مزاح النبي - ﷺ - ودعاباته وحُسن خُلُقه
اعلم- رحمك الله وسدَّدك- أن النبي - ﷺ - بلغ الغاية التي لم يبلغها بشر سواه في جميل الأخلاق، وحُسن العشرة، فقد امتدحه الله - ﷿ - في كتابه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
فكان لذلك أحسن الناس أخلاقًا، وأزكاهم نفسًا، وألينهم عَرِيكة، وأكرمهم عشرة، وكان هيِّنًا ليِّنًا سهلًا قريبًا، دائم البِشْر، منبسط الوجه، ضحوك السِّنِّ على أكثر أحواله، كثير التبسُّم لأصحابه، ما حدَّثهم حديثًا إلا وهو يبتسم.
وقال جابر بن عبد الله - ﵄ -: «كان رسول الله - ﷺ - إذا نزل الوحي قلت نذير قوم، فإذا سُرِّيَ عنه فأكثر الناس ضحكًا، وأحسنهم خلقًا».
وفي رواية أخرى بلفظ: «كان رسول الله - ﷺ - إذا أتاه الوحي أو وَعَظ قلت: نذير قوم أتاهم العذاب، فإذا ذهب عنه ذلك رأيت
[ ٤٩ ]
أطلق الناس وجهًا، وأكثرهم ضحكًا، وأحسنهم بِشْرًا».
ووصفه أحد أصحابه فقال: «ما رأيت أحدًا أكثر مزاحًا منه».
وقال عبد الله بن عباس - ﵄ -: «كانت فيه - ﷺ - دعابة».
وقال عبد الله بن الحارث بن جزء - ﵁ -: «ما رأيت أحدًا كان أكثر تبسُّمًا من رسول الله - ﷺ -».
وفي الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله البجلي - ﵁ - قال: «ما حَجَبَني رسول الله - ﷺ - منذ أسلمت، ولا رآني إلا ضحك».
وكانت له - ﷺ - مهابة في صدور الناس فكان يباسطهم
[ ٥٠ ]
بالدعابة، وطلاقة الوجه والبشاشة، فلا يحسب جليسُهُ أن أحدًا أكرم عليه منه؛ يخالط أصحابه ويجالسهم ويمازحهم ويضحك مما يضحكون وربما تبسم - ﷺ -.
فعن جابر بن سمرة - ﵁ - قال: «جالست النبي - ﷺ - أكثر من مائة مرة فكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت فربما تبسَّم».
وفي رواية: «فيتبسم معهم إذا ضحكوا».
وعن أبي مالك الأشجعي - ﵁ - قال: «كنَّا نجالس النبي - ﷺ - فما رأيت أطول صمتًا منه، وكانوا إذا أكثروا عليه تبسم».
وعن خارجة بن زيد بن ثابت قال: دخل نفر على زيد بن ثابت - ﵁ -، فقالوا: حدِّثنا ببعض حديث رسول الله - ﷺ -، فقال: «وما أحدثكم؟ كنت جاره فكان إذا نزل الوحي أرسل إليَّ فكتبت الوحي، وكان إذا ذكرنا الآخرة ذَكَرها معنا، وإذا ذكرنا الدنيا ذَكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذَكَرهُ مَعَنا، فكل هذا أحدثكم
[ ٥١ ]
عنه».
وكان - ﷺ - يُقَبِّلُ صبيان أصحابه، ويمازحهم، ويداعبهم، وَيُجْلِسُهُم في حِجْرِهِ، فربما بال أحدهم في حجره، فلا يُزْرِمُهُ ولا يتضجر منه.
فعن عمر بن أبي سلمة - ﵁ - قال: «كنت غلامًا في حجر رسول الله - ﷺ - » الحديث.
وبال ابن أم قيس - ﵄ - في حِجْره فلم ينهره ولم يَرْمِهِ طُولَه.
وبالجملة، فإنه - ﷺ - لم يخُصَّ مزاحه بأحد دون أحد، وما ابتسم في وجه بعض أصحابه وقَطَّبَ في وجه آخرين، بل مازح الصغير والكبير، والرجل والمرأة، والحر والعبد، والمحسن والمسيء، كما تبسم في وجه الأعرابي الذي جَذَبَهُ بردائه جذبةً شديدةً «وكان رداؤه بردةً نجرانيةً غليظة الحاشيةِ» فأَثَّرَت في صَفْحَة عاتقه - ﷺ - ثم قال الأعرابي: «يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك» فلم يَزِد رسول الله - ﷺ - على أن التفت إليه وضحك في وجهه
[ ٥٢ ]
وأمر له بعطاء.
-فبربك - هل علمت أحدًا من العالمين يقابل الإساءة بمثل هذا الإحسان غير رسول الله - ﷺ -؟
فَرَفْعُ الصوتِ، وجَذْبُ الرداءِ، وتَأثيره في عنقه - ﷺ -، ومناداتُهُ باسمه المجرَّد، والفَظَاظَةُ في الرِّفادة وطلب المال، كل هذا يكون ردُّه بضحك في وجهه، والتفاتة بوجه طَلق، وخفض في الصوت، بل ويأمر فوق ذلك بأن يعطى من المال ما أراد، فأي خُلُق أحسن من حُسْن الخُلُق هذا.
قال الله - ﷿ -: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقال عزَّ من قائل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
تنبيه:
نقل بعض الصحابة عن النبي - ﷺ - أنه ما كان يضحك إلا تبسمًا حتى لا تُرَى لهواته.
كما في حديث عائشة - ﵂ - قالت: «ما رأيت رسول الله - ﷺ - مُسْتَجْمِعًا قَطُّ ضاحكًا حتى أرى منه لهواته، إنما كان
[ ٥٣ ]
يتبسم».
ومثله حديث حصين بن يزيد الكلبي - ﵁ - قال: «ما رأيت النبي - ﷺ - ضاحكًا، ما كان إلا التبسم» حتى قال الإمام ابن الجوزي - ﵀ -: «ولا يصح عن الرسول - ﷺ - أنه كان يزيد على التبسم».
يَرِدُ عليه:
ما صح من الأحاديث أن النبي - ﷺ - ضحك حتى بدت نواجذه مَروِيَّاتٍ عن عدد من أصحابه منهم «أبو هريرة، وصهيب، وأنس - ﵃ -».
وكضحكه في حديث الرجل الذي جامع امرأته في نهار رمضان، وحديث جابر - ﵁ -: «كان أكثر الناس ضَحِكًا».
وحديث جرير - ﵁ -، المُتَقَدِّمِين، وحديث الأعرابي الذي قال للنبي - ﷺ -: «والله لا تجده إلا رجلًا قرشيًّا أو أنصاريًّا» فضحك له النبي - ﷺ -. وهو في «صحيح البخاري».
[ ٥٤ ]
وحديث عمرة بنت عبد الرحمن قالت: قلت لعائشة - ﵂ -: كيف كان رسول الله - ﷺ - إذا خلا؟ قالت: «كان أبرَّ الناس، وأكرم الناس، ضحَّاكًا، بسَّامًا».
في أحاديث كثيرة يطول سردها، وقد تقدم بعضها.
والنواجذ» هي الأضراس، ولا تكاد تظهر إلا عند المبالغة في الضحك، وعليه، فظاهر هذه الأحاديث معارض لظاهر الأحاديث المتقدمة في أن النبي - ﷺ - ما كان يزيد على أن يتبسم.
وحتى يُدْرَأ هذا التعارض فإني أقول:
اعلم- رحمك الله وسدَّدك- أنه لا منافاة بين كونه ضحك حتى بدت أضراسه، وبين حديث عائشة - ﵂ - المتقدم؛ لأنه يمكن التوفيق بينهما من ثلاثة أوجه- والحمد لله- وهي:
أولًا: أن الأحاديث التي فيها إخبارٌ بأن النبي - ﷺ - ضحك حتى بدت نواجذه مُثْبِتَة للفعل، وحديث عائشة نافٍ له، والمقرر عند أهل العلم بالحديث والأصول أن المُثْبت مُقَدَّم على النافي.
ثانيًا: أن عائشة - ﵂ - إنما نفت الاستجماع للضحك وهو التَّأهُّب له، وفرق بين الضحك، والاستجماع للضحك.
قال الحافظ: «مستجمعًا ضحكًا» أي: مبالغًا في الضحك لم يترك منه شيئًا، يُقال: استجمع السَّيْلُ: اجتمع من كل موضع ..».
[ ٥٥ ]
وقال: «أي: ما رأيته مستجمعًا من جهة الضحك بحيث يضحَكُ ضحكًا تامًّا مقبلًا بكُلِّيَّته على الضحك». اهـ.
واللَّهَوات: جمع لهاة: وهي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى الفم، وهي لا تُرَى إلا في أسوأ الضحك، ولذلك جعلتها عائشة - ﵂ - مقياسًا لضحك النبي - ﷺ -، فلا تُرَى إن ضحك، وترى أضراسه ونواجذه، وفرقٌ بين الأضراس واللهوات.
ثالثًا: أن عدم رؤية الحصين بن يزيد وغيره من الصحابة لضحك النبي - ﷺ -، لا يعني عدم رؤية غيرهم من الصحابة لضحكه - ﷺ -.
فَهُمْ إنما نفوا رؤية الضحك، ولم يَنْفوا الضحك مطلقًا.
فدلَّ على أن كل واحد من الصحابة حدَّث بما رأى، وكلهم عدول، تُقْبل رواياتهم، ولا يُرَدُّ منها شيء لعدم تعارضها- والحمد لله-.
ومما تقدم يعلم مدى تصويب قول الإمام ابن الجوزي - ﵀ - المتقدم.
وقول بعضهم أن «ضحكه لا يتجاوز التبسم كما هو متواتر، فكثرة ضحكه كناية عن كثرة تبسمه، وهو بالتالي كناية عن كثرة بشاشته».
[ ٥٦ ]
وعليه: فلعل أقرب الأقوال وأعدلها بعد النظر في مجموع الأحاديث وسَبْر أقوال أهل العلم في فقهها أن يقال: أن النبي - ﷺ - كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسم، ولا يعني ذلك عدم الضحك، بل ربما ضحك من غير استجماع له. والله أعلم.
ومع هذا فما كان مزاح النبي - ﷺ - إلا نُدْرَة وبحقٍ، كما في حديث أبي هريرة - ﵁ -: «لا تكثروا من الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب».
ومثله حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا، قال: «إني لا أقول إلا حقا».
فالحديثان دالان على أن مزح النبي - ﷺ - وضحكه ما كانا إلا بحق على قِلَّتِهِمَا، وما أشد هذين الشرطين، ومن أجل ذلك قال الإمام الغزالي - ﵀ -:
«إلا أنَّ مثله (أي: رسول الله - ﷺ -)، يقدر على أن يمزح ولا يقول إلا حقًّا، وأما غيره إذا فُتِحَ باب المزاح، كان غرضه أن يُضْحِكَ الناس كيفما كان».
[ ٥٧ ]
لذا فإني ذاكرٌ لك فصولًا فيها أمثلة من مزاحه - ﷺ - مع أهل بيته وأصحابه وصبيانهم، مُلْتَمِسًا ما صَحَّ منها، وفي كلها ما كان يقول رسول الله - ﷺ - إلا حقًّا.
[ ٥٨ ]
فصل