اعلم رحمك الله أن الحديث «على فرض ثبوته» غير صريح في تحريم المزاح مطلقًا، لما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه كان يمازح أصحابه في غير ما حديث، وكانوا يتمازحون بحضرته فلم ينكر عليهم. وبذلك صَحَّت الأحاديث.
وفي هذا يقول القاضي عياض: «ورُويت عن أحاديث مشهورة في ممازحته بلالًا وأبا عمير وخَوَّاتًا وزاهرًا وأنسًا وعائشة، وقال للعجُوز: «إن الجنة لا يدخلها العجوز»، وقال لامرأة سألته عن زوجها: «أهو الذي بعينه بياض؟»، وقال لآخر: «لأحملنَّك على ابن الناقة»، وقال لجابر: «فهلَّا بِكْرًا تُداعبها وتُداعبك»، وروي «تُلاعبها وتُلاعبك» في أخبار معروفة، كلها دالَّة على تواضعه
[ ٣٠ ]
وانبساطه للناس وتحببه».
وستمر بك- إن شاء الله- أحاديث في هذا الباب.
وقال الحافظ ابن حجر: «وقد أخرج الترمذي وحسَّنه من حديث أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا، قال: «إني لا أقول إلا حقًّا»، وأخرج من حديث ابن عباس - ﵄ - رفعه: «لا تمار أخاك ولا تمازحه ..). الحديث، والجمع بينهما: (أي مع حديث «إنا حاملوك على ولد الناقة») أن المنهي عنه ما فيه إفراط ومداومة عليه، لما فيه من الشغل عن ذكر الله والتفكُّر في مهمات الدين ويؤدي إلى قسوة القلب والإيذاء والحقد وسقوط المهابة والوقار، والذي يسلم من ذلك هو المباح فإن صادف مصلحة مثل: تطييب نفس المخاطب ومؤانسته فهو المستحب».
وعلى هذا فالحديث إن صح فهو محمول على ما لو كان في ذلك تعدٍّ أو إساءة أدب أو إيذاء من ضرب أو ترويع أو أخذ حاجة.
وعليه، يكون الحديث من جِنْس قوله - ﷺ -: لا يَأْخُذَنَّ أحدكم متاع أخيه لَعِبًا ولا جِدًّا».
[ ٣١ ]
وقوله - ﷺ -: «لا يحل لمسلم أن يروِّع مسلمًا». والحديثان صحيحان.
وبما تقدَّم يتبين لك بطلان الاحتجاج بالحديث على النهي عن المزاح مطلقًا. والله الموفق.