هو محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم، أبو عبد الله بن البيع الضّبّي، الطّهماني، النيسابوري، الشافعي.
ولد يوم الاثنين ثالث شهر ربيع سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة بنيسابور.
وطلب العلم في صغره بعناية والده وخاله، وأوّل سماعه كان في سنة ثلاثين وثلاثمائة، واستملى على ابن حبان في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وهو ابن ثلاث عشرة سنة.
ورحل في طلب العلم وهو ابن عشرين سنة، وسمع من نحو ألفي شيخ، وعدد من روى عنهم في المستدرك فقط واحد وتسعون وأربعمائة شيخ (١). ومن أبرز شيوخه: أبو بكر الصبغي، وابن حبان، والدارقطني، وأبو أحمد الحاكم، وأبو علي الحسين بن علي الحافظ النيسابوري، ومحمد بن يعقوب الأصم، وابن الأخرم محمد بن يعقوب الشيباني، وغيرهم.
وحدث عنه الدارقطني وهو من شيوخه، وأبو الفتح ابن أبي الفوارس، وأبو ذر الهروي، وأبو يعلى الخليلي صاحب الإِرشاد، وأبو بكر البيهقي، وأبو القاسم القشيري، وغيرهم.
وقد شرع الحاكم في التأليف سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وله من العمر
_________________
(١) كما في فهرسة الشيخ الميرة لشيوخ الحاكم (ص ٩٤ - ١٠٣) من رسالته آنفة الذكر.
[ ١ / ١٧ ]
نحو من ست عشرة سنة، فكثُرت مصنفاته حتى بلغت قريبًا من ألف جزء، منها:
١ - المستدرك على الصحيحين.
٢ - تاريخ نيسابور.
٣ - معرفة علوم الحديث.
٤ - المدخل إلى الصحيح.
وغيرها من الكتب.
وكان الحاكم -﵀- من أجلّة العلماء، وحفّاظ الحديث، أثنى عليه جمع من العلماء. قال الخليل بن عبد الله الحافظ -بعد أن ذكر الحاكم-: ناظر الدارقطني، فرضيه، وهو ثقة واسع العلم، قال: ثم كنت أسأله، فقال لي: إذا ذاكرت في باب لابد من المطالعة لكبر سنّي، فرأيته في كل ما ألقي إليه بحرًا (١).
وقال عبد الغافر بن إسماعيل: أبو عبد الله الحاكم هو إمام أهل الحديث في عصره، العارف به حق معرفته ، ولقد سمعت مشايخنا يذكرون أيامه، ويحكون أن مقدمي عصره مثل الصعلوكي، والِإمام ابن فورك، وسائر الأئمة يقدمونه على أنفسهم، ويراعون حق فضله، ويعرفون له الحرمة الأكيدة، ثم أطنب في تعظيمه، وقال: هذه جمل يسيرة، وهو غيض من فيض سيره وأحواله، ومن تأمل كلامه في تصانيفه، وتصرفه في أماليه، ونظره في طرق الحديث، أذعن بفضله، واعترف له بالمزيّة على من تقدمه، وإتعابه من بعده، وتعجيزه اللاحقين عن بلوغ شأوه، عاش حميدًا، ولم يخلف في وقته مثله (٢).
_________________
(١) تذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٤٠ - ١٠٤١).
(٢) المرجع السابق (ص ١٠٤٣ - ١٠٤٤).
[ ١ / ١٨ ]
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: سألت الدارقطني: أيهما أفضل، ابن مندة، أو ابن البيع؟ فقال: ابن البيع أتقن حفظًا (١).
وقال الخطيب البغدادي: كان من أهل الفضل والعلم، والمعرفة والحفظ، وله في علوم الحديث مصنفات عدة، وكان ثقة (٢).
وقال الذهبي: الإِمام الحافظ الناقد العلاّمة، شيخ المحدّثين، صاحب التصانيف (٣).
قلت: وقد اتهم الحاكم بالرفض والغلو في التشيع، وليس الأمر كذلك؛ وإنما فيه تشيع قليل لا يصل به إلى درجة الغلو والرفض، وقد أطال ابن السبكي الكلام في رد هذه التهمة عن الحاكم، وفي الآخر قال: "أوقع الله في نفسي أن الرجل كان عنده ميل إلى علي -﵁-، يزيد على الميل الذي يطلب شرعًا، ولا أقول أنه ينتهي به إلى أن يضع من أبي بكر وعمر وعثمان -﵃-، ولا أنه يفضل عليًا على الشيخين، بل أستبعد أن يفضله على عثمان -﵄-" (٤).
وردّ الذهبي على من وصف الحاكم بالرفض بقوله: "ليس رافضيًا، بل يتشيّع"، وقال أيضًا في وصف الحاكم: "صنّف، وخرّج، وجرّح وعدّل، وصحّح وعلّل، وكان من بحور العلم، على تشيع قليل فيه" (٥).
توفي الحاكم -﵀- في صفر سنة خمس وأربعمائة، وذلك أنه دخل الحمام، فاغتسل، وخرج، وقال: آه، وقبضت روحه وهو متّزر، لم يلبس
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٧١).
(٢) تاريخ بغداد (٥/ ٤٧٣).
(٣) سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٦٢ - ١٦٣).
(٤) طبقات الشافعية (٤/ ١٦٧).
(٥) سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٧٤).
[ ١ / ١٩ ]
قميصه بعد، ودفن بعد العصر، يوم الأربعاء، وصلى عليه القاضي أبو بكر
الحيري (١).