١٢٢٢ - . . . الليث، عن صفوان بن سليم، عن أبي بُسرة الغفاري، عن البراء بن عازب الأنصاري، قال: صحِبتُ رسولَ الله -ﷺ- ثمانيةَ عشر سفرًا، فما رأيته ترك ركعتين إذا زاغت الشمسُ قبل الظهر.
حديث ضعيف
أخرجه الترمذي (٥٥٠)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام"
[ ١٣ / ١٣٠ ]
(٣/ ٩٠/ ٥١٩)، وابن خزيمة (٢/ ٢٤٤/ ١٢٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٩٢)، وابن وهب في الجامع (٢٥٩)، وابن سعد في الطبقات (٤/ ٣٦٨)، وابن أبي شيبة (٧/ ٣٥١/ ٣٦٦٤٧)، وأبو أحمد الحاكم في الأسامي والكنى (٢/ ٣٨٨)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٢٨٣)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٥٨)، وفي المعرفة (٢/ ٤٤٢/ ١٦٢٤)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ١٨٦/ ١٠٣٤)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٤٣٧).
رواه عن الليث بن سعد: قتيبة بن سعيد [وهذا لفظه]، وعبد الله بن وهب، ويحيى بن عبد الله بن بكير، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وأبو الوليد الطيالسي هشام بن عبد الملك، وزيد بن الحباب [وهم ثقات]، ومحمد بن حرب المكي [وثقه العجلي، وقال أبو حاتم: "صالح الحديث، ليس به بأس"، وذكره ابن حبان في الثقات. التاريخ الكبير (١/ ٦٩)، معرفة الثقات (١٥٨٥)، الجرح والتعديل (٧/ ٢٣٧)، الثقات (٩/ ٦٢)، تاريخ الإسلام (١٤/ ٣٤٩)، الثقات لابن قطلوبغا (٨/ ٢٣٥)]، وغسان بن الربيع [صالح في المتابعات، وقد ضُعِّف. تقدمت ترجمته تحت الحديث رقم (١٩٩)] [وفي رواية ابن بكير وأبي الوليد وغيرهما عن الليث، قال: حدثني صفوان].
ولفظ هاشم بن القاسم [عند أحمد]: سافرتُ مع النبي -ﷺ- ثمانيةَ عشر سفرًا، فلم أره ترك الركعتين قبل الظهر، وبنحوه لفظ أبي الوليد [عند ابن سعد]، وفي رواية ابن بكير [عند البيهقي]: فلم أره ترك ركعتين عند زيغ الشمس قبل الظهر.
• خالفهم: عبد الله بن عبد الحكم [مصري، ثقة. التهذيب (٢/ ٣٧٠)]، وشعيب بن الليث [ثقة نبيل فقيه، من أثبت الناس في أبيه. التقريب (٤٣٨)، سؤالات ابن بكير (٥٣)]:
قالا: أخبرنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن صفوان بن سليم، عن أبي بسرة الغفاري، عن البراء بن عازب، أنه قال: سافرت مع النبي -ﷺ- ثمانية عشر سفرًا، فلم أر رسول الله -ﷺ- يترك ركعتين حين تزيغ الشمس.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٢٤٤/ ١٢٥٣)، والحاكم (١/ ٣١٥) (٢/ ٩٢/ ١٢٠١ - ط. الميمان).
هكذا زادا في الإسناد رجلًا بين الليث وصفوان بن سليم، ويؤيده كون الليث كثيرًا ما يروي عن صفوان بواسطة، لكن سن الليث لا يمنعه من إدراك صفوان والسماع منه، لاسيما وقد وقع له السماع في الإسناد السابق، وعلى هذا: فيمكن أن يقال بأن الليث أخذه أولًا عن يزيد بن أبي حبيب، ثم سمعه بعدُ من صفوان، ويزيد هذا الاحتمال أن ابن أبي حبيب مصري بلدي لليث، وصفوان مدني، والله أعلم.
* ورواه فليح بن سليمان [مدني، ليس به بأس، كثير الوهم]، عن صفوان بن سليم، عن أبي بسرة، عن البراء بن عازب قال: غزوت مع رسول الله -ﷺ- بضع عشرة غزوةً [وفي رواية: سفرًا]، فما رأيته ترك ركعتين حين تميل الشمس [وفي رواية: لم أره ترك الركعتين قبل الظهر].
[ ١٣ / ١٣١ ]
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٢٤٤/ ١٢٥٣)، والحاكم (١/ ٣١٥) (٢/ ٩٣/ ١٢٠٢ - ط. الميمان)، وأحمد (٤/ ٢٩٥)، وابن وهب في الجامع (٢٠٩)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٥٨).
* ورواه محمد بن عمر [الواقدي: متروك]، قال: حدثنا عبد الملك بن سليمان [الأسلمي: ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٣٨٥)، غنية الملتمس (٣٤٦)، الثقات لابن قطلوبغا (٦/ ٤٤٨)]، عن صفوان بن سليم، عن أبي بسرة الجهني، قال: سمعت البراء بن عازب، يقول: غزوت مع رسول الله -ﷺ- ثماني عشرة غزوة، ما رأيته ترك ركعتين حين تزيغ الشمس في حضر ولا سفر.
أخرجه ابن سعد في الطبقات (٤/ ٣٦٨).
• وانظر فيمن وهم في إسناده على صفوان: ما أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٦٦/ ٤٨١٧) [وفي إسناده: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، وهو: متروك، كذبه غير واحد].
* ورواه من وجه آخر: محمد بن عبيد الله العرزمي الكوفي، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: غزوت مع رسول الله -ﷺ- ثماني عشرة غزوة، ما رأيته تاركًا ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر.
أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (١٥/ ٤٠١ - ط. الغرب).
وهذا باطل من حديث أبي إسحاق السبيعي؛ تفرد به عنه: محمد بن عبيد الله العرزمي، وهو: متروك [وانظر: الفتح لابن رجب (٣/ ٣١٦)، وقال: "غريب منكر"].
* قال الترمذي: "حديث البراء حديث غريب، وسألت محمدًا [يعني: البخاري] عنه فلم يعرفه، إلا من حديث الليث بن سعد، ولم يعرف اسم أبي بسرة الغفاري، ورآه حسنًا"، وقد عبر الترمذي عن حكم شيخه البخاري باستغراب الحديث وتضعيفه.
ثم قال: "وروي عن ابن عمر؛ أن النبي -ﷺ- كان لا يتطوع في السفر قبل الصلاة ولا بعدها.
وروي عنه عن النبي -ﷺ- أنه كان يتطوع في السفر.
ثم اختلف أهل العلم بعد النبي -ﷺ-، فرأى بعض أصحاب النبي -ﷺ- أن يتطوع الرجل في السفر، وبه يقول أحمد وإسحاق، ولم تر طائفة من أهل العلم أن يصلى قبلها ولا بعدها، ومعنى من لم يتطوع في السفر قبول الرخصة، ومن تطوع فله في ذلك فضل كثير، وهو قول أكثر أهل العلم يختارون التطوع في السفر".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد رواه فليح بن سليمان عن صفوان بن سليم".
وقال أبو موسى المديني: "هذا حديث مشهور من حديث الليث، غريب من حديث صفوان، ويريد بهاتين الركعتين صلاة الزوال، وأبو بسرة غفاري لا يسمى، وهو معروف بهذا الحديث، وقد روى الليث عن أصحاب صفوان".
[ ١٣ / ١٣٢ ]
قلت: هو حديث غريب ضعيف؛ أبو بسرة الغفاري: مجهول، لا يُعرف إلا بهذا الحديث، وقد وثقه العجلي وذكره ابن حبان في ثقاته على عادتهما في توثيق المجاهيل، لذا قال الذهبي: "لا يُعرف" [كنى البخاري (١٦)، الجرح والتعديل (٩/ ٣٤٨)، الثقات (٥/ ٥٧٣)، المغني في الضعفاء (٣/ ٤٤٩)، التهذيب (٤/ ٤٨٥)].
* وفي الباب أيضًا مما روي في صلاة الرواتب في السفر؛ غير ركعتي الفجر وقيام الليل والوتر والضحى:
١ - حديث ابن عمر:
أ - يرويه حفص بن غياث [ثقة ثبت]، عن الحجاج [هو: ابن أرطأة، وليس بالقوي]، عن عطية، عن ابن عمر، قال: صليت مع النبي -ﷺ- الظهر في السفر ركعتين وبعدها ركعتين.
أخرجه الترمذي (٥٥١).
قال الترمذي: "هذا حديث حسن، وقد رواه ابن أبي ليلى، عن عطية ونافع، عن ابن عمر".
قلت: قد رواه حفص بن غياث مرة أخرى [وهو ثابت عنه بالوجهين]، عن ابن أبي ليلى، وأشعث [هو: ابن سوار: ضعيف]، والحجاج بن أرطأة، عن عطية، عن ابن عمر، قال: سافرت مع رسول الله -ﷺ- فصليت معه في الحضر والسفر،. . . ثم ساقه مطولًا بلفظ ابن أبي ليلى الآتي.
أخرجه الطبراني في الكبير (١٣/ ١٧٢/ ١٣٨٧٠).
ب - ورواه مالك بن سعير، وعيسى بن المختار بن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعلي بن هاشم بن البريد، وأبو شهاب الحناط عبد ربه بن نافع، وعبيد الله بن موسى [وهم ثقات] [ولم يذكر الأخيران نافعًا في الإسناد]:
عن ابن أبي ليلى [ليس بالقوي، كان سيئ الحفظ جدًّا]، عن نافع وعطية بن سعد العوفي، عن ابن عمر، قال: صليت مع النبي -ﷺ- في الحضر والسفر، فصليت معه في الحضر: الظهر أربع ركعات، وبعدها ركعتين، والعصر أربع ركعات ليس بعدها شيء، والمغرب ثلاثًا وبعدها ركعتين، والعشاء أربعًا وبعدها ركعتين، والغداة ركعتين وقبلها ركعتين.
وصليت معه فى السفر: الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، والعصر ركعتين وليس بعدها شيء، والمغرب ثلاثًا وبعدها ركعتين، وقال: هي وتر النهار، لا ينقص في حضر ولا سفر، والعشاء ركعتين وبعدها ركعتين، والغداة ركعتين وقبلها ركعتين. لفظ مالك بن سعير، وهو أتمها سياقة، ومثله لفظ عيسى.
أخرجه الترمذي (٥٥٢)، وابن خزيمة (٢/ ٢٤٤/ ١٢٥٤)، وأبو أمية الطرسوسي في مسند ابن عمر (٣)، والطحاوي (١/ ٤١٨)، وابن الأعرابي في المعجم (٥٩٨)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ١٨٦/ ١٠٣٥).
[ ١٣ / ١٣٣ ]
ج - ورواه فراس [هو: ابن يحيى الهمداني الكوفي: ثقة، من أصحاب الشعبي]، ومحمد بن عطية [بن سعد العوفي: منكر الحديث، وقيل: هو محمد بن الحسن بن عطية بن سعد، نسبه أسد إلى جده. التاريخ الكبير (١/ ١٩٨)، ضعفاء العقيلي (٤/ ١١٣)، المجروحين (٢/ ٢٧٣)، تعليقات الدارقطني على المجروحين (٣٢٢)، الكامل (٦/ ٢٤٧)، شرح علل الترمذي (٢/ ٨٨٥)، اللسان (٧/ ٣٤٨)، والراوي عنه: أسيد بن زيد الجمال: متروك، كذبه ابن معين. راجع ترجمته تحت الحديث رقم (٣٥٤)، والحديث رقم (٨٩٥)]:
عن عطية العوفي، عن ابن عمر، قال: صليت مع رسول الله -ﷺ- في الحضر والسفر، فصلى الظهر في الحضر أربعًا وبعدها ركعتين، وصلى العصر أربعًا وليس بعدها شيء، وصلى المغرب ثلاثًا وبعدها ركعتين، وصلى العشاء أربعًا، وصلى في السفر الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، والعصر ركعتين وليس بعدها شيء، والمغرب ثلاثًا وبعدها ركعتين، والعشاء ركعتين وبعدها ركعتين. لفظ فراس.
أخرجه أحمد (٢/ ٩٠)، وأبو أمية الطرسوسي في مسند ابن عمر (١)، وعلقه مسلم في التمييز (٩٠).
قال مسلم: "ذكر خبر مستنكر عن ابن عمر عن النبي -ﷺ-، فقد أطبق الحفاظ على صدر روايته عن ابن عمر عن النبي -ﷺ-"، ثم أورد حديث فراس، وأتبعه بحديث عيسى بن حفص الآتي ذكره، ثم قال: "فهذه أسانيد صحاح، كل واحد منها ثابت على انفراده، وهم جماعة منهم: حفص بن عاصم بن عمر، وعيسى بن طلحة بن عبيد الله، وعثمان بن عبد الله بن سراقة، ووبرة بن عبد الرحمن، حكوا ذلك عن ابن عمر: ترك النبي -ﷺ- السبحة في السفر قبل المكتوبة وبعدها، ونافع حكى ترك ابن عمر ذلك".
وقال الترمذي في الجامع: "هذا حديث حسن، سمعت محمدًا يقول: ما روى ابن أبي ليلى حديثًا أعجب إليَّ من هذا، ولا أروي عنه شيئًا].
وقال في العلل (١٦٠): "وسمعت محمدًا يقول: لا أعرف لابن أبي ليلى حديثًا هو أعجب إليَّ من هذا [وهو حديثه: عن عطية ونافع، عن ابن عمر: صليت مع النبي -ﷺ- في الحضر الظهر أربعًا وبعدها ركعتين. . . الحديث]، قال محمد: ولا أروي عن ابن أبي ليلى شيئًا".
وقال ابن خزيمة: "وقد روى الكوفيون أعجوبةً عن ابن عمر، إني خائف أن لا تجوز روايتها إلا لتبيين علتها، لا أنها أعجوبة في المتن، إلا أنها أعجوبة في الإسناد في هذه القصة".
ثم قال: "وروى هذا الخبر جماعة من الكوفيين عن عطية عن ابن عمر، منهم: أشعث بن سوار، وفراس، وحجاج بن أرطأة، منهم من اختصر الحديث، ومنهم من ذكره بطوله.
[ ١٣ / ١٣٤ ]
وهذا خبر لا يخفى على عالم بالحديث أن هذا غلط وسهو عن ابن عمر، قد كان ابن عمر -﵀- ينكر التطوع في السفر، ويقول: لو كنت متطوعًا ما باليت أن أتم الصلاة، وقال: رأيت رسول الله -ﷺ- لا يصلي قبلها ولا بعدها في السفر".
ثم قال بعد حديث ابن عمر (١٢٥٧) الآتي ذكره: "فابن عمر -﵁- ينكر التطوع في السفر بعد المكتوبة، ويقول: لو كنتُ مسبِّحًا لأتممت الصلاة، فكيف يرى النبي -ﷺ- يتطوع بركعتين في السفر بعد المكتوبة من صلاة الظهر، ثم ينكر على من يفعل ما فعل النبي -ﷺ-، وسالم وحفص بن عاصم أعلم بابن عمر، وأحفظ لحديثه من عطية بن سعد".
ثم قال بعد حديث سالم عن ابن عمر (١٢٥٩): "فخبر سالم وحفص يدلان على أن خبر عطية عن ابن عمر وهمٌ، وابن أبي ليلى واهمٌ في جمعه بين نافع وعطية في خبر ابن عمر في التطوع في السفر؛ إلا أن هذا من الجنس الذي نقول: إنه لا يجوز أن يحتج بالإنكار على الإثبات، وابن عمر -﵁- وإن لم ير النبي -ﷺ- متطوعًا في السفر، فقد رآه غيره يصلي متطوعًا في السفر، والحكم لمن يخبر برؤية النبي -ﷺ- لا لمن لم يره، هذه مسألة قد بينتها في غير موضع من كتبنا".
ثم احتج بحديث عثمان بن سعد الكاتب عن أنس في توديع المنزل في السفر بركعتين، وهو حديث منكر، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٢٠٥)، وقلت هناك بأنه يغلب على ظني أن عثمان بن سعد أراد حديث أنس في التعجيل بالظهر إذا نزل منزلًا قبل أن يرتحل، فوهم عثمان، وجعله في توديع المنزل بركعتين، والله أعلم.
قلت: حديث عطية عن ابن عمر حديث منكر؛ عطية بن سعد العوفي: ضعيف، وقد روى عن ابن عمر في الشطر الثاني من الحديث خلاف ما روى عنه أصحابه، مثل: حفص بن عاصم بن عمر، وعيسى بن طلحة بن عبيد الله، وعثمان بن عبد الله بن سراقة، ووبرة بن عبد الرحمن، رووا عن ابن عمر: ترك النبي -ﷺ- السبحة في السفر قبل المكتوبة وبعدها، ورواه سالم ونافع عن ابن عمر موقوفًا عليه، وقد وهم ابن أبي ليلى في ذكر نافع في هذا الحديث، وسيأتي بيان ذلك في سياق طرق حديث ابن عمر في الحديث الآتي.
٢ - حديث ابن عباس:
روى حاتم بن إسماعيل، ووكيع بن الجراح، والأوزاعي، وروح بن عبادة، وسفيان الثوري [تفرد به عنه: قبيصة بن عقبة]:
قال حاتم: ثنا أسامة بن زيد، قال: سألت طاوسًا عن التطوع في السفر، فقال: وما يمنعك؟ فقال الحسن بن مسلم: أنا أحدثك، أنا سألت طاوسًا عن هذا فقال: قال ابن عباس -﵄-: قد فرض لرسول الله -ﷺ- الصلاة في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، فكما يتطوع هاهنا قبلها ومن بعدها، فكذلك يصلى في السفر قبلها وبعدها.
وقال وكيع: حدثنا أسامة بن زيد، قال: سألت طاوسًا عن السبحة في السفر، قال: والحسن بن مسلم بن يناق جالس، فقال الحسن بن مسلم، وطاوس يسمع: حدثنا طاوس،
[ ١٣ / ١٣٥ ]
عن ابن عباس، قال: فرض رسول الله -ﷺ- صلاة الحضر والسفر، فكما تصلِّي في الحضر قبلها وبعدها، فصلِّ في السفر قبلها وبعدها. قال وكيع مرة: وصلِّها في السفر [هذا لفظ وكيع عند أحمد (٢/ ٥١٥/ ٢٠٩٣ - ط. المكنز)، والسراج (١٤٢٣)، وهو المحفوظ عن وكيع، وأما الرواية التي وقعت عند ابن ماجه من طريق وكيع: فكنا نصلي في الحضر قبلها وبعدها، وكنا نصلي في السفر قبلها وبعدها، فهي وهم، والمحفوظ ما ذكرته، والله أعلم].
وقال الأوزاعي [والإسناد إليه صحيح]: حدثني أسامة بن زيد الليثي: حدثني حسن بن مسلم: حدثني طاوس اليماني: حدثني عبد الله بن عباس، قال: سن رسول الله -ﷺ-؛ يعني: صلاة السفر ركعتين، وسن صلاة الحضر أربع ركعات، فكما الصلاة قبل صلاة الحضر وبعدها حسن، فكذلك الصلاة في السفر قبلها وبعدها.
هذا إسناد جيد، وتقدم تخريجه في شواهد الحديث رقم (١١٩٨).
والمرفوع من هذا الحديث هو كون صلاة السفر فرضت ركعتين، وفي الحضر أربعًا، وأما التطوع في السفر فهو اجتهاد من ابن عباس، موقوفًا عليه، ولم يرفعه، بل ظاهره القياس، حيث قاس التطوع في السفر على التطوع في الحضر، ولعله أخذ ذلك من تطوع النبي -ﷺ- بركعتي الفجر في السفر، وصلاته الوتر في السفر، وصلاته ثماني ركعات ضحى في فتح مكة، والله أعلم.
* ومن حجة الجمهور القائلين بجواز التنفل المطلق وصلاة الرواتب في السفر: أحاديث صلاة النافلة على الراحلة في السفر [ويأتي ذكرها في الباب القادم بعد هذا الباب].
***
١٢٢٣ - . . . عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه، قال: صحِبتُ ابنَ عمر في طريقٍ، قال: فصلى بنا ركعتين، ثم أقبل فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنعُ هؤلاء؟ قلت: يُسبِّحون، فقال: لو كنت مُسبِّحًا أتممتُ صلاتي، يا ابن أخي! إني صحبتُ رسولَ الله -ﷺ- في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله -﷿-، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله -﷿-، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله -﷿-، وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله -﷿-، وقد قال الله -﷿-: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
حديث متفق على صحته
أخرجه البخاري (١١٠٢)، ومسلم في الصحيح (٦٨٩/ ٨)، وفي التمييز (٩١)،
[ ١٣ / ١٣٦ ]
وأبو عوانة (٢/ ٦٦ - ٦٧/ ٢٣٣٥ - ٢٣٣٨)، والنسائي في المجتبى (٣/ ١٢٣/ ١٤٥٨)، وفي الكبرى (٢/ ٣٦٤/ ١٩٢٩)، وابن ماجه (١٠٧١)، وابن خزيمة (٢/ ٢٤٦/ ١٢٥٧)، وأحمد (٢/ ٢٤ و٥٦)، وعبد الرزاق (٢/ ٥٥٧/ ٤٤٤٣)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٣٤/ ٣٨٢٧)، وعبد بن حميد (٨٢٧)، وأبو يعلى (١٠/ ١٥٦/ ٥٧٧٨)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٣/ ٧٩/ ٥١٣)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٣٨٩ و١٣٩٠)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٧٩٧ - ١٧٩٩)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٥٨)، والخطيب في الموضح (٢/ ٢٨٢)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ١٨٤/ ١٠٣٢) و(٤/ ١٨٥/ ١٠٣٣)، وقال: "هذا حديث متفق على صحته"، وأبو طاهر السلفي في الحادي عشر من المشيخة البغدادية (٩) (١٠٩٣ - المشيخة البغدادية).
رواه عن عيسى بن حفص: عبد الله بن مسلمة القعنبي [وهذا لفظه]، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، وأبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، وجعفر بن عون، وجعفر بن برقان، وصفوان بن عيسى، وعبد الله بن عمر العمري.
وأول رواية القعنبي عند مسلم: صحبتُ ابنَ عمر في طريق مكة، قال: فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه، حتى جاء رحلَه، وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتةٌ نحوَ حيثُ صلى، فرأى ناسًا قيامًا،. . . ثم ذكر باقيه مثله.
ولفظ القطان [عند النسائي وابن خزيمة]: كنت مع ابن عمر في سفر فصلى الظهر والعصر ركعتين، ثم انصرف إلى طنفسة له، فرأى قومًا يسبِّحون -يعني: يصلون- قال: ما يصنع هؤلاء؟ قال: قلت: يسبِّحون، قال: لو كنت مصليًا قبلها أو بعدها لأتممتها، صحبت رسول الله -ﷺ- حتى قُبِض، فكان لا يزيد على ركعتين، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كذلك. وفي رواية: وكيع: ولو تطوعت لأتممت.
* توبع عيسى بن حفص عليه:
١ - فقد روى عبد الله بن وهب، ويزيد بن زريع، وعاصم بن محمد بن زيد العمري [وهم ثقات]:
قال ابن وهب: حدثني عمر بن محمد، أن حفص بن عاصم حدثه، قال: سافر ابن عمر -﵄-، فقال: صحبتُ النبي -ﷺ- فلم أره يسبِّح في السفر، وقال الله جلَّ ذكره: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. لفظ ابن وهب [عند البخاري].
ولفظ يزيد [عند مسلم]: عن حفص بن عاصم، قال: مرضتُ مرضًا، فجاء ابن عمر يعودني، قال: وسألته عن السبحة في السفر، فقال: صحبت رسول الله -ﷺ- في السفر، فما رأيته يسبح، ولو كنت مسبحًا لأتممت، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
أخرجه البخاري (١١٠١)، ومسلم (٦٨٩/ ٩)، وأبو عوانة (٢/ ٦٧/ ٢٣٣٩ و٢٣٤٠)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٣٨٧ و١٤٠١)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٧٩٤ و١٨١٥).
[ ١٣ / ١٣٧ ]
تنبيه: جاءت زيادة في آخر الحديث عند السراج، وأظنها مدرجة، وهي قوله: وإن أعجز الناس من لم يأخذ برخص الله.
٢ - وروى شعيب بن أبي حمزة، ومحمد بن الوليد الزبيدي:
عن الزهري: أخبرني سالم بن عبد الله؛ أن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أخبره؛ أنه سأل عبد الله بن عمر عن تركه السبحة في السفر، فقال له عبد الله: لو سبَّحتُ ما باليتُ أن أتم الصلاة.
قال الزهري: فقلت لسالم: هل سألتَ أنتَ عبد الله بن عمر عما سأله عنه حفص بن عاصم؟ قال سالم: لا، إنا كنا نهابه عن بعض المسألة. لفظ شعيب.
وفي رواية الزبيدي [عند السراج]: فقلت لسالم: فكأن عبد الله يذكر ذلك عن رسول الله -ﷺ-؟ قال سالم: ما كنا إذا أخبرنا عبد الله بشيء نقول له: ممن سمعت هذا؟ كنا نهابه أن نقول ذلك له، ثم قال سالم: ولعمري ما كان عبد الله يبتدع ذلك لو لم يره.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٢٤٧/ ١٢٥٩) (٢/ ٤١٤/ ١٢٥٩ - ط. الميمان)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٣٩٩ و١٤٠٠)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٨١٣ و١٨١٤)، والطبراني في مسند الشاميين (٤/ ٢٣٨/ ٣١٨٢).
وهو موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح.
* وله طرق أخرى عن ابن عمر:
١ - شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري: أخبرني سالم بن عبد الله؛ أن عبد الله بن عمر كان لا يسبِّح في السفر سجدةً قبل صلاة المكتوبة ولا بعدها حتى يقوم من جوف الليل، وكان لا يترك القيام من جوف الليل.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٢٤٧/ ١٢٥٨).
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح، على شرط الصحيح.
• وروي عن سالم من وجهين آخرين مرفوعًا، ولا يصح [أخرجه ابن ماجه (١١٩٣)، وأحمد (٢/ ٨٦) و(٢/ ٩٥ و١٠٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٣٥/ ٣٨٤٨)، وعبد بن حميد (٧٣٧)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٣/ ٣٩٢)، وابن نصر في قيام الليل (٣١٦ - مختصره)، وأبو يعلى (٩/ ٤٠٩/ ٥٥٥٧)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٣٨٨)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٧٩٥)، والطبراني في الأوسط (٢/ ١٥٤/ ١٥٥٥)، وابن المقرئ في المعجم (١٢٨٠)، والدارقطني في الأفراد (١/ ٥٢٣/ ٢٩٨٧ - أطرافه)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٤٢٩)، وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام (٤١٥)، وانظر: علل الدارقطني (١٣/ ١٣٨/ ٣٠١٣)].
٢ - مالك بن أنس، عن نافع، عن عبد الله بن عمر؛ أنه لم يكن يصلي مع صلاة الفريضة في السفر شيئًا، قبلها ولا بعدها، إلا من جوف الليل، فإنه كان يصلي على الأرض، وعلى راحلته حيث توجهت.
[ ١٣ / ١٣٨ ]
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢١٤/ ٤٠٨)، وعنه: الشافعي في الأم (٧/ ٢٤٨)، وفي المسند (٢٢٧)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٥٨)، وفي المعرفة (٢/ ٤٤٣/ ١٦٢٨).
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح، على شرط الصحيح.
٣ - روى عمر بن ذر الهمداني، عن مجاهد؛ أن ابن عمر كان لا يزيد على المكتوبة في السفر على الركعتين، لا يصلي قبلها ولا بعدها، ويحيي الليل على ظهر البعير أينما كان وجهه، وينزل قبيل الفجر فيوتر بالأرض، فإذا أقام ليلة في منزل أحيى الليل.
أخرجه محمد بن الحسن في زياداته على موطأ مالك (٢١١ و٢١٢)، وفي الحجة على أهل المدينة (١/ ١٨٨)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٥٠/ ٤٠٤ - مسند عمر) و(١/ ٥٣٨/ ٨٤٦ - مسند ابن عباس)، والطحاوي (١/ ٤٢٩).
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح.
٤ - يحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون [وهم ثقات أثبات]:
عن ابن أبي ذئب: حدثني عثمان بن عبد الله بن سراقة، قال: سمعت ابن عمر، يقول: رأيت رسول الله -ﷺ- لا يصلي قبلها ولا بعدها في السفر. لفظ القطان.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٢٤٥/ ١٢٥٥)، وابن حبان (٦/ ٤٦٠/ ٢٧٥٣)، وأحمد (٢/ ١٨ و٤٢)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٤٠٢)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٨١٦)، وابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٢٥٣).
وهو حديث صحيح.
• ورواه عثمان بن عمر بن فارس [بصري: ثقة]، وابن أبي فديك [محمد بن إسماعيل بن مسلم المدني: صدوق، من أصحاب ابن أبي ذئب المكثرين عنه]، وأبو علي الحنفي عبيد الله بن عبد المجيد [بصري: ليس به بأس]:
نا ابن أبي ذئب، عن عثمان بن عبد الله بن سراقة، أنه رأى حفص بن عاصم يسبِّح في السفر، ومعهم في ذلك السفر عبد الله بن عمر، فقيل: إن خالك ينهى عن هذا، فسألت ابن عمر عن ذلك، فقال: رأيت رسول الله -ﷺ- لا يصنع ذلك، لا يصلي قبل الصلاة ولا بعدها، قلت: أصلي بالليل؟ فقال: صلِّ بالليل ما بدا لك. لفظ عثمان.
ووقع في رواية أبي علي الحنفي [عند عبد بن حميد]: قال: حدثني ابن أبي ذئب، عن عثمان بن عبد الله بن سراقة؛ أن حفص بن عاصم رآه يسبح في سفر، معهم في ذلك السفر عبد الله بن عمر، فقال حفص: إن أخًا لك نهى عن هذا، يعني: ابن عمر، فسألت ابن عمر، فقال: رأيت نبي الله -ﷺ- لا يصنع ذلك في السفر، لا يسبح قبل الصلاة ولا بعدها، قال: قلت: أُصلِّي بالليل؟ قال: نعم، صلِّ بالليل ما شئت على راحلتك حيث توجهت بك.
والمحفوظ: رواية عثمان بن عمر وابن أبي فديك، فقد اتفقا على أن حفص بن عاصم هو الذي كان يسبِّح في السفر.
[ ١٣ / ١٣٩ ]
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٢٤٥/ ١٢٥٦)، وعبد بن حميد (٨٤٤)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٤٠٣)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٨١٧).
وهو حديث صحيح.
• ورواه أبو أسامة [حماد بن أسامة: ثقة ثبت]، قال: نا عبيد الله، قال: حدثني عثمان بن سراقة، قال: قلت لعبد الله بن عمر: مالي أرى الناس يصلون قبل المكتوبة وبعدها؟ قال: يا ابن أخي! ما رأيت رسول الله -ﷺ- صلى قبلها ولا بعدها.
أخرجه أبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٣/ ٨١/ ٥١٥)، قال: حدثنا بذلك حوثرة بن محمد المنقري البصري [صدوق]، قال: نا أبو أسامة به.
• لكن رواه أحمد بن حنبل [ثقة ثبت، إمام حجة]: حدثنا عبدة بن سليمان [ثقة ثبت]: حدثنا عبيد الله: حدثني من سمع ابن سراقة، يذكر عن ابن عمر، قال: ما رأيت رسول الله -ﷺ- يصلي قبل الصلاة ولا بعدها في السفر.
أخرجه أحمد (٢/ ٣٨) (٣/ ١١١٠/ ٥٠٥٧ - ط. المكنز).
فدلت رواية عبدة أن عبيد الله لم يسمعه من عثمان بن عبد الله بن سراقة، وإنما سمعه بواسطة، لكن يمكن حمل رواية أبي أسامة على أنه سمعه أولًا من عثمان بواسطة ثم لقيه فسمعه منه، ويؤكد ذلك قول البخاري: "إنما هو: عبيد الله بن عمر، عن رجل من آل سراقة، عن ابن عمر" [علل الترمذي (١٥٩)، ويأتي نقل النص بتمامه في الطريق السادس]، والعمدة في هذا الحديث على رواية ابن أبي ذئب المتصلة، والله أعلم.
وعبيد الله المذكور في الإسناد هو: عبيد الله بن عمر العمري الثقة الثبت المشهور، فإن أبا أسامة وعبدة معروفان بالرواية عنه، وكما صرح بذلك البخاري في كلامه [ويأتي إيراده بعد طريق واحد، في الطريق السادس]، وليس هو: عبيد الله بن عبد الله بن عمر، كما ذهب إليه الحسيني في الإكمال (١٣٥٢).
٥ - وروى أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: حدثنا العلاء بن زهير، قال: حدثنا وبرة بن عبد الرحمن، قال: كان ابن عمر لا يزيد في السفر على ركعتين، لا يصلي قبلها، ولا بعدها، فقيل له: ما هذا؟ قال: هكذا رأيت رسول الله -ﷺ- يصنع.
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ١٢٢/ ١٤٥٧)، وفي الكبرى (٢/ ٣٦٤/ ١٩٢٨)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢١٢٦)، وأبو نعيم في تسمية ما انتهى إلينا من الرواة عن أبي نعيم (٩).
وهو حديث صحيح، تقدم الكلام عليه تحت الحديث رقم (١٢٠٠)، في آخر البحث عند الكلام عن إقرار النبي -ﷺ- لعائشة إتمامها في السفر.
٦ - وروى عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق البغدادي [ثقة]: حدثنا يحيى بن سليم [صدوق، سيئ الحفظ، له أحاديث غلط فيها، كان منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر].
وروى محمد بن علي بن طرخان [أبو عبد الله البلخي، قال الخليلي: "كبير، عالم
[ ١٣ / ١٤٠ ]
بهذا الشأن"، وقال ابن ماكولا: "وكان حافظًا للحديث، حسن التصنيف"، وروى عنه جماعة. فتح الباب (٤٧٤٢)، الإرشاد (٣/ ٩٤٠)، الإكمال لابن ماكولا (٢/ ٣٤٨)، الأنساب (٤/ ٥٩)، تاريخ دمشق (٥٤/ ٣٥٩)، معجم البلدان (١/ ٤٨٠)، تاريخ الإسلام (٢٢/ ٢٨٥)، توضيح المشتبه (٣/ ٥٥)]، قال: نا أبو غريب [محمد بن العلاء الكوفي: ثقة حافظ]، قال: نا عبدة [هو: ابن سليمان الكلابي: ثقة ثبت].
كلاهما [يحيى بن سليم، وعبدة بن سليمان]، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سافرت مع النبي -ﷺ-، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يصلون الظهر والعصر ركعتين ركعتين، لا يصلون قبلها ولا بعدها.
قال ابن عمر: لو كنت مصليًا قبلها أو بعدها لأتممتها.
أخرجه الترمذي (٥٤٤) (٥٥١ - ط. التأصيل)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٣/ ٨٠/ ٥١٤)، وابن خزيمة (٢/ ٧٢/ ٩٤٧)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٤٤١)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٧٠١)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ١٨٤/ ١٠٣١).
قلت: هو حديث منكر؛ أخطأ فيه يحيى بن سليم على عبيد الله بن عمر، وأخطأ فيه ابن طرخان البلخي على أبي غريب الكوفي الحافظ:
أما حديث أبي غريب عن عبدة، فالمعروف فيه عن عبدة:
ما رواه أحمد بن حنبل [ثقة ثبت، إمام حجة]: حدثنا عبدة بن سليمان [ثقة ثبت]: حدثنا عبيد الله: حدثني من سمع ابن سراقة، يذكر عن ابن عمر، قال: ما رأيت رسول الله -ﷺ- يصلي قبل الصلاة ولا بعدها في السفر.
أخرجه أحمد (٢/ ٣٨) (٣/ ١١١٠/ ٥٠٥٧ - ط. المكنز).
وبهذا يبقى يحيى بن سليم هو المتفرد بهذا الحديث عن عبيد الله بن عمر، وهو الواهم فيه عليه، فهو كما قال أحمد: "يحدث عن عبيد الله أحاديث مناكير"، وقال فيه النسائي: "منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر" [سؤالات أبي داود (٢٣٨)، ضعفاء العقيلي (٤/ ٤٠٦)، التهذيب (٤/ ٣٦٢)].
* وقد رواه أبو أسامة [حماد بن أسامة: ثقة ثبت]، قال: نا عبيد الله، قال: حدثني عثمان بن سراقة، قال: قلت لعبد الله بن عمر: مالي أرى الناس يصلون قبل المكتوبة وبعدها؟ قال: يا ابن أخي! ما رأيت رسول الله -ﷺ- صلى قبلها ولا بعدها.
أخرجه أبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٣/ ٨١/ ٥١٥)، وقد تقدم الكلام عليه في الطريق الرابع. * وقد ذُكر حديث يحيى بن سليم هذا للإمام أحمد؛ فأنكره إنكارًا شديدًا، وقال: "هذا من قِبَل يحيى بن سليم" [العلل ومعرفة الرجال للمروذي (٢٥٩)].
وقال الترمذي في الجامع: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث
[ ١٣ / ١٤١ ]
يحيى بن سليم مثل هذا، قال محمد بن إسماعيل: وقد روي هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر، عن رجل من آل سراقة، عن عبد الله بن عمر".
وقال في العلل (١٥٩): "سألت محمدًا عن هذا الحديث [يعني: حديث يحيى بن سليم. . .]، فقال: هذا حديث خطأ، وإنما هو: عبيد الله بن عمر، عن رجل من آل سراقة، عن ابن عمر".
وقال الطوسي: "حديث ابن عمر: حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم مثل هذا، وحكي عن محمد بن إسماعيل أنه قال: قد روي هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر، عن رجل من آل سراقة، عن عبد الله بن عمر".
* والمعروف في هذا عن نافع: هو ما رواه عن عبد الله بن عمر؛ أنه لم يكن يصلي مع صلاة الفريضة في السفر شيئًا، قبلها ولا بعدها، هكذا موقوفًا، وتقدم في الطريق الثاني، هكذا رواه عنه مالك، ولا يُعرف من حديث عبيد الله عنه.
٧ - وروى طلحة بن يحيى بن طلحة [لا بأس به]: حدثني عمي عيسى بن طلحة [هو: ابن عبيد الله التيمي المدني: ثقة فاضل]، قال: كنت معه في سفر فصليت بعدما صلى هو، فلم يزد على ركعتين، فقال له رجل من قريش: يا أبا محمد! ما لي أراك تركت ابن أخيك يصلي، ولم تصل أنت إلا ركعتين، قال: إني سايرت ابن عمر بين مكة والمدينة، فلم يزد على ركعتين، فقال: لم يصلِّ قبلها ولا بعدها، وقال: أصلي كما رأيت أصحابي يصلون، وما أنا بمانع أحدًا يستزيد من خير أراده.
وفي رواية: فقلت له [يعني: ابن عمر]: ما لك لا تتطوع؟ فقال: إنما أصنع كما رأيت رسول الله -ﷺ- يصنع.
أخرجه أبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢١٢٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ٣١٤ و٣١٥).
وهذا إسناد جيد.
٨ - وروى حماد بن زيد [ثقة ثبت]، والحارث بن عبيد [أبو قدامة الإيادي: بصري، ليس بالقوي. تقدم ذكره في الحديث رقم (٥٠٠)]، وغيرهما:
حدثنا بشر بن حرب، قال: سألت ابن عمر: كيف صلاة المسافر يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: إما أنتم تتبعون سنة نبيكم -ﷺ- أخبرتكم، وإما أنتم لا تتبعون سنة نبيكم لم أخبركم، قال: قلنا: فخير السنن سنة نبينا -ﷺ- يا أبا عبد الرحمن، فقال: كان رسول الله -ﷺ- إذا خرج من هذه المدينة لم يزد على ركعتين حتى يرجع إليها. لفظ حماد بن زيد.
أخرجه ابن ماجه (١٠٦٧)، وأحمد (٢/ ٩٩ و١٢٤)، والطيالسي (٣/ ٣٨٩/ ١٩٧٥)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٢٩٠/ ١٤٠٦٣).
وهذا إسناد ضعيف، لأجل بشر بن حرب؛ فإنه ضعيف [تقدمت ترجمته في فضل الرحيم (٨/ ٢٥٥/ ٧٤١)]، وهو صالح في الشواهد، وقد تقدمت شواهده تحت الحديث رقم (١٢٠٠).
[ ١٣ / ١٤٢ ]
* ولحديث ابن عمر طرق أخرى: أن رسول الله -ﷺ- كان إذا خرج من أهله صلى ركعتين حتى يرجع إليهم، وأنه سئل عن الصلاة في السفر؟ فقال: ركعتين ركعتين، من خالف السُّنَّة كفر، تقدم تخريجها تحت الحديث رقم (١٢٠٠)، فراجعها هناك.
* قلت: قد دل حديث ابن عمر بطرقه أن النبي -ﷺ- كانت عادته أنه لا يصلي الراتبة مع الفريضة في السفر، لا قبلها ولا بعدها، وقد قدَّم ابن عمر دليلًا فقهيًّا على عدم اجتماع الراتبة مع الفريضة في السفر حيث قال: لو كنت مُسبِّحًا أتممتُ صلاتي، وهو دليل منسجم مع تخفيف الرباعية إلى ركعتين، فكيف يخفف الفرض إلى ركعتين، ثم لا تسقط النافلة الراتبة!؛ إذ لو لم تسقط لكان إتمام الفريضة أولى، ومع ذلك فإن ابن عمر لم يكن ممن يرى عدم التطوع مطلقًا في السفر؛ بدليل أنه كان لا يترك القيام من جوف الليل، كما في رواية ابنه سالم عنه، وفي رواية نافع: أنه لم يكن يصلي مع صلاة الفريضة في السفر شيئًا، قبلها ولا بعدها، إلا من جوف الليل، فإنه كان يصلي على الأرض، وعلى راحلته حيث توجهت، فهو في ذلك متبع لسّنَّة نبيه -ﷺ-، كما سيأتي بيانه في الباب الآتي في صلاة التطوع على الراحلة والوتر، ولما سئل ابن عمر عن ذلك أجازه، ففي رواية عثمان بن عبد الله بن سراقة: قلت: أصلي بالليل؟ فقال: صلِّ بالليل ما بدا لك، وفي رواية: قال: نعم، صلِّ بالليل ما شئت على راحلتك حيث توجهت بك، فظهر بمجموع الروايات عن ابن عمر أنه لم يكن ينفي التطوع مطلقًا، وإنما كان ينفي صلاة الراتبة القبلية والبعدية فقط، ومن الروايات التي تزيل الإشكال في ذلك، وتزيد الأمر وضوحًا:
ما رواه جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبي -ﷺ- يصلي في السفر على راحلته، حيث توجهت به، يومئ إيماءً، صلاةَ الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته.
أخرجه البخاري (١٠٠٠)، ويأتي تخريجه تحت الحديث رقم (١٢٢٦).
وفي رواية الليث بن سعد عن نافع به: أن رسول الله -ﷺ- كان يصلي على بعيره بالليل في السفر، أينما توجهت به [عند السراج (١٥٠٤)].
هكذا أثبت ابن عمر عن النبي -ﷺ- أن كان يتنفل على راحلته في السفر بصلاة الليل والوتر، وأن ذلك كان مختصًّا بالليل دون النهار، وأن النبي -ﷺ- لم يدَع صلاة التطوع بالكلية، وإنما ترك فعل الرواتب القبلية والبعدية، وذلك باستثناء راتبة الفجر، كما دل عليه حديث أبي قتادة في الصحيح حينما ناموا عن صلاة الفجر في السفر حتى أيقظهم حر الشمس، ففي رواية له: وصلوا الركعتين قبل الفجر، ثم صلوا الفجر [راجعه عند أبي داود برقم (٤٣٧) (٥/ ٣٠٨/ ٤٣٧ - فضل الرحيم)]، وأيضًا باستثناء صلاة الضحى، كما دل عليه حديث أم هانئ المتفق عليه [يأتي تخريجه عند أبي داود برقم (١٢٩٠ و١٢٩١)].
* وقد ترجم البخاري لحديث عامر بن ربيعة (١١٠٤) الآتي ذكره في شواهد أحاديث الباب الآتي بقوله: "باب من تطوع في السفر، في غير دبر الصلوات وقبلها،
[ ١٣ / ١٤٣ ]
وركع النبي -ﷺ- ركعتي الفجر في السفر"، ثم أسند حديث أم هانئ في صلاة النبي -ﷺ- يوم فتح مكة ثماني ركعات ضحًى، ثم علق حديث عامر بن ربيعة، بلفظ: رأى النبي -ﷺ- صلى السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت به، ثم أسند حديث سالم عن ابن عمر؛ أن رسول الله -ﷺ- كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه يومئ برأسه.
وفي تصرف البخاري هذا ما يبين كيفية الجمع بين حديث ابن عمر في أن النبي -ﷺ- لم يكن يزيد في سفره على ركعتين، وأنه لم يكن يصلي شيئًا قبلها ولا بعدها، وبين أحاديث الباب الآتي؛ بأنه -ﷺ- لم يكن يصلي الرواتب القبلية والبعدية حسب، ما عدا ركعتي الفجر، فإنه كان يصليها في السفر، وكذلك صلاة الضحى، وقيام الليل، وصلاة الوتر، والله أعلم.
وقال ابن القيم في الزاد (١/ ٤٧٥): "ويؤيد هذا أن الرباعية قد خُفِّفت إلى ركعتين تخفيفًا على المسافر، فكيف يجعل لها سنة راتبة يحافظ عليها، وقد خفف الفرض إلى ركعتين، فلولا قصد التخفيف على المسافر وإلا كان الإتمام أولى به، ولهذا قال عبد الله بن عمر: لو كنت مسبحًا لأتممت".
وكان قال قبل ذلك: "وأما ابن عمر فكان لا يتطوع قبل الفريضة ولا بعدها إلا من جوف الليل مع الوتر، وهذا هو الظاهر من هدي النبي -ﷺ-؛ أنه كان لا يصلي قبل الفريضة المقصورة ولا بعدها شيئًا، ولكن لم يكن يمنع من التطوع قبلها ولا بعدها؛ فهو كالتطوع المطلق، لا أنه سنة راتبة للصلاة كسنة صلاة الإقامة".
وقال عن أحاديث التنفل على الراحلة في السفر: "فهذا قيام الليل".
وقال ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام (١/ ٣٣٠) عن قول ابن عمر في الحديث: كان لا يزيد في السفر على ركعتين: "يحتمل أن يريد: لا يزيد في عدد ركعات الفرض، ويحتمل أن يريد: لا يزيد نفلًا، وحمله على الثاني أولى؛ لأنه وردت أحاديث عن ابن عمر يقتضي سياقها أنه أراد ذلك، ويمكن أن يراد العموم، فيدخل فيه هذا، أعني النافلة في السفر، تبعًا لا قصدًا" [وانظر: الإعلام لابن الملقن (٤/ ٩١)].
وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٤٨٩): "وأما قول ابن عمر: لو كنت مسبحًا في السفر لأتممت،. . .، فإنما أراد به راتبه المكتوبة لا النافلة المقصودة كالوتر، وذلك بيِّنٌ من سياق الحديث المذكور،. . .، ويحتمل أن تكون التفرقة بين نوافل النهار ونوافل الليل، فإن ابن عمر كان يتنفل على راحلته وعلى دابته في الليل وهو مسافر، وقد قال مع ذلك ما قال".
وانظر: الأوسط لابن المنذر (٥/ ٢٤٥)، الفتح لابن حجر (٢/ ٥٧٩)، وغيرهما.
***
[ ١٣ / ١٤٤ ]