الحمد لله الذي أنزل الكتاب على رسوله -ﷺ-، وجعل سنته -ﷺ- مبينة له، فقال عز من قائل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١.
وأمرنا سبحانه باتباع سنته -ﷺ- وامتثال أمره ونهيه فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٢.
وأخبر أنه -ﷺ- باقٍ فينا بسنته وهديه ما لهج المسلمون بحديثه فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ٣.
وأخبر سبحانه أن الهداية في طاعته فقال حاثًّا على طاعة أمره واتباع سنته: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ٤.
وبين سبحانه أنه اتباع سنته -ﷺ- هي السبيل الأوحد لمحبة الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٥ ثم أمر سبحانه بطاعة رسوله -ﷺ- مع طاعته تعالى، وبين أن من تولى عن طاعته وطاعة رسوله فهو من الكافرين فقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ٦.
وجعل سبحانه طاعة رسوله -ﷺ- طاعة مستقلة بنفسها، ولم يجعل لأحد من أولي الأمر طاعة مستقلة، بل جعل طاعتهم تبعًا لطاعة الرسول -ﷺ-، فإن أمروا بأمره وسنته أطيعوا، وإلا فلا طاعة لهم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ
_________________
(١) ١ النحل: ٤٤. ٢ الحشر: ٧. ٣ الحجرات: ٧. ٤ النور: ٥٤. ٥ آل عمران: ٣١. ٦ آل عمران: ٣٢.
[ ١ / ٣ ]
مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١.
فانظر كيف كرر الأمر بالطاعة في حق الرسول -ﷺ- ولم يكرره مع أولي الأمر، ثم انظر كيف جعل مرد النزاع إلى الله ورسوله -ﷺ- على السواء؛ وذلك لأنه لا تعارض بين كتاب الله تعالى وسنة رسوله -ﷺ- إذ كانت مبينة لكتاب الله تعالى، ومفصلة له.
ولم لا، وقد أوتي -ﷺ- القرآن ومثليه معه من السنة الشريفة كما صح عنه -ﷺ-، وقد تكاثرت الآيات والأحاديث في وجوب اتباع حديث النبي -ﷺ- والعمل به ما دام قد اتصل إسناده إلينا بنقل العدول الضابطين من المسلمين عن النبي الأمين -ﷺ-.
ولكني أحببت أن أصدر هذا الكتاب الخادم لسنة النبي -ﷺ-، الذاب عنها ما انتحله المنتحلون، وكذب فيه الكاذبون والوضاعون -أحببت أن أصدره بتلك الآيات الآمرة باتباع حديث النبي -ﷺ- ولزوم سنته؛ نظرًا لتواكب زمن تحقيقي لهذا الكتاب مع اطلاعي على بعض ما يوجهه المغرضون من أعداء هذا الدين من طعون وسهام إلى سنة النبي -ﷺ- وصد عنها.
ولا غرابة في أن يصدر هذا من أعداء الإسلام الذين لا ينتسبون إليه، ولكن ما فَتَّ في كبدي هو صدور تلك السهام وذلك الصد من أناس ينتسبون في الظاهر إلى هذا الدين، ويتمسحون في كتابه وينتسبون إليه فيزعمون أنهم قرآنيون، لا يتبعون غير كتاب الله تعالى، مستغنين به عن سنة رسوله -ﷺ-؛ لأنهم قد استعصى عليهم تمييز صحيحها من سقيمها بزعمهم.
ولعمر الله، إنهم لكذابون أفاكون!
فما هم بقرآنيين ولا يعرفون القرآن ولا يقرءونه، ولو قرءوه وعرفوه وطالعوا تلك الآيات التي صدرت بها هذه المقدمة، لعرفوا أن القرآن يأمرهم بوجوب اتباع حديث النبي -ﷺ- ولزوم سنته، وأنهم لا يفقهون القرآن ولا يعرفون تفصيل مجمله، ولا بيان مشكله، ولا إيضاح خفيه إلا من السنة المطهرة التي حفظها الله تعالى بجهود هؤلاء الأئمة الذين بذلوا حياتهم للذب عن سنة النبي -ﷺ- ونفي الدخيل عنها، وبيان ما يصح نسبته إليه -ﷺ- مما كذبه عليه الكذابون الأفاكون.
_________________
(١) ١ النساء: ٥٩.
[ ١ / ٤ ]
وهذا الكتاب الذي بين أيدينا هو واحد من هذه الكتب التي تصدت لهذه المهمة العظيمة، وهي الذب عن سنة النبي -ﷺ- وتطهيرها من الدخيل عليها.
وقد بذل فيه مؤلفه جهدًا عظيمًا في بيان حال ما اشتهر على ألسنة الناس مما ينسب إلى النبي -ﷺ-، فكثير من هذه الأحاديث قد لا تصح نسبته إلى النبي -ﷺ- لكونه من وضع الوضاعين أو كذب الكذابين، ولكن الله تعالى يقيض لهؤلاء الكذابين من يكشف باطلهم وينبه عليه، حتى تظل سنة النبي -ﷺ- محفوظة مطهرة بغير تبديل ولا تحريف؛ وذلك لأنه بضياع سنة النبي -ﷺ- يضيع فهم القرآن، فكان من تمام حفظ الله تعالى لكتابه أن حفظ سنة نبيه -ﷺ- التي جعلها الله تعالى مبينة لكتابه، ومفصلة له، وصدق الله تعالى حيث قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.
وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢ فسنة رسول الله -ﷺ- هي المبينة لكتاب الله تعالى، وإذا كان الله تعالى قد تكفل بحفظ كتابه، فمن تمام حفظه حفظ سنته التي هي مبينة لكتابه.
وقد كان هذا الحفظ بتسخير هؤلاء الأئمة الأعلام الذين عنوا بحفظ حديث النبي -ﷺ- وجمع طرقه ورواياته ومعرفة أسانيده وحفظها وتلقيه ممن سمعوه عن الثقات عن النبي -ﷺ-.
وهذا الكتاب الذي بين أيدينا سِفْرٌ جامع، جمع بين طرفيه قرابة ثلاثة آلاف ومائتي حديث، بَيَّن فيه مؤلفه ما يصح منها إلى النبي -ﷺ- وما لا يصح نسبته إليه، وقد جمع تلك الأحاديث من الكتب التي سبقته في هذا الباب، وقد اعتمد بالأخص على أوثق ما كُتب في هذا الباب وهو كتاب "المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة" للحافظ السخاوي.
وقد ذكر ذلك المصنف في مقدمته، وذكر مصادره الأخرى التي اعتمد عليها في تصنيف كتابه.
_________________
(١) ١ سورة الحجر: الآية: ٩. ٢ سورة النحل: الآية: ٤٤.
[ ١ / ٥ ]