تقدم أن الحاكم ألّف كتابه المستدرك بناءً على سؤال جماعة من أعيان أهل العلم أن يجمع لهم كتابًا يشتمل على أحاديث مروية بأسانيد يحتج البخاري ومسلم بمثلها؛ ردًّا على من ظهر في عصره من المبتدعة الذين يشمّتون برواة الآثار، ويزعمون أن ما صح من الأحاديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث، وهي التي حواها الصحيحان.
وقد رتب الحاكم كتابه هذا على أبواب الدين، فهو من الجوامع، وأورد فيه أحاديث رأى أنها صحيحة على شرط الشيخين، أو أحدهما، أو صحيحة فقط، لا على شرط أحد منهما، ولم يخرجها أحد من الشيخين في صحيحهما، وقد يورد الحديث ويذكر بعض علله، ثم يتبعه بشواهد يصحح الحديث بمجموعها (٢)، وقد يورده لاستغرابه له، وينص على أن أحد رواته ليس من شرط كتابه (٣).
_________________
(١) الموضع السابق (ص ١٧٣)، وانظر ترجمة الحاكم في: تاريخ بغداد (٥/ ٤٧٣ - ٤٧٤)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٣٩ - ١٠٤٥)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ١٦٢ - ١٧٧)، وطبقات الشافعية لابن السبكي (٤/ ١٥٥ - ١٧١).
(٢) أخرج الحاكم في المستدرك (١/ ٥٣٨) حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا: "من دخل السوق، فقال: لا إله إلا الله " الحديث، وذكر الاختلاف على عمر بن محمد، ثم أتبعه ببعض التابعات، وقال: "وفي الباب عن جابر، وأبي هريرة، وبريدة الأسلمي، وأنس -﵃ أجمعين-، وأقربها بشرائط هذا الكتاب حديث بريدة بغير هذا اللفظ".
(٣) كما في المستدرك (٣/ ٢٦٢) حين قال: "ومسانيد عتبة بن غزوان عن رسول الله -ﷺ- عزيزة، وقد كتبنا من ذلك حديثًا استغربناه جدًا، أنا ذاكره، وإن لم يكن الغلاّبي من شرط هذا الكتاب، ثم ذكره، وهو الحديث الآتي برقم (٦٧١)، وهو حديث موضوع بذاك الِإسناد.
[ ١ / ٢٠ ]
وقد اختلف العلماء في مقصود الحاكم بشرط الشيخين أو أحدهما، وقد تبنّى الذهبي الرأي القائل: إن شرط الشيخين أو أحدهما: كون سلسلة رجال الإِسناد من الصحابي إلى طبقة شيوخ الشيخين هم ممن أخرج لهم في الصحيحين، أو أحدهما على حسب تصحيح الحاكم للحديث.
ومما لا شك فيه أن الحاكم توسع في الشرط، وتساهل في حكمه على أحاديث بالصحة مع أن في أسانيدها من رماه هو بالكذب (١).
وبناء على هذا التساهل نيل من الحاكم، ومن كتابه، فقال أبو سعد الماليني: "طالعت كتاب المستدرك على الشيخين الذي صنفه الحاكم من أوله إلى آخره، فلم أر فيه حديثًا على شرطهما"، فتعقبه الذهبي بقوله: "هذه مكابرة وغلوّ، وليست رتبة أبي سعد أن يحكم بهذا، بل في المستدرك شيء كثير على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب، بل أقل، فإن في كثير من ذلك أحاديث، في الظاهر على شرط أحدهما، أو كليهما، وفي الباطن لها علل خفيّة مؤثّرة، وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيّد، وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب، وفي غضون ذلك أحاديث نحو المائة يشهد القلب ببطلانها" (٢).
وقال الذهبي في موضع آخر: "ليته لم يصنف المستدرك، فإنه غضّ من فضائله بسوء تصرّفه" (٣).
قلت: وقد اعتذر بعضهم عن الحاكم بعدة أعذار، منها كبر سنه عند تأليف الكتاب، ومنها قول الحافظ ابن حجر (٤): "إنما وقع للحاكم التساهل
_________________
(١) انظر الحديث رقم (٦٤٨) حيث صححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: "سهل قال الحاكم في تاريخه: كذاب، وهنا يصحح له ".
(٢) سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٧٥).
(٣) تذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٤٥).
(٤) تدريب الراوي (١/ ١٠٦ - ١٠٧).
[ ١ / ٢١ ]
لأنه سوّد الكتاب لينقّحه، فأعجلته المنية، قال: وقد وجدت في قريب نصف الجزء الثاني من تجزئة ستة من المستدرك: إلى هنا انتهى إملاء الحاكم، ثم قال: وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ عنه إلا بطريق الِإجازة، فمن أكبر أصحابه، وأكثر الناس له ملازمة: البيهقي، وهو إذا ساق عنه في غير المملى شيئًا لا يذكره إلا بالِإجازة، قال: والتساهل في القدر المملى قليل جدًا بالنسبة إلى ما بعده". اهـ (١).
قلت: وقد جمع الذهبي الأحاديث الموضوعة في المستدرك في جزء اسمه: "المستدرك على المستدرك"، وهي تقارب مائة حديث (٢).
_________________
(١) وانظر الحاكم وكتابه المستدرك للشيخ محمود الميرة (ص ١١٥) فما بعد.
(٢) انظر كشف الظنون لحاجي خليفة (٢/ عمود ١٦٧٢)، و"الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الِإسلام" لبشار عواد معروف (ص ١٤٣).
[ ١ / ٢٢ ]