أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد العسقلاني الأصل المصري المولد والمنشأ نزيل القاهرة.
ولد في شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة.
ومات أبوه في رجب سنة سبع وسبعين، وماتت أمه قبل ذلك وهو طفل فنشأ يتيما، ولم يدخل الكتاب حتى أكمل خمس سنين، فأكمل حفظ القرآن وله تسع سنين، ثم لم يتهيأ له أن يُصلي بالناس التراويح إلا في سنة خمس وثمانين، وقد أكمل اثنتي عشرة سنة، وكان وصيه الرئيس الشهير زكي الدين أبو بكر بن نور الدين علي الخروبي، كبير التجار بمصر، قد جاور في تلك السنة واستصحبه معه؛ إذ لم يكن له من يكفله.
وسمع في تلك السنة «صحيح البخاري» على مسند الحجاز عفيف الدين عبد الله النشاوري - خاتمة أصحاب إمام المقام رضي الدين الطبري - ولم يضبط سماعه، لكنه يتحقق أنه لم يسمع الجميع، بل له فيه إجازة شاملة لمروياته، وكان سماعه بقراءة الشيخ شمس الدين محمد بن عمر السلاوي الدمشقي، تحت سكن الخروبي في البيت الذي بباب الصفا، على يمنة الخارج إلى الصفا، ويُعرف ببيت عيناء - وهي الشريفة بنت الشريف عجلان - وبالبيت المذكور شباك يطل على المسجد الحرام، ويشاهد من يجلس فيه الكعبة والركن الأسود، فكان المستمع والقارئ يجلسان عند الشباك دون مصطبة تحت الشباك
_________________
(١) ترجم ابن حجر لنفسه في كتابه «رفع الإصر عن قضاة مصر» (ص ٦٢ - ٦٤) فنقلتها كما هي، ولم أتوسع في ترجمته ﵀ لشهرته الواسعة، وأيضًا فقد قام شيخي الفاضل الشيخ حسين عكاشة حفظه الله بجمع ترجمة واسعة له جمعها من مائة كتاب ما بين مخطوط ومطبوع في مؤلّف جيد سماه «الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن حجر»، وكذا قام بتحقيق «مجموع رسائل ابن حجر» وكلاهما تحت الطبع، وفقه الله وأمثاله ممن يقومون على خدمة السنة النبوية المشرفة.
[ ٧ ]
المذكور، وكان يجلس فيها مؤدب صاحب الترجمة ومن يدرس معه، فكان المؤدب يأمرهم عند قراءة القارئ بالإنصات إلى أن يفرغ حتى ختم الكتاب، لكن كان صاحب الترجمة ربما خرج لقضاء حاجة، ولم يكن هناك ضابط للأسماء، والاعتماد في ذلك كان على الشيخ نجم الدين المرْجَانِيّ؛ فإنه أعلمني بعد دهرٍ طويل بصورة الحال، فاعتمدت عليه وثوقا به.
وحفظ بعد ذلك كتبا من مختصرات العلوم.
ولازم أحد أوصيائه أيضًا، وهو الشيخ شمس الدين محمد بن علي بن محمد بن عيسى بن أبي بكر بن القطان المصري (^١)، فحضر دروسه.
ثم حُبّب إليه النظر في التواريخ وهو بعد في المكتب، فعلق بذهنه شيء كثير من أحوال الرواة.
وفي غضون ذلك سمع من نجم الدين ابن رزين (^٢) وصلاح الدين الزفتاوي (^٣) وزين الدين ابن الشيخة (^٤).
_________________
(١) توفي سنة ٨١٣ هـ، ترجم له الحافظ ابن حَجَر في «المجمع المؤسس» (٣/ ٣٢٩ - ٣٣١) وفي «إنباء الغمر» (٢/ ٤٧٦).
(٢) نجم الدين عبد الرحيم بن عبد الوهاب بن عبد الكريم بن رزين الحموي الأصل القاهري (ت ٧٩١ هـ). ترجم له الحافظ ابن حَجَر في «المجمع المؤسس» (٢/ ٢٣٠ - ٢٣١) وفي «الدرر الكامنة» (٢/ ٣٥٧) وفي «إنباء الغمر» (١/ ٣٨٦) وذكر أنه سمع عليه غالب «صحيح البخاري».
(٣) صلاح الدين محمد بن محمد بن علي بن عمر الزفتاوي (ت ٧٩٤ هـ). ترجم له الحافظ ابن حَجَر في «المجمع المؤسس» (٢/ ٤٦٩ - ٤٧٠) وذكر أنه سمع عليه وقرأ عليه كثيرًا من «صحيح البخاري» سنة ثلاث وتسعين بمصر، وسمع عليه قطعة من «صحيح مسلم».
(٤) زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن المبارك بن حماد البزاز المعروف بابن الشيخة (ت ٧٩٩ هـ). ترجم له الحافظ ابن حَجَر في «المجمع المؤسس» (٢/ ١٠٧ - ١٣٧)، وفي الدرر الكامنة» (٢/ ٣٢٤)، وفي «إنباء الغمر» (١/ ٥٣٥ - ٥٣٦).
[ ٨ ]
ونظر في فنون الأدب من سنة اثنتين وتسعين، فقال الشعر ونظم مدائح نبوية ومقاطيع.
ثم اجتمع بحافظ العصر زين الدين العراقي (^١)، وذلك في شهر رمضان سنة ستّ وتسعين، فلازمه عشرة أعوام (^٢).
وحبب إليه فن الحديث، فما انسلخت تلك السنة حتى خرج لشيخه مُسند القاهرة أبي إسحاق التنوخي (^٣) «المائة العُشاريات» (^٤)، فكان أول من قرأها في جمع حافل الحافظ أبو زرعة ابن الحافظ العراقي (^٥).
ثم رحل إلى الإسكندرية فسمع من مسنديها إذاك، ثم حج، ودخل اليمن؛ فسمع بمكة والمدينة وينبع وزبيد وتعز وعَدَن وغيرها من البلاد والقرى.
_________________
(١) شيخ الإسلام الحافظ الكبير زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي (٨٠٦ هـ). ترجم له الحافظ ابن حَجَر في «المجمع المؤسس» (٢/ ١٧٦ - ٢٣٠)، وفي «ذيل الدرر الكامنة» (ص ١٤٣ - ١٤٥)، وفي «إنباء الغمر» (٢٧٥/ ٢ - ٢٧٩).
(٢) قال الحافظ ابن حجر في «إنباء الغمر» (٢/ ١٧٧): لازمت شيخنا عشر سنين تخلل في أثنائها رحلاتي إلى الشام وغيرها، وقرأت عليه كثيرًا من المسانيد والأجزاء، وبحثت عليه شرحه على منظومته وغير ذلك.
(٣) المقرئ المجود المسند الكبير برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد التنوخي الدمشقي نزيل القاهرة. ترجم له الحافظ ابن حَجَر في «المجمع المؤسس» (١/ ٧٩ - ٢٠١)، و«الدرر الكامنة» (١١/ ١)، وفي «إنباء الغمر» (٣٩٨/ ٣)
(٤) المسماة: «نظم اللآلي بالمائة العوالي» قال الحافظ ابن حَجَر في «المجمع المؤسس» (٨٣/ ١) في ترجمة التنوخي: وخرجت له «المعجم» و«المائة العشارية» ففرح بها وانبسط في التحديث.
(٥) الحافظ ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين العراقي (٨٢٦ هـ). ترجم له الحافظ ابن حَجَر في «المجمع المؤسس» (٤٢/ ٢ - ٥٠)، وفي ذيل الدرر الكامنة» (ص ٢٩٦ - ٢٩٧)، وفي «إنباء الغمر» (٣١١/ ٢ - ٣١٢).
[ ٩ ]
ولقي باليمن إمام اللغة غير مُدافَع مجد الدين ابن الشيرازي (^١)، فتناول منه بعض تصنيفه المشهور المسمى «القاموس» في اللغة. ولقي جمعا من فضلاء تلك البلاد.
ثم رجع إلى القاهرة، ثم رحل إلى الشام فسمع بقطية (^٢) وغزة والرملة والقدس ودمشق والصالحية وغيرها من القرى والبلاد.
وكانت إقامته بدمشق مائة يوم، ومسموعه في تلك المدة نحو ألف جزء حديثية، منها من الكتب الكبار «المعجم الأوسط» للطبراني، و«معرفة الصحابة» لأبي عبد الله بن مَنْدَه، وأكثر «مسند أبي يَعْلَى» وغير ذلك، ثم رجع وأكمل كتابه «تعليق التعليق» في حياة كبار مشايخه، فكتبوا عليه.
ولازم الشيخ سراج الدين البلقيني (^٣) إلى أن أذن له، وأذن له بعد إذنه: شيخه الحافظ زين الدين العراقي.
ثم أخذ في التصنيف، وأملى «الأربعين المتباينة» بالشيخونية من سنة ثمان وثمانمائة، ثم أملى من «عشاريات الصحابة» نحو مائة مجلس في عدة سنين.
ثم ولي درس الحديث بالمدرسة الجمالية الجديدة فأملى فيها، ثم قطعه لما تركها في سنة أربع عشرة وثمانمائة، وتشاغل بالتصنيف.
ثم ولي مشيخة البيبرسية، ثم تدريس الشافعية بالمدرسة المؤيدية الجديدة.
_________________
(١) هو الإمام مجد الدين محمد بن يعقوب بن محمد الشيرازي الفيروز آبادي اللغوي صاحب «القاموس المحيط» (ت ٨١٧ هـ). ترجم له الحافظ ابن حَجَر في «المجمع المؤسس» (٢/ ٥٤٧ - ٥٥٣)، وفي «إنباء الغمر» (٣/ ٤٧ - ٥٠).
(٢) قطية: قرية في طريق مصر في وسط الرمل. «معجم البلدان» (٤/ ٤٢٩).
(٣) شيخ الإسلام علم الأعلام مفتي الأنام سراج الدين أبو حفص عمر بن رسلان بن نصير البلقيني (٨٠٥ هـ). ترجم له الحافظ ابن حَجَر في «المجمع المؤسس» (٢/ ٢٩٤ - ٣١١)، وفي «ذيل الدرر الكامنة» (ص ١٣٢ - ١٣٤)، وفي «إنباء الغمر» (٢/ ٢٤٥ - ٢٤٧).
[ ١٠ ]
ثم ولي القضاء في السابع والعشرين من المحرم سنة سبع وعشرين وثمانمائة، ثم عقد مجلس الإملاء في أوائل صفر منها إلى الآن.
[ ١١ ]