضربت له حصيرًا، فصلى عليه. . . بهذه القصة، قالت فيه: قال -تعني: النبي -ﷺ-: "أيها الناس! أما واللَّه ما بتُّ ليلتي هذه بحمد اللَّه غافلًا، ولا خفي علي مكانكم".
أخرجه أبو داود (١٣٧٤).
* وقد اختلف فيه على محمد بن عمرو بن علقمة:
أ- فرواه عبدة بن سليمان [ثقة ثبت]، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة، قالت:. . . فذكره.
ب- وخالفه: معاذ بن معاذ العنبري، ويزيد بن هارون، ومحمد ابن أبي عدي، وإسماعيل بن جعفر، وعبد اللَّه بن نمير، وحماد بن سلمة، والفضل بن موسى السيناني [وهم ثقات أثبات]:
فرووه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: كانت لنا حصيرة نبسطها بالنهار، ونحتجرها علينا بالليل، قالت: فصلى رسول اللَّه -ﷺ- ليلةً فسمع مَن كان في المسجد صلاتَه [وفي رواية: فسمع المسلمون قراءته، فصلوا بصلاته]، فأصبحوا فذكره
[ ١٢ / ١٠١ ]
أولئك للناس، فكثروا في الليلة الثانية، قابت: فاطلع إليهم النبي -ﷺ-، فقال: "اكلفوا من الأعمال ما تطيقون؛ فإن اللَّه لا يملُّ حتى تملُّوا".
قالت عائشة -﵂-: وكان أحب الأعمال إلى رسول اللَّه -ﷺ- أدومها وإن قلَّ، وكان إذا صلى صلا أثبتها.
أخرجه أحمد (٦/ ٦١ و٢٤١)، وإسحاق بن راهويه (٢/ ٤٩٦/ ١٠٨٠)، وعلي بن حجر السعدي في حديثه عن إسماعيل بن جعفر (١٩٥)، والحسين المروزي في زياداته على الزهد لابن المبارك (١١١٥)، وأبو يعلى (٧/ ٤٦١/ ٤٤٨٩)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي -ﷺ- (٣/ ٣٠/ ٤٩٧).
قلت: كلا الطريقين محفوظ عن محمد بن عمرو؛ بدليل:
اختلاف سياق القصة في الروايتين، واختلاف القدر المرفوع منها أيضًا.
وقد كان الأولى ترجيح رواية الجماعة؛ إلا أن مع المخالف من القرائن ما يقوي روايته؛ مثل: متابعة ابن إسحاق لرواية عبدة عن محمد بن عمرو من هذا الوجه على هذا اللفظ بهذا الإسناد.
ومثل: كون عبدة بن سليمان قد زاد في الإسناد رجلًا، والحديث معروف من طريق ابن إسحاق عنه.
ومما يؤكد أن محمد بن عمرو ليس هو الواهم في هذا الإسناد: أنه لم يسلك فيه الجادة، فلم يقل: عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وأنه قد حفظ الحديث بالوجهين بلفظين مختلفين، فرواه عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بلفظ، ورواه عن أبي سلمة مباشرة بلفظ مغاير، فهو حديث حسن، واللَّه أعلم.
• وثمة إسناد آخر لا يصح [أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٩/ ١٢٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٣٧٩/ ١٩٠١٠)].
• ومما قلت تحت الحديث السابق برقم (٦٥٩): والذي يظهر لي من مجموع الروايات أن هذا الحصير كان النبي -ﷺ- يتخذه حاجزًا يحتجر به كالحجرة؛ أي: يتخذه حجرة يستتر فيها ويخلو، لا أنه يفرشه فيصلي عليه، وهو ظاهر من قولها: أن أنصب له حصيرًا، وانظر في هذا المعنى: النهاية (١/ ٣٤١)، الفتح لابن حجر (٢/ ٢١٥) و(١٠/ ٣١٤).
كذلك فإن هذا الحصير لم يكن يستر شخصه كاملًا، بدليل رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة، قالت: كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي من الليل في حجرته، وجدار الحجرة قصير، فرأى الناسُ شخصَ النبي -ﷺ-.
قال البيهقي في السنن (٣/ ١١٠): "وفي سياق هذه الأحاديث دلالة على أن المراد بالحجرة المطلقة في رواية هشيم عن يحيى بن سعيد وفي حديث أنس بن مالك؛ ما وقع بيانه في هذه الأحاديث، وفي حديث زيد بن ثابت دلالةٌ على أن الحجرة كانت في المسجد".
[ ١٢ / ١٠٢ ]
وقال ابن رجب في الفتح (٤/ ٢٨٠): "ليس في هذه الرواية دليل على جواز الائتمام من وراء جدار يحول بين المأموم وبين رؤية إمامه؛ فإن في هذا التصريح بأن جدار الحجرة كان قصيرًا، وأنهم كانوا يرون منه شخص النبي -ﷺ-، ومثل هذا الجدار لا يمنع الاقتداء، لكن روى هذا الحديث هشيم عن يحيى بن سعيد، فاختصر الحديث".
* وحديث أنس المجمل الذي أشار إليه البيهقي:
قد رواه يزيد بن هارون، وابن أبي عدي، وخالد بن الحارث، وخالد بن عبد اللَّه الواسطي الطحان، وبشر بن المفضل، والمعتمر بن سليمان:
عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك؛ أن رسول اللَّه -ﷺ- صلى ذات ليلة في حجرته، فسمع الناس صوته، فلما كانت الليلة الثانية جاء ناس فصلوا بصلاته، فخفف رسول اللَّه -ﷺ- ثم انصرف، فلما أصبحوا قالوا: يا رسول اللَّه! صلينا معك الليلة، ونحن نحبُّ أن تمدَّ في قراءتك، فقال: "قد علمت بمكانكم، وعمدًا فعلت ذلك". لفظ يزيد في رواية عنه مفصلًا.
ولفظ الجماعة مجمل، نحو: أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يصلي ذات ليلة في حجرته، فأتاه ناس من أصحابه، فصلوا بصلاته فخفَّف، ثم دخل البيت، ثم خرج، فصنع ذلك مرارًا، كل ذلك يصلي ويدخل، فلما أصبحوا، قالوا: يا رسول اللَّه! صلينا معك ونحن نحب أن تمد في صلاتك، فقال: "قد علمت بمكانكم، وعمدًا فعلت ذلك".
وقال المعتمر: سمعت حميدًا: ثنا أنس [عند ابن خزيمة].
أخرجه ابن خزيمة (٣/ ١٦٢٧/ ٦١)، وأحمد (٣/ ١٠٣ و١٩٩)، وعبد بن حميد (١٤٠٩)، والبزار (١٣/ ١٥٩/ ٦٥٧٤)، وأبو يعلى (٦/ ٤٠١/ ٣٧٥٥) و(٦/ ٤٦٠/ ٣٨٥٩) [واللفظ له]. والبيهقي (٣/ ١١٠).
وهو حديث صحيح.
وقد روى هذه القصة زيد بن ثابت، بنحو من حديث عائشة:
رواه عبد اللَّه بن سعيد بن أبي هند: حدثنا سالم أبو النضر مولى عمر بن عبيد اللَّه، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت، قال: احتجر رسول اللَّه -ﷺ- حجيرة بخصفة، أو حصير، فخرج رسول اللَّه -ﷺ-[وفي رواية: من الليل] يصلي فيها، قال: فتتبع إليه رجال وجاؤوا يصلون بصلاته، قال: ثم جاؤوا ليلةً فحضروا، وأبطأ رسول اللَّه -ﷺ- عنهم، قال: فلم يخرج إليهم، [وفي رواية: فتنحنحوا] فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول اللَّه -ﷺ- مغضبًا، فقال لهم رسول اللَّه -ﷺ-: "ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة"، وفي رواية: "أفضل صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة".
أخرجه البخاري (٦١١٣)، ومسلم (٧٨١/ ٢١٣)، وتقدم تحت الحديث رقم (١٠٤٤).
[ ١٢ / ١٠٣ ]
• ورواه وهيب بن خالد: حدثنا موسى بن عقبة، قال: سمعت أبا النضر، يحدث عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت، أن النبي -ﷺ- اتخذ حجرة في المسجد من حصير [في رمضان]، فصلى رسول اللَّه -ﷺ- فيها ليالي، حتى اجتمع إليه ناس [وفي رواية: فصلى بصلاته ناس من أصحابه]، ثم فقدوا صوته ليلةً [وفي رواية: فلما علم بهم جعل يقعد]، فظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم، [وفي رواية: فخرج إليهم]، فقال: "ما زال بكم الدي رأيت من صنيعكم حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة".
أخرجه البخاري (٧٣١ و٧٣١ م و٧٢٩٠)، ومسلم (٢١٤/ ٧٨١)، وتقدم تحت الحديث رقم (١٠٤٤)، وانظر هناك بقية طرقه.
* * *